بوتين يسعى للانتقام.. والتجسس على واشنطن وسيلته

موسكو استهدفت بيانات مرشحين أميركيين للتأثير على سير الانتخابات

بوتين يسعى للانتقام.. والتجسس على واشنطن وسيلته
TT

بوتين يسعى للانتقام.. والتجسس على واشنطن وسيلته

بوتين يسعى للانتقام.. والتجسس على واشنطن وسيلته

أفاد خبراء روس مختصون في شؤون الاستخبارات الأميركية والأوساط الأكاديمية بأن رسائل البريد الإلكتروني وغيرها من السجلات التي حصل عليها قراصنة الإنترنت الروس جاءت بمثابة انتقام من طرف الرئيس فلاديمير بوتين عما اعتبره مساعي أميركية لإضعافه وإحراجه على المسرح العالمي وأمام شعبه.
ويسعى بوتين للثأر ورد الاعتبار المفقود لدولته كقوة عظمى في ظل ضعف النمو الاقتصادي، بحسب مقابلات صحافية أجريت مع مختصين في موسكو وواشنطن مع مسؤول استخباراتي أميركي رفيع المستوى، وضباط متقاعدين حديثا بوكالة الاستخبارات الأميركية (سي أي إيه) عملوا في الشأن الروسي، وثلاثة ضباط استخبارات آخرين مختصين في تحليل شؤون روسيا وأوراسيا ممن عملوا بمكتب الاستخبارات الوطنية.
وقالت فيونا هيل، ضابطة استخبارات مختصة بالشأن الروسي في إدارتي الرئيسين جورج بوش وباراك أوباما بهذا الشأن «إن كان بوتين يعتقد أن لديه القدرة على فعل ذلك، فنحن أيضا (الاستخبارات الأميركية) نفعل نفس الشيء».
في البداية، استهدف القراصنة الروس بريد كبار المسؤولين الأميركيين، وعقب ذلك تعرض بريد اللجنة الديمقراطية الوطنية للاختراق. وكان ذلك قبل الدعوة إلى انعقاد المؤتمر الديمقراطي الأخير الذي شهد كذلك تسريب السجلات الانتخابية الخاصة بعدد من الولايات. وتعرضت الملفات الطبية لبعض المشاهير الرياضيين الأوليمبيين الأميركيين للقرصنة أيضا، خلال الأسبوع الماضي، في خطوة انتقامية لاستبعاد رياضيين روس ثبت تعاطيهم للمنشطات للمنافسة على الميداليات في الدورة الأولمبية.
وأضافت ضابطة الاستخبارات هيل أن «الهدف من عمليات القرصنة تلك هو استفزازنا لأقصى درجة». وكانت خمسة من أجهزة «أيفون» الخاصة بهيل قد تعرضت للاختراق خلال الشهور الستة الماضية بعد نشر كتاب لها بعنوان «السيد بوتين: رجل العمليات في الكرملين» عام 2015.
في حين تعتمد الصين استراتيجية طويلة المدى في اختراق الأسرار الأميركية، كالاطلاع على الملايين من شهادات تأدية الخدمة العسكرية لاستخدامها في التجسس مستقبلا، والاطلاع على الأسرار العسكرية والتجارية لدعم تنميتها، يتفق الخبراء على أن الروس يفضلون الأسلوب التكتيكي الذي يعطي السياق والتوقيت أهمية كبيرة.
فبعد سنوات من التكتم والسرية حول القرصنة الإلكترونية التي تقوم بها، انتهزت روسيا فترة التوتر التي تمر بها السياسة الأميركية للإعلان عن خروقاتها. فقد صرح المرشح الرئاسي الجمهوري دونالد ترامب بأنه لا يمكن الوثوق في النظام السياسي الأميركي، ولمح بأن نتائج الانتخابات قد يجري تزويرها. والآن بعد أن تكشفت وقائع القرصنة الروسية، يسيطر القلق على الديمقراطيين وعلى جهات إنفاذ القانون ووكالات الاستخبارات الأميركية بشأن سلامة سير الانتخابات. وأفاد دبلوماسي رفيع في موسكو، طلب عدم ذكر اسمه لأنه غير مخول بالحديث في الأمر، بأن «هذا هو العدو الرئيسي لبلاده (روسيا)، فهو ينتهز الفرص لاستغلال نقاط ضعفها في اللحظات الحرجة».
من جانبه، أوضح أليسكاندر بونوف، دبلوماسي روسي سابق وحاليا زميل بمركز «كرانيغي موسكو»: «أرى رد الفعل السياسي للولايات المتحدة ضارا جدا للديمقراطية في جميع أنحاء العالم»، مضيفا: «هم يفعلون نفس ما يفعله بوتين بأن ينسبوا أي مشكله إلى التدخل الخارجي. أنت لا تتخيل كم الضرر الناتج عن ذلك، فالصورة التي نراها هنا هي أن السياسيين الأميركيين يعطون السياسة الأميركية صبغة بوتينية».
ويلعب الإعلام الأميركي كذلك دورا هاما في تسليط الضوء على بوتين لتعطيه، غير مستقصدة، هالة زعيم دولة عظمى. ففي يوم الأربعاء الماضي، على سبيل المثال، خصصت صحيفة «نيويورك تايمز» ثلاث صفحات من الست صفحات الأولى للحديث عن روسيا، وعن دورها في سوريا وقرصنتها الإلكترونية الأخيرة ونفوذها في أوروبا.
بهذا الشأن أفادت أنجيلا ستينت، ضابطة استخبارات أميركية سابقة خلال الفترة من 2004 – 2006 بأن «بوتين لا يزال يتعافى من التعليقات التي قللت من شأنه في السابق»; التي أطلقها أوباما عندما وصف روسيا كقوة إقليمية، مضيفة أنها «محاولة لتأكيد وجود روسيا، فأيا كانت الحقيقة، روسيا قد عادت».
وبحسب مسؤول استخبارات أميركي سابق، فإن روسيا تتبع نفس قواعد اللعبة التي استخدمتها في أوروبا في محاولة لزعزعة ثقة الناس في الحكومة ولإضعاف الدعم لحلف شمال الأطلسي العسكري والتأثير على الناخبين ممن يميلون لرؤية وأهداف بوتين.
وتشمل الحملة الاستثمار في الإعلام الخاضع لسيطرة الكرملين مثل شبكات «أر تي» و«سبونتك» الإخبارية، وبث أخبار كاذبة ومضللة وغيرها من الأنشطة الخفية. وأضاف المسؤول الاستخباراتي أن «موسكو تبدو كـأنها تسعى لإظهار أهميتها كلاعب إقليميي رئيسي، وكقائد عالمي، إلا أنها تواجه مشكلة محدودية قدراتها بسبب ركود الاقتصاد الروسي والتراجع الديموغرافي، ونهج السياسية الخارجية الخرقاء»، لافتا إلى أن «روسيا تسعى أيضا لمواجهة قيادة ونفوذ الولايات المتحدة للنظام العالمي».
ولأكثر من عقد كامل، استمرت موسكو في اتهام واشنطن بالتدخل في شؤونها السيادية، زاعمة أن وزارة الخارجية الأميركية ترعى انشقاقا سياسيا وأن وكالة الاستخبارات الأميركية (سي أي إيه) تخطط لانقلاب داخل نطاق نفوذ الكرملين.
وشكّلت ما يعرف بـ«الثورات الملونة»، وهي الاحتجاجات التي اجتاحت الشوارع وأسقطت حكومات كثيرة خلال الفترة من 2003 – 2005 في الكثير من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق ومنها أوكرانيا، نقطة تحول في العلاقات الروسية الأميركية. فبعدما تسببت الانتخابات البرلمانية عام 2011 في إثارة الاحتجاجات، زعم بوتين أن وزير الخارجية الأميركية حينها هيلاري كلينتون «أرسلت بإشارة» إلى المحتجين مفادها أن الانتخابات «لم تكن حرة ولا نزيهة».
وبدأ المخططون العسكريون الروس في التعامل مع الثورات الملونة كنهج جديد للحرب والتغيير السياسي. ففي عام 2014. عندما أسقط المتظاهرون الرئيس الأوكراني فيكتور ينكوفيتش، وسط حالة من الجدل الواسع حول تحديد ما إذا كان مستقبل أوكرانيا سيرتبط بروسيا أم بالغرب، زعم بوتين أن المتظاهرين تلقوا تمويلا وتدريبا من الخارج.
وكان بوتين قد صرح في برنامج «60 دقيقة» الإخباري في سبتمبر (أيلول) 2015 بقوله «ما أؤمن أنه ليس مقبولا بكل تأكيد هو حل السياسات الداخلية في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق من خلال الثورات الملونة والانقلابات العسكرية وإزاحة الأنظمة عن السلطة بشكل غير دستوري. كل هذا غير مقبول على الإطلاق».
فالخبراء الذين عملوا في روسيا أفادوا بأن ميزانية الخدمات الأمنية التي تستهدف تعزيز السيطرة الإلكترونية ضخمة وأن خبراتهم ومهاراتهم العملية في ظل الحكم السوفياتي كانت كبيرة وأن ما فعلوه مؤخرا ما هو إلا إعادة تنشيط لتلك المهارات.

* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».