اللقاءات الثقافية العربية.. تفاعل حقيقي أم مناسبات اجتماعية؟

يرى البعض أن المثقفين يتبادلون فيها الابتسامات أكثر من الأنشطة

اللقاءات الثقافية العربية.. تفاعل حقيقي أم مناسبات اجتماعية؟
TT

اللقاءات الثقافية العربية.. تفاعل حقيقي أم مناسبات اجتماعية؟

اللقاءات الثقافية العربية.. تفاعل حقيقي أم مناسبات اجتماعية؟

في المهرجانات الثقافية، يتبادل المثقفون الابتسامات، والإهداءات، وقد يتناولون معًا فنجان قهوة في بهو الفندق، ثم يمضي كل واحد منهم إلى بلده. فهل يتواصلون من جديد لتثمر هذه اللقاءات عن تعاونات في المجالات الإبداعية؟
وماذا عن الاتحادات والروابط الجمعيات الأدبية؟ هل تمد فيما بينها جسور التعاون وتعقد الاتفاقات الفاعلة التي تسفر عن أعمال عربية مشتركة لها وزنها الثقافي؟ أم يقتصر الأمر على مذكرات تفاهم بروتوكولية يظهر فيها رؤساء هذه المؤسسات الثقافية في صورة إعلامية جنبًا إلى جنب كلٌّ منهم ممسك بقلم ومنكب على الورقة يوقع على بنود المذكرة، ثم ينتهي الأمر عند هذا الحد؟
هذه التساؤلات تتولد في الذهن وأنت ترى قوائم المدعوين إلى بعض المهرجانات العربية وهي تضم ربما مئات الأسماء، كثير منهم تجده في «لوبي» الفندق، والقليل في قاعة المحاضرات أو الندوات والأمسيات، فهل تثمر لقاءات الهاربين من المحاضرات عن اتفاقات جانبية على التواصل والتعاون الشخصي مستقبلاً؟ أم أن التعاون لا يتعدى المدة التي يقتضيها تناول القهوة التي في الفنجان. ثم يلتقي القائمون على المؤسسات الثقافية في غرف جانبية، يحملون ويطمحون إلى أعمال كبيرة، وقد يكتبونها على ورق «التفاهم»، ولكن ما يلبث هذا الورق أن ينتهي بيد السكرتارية ليأخذ رقمًا في الصادر أو الوارد، ثم يغفو أبد الدهر في ملف أنيق؟
هنا قسم من المثقفين العرب يدلون بآرائهم حول غياب أو ضعف التفاعل الثقافي الحقيقي بين بعضهم بعضًا، وبين المؤسسات والاتحاد الثقافية، الرسمية والخاصة.

ثريا البقصمي، كاتبة قصة ورواية كويتية وقبل ذلك هي فنانة تشكيلية، حضرت كثيرًا من المهرجانات المحلية والعربية والدولية، وكان لها «غاليري» خاص بها تستضيف به الفنانين التشكيليين من كل أنحاء العالم، سألتها عن التعاون بين المثقفين فقالت إنها لا تشعر بأي تعاون، بل تعتقد أن المثقفين خارج هذا الجو، وإن «التواصل نادر جدًا وإذا تم فهو من خلال الملتقيات والمؤتمرات، وهو لقاء وقتي ينتهي بانتهاء الحدث». وتستدرك ثريا البقصمي بقولها: «نحن ككتاب عرب نتواصل فقط من خلال الاطلاع على النتاج الأدبي للآخرين ونتفاعل معه سلبًا أو إيجابًا. وأيضًا يحصل ذلك من خلال معارض الكتب، حيث نعطي أنفسنا فرصة للتعرف على الآخرين من خلال نتاجهم، فنقرأهم من دون أن نعرفهم. وقد نعجب بكاتب ما من خلال كتاباته، ولكن تجده على أرض الواقع شيئًا آخر».
تروي ثريا البقصمي تجربة خاصة بها تود من خلالها الإشارة إلى التعامل النرجسي بين المثقفين الذي يحول دون هذا التعاون، فتقول: «التقيت يومًا إحدى الكاتبات في أحد المهرجانات، فنظرت إلي شزرًا وقالت لي: من أنت؟ أنا لا أعرفك، فأجبتها: وأنا أيضًا لا أعرفك، فردت بقولها: أنا معروفة في بلدي»، فأجابتها البقصمي: «وأنا أيضًا معروفة في بلدي». وتتابع: «ولكن خلال الأربعة الأيام مدة المهرجان تعارفنا وأصبحنا أصدقاء، ثم حين افترقنا لم نلتقِ ولم نتواصل، وقد قرأت لها فأعجبتني، ولا أدري إن أعجبها إنتاجي أو لا».
وترى ثريا البقصمي أن التعاون بالنسبة لاتحادات الكتاب يكون على مستوى أعضاء مجالس الإدارات بشكل رسمي، وليست هناك أنشطة مشتركة واسعة، وتعزو ذلك إلى ضعف الميزانيات المخصصة للثقافة، ربما «بسبب الأحوال الاقتصادية لكثير من الدول التي أصبحت تتقشف في الإنفاق على الثقافة».
* لقاءات وقتية
أما الأديبة الكويتية منى الشافعي، فلا يبتعد رأيها كثيرًا عن رأي زميلتها ثريا البقصمي، رغم أن كلاً منهما حصلت على رأيها بشكل منفصل، وهي تجد في الملتقيات الثقافية الأدبية فرصة جيدة وسانحة للتعاون والتعارف والتواصل الذي باستمراره يمكن أن يكسر الحواجز بين الكتاب والأدباء بشكل عام، وكذلك التعرف على ثقافات جديدة ومختلفة، ولكن كل ذلك حسب رأي منى الشافعي لا يستثمر بشكل جيد. تقول: «على مدى سنوات ومن واقع تجربتي الشخصية، فإن أغلب هذه الملتقيات وقتية تنتهي في اليوم الأخير لها. لا ننكر هنا أنها الخطوة الأولى للتقارب والتمازج الفكري والأدبي مع الآخر، ولكن الخطوات الأخرى تعتبر شخصية تعتمد على الكاتب نفسه وكيفية بناء صداقات جديدة مع الآخرين، بحيث تمتد لتثمر أعمالاً أدبية جديدة بعد ذلك». وتختم رأيها بالقول: «في السنوات الأخيرة ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي على تفعيل وتقارب هذه الصداقات والعلاقات الأدبية الثقافية، كأنها قامت بدور إيجابي نيابة عن الملتقيات على كثرتها وعلى تنوعها».
* توصيات غير مجدية
الكاتبة الكويتية أمل الرندي، معروف عنها تواصلها الثقافي، ولكن لديها تساؤلات تعبر من خلالها عن جدوى أو عدم جدوى هذه اللقاءات الثقافية، فتقول:
«مما لا شك فيه أن اللقاءات الأدبية والثقافية من خلال المؤتمرات والندوات والصالونات الأدبية من الأمور الهامة لتفعيل الحراك الثقافي. بل هي من الظواهر الحيوية لصحة المجتمع الثقافية. لكن أحيانًا كثيرة تنتهي هذه اللقاءات عند لحظة الوداع وانفراط عقد الاجتماعات واللقاءات وتكون الفائدة فقط محصورة بالنقاش والعصف الذهني للأفكار خلال الندوات أو الأمسيات. ولكن ماذا بعد ذلك؟ هذا هو الأهم، أو الحلقة التي يمكن أن تكون مفقودة».
وتتابع أمل الرندي: «هناك مؤتمرات كثيرة تخرج بتوصيات، ويتم تنفيذها فعلاً ومتابعتها، لأن الجهات التي تقيمها تكون جادة ولديها إمكانيات التنفيذ. هنا تكون الفائدة، وتعود على المجتمع بأثره. وبذلك يكون هناك دور إيجابي للمثقف وفعال.. لكن هناك مؤتمرات تقام بهدف الاستعراض وتسجيل مواقف، فلا تكون منتجة أبدًا حتى لو خرجت بتوصيات». وتعتقد أمل الرندي أنه لا يمكن أن يكون هناك تقدم نوعي في الثقافة وتطوير للأنشطة إلا عبر تلك المؤتمرات التي توظف نشاطها وجهدها في سبيل التطوير والتجديد والتقدم.
أما على مستوى التعاون بين المثقفين في المجال المحلي أو خارجه، فتقول عن نفسها: «بالنسبة لي فإن ذلك من الأمور التي تسعدني، لأن لكل كاتب أسلوبه ومذاقه وبصمته التي تضيف للعمل جمالية ما. وفعلاً قمت بأكثر من مبادرة مع بعض زملائي في مجال أدب الطفل لعمل مجموعة قصصية لتعزز روح المواطنة والانتماء، فهي تعود بالفائدة على أطفال الوطن، لأن التعاون يمنح قوة وفائدة أكبر بالتأكيد على مستوى الأفراد والمؤسسات.. ليتنا ندركها وننفذها حقًا! صحيح أن الكتابة عمل فردي، لكن التعاون لا يكون في كتابة النص الواحد، إنما في المشاريع المشتركة، فيمكن مثلاً الاشتراك في أعمال أدبية هادفة، ضمن مشروع تثقيفي، وهذا أمر مهم علينا أن نسعى لتحقيقه».
* رأي شبابي متفائل
آثرت أن يكون للأدباء الشباب رأي في هذا الموضوع، فهل يشعرون بهذا التعاون أم أنهم مهمشون عنه منذ بداية الطريق، فسألت الشاعر الكويتي الشاب فالح بن طفلة، الذي بدا متفائلاً أكثر من الأدباء الذين سبقوه:
«في أزمنة سابقة كان التواصل بين الأدباء والشعراء لا يتم إلا بشكل نادر ومحدود، كما أن شخصية الأديب كانت شخصية مغمورة في المجتمع، وكان الإعلام في الدول العربية بشكل عام لا يسلط أضواءه إلا على أسماء معينة فقط فيفرض بذلك ذوقه على المتلقي. أما اليوم ومع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي فقد أصبح التواصل بين الأدباء والشعراء يتم بشكل دائم ومستمر، بل تطور هذا التواصل فتشكل عن طريقه كثير من الملتقيات والمنتديات الأدبية، مثل منتدى المبدعين الذي تقام فعالياته كل أسبوع في رابطة الأدباء الكويتية وغيره من المنتديات التي تعتبر ثمرة من ثمار هذا التواصل المستمر بين الأدباء خصوصًا فئة الشباب». ويرى فالح بن طفلة أن «لوسائل التواصل الاجتماعي كذلك الفضل في تواصل الأدباء مع أقرانهم في الدول العربية وإقامة نشاطات أدبية مشتركة بينهم. ولا ننكر كذلك النشاط الأدبي للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الذي يقيم سنويًا كثيرًا من الأمسيات لشعراء من الكويت وخارجها، وكذلك الجهود المشكورة التي تقوم بها مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين للشعر العربي، فدورها رائد في مجال الشعر والأدب بشكل عام فتحرص على إقامة المنتديات الأدبية البحثية النافعة، هذا بالإضافة إلى مهرجان ربيع الشعر الذي يجمع الشعراء من مختلف أقطار العالم العربي والإسلامي».



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي