21 % من المجتمع الألماني ذوو أصول أجنبية

1.2 مليون لاجئ وفدوا إلى ألمانيا سنة 2015 ليسوا ضمن الإحصائية

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مع قادة أوروبا في قمة سلوفاكيا أمس (رويترز)
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مع قادة أوروبا في قمة سلوفاكيا أمس (رويترز)
TT

21 % من المجتمع الألماني ذوو أصول أجنبية

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مع قادة أوروبا في قمة سلوفاكيا أمس (رويترز)
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مع قادة أوروبا في قمة سلوفاكيا أمس (رويترز)

في التسعينات من القرن الماضي، وبعد ارتفاع المد النازي بتأثير الوحدة الألمانية، شكل الأجانب في ألمانيا منظمة «8 في المائة» تعبيرًا عن نسبتهم في المجتمع الألماني. منذ ذلك الحين ارتفعت هذه النسبة إلى 14 في المائة سنة 2005، وقفزت الآن إلى 21 في المائة بحسب دائرة الإحصاء المركزية.
ونشرت الدائرة يوم أمس الجمعة تقريرًا قالت فيه إنها سجلت 17.1 مليون «ألماني» من أصول أجنبية سنة 2015. وهذا يسجل نسبة 21 في المائة قياسًا إلى نفوس المقيمين في ألمانيا البالغ نحو 82 مليونا. وأشارت الدائرة إلى أن هذه الإحصائية لم تشمل جيش اللاجئين الذي بلغ تعداده 1.2 مليون لاجئ وفد لألمانيا سنة 2015، ولا مئات الآلاف الذين وفدوا لألمانيا في الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري. وهذا يزيد 4 في المائة عن إحصائية سنة 2014.
ومن جديد كان الألمان من أصول تركية وبولندية وروسية يشكلون غالبية الأجانب. وأحصت الدائرة 6.3 مليون مهاجر من البلدان التي سبق أن صدرت القوى العاملة، في ستينات القرن الماضي إبان «المعجزة الاقتصادية» الألمانية ما بعد الحرب الكونية الثانية، مثل تركيا وإيطاليا واليونان. وبرر التقرير الرقم القياسي الجديد بالهجرة الكبيرة إلى ألمانيا، سواء من داخل دول الاتحاد الأوروبي، أو من البلدان المصدرة للاجئين. إذ وصل إلى ألمانيا في سنة 2015 نحو 11.5 مليون مهاجر، وهذا رفع عدد ذوي الأصول الأجنبية بنسبة 5.5 في المائة. ولبلد «الكهلة» ألمانيا أن يفرح بالإحصائية، لأن نسبة الشباب من المهاجرين وأبنائهم، من عمر يقل عن 18 سنة يبلغ الثلث، في حين أن نسبتهم بين المسنين لا تزيد عن 10 في المائة، وهذه إضافة اجتماعية اقتصادية للمجتمع الألماني.
مع ذلك فإن حصة المهاجرين من عمر 25 - 35 في التدريب المدني والدراسة أقل من حظوظ الألمان الأصليين، لكن نسبتهم في مجال التعليم العالي تتساوى مع أبناء البلد الأصليين. وتنسحب هذه الحالة على المهاجرين الأكبر سنًا من فئة أعمار 25 - 65، رغم أنهم يعملون ضعف الألمان من نفس الفئة العمرية من الموظفين والمستخدمين.
وتختلف فرص العمل كثيرًا بين الألمان من أبناء المهاجرين وبحسب البلد الأصلي. وهكذا أنهى 88 في المائة من الصينيين الدراسة الإعدادية، في حين تقف نسبة الأتراك من نفس السن (25 - 35) على 16 في المائة. وهذا ينطبق على الأجور، لأن المهاجر من أصول فرنسية يتلقى مرتبًا شهريا يبلغ 2622 يورو مقابل بلغاري، من نفس المؤهلات، يتلقى راتبًا قدره 1352 يورو فقط.
تفند التفاصيل في الإحصائية سياسة اليمين المتطرف المعادية للهجرة، التي تتحدث عن التأثير السلبي للمهاجرين على الاقتصاد الألماني. إذ ترتفع نسبة «الأكاديميين» بين المهاجرين عمومًا إلى 29 في المائة، وإلى 25 في المائة بين المهاجرين من رومانيا وبلغاريا، في حين أن هذه النسبة لا تزيد عن 19 في المائة في المجتمع الألماني. المهم أيضًا هو أن نسبة حملة الشهادات في مجالات الرياضيات والمعلوماتية والعلوم الطبيعية والطب والتقنية ترتفع بين المهاجرين القادمين إلى ألمانيا إلى 10 في المائة، وإلى 8 في المائة بين القادمين من رومانيا وبلغاريا، في حين أنها لا تتعدى نسبة 6 في المائة بين سكان ألمانيا.
ومعروف أن عدد الأتراك المهاجرين في ألمانيا يقترب من 3 ملايين (بضمنهم الأكراد)، ولكن من المتوقع خلال سنوات أن يعادلهم السوريون تقريبًا. فهناك 366 ألف سوري متجنس يقيم في ألمانيا منذ عقود، وأضيف لهم في السنة الأخيرة أكثر من نصف مليون لاجئ، على أن يلتحق بهم أكثر من نصف مليون من العوائل. وطبيعي فإن أبواب الهجرة إلى ألمانيا مفتوحة أمام السوريين أكثر من غيرهم، ومن المتوقع قدوم مئات الآلاف في العام الجاري أيضًا. وبحسب أرقام دائرة الإحصاء المركزية يبلغ عدد المقيمين في ألمانيا من أصول عربية نحو 762 ألفا، حتى نهاية 2015. ولم تدخل في هذه الإحصائية أيضًا أعداد العرب اللاجئين بين جموع اللاجئين سنة 2015. ويلي السوريين في القائمة العراقيون (136 ألفًا) والمغاربة (72 ألفًا). لا تتكلم الدولة الألمانية بذلك، ولا الصحافة والإعلام ككل، ولكن تحليلات بعض الألمان في المقاهي تروح إلى الاعتقاد بأن الحكومة الألمانية تعتمد خطة لموازنة الأتراك بالجالية العربية.
على صعيد ذي صلة أجرى معهد «يوغوف» لاستطلاعات الرأي استطلاعًا بين الألمان حول الموقف من الوعي بالهوية. وكان على الذي شمله الاستفتاء أن يجيب على سؤال «كيف يميز نفسه، أحسب قوميته أم دينه أو مدينته». وظهر أن 60 في المائة ممن شملهم الاستفتاء ميزوا أنفسهم كألمان فقط، في حين اعتبرت نسبة الثلث أنهم «محايدون»، في حين وقفت البقية موقفًا سلبيًا، أو سلبيًا جدًا، من الانتماء القومي.
وعن البلد الأوروبي المفضل قالت نسبة 47 في المائة أنه ألمانيا، ونسبة 7 في المائة أنها إيطاليا. وميزت نسبة 13 في المائة نفسها بحسب مناطقها، ونسبة 12 في المائة بحسب مدينتها، و11 في المائة بحسب ولايتها، مع نسبة 10 في المائة قالت: إنها «مواطن عالمي».
دافع وزير المالية الألماني فولفجانج شيوبله أول من أمس الخميس عن سياسة الباب المفتوح التي تنتهجها المستشارة أنجيلا ميركل إزاء المهاجرين وحث أعضاء ائتلافها المحافظ على التوقف عن التشاحن بشأن القضية قبيل انتخابات في مدينة برلين غدا الأحد.
ومن جانب آخر دافع وزير المالية الألماني فولفجانج شيوبله عن سياسة الباب المفتوح التي تنتهجها المستشارة أنجيلا ميركل إزاء المهاجرين وحث أعضاء ائتلافها المحافظ على التوقف عن التشاحن بشأن القضية قبيل انتخابات في مدينة برلين يوم غد الأحد. وتصاعدت حدة الخلاف بشأن الهجرة بين حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي تتزعمه ميركل وشقيقه البافاري الاتحاد الاجتماعي المسيحي منذ تعرض حزب ميركل لهزيمة انتخابية ثقيلة في ولاية مكلنبورج فوربومرن هذا الشهر. وأضر قرار ميركل قبل عام بفتح حدود ألمانيا بشعبيتها وبدأ يهيمن مجددا على الحملات الانتخابية قبل اقتراع الأحد في برلين مما يعزز من دعم حزب البديل من أجل ألمانيا المناهض للمهاجرين.
واستقبلت ألمانيا زهاء مليون مهاجر العام الماضي مما أضر بميركل وأثار شكوكا بشأن ما إذا كانت ستترشح لفترة رابعة في 2017.
وقال شيوبله وهو أقدم برلماني في البوندستاغ في مقابلة مع تلفزيون «زد دي إف»: «لا يوجد أحد في ألمانيا حتى الآن تراجع دخله يورو واحد لأسرته أو لأطفاله بسبب قدوم اللاجئين إلى هنا».
واتهم شيوبله حزب البديل من أجل ألمانيا بتأجيج المخاوف. وأضاف: «لم نخفض الرواتب يورو واحدا... جرى إقناع الناس فحسب بتصديق ذلك».
وأضاف عن الولاية التي تبلغ نسبة البطالة فيها 11 في المائة وهو ما يزيد كثيرا عن المتوسط الوطني الذي يتجاوز الستة في المائة بقليل «البرقع ليس أكبر مشكلة في مكلنبورج فوربومرن». وتابع أن الجدل بشأن الهجرة يذكي التوتر في ألمانيا.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended