بوعيدة: إصرار الجزائر على الرجوع إلى المربع الأول لنزاع الصحراء يعرقل مهمة الوسيط الدولي

الوزيرة في الخارجية المغربية قالت في حوار مع {الشرق الأوسط} إن كيري لم يحمل إلى الرباط رسائل من القيادة الجزائرية

بوعيدة: إصرار الجزائر على الرجوع إلى المربع الأول لنزاع الصحراء يعرقل مهمة الوسيط الدولي
TT

بوعيدة: إصرار الجزائر على الرجوع إلى المربع الأول لنزاع الصحراء يعرقل مهمة الوسيط الدولي

بوعيدة: إصرار الجزائر على الرجوع إلى المربع الأول لنزاع الصحراء يعرقل مهمة الوسيط الدولي

قالت مباركة بوعيدة، الوزيرة في الخارجية المغربية، إن إصرار الجزائر على الرجوع إلى المربع الأول لنزاع الصحراء يصعب مهمة الوسيط الدولي كريستوفر روس ويعرقلها.
وتأسفت بوعيدة لتشبث الطرف الآخر (الجزائر وجبهة البوليساريو) بالعودة إلى نقطة الصفر أو المربع الأول، وهو ما يصعب على روس الوصول إلى نتائج مرضية، مشيرة إلى أن المغرب كان دائما سباقا إلى اقتراح حلول للخروج من هذه الأزمة؛ سواء كان ذلك مع الأطراف الأخرى أو مع البعثات الأممية. وتمنت بوعيدة، في حوار أجرته معها «الشرق الأوسط» أخيرا في لندن، أن يعترف أعضاء مجلس الأمن نهاية الشهر الحالي بالمجهودات النوعية التي يقوم بها المغرب في هذا النطاق، لأنه لا يعقل إعادة السيناريو نفسه كل سنة والحفاظ على هذا الجو من التوتر، وتمنت أيضا أن يتمتع أعضاء مجلس الأمن بجرأة سياسية كافية للاعتراف بمسؤولية الطرف الآخر، وتثمين جهود المغرب في هذا المجال. وقالت «نحس بنوع من الاختلال في العلاقات، ووجود خلل في التوازن، ونقص في التشجيع اللازم لجهود المغرب».
وأشارت بوعيدة إلى أن الدورة الثانية للحوار الاستراتيجي المغربي - الأميركي، التي ترأسها وزيرا خارجية البلدين، جون كيري وصلاح الدين مزوار، شكلت أيضا «فرصة للتطرق إلى العلاقات بين المغرب والجزائر، ودراسة سبل فتح قنوات الاتصال مع الإخوة الجزائريين، والتخفيف من أجواء التوتر عن طريق محاولة تفسير الموقف المغربي للجزائريين، وحثهم على مراجعة موقفهم. فللجزائر دور مباشر في القضية الوطنية (نزاع الصحراء) خاصة على المستوى الدولي، بيد أنها ترفض التدخل في المفاوضات المباشرة. لذا يجب على الجزائر أن تتحلى بنوع من الجرأة السياسية، وتتعامل مباشرة مع المغرب».
وذكرت الوزيرة المغربية أنه جرت خلال الحوار استراتيجي مناقشة إمكانية تحقيق تعاون أمني بين المغرب وأميركا، خاصة لتأمين منطقة الساحل ودول المغرب العربي وليبيا على وجه الخصوص. وأضافت «تطرقنا في هذا الإطار إلى عدد من مقترحات التعاون الأمني بين البلدين، بما فيها مقترح التعاون في مجال التدريب الأمني، والتعاون في مجال محاربة التطرف، وتعزيز دور المغرب في المنتدى العالمي ضد الإرهاب». وفي ما يلي نص الحوار..
* انعقدت أخيرا في الرباط الدورة الثانية من الحوار الاستراتيجي المغربي–الأميركي.. ما هي أهم نتائج هذه الدورة، وهل أنتم مرتاحون لها؟
- المغرب هو البلد الوحيد تقريبا في المنطقة الذي يتمتع بحوار استراتيجي من هذا النوع مع الولايات المتحدة. فهو حوار له أولوية خاصة بحكم العلاقات الثنائية القائمة بين المغرب وأميركا، ونظرا للمستوى العالي التنفيذي لهذا الحوار.
وكان من المرتقب أن تنعقد الدورة الثانية من الحوار في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أي قبل الزيارة الملكية لواشنطن نهاية الشهر ذاته، لكن نظرا لمستجدات الساحة السياسية العالمية لم يتمكن جون كيري وزير الخارجية الأميركي من التنقل إلى الرباط.
نتائج الحوار كانت جد إيجابية، ويمكن تلخيصها في أربعة محاور تتعلق أولا بالجانب السياسي. فأميركا اليوم لديها أولوية خاصة للمغرب، وتساند بشكل واضح مختلف سياساته. كما أنها تعترف بأن المغرب يتمتع في المنطقة بالأمان والاستقرار، وبنموذجيه الاجتماعي–الاقتصادي والسياسي الناجحين. المغرب هو البلد الوحيد في شمال أفريقيا الذي فهم منذ عشرات السنين أن العالم يتغير، ونهج سياسة التأقلم مع ذلك، ومن ثم هناك تأييد واضح للقيادة المغربية والنموذج المغربي.
ودائما في إطار الجانب السياسي، تطرقنا خلال الحوار كذلك إلى قضية الوحدة الوطنية (نزاع الصحراء)، وجدد الوزير كيري موقف بلاده التي تعد مقترح الحكم الذاتي مقترحا جديا وذا مصداقية، ويمكن اعتباره قاعدة للمباحثات مع الطرف الآخر (الجزائر وجبهة البوليساريو).
شكل الحوار الاستراتيجي أيضا فرصة للتطرق إلى العلاقات بين المغرب والجزائر، ودراسة سبل فتح قنوات الاتصال مع الإخوة الجزائريين، والتخفيف من أجواء التوتر عن طريق محاولة تفسير الموقف المغربي للجزائريين، وحثهم على مراجعة موقفهم. فللجزائر دور مباشر في القضية الوطنية (نزاع الصحراء) خاصة على المستوى الدولي، بيد أنها ترفض التدخل في المفاوضات المباشرة. لذا يجب على الجزائر أن تتحلى بنوع من الجرأة السياسية، وتتعامل مباشرة مع المغرب.
شملت مباحثات الدورة الثانية من الحوار الاستراتيجي أيضا القضية الفلسطينية وتطوراتها. ومعلوم أن كيري يلعب دورا حاسما في مبادرات السلام التي لم تحصل في الوقت الراهن على نتائج تدعو إلى التفاؤل. لقد نوه كيري بالدور الكبير الذي يلعبه المغرب بحكم ترؤس عاهله جلالة الملك محمد السادس للجنة القدس، ورئاسة المملكة للمجلس الوزاري للجامعة العربية.
أما المحور الثاني الذي جرى التطرق إليه فيتعلق بالجانب الأمني والاستراتيجية الأمنية المغربية، ذلك أن المغرب يعتمد مقاربة شمولية متكاملة في هذا المجال، وليس على مقاربة أمنية محضة. وبناء على ذلك جرت مناقشة إمكانية تحقيق تعاون أمني بين المغرب وأميركا، خاصة لتأمين منطقة الساحل ودول المغرب العربي وليبيا على وجه الخصوص. وتطرقنا في هذا الإطار إلى عدد من مقترحات التعاون الأمني بين البلدين، بما فيها مقترح التعاون في مجال التدريب الأمني، والتعاون في مجال محاربة التطرف، وتعزيز دور المغرب في المنتدى العالمي ضد الإرهاب.
* ما خصوصيات الحوار الاستراتيجي بين المغرب والولايات المتحدة مقارنة بالحوارات الاستراتيجية الأخرى التي تقوم بها هذه الأخيرة مع بعض الدول من ضمنها الجزائر؟
- الحوار الاستراتيجي المغربي–الأميركي يعتمد على طريقة علمية وعقلانية، ومبني على إشراك العديد من المسؤولين. كما أنه يعتمد مسائل ميدانية (قرارات فعلية) تطبق على أرض الواقع، وخطط عمل تشمل قطاعات عديدة ومختلفة.
* هل حمل الوزير كيري خلال قدومه إلى المغرب رسائل معينة من القيادة الجزائرية إلى القيادة المغربية؟
- جون كيري حضر إلى المغرب في إطار الحوار الاستراتيجي المغربي–الأميركي ولم يحمل رسائل معينة، فهو زار الجزائر في إطار مشاورات بلاده السياسية معها. وفي جميع الأحوال فالمغرب دائما ما نادى جيرانه إلى العمل معا من أجل بناء مغرب عربي قوي ومتكامل على جميع المستويات، وهو الأمر الذي يتطلب بطبيعة الحال التزاما وإرادة سياسية من حكومات الدول المغاربية الخمس. كما أنني شخصيا أرى أن عزوف الجزائر عن التعامل مع المغرب خطأ كبير، خاصة أننا دولتان جارتان يكمل بعضهما بعضا، كما أن تطبيع العلاقات وتقوية التعاون بين البلدين سيخدمان المصلحة العامة لمنطقة المغرب العربي والساحل وأوروبا أيضا.
* خلال الزيارة الأخيرة للملك محمد السادس إلى واشنطن صدر بيان مشترك تضمن عدة جوانب بما فيها تطوير ودعم حقوق الإنسان. هل جرى تطبيق مضمون البيان المشترك كاملا، وهل يمكن القول إن الإدارة الأميركية مرتاحة لما جرى تطبيقه بالمغرب في هذا الجانب؟
- صدر بيان مشترك في 22 نوفمبر الماضي، وتطرق إلى ترحيب أميركا بما قام به المغرب في مجال حقوق الإنسان، وتشجيعها له على المضي قدما في هذا المجال. وتعود استراتيجية المغرب في مجال حقوق إلى سنوات خلت، إذ اتخذ عددا من الخطوات المهمة في مجال حقوق الإنسان، من أبرزها إصلاح منظومة القضاء العسكري، التي تعد خطوة جريئة للغاية. لقد حصل هذا الإصلاح على موافقة كاملة في المجلس الوزاري ومجلس الحكومة، كما ستجري مناقشة المشروع داخل قبة البرلمان في غضون الشهر الحالي.
اتخذ المغرب أيضا عددا من الخطوات لتفعيل حقوق الإنسان على أرض الواقع، منها التنسيق المتقدم بين المكاتب الجهوية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان والحكومة. وتجدر الإشارة إلى أنه يوجد مكتبان لحقوق الإنسان في الصحراء جرى خلقهما في إطار الإصلاحات التي أطلقت منذ أكثر من عشر سنوات. كما أن المغرب اعتمد منظومة جديدة للتنسيق بين المجلس الوطني لحقوق الإنسان والحكومة.
من جهة أخرى، فإن المغرب يتعاون مع البعثات الدولية لحقوق الإنسان، على غرار المجلس الدولي لحقوق الإنسان. وستقوم السيدة نافي بيلاي، المفوضة السامية لمجلس حقوق الإنسان، بزيارة المغرب نهاية الشهر الحالي.
* زار كريستوفر روس، الوسيط الدولي في نزاع الصحراء، أخيرا المغرب والمنطقة، وكان لكم معه لقاء. ماذا حمل روس في جعبته إلى الرباط؟
- تصنف زيارات روس الأخيرة إلى المغرب ضمن مسؤوليته الأممية التي يمكن تقسيمها إلى شقين، الأول يكمن في محاولة تسهيل المفاوضات بين أطراف النزاع، أما الشق الثاني فهو تحسين العلاقات بين المغرب والجزائر. والرباط أكدت مجددا خلال زيارة روس الأخيرة لها على تعاونها مع مجهوداته لحل النزاع، لكن إصرار الجزائر على الرجوع إلى المربع الأول للنزاع يصعب مهمة روس ويعرقلها.
* يرى بعض المتابعين لمهمة روس أن هذا الأخير وصل إلى الطريق المسدود. هل تراودكم هذه القناعة.. هل استنفد الوسيط الدولي دوره؟
- للأسف تشبث الطرف الآخر بالعودة إلى نقطة الصفر أو المربع الأول يصعب على روس الوصول إلى نتائج مرضية. ويجب الإشارة في هذا الصدد إلى أن المغرب كان دائما سباقا إلى اقتراح حلول للخروج من هذه الأزمة؛ سواء كان ذلك مع الأطراف الأخرى أو مع البعثات الأممية.
* ماذا تنتظرون من نهاية الشهر الحالي على مستوى الأمم المتحدة ومجلس الأمن بالتحديد في ما يتعلق بملف الصحراء؟
- سيصدر قرار المجلس الأمن في ما يتعلق بتمديد صلاحية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء «مينورسو» نهاية الشهر الحالي. ونتمنى أن يعترف أعضاء مجلس الأمن بالمجهودات النوعية التي يقوم بها المغرب في هذا النطاق، لأنه لا يعقل إعادة السيناريو نفسه كل سنة والحفاظ على هذا الجو من التوتر. أتمنى كذلك أن يتمتع أعضاء مجلس الأمن بجرأة سياسية كافية للاعتراف بمسؤولية الطرف الآخر (الجزائر وجبهة البوليساريو)، وتثمين مجهودات المغرب في هذا المجال حيث إننا نحس بنوع من الاختلال في العلاقات، ووجود خلل في التوازن، ونقص في التشجيع اللازم لمجهودات المغرب.
* حاولت الجزائر وجنوب أفريقيا أخيرا إقصاء المغرب من القمة الأوروبية–الأفريقية، من خلال طرح مقترح يهدف إلى ذلك، وسبق أن طرح هذا الإشكال سابقا، وجرى الحسم فيه قبيل قمة القاهرة في سنة 2000. ما هي الاستراتيجية المغربية لتفادي تكرار نفس المحاولات الهادفة لعزل المغرب عن أفريقيا، وعن الحوار الأوروبي–الأفريقي؟
- للأسف، مثل هذه المبادرات إن كانت تدل على شيء فهي تدل على وجود سوء نية. فهذه مبادرة غير منطقية نظرا لأن المغرب كدولة أفريقية وعربية ومسلمة هو الدولة الوحيدة التي تحظى بوضع متميز مع أوروبا، وتشكل نموذجا لباقي الدول الأفريقية. ولله الحمد، فإن المغرب يتعامل بجدية مع أوروبا، وفي علاقاته الثنائية مع الدول الأفريقية. وهذه الجدية هي التي دفعت بأوروبا لاعتماد إطار القاهرة.
من المحتمل أن تطرح هذه المشكلة في السنوات المقبلة، حيث إن المغرب لا يشارك في القمة الأفريقية (قمة الاتحاد الأفريقي)، لكن الرباط شرحت للدول الكبرى وجميع شركائها الموقف المغربي من الاتحاد الأفريقي، موضحة أن الهدف من الضغط الذي تمارسه بعض الدول هو فرض مجموعة أو حركة (جبهة البوليساريو) تزعم أنها حكومة ودولة، وهي ليست كذلك. وأود هنا الإشارة إلى أن الولايات المتحدة كانت حاسمة في هذا الموضوع، حيث إنها رفضت مشاركة بعض الحركات والمجموعات في القمة الأفريقية–الأميركية المزمع تنظيمها في أغسطس (آب) المقبل.
* موقف المغرب من الاتحاد الأفريقي واضح.. هل من محاولات اختراق جديدة لعودة الأمور إلى نصابها، أي عودة الرباط إلى حظيرة الاتحاد؟
- كما سبق أن قلت يحظى النموذج المغربي اليوم بمصداقية عامة، وتعترف أغلب الدول الأفريقية بسيادته ووحدة ترابه. إن اعتراف الاتحاد الأفريقي بمنظمة كدولة (جبهة البوليساريو) هو وضع غير قانوني. والقانون واضح من هذه الناحية، والمغرب متوفر على جميع الحجج القانونية اللازمة للدفاع عن حقه. لكن المشكلة تكمن في غياب الإرادة السياسية عند بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي.
* كيف تنظرون إلى العلاقات المغربية – الفرنسية.. هل جرى تجاوز الأزمة أم أن الأمر متوقف على تعديل منظومة التعاون القضائي بين البلدين؟
- من الأساسي التذكير بأن العلاقات المغربية–الفرنسية هي علاقات تاريخية ووطيدة تستطيع تجاوز أي وضع ظرفي. في ما يخص التوتر الذي عرفته هذه العلاقات في الآونة الأخيرة، فإن هناك اتصالا مستمرا بين الطرفين لإيجاد حل لتجاوز التوترات، وتفادي تكرارها في المستقبل. اعترف الفرنسيون بالخطأ، وعبروا عن استعدادهم للتعاون مع المغرب لإيجاد حل مرض للطرفين. وأود هنا أن أعيد التذكير بأن هذا التوتر ظرفي ولا يمس بطبيعة العلاقات الاستراتيجية بين البلدين.
* أصبحت الدبلوماسية الاقتصادية من ضمن أولويات الدبلوماسية المغربية.. ما أبرز معالم هذه الدبلوماسية؟
- هناك توجه جديد للدبلوماسية المغربية نحو الجانب الاقتصادي. المغرب هو الدولة الوحيدة في أفريقيا التي تحظى باتفاقية تجارة حرة مع أميركا، وحصلت كذلك على دعم من مؤسسة تحدي الألفية. وناقشنا مع أميركا إمكانية استغلال اتفاقية التجارة الحرة في مقاربة اقتصادية ثلاثية مع دول أفريقية أخرى خاصة أن أميركا تنظر إلى المغرب كمدخل لسوق أفريقية كبيرة بحكم اتفاقيات التبادل الحر التي تجمع المغرب بدول أفريقية أخرى.
أما في ما يخص مؤسسة تحدي الألفية، فإن المغرب يستعد للدخول في الفقرة الثانية من برنامج المؤسسة، ويطمح إلى استغلال هذا الإطار وتطبيقه في دول أفريقية أخرى.
والجدير بالذكر أن المغرب سيحتضن في نهاية السنة الحالية القمة العالمية للمقاولات في دورتها الخامسة، والتي عادة ما تعرف مشاركة الرئيس الأميركي باراك أوباما.
* في سياق الحديث عن اتفاقيات التبادل الحر مع الولايات المتحدة، ارتفعت أخيرا أصوات تدعو إلى تعديل بنود هذه الاتفاقية التي ترجح كفة واشنطن أكثر من كفة الرباط.. ماذا عن مستجدات موضوع هذا التعديل؟
- عزمنا على توقيع اتفاقيات ثنائية بين المغرب وأميركا بهدف تحقيق التوازن بين الطرفين وإكمال اتفاقية التبادل الحر. وتشمل هذه الاتفاقيات موضوع التعريفات الجمركية، بالإضافة إلى تنسيق معايير الجودة والمنظومة الضريبية، حيث اتفق البلدان على إعفاء المستثمرين المغاربة في أميركا ونظرائهم الأميركيين في المغرب من الضرائب.



تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.


احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
TT

احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)

في خطوة يمكن أن ينظر إليها على أنها استكشاف مبكر لقدرة الحكومة اليمنية الجديدة على تحويل التعهدات الدولية إلى مسارات تنفيذية واضحة، انعقد اجتماع مجموعة شركاء اليمن بمشاركة واسعة من ممثلي الدول والمنظمات الأممية والدولية المانحة، في إطار حشد دولي تقوده السعودية لدعم خطة الحكومة برئاسة شائع الزنداني.

الاجتماع، الذي عُقد عبر الاتصال المرئي، جاء في سياق تحولات سياسية وأمنية شهدها اليمن منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وسط رهانات على إعادة ترتيب المشهدين السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية أكثر صلابة.

وأكد رئيس الوزراء وزير الخارجية، شائع الزنداني، في كلمته الافتتاحية، أن الحكومة الجديدة «تمضي في مرحلة مفصلية لإعادة ترتيب الوضع السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية واضحة».

وشدد على أن ذلك «يعزز قدرة الدولة على إدارة المرحلة المقبلة ويمنحها ثقلاً حقيقياً في أي مسارات مقبلة للتعامل مع ميليشيا الحوثي، سواء عبر التفاوض أو غيره من الخيارات التي تفرضها تطورات الميدان».

جانب من اجتماع مجموعة شركاء اليمن حيث يظهر الزنداني عبر الاتصال المرئي (إكس)

الزنداني رأى أن اجتماع مجموعة شركاء اليمن «يمثل محطة مهمة للانتقال إلى مرحلة أكثر تركيزاً على النتائج وأكثر انسجاماً مع الأولويات الوطنية»، بما يضمن، حسب تعبيره، «توظيف الموارد المتاحة بأعلى كفاءة لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية التي يستحقها الشعب اليمني».

وأشار إلى أن التحولات التي شهدها اليمن منذ ديسمبر الماضي، وما رافقها من قرارات وصفها بـ«الحاسمة» من قِبَل مجلس القيادة الرئاسي، أسهمت في «إعادة ضبط المسار الوطني، وإنهاء حالات الازدواج والتشظي في القرار السياسي والعسكري»، وتهيئة الأرضية لتشكيل حكومة «أكثر وحدة وتماسكاً وشمولاً في تمثيلها الجغرافي وإشراكها للمرأة والشباب».

برنامج متكامل

في الشق الاقتصادي، أعلن رئيس الوزراء اليمني أن حكومته شرعت في تنفيذ برنامج عمل متكامل يستند إلى خطة التعافي الاقتصادي وبرنامج الإصلاحات المالية ومكافحة الفساد، مؤكداً «الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء التعافي المستدام عبر استعادة التوازن المالي والنقدي، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل، والارتقاء بالخدمات الأساسية، لا سيما الكهرباء والمياه والصحة والتعليم».

حكومة الزنداني تنتظرها ملفات معقدة على صعيد الأمن والخدمات والاقتصاد (سبأ)

كما لفت إلى اعتماد وثيقة سياسة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والعمل على إنشاء وحدة متخصصة للشراكة وطرح مشاريع البنية التحتية وفق معايير دولية شفافة، بهدف تعزيز ثقة المستثمرين وتشجيع تدفق الاستثمارات، بالتوازي مع إعطاء أولوية لإصلاح نظام التقاعد وإعادة هيكلة المؤسسات العامة وضخ كفاءات شابة وفق أسس مهنية.

وجدد الزنداني التزام الحكومة الكامل بدعم جهود الأمم المتحدة والمبادرات الإقليمية والدولية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتخفف المعاناة الإنسانية وتؤسس لسلام عادل ومستدام، مع الاستمرار في تعزيز الأمن الإقليمي والدولي ومكافحة الإرهاب وترسيخ سيادة القانون.

تنسيق الأولويات

في الاجتماع الدولي المساند للحكومة اليمنية، شدد محمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن، والمشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، على أهمية استمرار العمل المشترك لتذليل العقبات أمام جهود السلام والتنمية في اليمن بقيادة الحكومة اليمنية.

وقال إن الاجتماع يمثل فرصة مهمة «للتعرف على أولويات الحكومة اليمنية والبنك المركزي اليمني»، بما يعزز التنسيق المشترك لضمان توجيه الدعم التنموي والمالي بكفاءة وفاعلية، ومساندة الجهات المانحة والمنظمات الدولية في مواءمة تدخلاتها وفق أولويات الحكومة.

وتعكس تصريحات آل جابر توجهاً سعودياً يركز على ربط الدعم المالي والفني بخطط تنفيذية واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، في سياق دعم استقرار سعر الصرف، والمساهمة في دفع الرواتب، وتوفير المشتقات النفطية لمحطات الكهرباء، إلى جانب المشاريع التنموية طويلة الأمد التي ينفذها البرنامج السعودي في قطاعات البنية التحتية والطاقة والمياه والصحة.

وفي السياق ذاته، استعرض محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أولويات البنك، مؤكداً الالتزام بمبدأ الشفافية ومحاربة التضخم، ومشيراً إلى أهمية التنسيق والدعم الدولي لمواجهة التحديات النقدية والمالية، في ظل ضغوط مستمرة على العملة الوطنية وتراجع الموارد العامة.

حضور أممي

بدوره، أكد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أهمية ما تقدمه السعودية من مشاريع تنموية في هذه المرحلة، لافتاً إلى وجود «مؤشرات إيجابية حالياً في اليمن خصوصاً مع تحسن استقرار قطاع الطاقة».

وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في ظل ارتباط استقرار الكهرباء والخدمات الأساسية بتهيئة بيئة مواتية لأي مسار سياسي أو اقتصادي، فضلاً عن انعكاسها المباشر على الوضع الإنساني.

كما تطرق المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية، جوليان هارنيس، إلى التحديات الإنسانية المستمرة، مؤكداً الحاجة إلى دعم مستدام يواكب الإصلاحات الحكومية ويعزز قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة الملف الإنساني بكفاءة.

ويعكس الاجتماع، وفق مراقبين، سعياً لإعادة صياغة العلاقة بين الحكومة اليمنية وشركائها الدوليين على أساس شراكة قائمة على الأولويات الوطنية، وتنسيق التدخلات، والانتقال من الاستجابة الطارئة إلى مسار تعافٍ مؤسسي طويل الأمد، في ظل استمرار تعقيدات المشهد الميداني والسياسي.