رئيس اتحاد الصحافيين العرب: الحفاظ على حياة زملائنا وحرية الرأي أهم أولوياتنا

مؤيد اللامي لـ«الشرق الأوسط»: 450 صحافيا عراقيا دفعوا حياتهم ثمنا لتأكيد مصداقيتهم

مؤيد اللامي رئيس اتحاد الصحافيين العرب
مؤيد اللامي رئيس اتحاد الصحافيين العرب
TT

رئيس اتحاد الصحافيين العرب: الحفاظ على حياة زملائنا وحرية الرأي أهم أولوياتنا

مؤيد اللامي رئيس اتحاد الصحافيين العرب
مؤيد اللامي رئيس اتحاد الصحافيين العرب

بين مقره في بغداد كنقيب للصحافيين العراقيين، ومقره الآخر في القاهرة كرئيس لاتحاد الصحافيين العرب، تتوزع مهام وأولويات مؤيد اللامي الذي يحاول أن يمسك بأكثر من تفاحة بيد واحدة، ويتصدى لملفات وقضايا وهموم شائكة يعاني منها غالبية العاملين في مهنة المتاعب، وخاصة في العراق الذي يصنف باعتباره البلد الأكثر خطورة على حياة الصحافيين، وتأتي في مقدمة هذه الملفات: الحريات الصحافية، وإبعاد الصحافيين عن المخاطر التي يتعرضون لها هنا وهناك من اعتقالات واغتيالات، وتطوير مهنية الصحافيين العرب.
اللامي الذي تم انتخابه خلال المؤتمر الأخير لاتحاد الصحافيين العرب الذي عقد في تونس قبل ثلاثة أشهر «وبحضور جميع الأعضاء»، حيث «كانت هناك منافسة قوية في الجولة الأولى وكانت المجموعة العربية منقسمة إلى فريقين، فريق كان يؤيد وبقوة أن يكون للعراق دور قيادي في الاتحاد، وفريق آخر غير متحمس لذلك» حسبما يوضح نقيب الصحافيين العراقيين، مستطردا «لكن جهود نقابة الصحافيين العراقيين وبحكم علاقاتها مع بقية النقابات العربية وكون العراق من مؤسسي اتحاد الصحافيين العرب استطعنا من أن نقترب من منصب رئيس الاتحاد والذي فزنا به في الجولة الثانية».
وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» بمكتبه على ضفاف دجلة بجانب الكرخ من بغداد، قال اللامي، إن «نقابة الصحافيين العراقيين لم تنجر طيلة السنوات الماضية إلى أي موقف سياسي أو تنحز لهذا الطرف أو ذاك وبقيت بمنأى عن المواقف السياسية للحكومة العراقية في علاقاتها أو مواقفها مع الدول العربية وخاصة ما يتعلق بالجانب المهني الذي يهمنا كثيرا، وقد وقفنا مع أي نقابة أو زميل يتعرض للاعتداء أو للاضطهاد من قبل أي جهة، وقد وقفنا بقوة مع جريدة («الشرق الأوسط») عندما تعرضت مكاتبها للاعتداء في بيروت، لهذا وجد الزملاء العرب أن نقابتنا تستحق أن تترأس الاتحاد بالرغم مما يمر به العراق من ظروف صعبة، ورغم التأثير الخارجي الضعيف للعراق حاليا، وقد حصلنا على موافقة جميع أعضاء الأمانة العامة للاتحاد وعددهم 15 عضوا وهذه سابقة لا سيما أن ظروف العراق ليست طبيعية حاليا».
وتحدث اللامي عن أولويات اتحاد الصحافيين العرب، التي قال عنها «أولوياتنا كثيرة وتأتي في مقدمتها الدفاع عن الصحافيين المضطهدين والذين يتعرضون للاعتقال والقتل من أجل تكميم أفواههم، هناك بلدان عربية يقتل فيها الصحافيون مثلما يحصل في العراق وسوريا واليمن وليبيا، حتى في دول كنا نتوقع أن الصحافيين فيها بمنأى عن مخاطر الاعتقال والقتل لكننا اكتشفنا أن القتل يطولهم أيضا، وموضوع الحريات الصحافية هو هاجسنا الأول وللأسف أن سقف الحريات في عالمنا العربي واطئ جدا وليس مثلما نريده، بأن يكون عاليا، من أولوياتنا كذلك دعم الصحافيين اجتماعيا إذ أن هناك الآلاف منهم يعانون من الحاجة المادية والفقر وفي أكثر من بلد عربي، كذلك نحرص على التقدم التقني والتطوير المهني، إذ أن هناك دولا عربية لم يستطع إعلامها مواكبة التقنيات الحديثة في العمل الصحافي مع أن علم الاتصالات تطور بشكل كبير وخاصة في العمل الصحافي، كنا نعمل على تطوير مهنية الصحافيين العرب والتشديد على مصداقية ما يكتبونه أو يتناقلونه في صحفهم وبقية الوسائل الإعلامية».
وفيما إذا كان الاتحاد يتمتع بصلاحيات للتدخل لدى الأنظمة العربية لإطلاق سراح هذا الصحافي أو الدفاع عن هذه الصحافية، أوضح رئيس اتحاد الصحافيين العرب، قائلا «بالتأكيد.. في الاتحاد توجد لجنة الحريات الصحافية وهي لجنة نشيطة جدا وتصدر تقارير دورية وموثوقة عن الصحافيين الذين يتعرضون للاضطهاد والاعتقال والاغتيال، كما أننا نلتقي بزعماء عرب ونتحدث معهم بصراحة عن مستوى الحريات الصحافية في بلدانهم وندافع عن الصحافيين المعتقلين عندهم، وقد طالبنا عند لقائنا بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي باستخدام صلاحياته الدستورية لإطلاق سراح الصحافيين المعتقلين عندهم وقد تم ذلك بالفعل، قد تكون هناك بعض الحساسيات في هذا الموضوع في بعض الدول العربية لكننا لا نتراجع عندما يتعلق الموضوع بحرية صحافي والحفاظ على حياته».
وفيما يتعلق بالجانب المهني قال اللامي «من المعروف أن الاتحاد مر بظروف صعبة للغاية، والزملاء بحاجة للتطوير والتأهيل المهني مع أن الإمكانيات المالية ضعيفة كما أن مبنى الاتحاد في القاهرة صغير ولا تسمح مساحته بإقامة دورات أو فعاليات للتطوير المهني وقد وعدنا الرئيس المصري مشكورا بتخصيص قطعة أرض وبنائها على نفقة دولة المقر، مصر، وهذا يحسب للرئيس السيسي، ومع ذلك كلفنا الزميل سالم الجوهري، من موريتانيا، وهو مسؤول التطوير والتدريب في الاتحاد لوضع خطة للبدء بتنفيذها بعد مناقشتها في الاجتماع القادم الذي سيعقد في المنامة».
وأضاف اللامي أن «اتحاد الصحافيين العرب يضم أكثر من 150 ألف عضو»، وأن «اتحاد الصحافيين العرب يترأسه نقيب إحدى النقابات الصحافية العربية بعد فوزه بالانتخابات، ونحن نحاول أن لا يحصل أي تداخل بين نقابتنا في العراق والاتحاد إلا إذا كان هذا التداخل يصب في صالح العمل المهني»، مشيرا إلى «أننا في العراق عانينا منذ 1990 حيث تم تجميد عضويتنا في اتحاد الصحافيين العرب، كما أن التطوير المهني تخلف بسبب الحصار والظروف الاقتصادية الصعبة، وبعد تغيير النظام في 2003 أتيح سقف عالٍ من الحريات الصحافية رغم المخاطر الحقيقية التي يعيشها الصحافيون العراقيون، ونحن هنا نمارس عملنا بحرية واسعة حيث ننتقد الحكومة أو أي جهة إذا صدر تصرف مسيء لأي صحافي، بينما نشعر بالحرج في بعض الدول العربية إذا ما أصدرنا بيانا ننتقد فيه الحكومة نتيجة تصرفات مسيئة بحق الصحافيين لكننا لا نتردد عن إصدار البيانات واتخاذ مواقف قوية ضد هذه التصرفات».
وأشار إلى أن «قيادة الاتحاد عملية ليست سهلة كون الاتحاد منظومة غير متفقة تماما في اتجاهاتها بحكم اختلاف الأنظمة الحاكمة وهذا يحتاج منا لا أن نمسك العصا من الوسط بل أن نمسكها من الوسط واليمين والشمال لأننا نحتاج أن نحمي الصحافيين ونحافظ على حقوقهم وحرياتهم وحياتهم».
وحول وضع الصحافيين العراقيين قال اللامي «في نقابتنا 20 ألف عضو، ونحن نحتاج في العراق لتطوير الجوانب التقنية والمهنية وهذا يتطلب جهودا كبيرة وتخصيصات مالية وللأسف البلد يمر بظروف اقتصادية صعبة ونحن بحاجة إلى دعم الآخرين لجهودنا».
وحول علاقة نقابة الصحافيين العراقيين بالحكومة العراقية، قال نقيب الصحافيين العراقيين، إن «البعض يتصور أن نقابة الصحافيين العراقيين يجب أن تكون عدوة للدولة، وفي اعتقادي أن أي نقابة يجب أن تحقق أعلى المكتسبات لأعضائها دون أن تتنازل عن حقوقها أو مبادئها». ونبه إلى أن «الوضع مرتبك في العراق خاصة أن الأوضاع الأمنية صعبة للغاية فالصحافة العراقية خسرت 450 ضحية من أعضائها، وهؤلاء دفعوا حياتهم ثمنا لتأكيد مصداقيتهم ومهنيتهم، وهذا أكبر عدد من الصحافيين الذين قتلوا في بلد واحد، وأكثر من عدد الصحافيين الذين سقطوا في الحرب العالمية الثانية وحرب فيتنام، وهناك المئات من الزملاء المصابين والمهجرين، هذا كله يجعلنا أن لا نتقاطع مع السلطة التنفيذية والتشريعية أو القضائية»، موضحا أن «السلطات في العراق تعاملت مع نقابة الصحافيين العراقيين خلال السنوات العشر الماضية بإيجابية، فالحكومة خصصت قطع أراضٍ سكنية مجانا للصحافيين في جميع المدن العراقية ونجحنا بتوزيع أكثر من 9 آلاف قطعة أرض سكنية للصحافيين، والنقابة تصدت للقضايا المرفوعة في المحاكم ضد الصحافيين سواء من قبل رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية أو رئيس البرلمان وزعماء الكتل السياسية ومن من قبل بعض المسؤولين بل رفعنا قضايا ضد بعض المسؤولين وكسبنا جميع هذه القضايا في المحاكم، النقابة دافعت وتدافع عن الصحافيين بقوة من أجل نيل حقوقهم المشروعة والسلطة لا تتدخل أبدا لهذا نحن لا نتقاطع مع أننا لا نطالب الصحافيين بالتقليل من خطابهم المهني، والصحافي العراقي يتحدث بمنتهى الحرية ضد الحكومة وبقية المسؤولين».



الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يولد تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليولد بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.


«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
TT

«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")

في خطوة وُصفت بأنها «ضخّ دماء جديدة» في عروق المشهد الإعلامي الفرنسي، وفي حين تعاني الصحافة المكتوبة من انحسار لافت، شهدت العاصمة باريس في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025، إطلاق النسخة الفرنسية من مجلة «تايم» الأميركية العريقة.

هذا الحدث يأتي بترخيص من المؤسسة الأم في نيويورك، ويمثل سابقة تاريخية، كونه يجعل من فرنسا الدولة الوحيدة خارج الولايات المتحدة التي تحظى بنسخة محلية مستقلة، تحمل الهوية البصرية والتحريرية لهذه العلامة التي يمتد تاريخها لأكثر من قرن.

جسر بين باريس ونيويورك

شركة «360 بيزنس ميديا» بقيادة الإعلامي دومينيك بوسو، المدير العام لمجلة «فوربس» المالية (الفرع الفرنسي) أشرفت على إطلاق العدد الأول من النسخة الفرنسية لمجلة «تايم»... «تايم فرنسا». وجاء محتوى هذا العدد، المكوّن من 200 صفحة، ليؤكد الهوية «الهجينة» للمجلة، إذ تضّمن 15 قسماً بين التحقيقات المحلية والتقارير الدولية. ولقد تصدّرت غلاف العدد الأول نجمة السينما الأميركية العالمية أنجلينا جولي، في حوار حصري وشامل، تناولت فيه مسارها الإنساني وأدوارها السينمائية الأخيرة، كما تميّز العدد بملفات تحليلية حول الذكاء الاصطناعي بمقابلة مع الفرنسي آرثر مينش، أحد رواد هذا المجال في أوروبا، وفيدجي سيمو، نائبة مدير شركة «أوبن آي». ضّم العدد أيضاً تقارير ميدانية من قلب حوض «الدونباس» الأوكراني، إضافة إلى حوارات مع شخصيات فرنسية بارزة، مثل عالم الرياضيات سيدريك فيلاني، والممثل بيير نيني. أما الفارق بين النسختين الفرنسية والإنجليزية فإنه يكمن في المحتوى، حيث تعتمد «تايم فرنسا» بنسبة 60 في المائة إلى 70 في المائة على محتوى فرنسي بحت، مع الحفاظ على «الثوابت» في الصرامة المهنية والتحقق المزدوج من صحة المعلومات (فاكت تشيكينغ). وبينما تتوحّد النسختان في اختيار «شخصية العام»، تركّز النسخة الفرنسية أكثر على القضايا الأوروبية والمحلية بتحليل أعمق، بعيداً عن مجرد الترجمة الحرفية.

جيسيكا سيبلي، الرئيسة التنفيذية لـ«تايم» الأميركية، شدّدت في تصريح صحافي على أن إطلاق النسخة الفرنسية يعكس «الالتزام بالوصول إلى جماهير جديدة وتقديم صحافة موثوقة برؤية عالمية».

ومن جانبه، صرّح دومينيك بوسو، المدير العام لـ«تايم فرنسا» بأن «الصحافة الفرنسية قد تبدو مأزومة بعض الشيء... لكن (تايم فرنسا) ستقدم نفَساً جديداً» بفضل مصداقية المجلة وتقاليدها الصارمة في تدقيق المعلومات.

وأما إليزابيث لازارو، رئيسة التحرير الفرنكو أميركية، فقد وصفت المجلة الجديدة في افتتاحيتها بأنها «كائن فضائي هجين» يقع في المنطقة الوسطى بين مجلات الأخبار ومجلات الصور، لتكون «جسراً يربط أوروبا بالعالم».

عنوان «تايم فرنسا»... بالفرنسية (مجلة «تايم»)

نموذج اقتصادي ثلاثي الأبعاد...

من جهة أخرى، في إطار نموذجها الاقتصادي، تراهن مجلة «تايم فرنسا» حقاً على مقاربة هجينة تجمع بين الصحافة الورقية، والحضور الرقمي المتنامي، إلى جانب أنشطة موازية تقوم على الفعاليات والرعاية.

ففي الشّق الورقي، تصدر المجلة 4 مرات في السنة في صيغة فصلية، مع طباعة تقارب 100 ألف نسخة لكل عدد، لا تُوزَّع في السوق الفرنسية فقط، بل تمتد إلى عدد من الدول الفرنكوفونية المجاورة، مثل بلجيكا ولوكسمبورغ وسويسرا وموناكو، في مسعى واضح إلى ترسيخ حضور إقليمي يتجاوز الحدود الوطنية. ولعل أسلوب التوزيع نفسه يعكس رهاناً على تعزيز القيمة الرمزية للعلامة، واستهداف جمهور نوعي. إذ يُباع نحو نصف النسخ (50 ألفاً) في أكشاك الصحف، في حين يُوجَّه النصف الآخر (50 ألفاً) إلى الفنادق الفاخرة وصالات كبار الشخصيات في المطارات، ما سيسمح للمجلة بالوصول إلى شريحة من القرّاء ذوي القدرة الشرائية المرتفعة، ويمنحها موقعاً مميزاً في سوق إعلانية شديدة التنافس.

وبالتوازي مع ذلك، تولي «تايم فرنسا» أهمية خاصة للحضور الرقمي، من خلال إطلاق موقع إلكتروني يعدّ ركيزة أساسية للنمو المستقبلي، سواء عبر الإعلانات الرقمية أو عبر توسيع قاعدة القرّاء والزوار، تمهيداً لاعتماد صيغ الاشتراك الرقمي.

أما الركيزة الثالثة في هذا النموذج الاقتصادي، فتتمثل في الفعاليات والرعاية والإصدارات الخاصة، وهي مقاربة سبق لمجموعة «بيزنس ميديا 360» المشرفة على «تايم فرنسا» أن اعتمدتها في عناوين إعلامية أخرى. وهي تعتمد على تنظيم مؤتمرات ولقاءات ونقاشات حصرية، تحمل توقيع «تايم»، وتؤدي دوراً مزدوجاً يتمثل في توليد عائدات مالية إضافية من جهة، وتعزيز حضور العلامة ومكانتها في المشهد الإعلامي والثقافي الفرنسي من جهة أخرى.

دومينيك بوسو (آ ف ب)

استقبال وسائل الإعلام

استقبلت الأوساط الإعلامية الفرنسية خبر إطلاق «تايم فرنسا» بترحيب غلب عليه التفاؤل. وكانت صحيفة «لوفيغارو» من أبرز المهلّلين لهذا المشروع، إذ أفردت مساحة واسعة للكلام عن «النجاح الريادي» للمجلة العريقة في سوق الصحافة المكتوبة، على الرغم من الوضعية المتأزمة. ولم تكتفِ الصحيفة بنقل الخبر، بل رسمت صورة تفيض بالثناء لدومينيك بوسو، العقل المدبّر وراء المشروع، واصفة إياه بـ«لوكي لوك الصحافة»، كونه الرجل الذي أطلق «فوربس فرنسا» ثم «أونيريك» والآن «تايم فرنسا». وجاء في مقتطفات من تقاريرها ما يلي: «مجلة (تايم) هي تجسيد للعصر الذهبي للصحافة الأميركية، حيث كانت تتدفق الأموال.. إن إطلاق النسخة الفرنسية في هذه السوق الصعبة يعدّ نجاحاً استثنائياً في ريادة الأعمال».

أما صحيفة «لوموند» فقد اعتمدت في تغطيتها بشكل كبير على برقيات وكالة الأنباء الفرنسية (أ.ف.ب)، التي صاغت أخبار الإطلاق بنبرة غلب عليها الانبهار بـ«التميز التحريري». ونقلت الصحيفة تأكيدات حول «الصحافة الموثوقة» و«الرؤية العالمية»، مركّزة على أن وصول «تايم» إلى فرنسا هو اعتراف بأهمية القارئ الفرنكوفوني المتميز. وورد في تقرير «لوموند»، نقلاً عن وكالة الأنباء: «إنه لشرف كبير وصول عنوان أيقوني كهذا إلى فرنسا، ليكون بمثابة همزة وصل بين الامتياز الأميركي والجمهور الفرنسي المثقف».

ومن جهتها، قدّمت صحيفة «ليزيكو» الاقتصادية الحدث على أنه «الخبر السار» الذي انتظرته النخبة الفرنكوفونية طويلاً. وشدّدت الصحيفة على أن «تايم فرنسا» تضع «التميز التحريري الأميركي في خدمة جمهور فرنسي منفتح على العالم». أما «ليبراسيون»، فبالرغم من مواكبتها للخبر، مالت في بعض زواياها إلى طرح تساؤلات حول «النموذج الاقتصادي» القائم على الترخيص أو (Licensing) ومدى قدرة المحتوى الفرنسي الأصلي (المقدّر بـ70 في المائة) على الحفاظ على استقلاليته وتفرده أمام هيمنة الخط التحريري الأميركي.

في خط موازٍ، أشارت بعض المنصّات الإخبارية المتخصصة، مثل «أري سور إيماج»، إلى أن إطلاق «تايم فرنسا» حظي بـ«مباركة» مبالغ فيها من كبريات الصحف، دون قراءة نقدية لمدى استدامة هذا النموذج الاقتصادي في سوق مشبعة، أو التساؤل عن مدى استقلالية هذا المشروع الجديد، ومدى مساهمته في تعزيز الصحافة النقدية والمسؤولة بدلاً من الانخراط في منطق الضجيج أو الترويج التجاري.


مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

ازدادت المخاوف أخيراً بشأن دقة المعلومات التي تظهر للمُستخدمين عبر ميزة ملخصات الذكاء الاصطناعي التي توفرها «غوغل»، وذلك بعد رصد أمثلة لمعلومات صحية وُصفت بأنها «زائفة». وبينما أكدت «غوغل» أن «الملخصات تأتي بمعلوماتها من مصادر معروفة»، شدد خبراء على أن «المرحلة الحالية تستدعي ضبطاً أكبر للمعايير»، وطالبوا بـ«ضبط» الملخّصات عبر تقوية آليات التحقق قبل عرضها.

كان تحقيق أجرته صحيفة «الغارديان» البريطانية مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري، قد رصد معلومات صحية تتعلق بمرض السرطان، وصفها بأنها «مضللة». وعلى الأثر رد متحدث باسم «غوغل» قائلاً إن «العديد من الأمثلة الصحية التي جرت مشاركتها معهم كانت لقطات شاشة غير مكتملة. لكن من خلال ما استطاعوا تقييمه، تبين أنها مرتبطة بمصادر معروفة وذات سمعة طيبة».

الدكتور فادي عمروش، الباحث المتخصص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي، ربط أزمة «المعلومات الزائفة» على ملخصات «غوغل» بـ«سهولة اختراق معايير الدقة الخاصة بالمنصة». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه «وفق ما تنشره (غوغل) رسمياً، فإنها تعتمد على المعايير ذاتها التي تستخدمها في ترتيب نتائج البحث التقليدية، كما تطبّق أنظمة لرصد وتجنّب المحتوى المضلّل، لكن على الرغم من قوة هذه المعايير نظرياً، فإنّها تبقى عرضة للتلاعب، تماماً كما يحدث في مجال تحسين محركات البحث، إذ يمكن لناشرين التلاعب بالترتيب وجعل محتوى منخفض الجودة يتصدر النتائج بخداع الخوارزمية لأغراض تسويقية أو لجذب الزيارات، مما يعني أن الملخصات التوليدية قد تتأثر هي الأخرى بهذا».

عمروش أشار إلى «أهمية إلزام الملخصات بإظهار مصادر واضحة وقابلة للتتبع»، وقال إنها «خطوة جوهرية لتعزيز الدقة وتقليل فرص التضليل»، لكنه عدّ ما تقوم به «غوغل» حالياً غير كافٍ «وهو وضع إشارة رابط في نهاية النتيجة لا ينتبه له الكثيرون ولا ينقرون عليه، لذلك لا يكفي أن يُذكر المصدر بطريقة شكلية أو ضمنية، بل يجب أن يكون واضحاً، ومباشراً، وقادراً على دفع المستخدم للنقر والتحقق». وطالب بأن «يُصمم النظام بطريقة تُشجع على التحرّي، من خلال عرض الجهة الناشرة، وتاريخ التحديث، وحتى تقييم موثوقية الموقع، إذ ليس من المنطقي تبرير عرض معلومة خاطئة لمجرد أن مصدراً ما قد كتبها».

للعلم، كانت «غوغل» قد أطلقت خدمة الملخصات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي في مايو (أيار) 2024، وكان الهدف «تقديم إجابات سريعة ومباشرة للمستخدم، عبر توليد معلومات مستخلصة من مصادر ويب متعددة وموثوقة»، حسب الوثائق الرسمية الصادرة عن المنصة.

على هذا علق عمروش قائلاً إن «(غوغل) تبحث عن إجابة مدعومة بمحتوى منشور على الإنترنت، لا مجرد نصّ مولّد من دون أساس معرفي واضح»، وأردف: «هنا تكمن أزمة السقوط في فخ المعلومات الزائفة، لأن الإشكالية الكبرى التي يغفل عنها كثيرون، هي أن المحتوى المنشور على الإنترنت ليس بالضرورة دقيقاً أو موثوقاً، إذ تطغى عليه الشعبوية والتضليل ويهدف لحصد الزيارات من المستخدمين». وتابع: «فضلاً عن أساليب التسويق واتباع طرق تحسين محركات البحث (SEO) لكي يكون في المرتبة الأولى، والتي قد تؤدي إلى تصدُّر معلومات غير صحيحة لمجرد تكرارها».

من جهته، قال محمد الكبيسي، خبير الإعلام الرقمي المقيم في فنلندا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ضمانات الدقة والشفافية تبدأ بضمان الاعتراف الدقيق بالمحتوى الأصلي». وأضاف: «بشكل عام، القلق من ظهور محتوى مضلل داخل الملخصات، طبيعي ومبرَّر، لأنه قد يدفع المستخدم إلى تصديق إجابة جاهزة من دون تدقيق». واستطرد أن «المطلوب ليس رفض التقنية، بل تشديد الضمانات، عبر تقوية آليات التحقق قبل عرض الملخصات، والاعتماد على مصادر طبية وعلمية معروفة، ومراجعة المحتوى الذي يُستند إليه دورياً، مع إظهار تنبيه واضح يدعو المستخدم إلى الرجوع إلى مختص عند المعلومات الحساسة حتى تكون النتائج أدق وأكثر موثوقية».

الكبيسي أبدى اعتقاده أن «ثمة دوراً موازياً ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الإخبارية الكبرى للمساهمة في ضبط منظومة المعلومات الموثوقة والحد من المحتوى الزائف». وذكر أنه «من المهم أن تعمل هذه المؤسسات على تطوير استراتيجيات رقمية فعالة تتناسب مع التطوّر السريع في العالم الرقمي وآلياته، والتأكد من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تُبرز المصادر بوضوح».