المخدرات.. تجارة تدر الملايين على الجماعات الإرهابية في ليبيا

حمولة سفينة «أبردين» من الحشيش المحتجزة عام 2014 قدرت قيمتها بنحو 240 مليون يورو

الجماعات الإرهابية في ليبيا تلجأ إلى تهريب المخدرات عبر البواخر لتعزيز إمكانياتها المادية (أ.ف.ب)
الجماعات الإرهابية في ليبيا تلجأ إلى تهريب المخدرات عبر البواخر لتعزيز إمكانياتها المادية (أ.ف.ب)
TT

المخدرات.. تجارة تدر الملايين على الجماعات الإرهابية في ليبيا

الجماعات الإرهابية في ليبيا تلجأ إلى تهريب المخدرات عبر البواخر لتعزيز إمكانياتها المادية (أ.ف.ب)
الجماعات الإرهابية في ليبيا تلجأ إلى تهريب المخدرات عبر البواخر لتعزيز إمكانياتها المادية (أ.ف.ب)

استخدمت جهود المحققين من وحدة مكافحة المخدرات الإيطالية في قياس مستوى تدفق الحشيش إلى السواحل الأوروبية، ولذلك فعندما رن جرس الهاتف مع إشارة إلى أن هناك سفينة محملة بمخدر الحشيش تجوب المياه الدولية إلى جنوب صقلية في طريقها إلى ليبيا، على مسافة مئات الأميال إلى الشرق من طريق المخدرات السريع والمعتاد إلى إسبانيا، علم فرانشيسكو أميكو، كبير المحققين الإيطاليين، أن هناك أمرا غريبا يحدث.
فعندما أوقفت سفينتان حربيتان إيطاليتان سفينة الشحن «آدم»، قبالة السواحل الليبية في 12 أبريل (نيسان) عام 2013. عثر طاقم السفن الحربية الإيطالية على عدد من السوريين المصابين برعب شديد، بالإضافة إلى 15 طنا من مخدر الحشيش، وهي الشحنة التي تجاوز أكبر الشحنات التي صادرتها السلطات الإيطالية في أي وقت مضى.
وإثر ذلك عثرت السلطات الإيطالية على طريق جديد ومربح لتهريب المخدرات، يمتد بعيدا إلى الشرق على طول سواحل شمال أفريقيا، ويؤدي دائما إلى ليبيا، وبالضبط في المنطقة التي تتنازع عليها الجماعات المسلحة المختلفة، ومن بينها تنظيم داعش الإرهابي.
ومن خلال مساعيهم لفهم ما الذي حدث لشحنات التهريب الضخمة، واجه المحققون لغزا أثار كثيرا من التساؤلات المهمة، ولكن مع القليل من الإجابات الشافية. فأحد الأمور التي يعرفونها هي أن المخدرات لا ينتهي بها الحال في ليبيا، وأن منتجي المخدرات يستخدمون باستمرار شعارات وعلامات تجارية منفردة، مثل شعار العقرب أو علامة الدولار، ويساعد ذلك المحققين في معرفة الدرب الذي تسلكه شحنات المخدرات بعدما تغادر ليبيا، حيث تسافر على طول الطريق البري عبر مصر ثم إلى أوروبا عبر البلقان.
ولكن المحققين لا يزالون غير متأكدين مما يحدث حال عبور المخدرات لذلك الطريق. فمن واقع الاستجواب والمراقبة، علم المحققون بالطريق العابر للأراضي التي كانت حتى وقت قريب خاضعة لسيطرة تنظيم داعش الإرهابي، الذي كان يفرض الضرائب على مرور شحنات المخدرات وغير ذلك من البضائع في سوريا والعراق.
وأدى هذا بالمحققين الإيطاليين، على وجه الخصوص، إلى البدء في طرح الأسئلة التي لم يكونوا يتوقعون أن يطرحوها: هل يمكن لتنظيم داعش، أو أي جماعة أخرى أن تربح من طريق تهريب المخدرات من خلال فرض الضرائب؟ وهل كانت الفوضى التي سببتها الجماعات المتطرفة في ليبيا توفر الفرص لمهربي المخدرات من أجل تلمس طريق تهريب جديد لا تعلم السلطات عنه شيئا أو لعلها لا تتوقع وجوده، أو هل كانت الجماعات المتمركزة في ليبيا متورطة بصورة مباشرة في عمليات تهريب المخدرات ذاتها؟ كما يقول المحققون.
يقول المقدم جيوسبي كامبوباسو، الذي يرأس وحدة مكافحة المخدرات في صقلية تحت رئاسة الحرس المالي التابع لوزارة الاقتصاد والمالية الإيطالية، وهي قوة الشرطة المالية الإيطالية التي تقود عمليات البحث عن سفن التهريب: «فور وصول الشحنات إلى ليبيا، فإننا نفقد كل أثر لها».
وعلى مدى سنوات، كان المحققون الإيطاليون يتعقبون الشحنات الصغيرة لمخدر الحشيش بأوزان تبلغ مائة كيلوغرام في المرة الواحدة، التي تصل إلى إسبانيا. وفي عام 2007 بدأت إسبانيا في تركيب كاميرات للمراقبة أعلى وأسفل السواحل الجنوبية، ولكن على الأقل في بداية الأمر، استمرت عمليات تهريب الحشيش.
ومع عيون البحث الأوروبية المدربة على التقاط القوارب الصغيرة المتجهة نحو إسبانيا، لم يلحظ أحد في أول الأمر سفن الشحن الكبيرة التي كانت تأخذ المنعطف الكبير نحو الشرق. وقد فسر جياكومو كاتانيا، المفتش لدى الحرس المالي الإيطالي الذي كان مسؤولا عن تخزين شحنات المخدرات المصادرة، معضلة غريبة أخرى، وهي أن سفن الشحن الكبيرة التي احتجزوها، وبعضها يبلغ طولها مساحة ملعب لكرة القدم ومصممة لنقل أساطيل من السيارات وحاويات البضائع، كانت خالية تماما من أي شيء إلا المخدرات.
وبالنظر إلى مبيعات مخدر الحشيش التي تبلغ 10 آلاف يورو، أو ما يساوي 11.200 ألف دولار للكيلوغرام الواحد بمجرد وصوله إلى الشوارع الأوروبية، فإن حمولة السفينة «آدم» بمفردها تساوي مبلغ 150 مليون يورو. وكانت الشحنات التي صودرت في أوقات لاحقة أكبر من ذلك بكثير، بما في ذلك حمولة من الحشيش على متن سفينة الشحن «أبردين»، التي احتجزتها السلطات في صيف عام 2014، التي قدرت قيمتها بنحو 240 مليون يورو، أو ما يساوي 472 مليون دولار.
وبعد الاستيلاء على السفينة «آدم»، أخضع المحققون الإيطاليون طاقم السفينة للاستجواب، لكنهم أصروا جميعا على أنهم لا علم لهم بالحشيش المخبأ في 591 من الأكياس البلاستيكية التي عثر عليها المحققون على متن السفينة. وقد شهد ربان السفينة بأنه كان يعتقد أنه كان ينقل مساعدات إنسانية وصلت إلى متن السفينة بواسطة طاقم من أحد القوارب السريعة الذي اقترب من السفينة الكبيرة، وأصر على نقل الأكياس البلاستيكية، وفقا لنص شهادته أمام المحققين الإيطاليين.
ولمعرفة المزيد، قرر المحققون الإيطاليون، الذين يملكون عقودا من الخبرة في التعامل مع المافيا في صقلية، زرع أجهزة التنصت في الزنازين التي سُجن فيها ستة من طاقم السفينة. وبعد شهور من المراقبة المستمرة، بدأ أميكو في استكشاف الخطوط العريضة لمسار التهريب، وفك لغز معقل الجماعات المتطرفة على السواحل الليبية الذي تمر عبره شحنات التهريب.
ومنذ الإطاحة بالزعيم الليبي معمر القذافي في عام 2011، تحولت الأراضي الليبية، الممتدة على طول الشريط الساحلي في المنطقة الشرقية من برقة إلى ساحة قتال بين الجماعات المتطرفة المتناحرة. وبحلول عام 2014، شمل ذلك فرع تنظيم داعش في ليبيا، الذي كانت له في كثير من الأوقات مواطئ قدم في مدن بنغازي، ودرنة، خصوصا مدينة سرت، التي سقطت بصورة جزئية في أيدي القوات الموالية للحكومة.
ويعتقد المسؤولون الإيطاليون أن تلك المدن كانت جميعها وجهات مؤكدة لبعض من شحنات المخدرات، على الرغم من أن وحدات الملاحة للسفن الأخرى المحتجزة تشير إلى أنها كانت متجهة إلى ميناء طبرق الليبي الخاضع لسيطرة الجماعة المعارضة التي تقاتل تنظيم داعش في البلاد.
ويقول المحققون إنهم يعتقدون أنه في بعض الحالات على أقل تقدير، كان التنظيم الإرهابي قادرا على فرض ضرائب على مرور شحنات المخدرات. مما يضاهي ممارسات الأعمال التي يضطلع بها تنظيم داعش في معقله المعروف في سوريا والعراق، حيث إن نسبة 7 في المائة من عائدات التنظيم خلال العام الماضي نابعة من إنتاج، وفرض الضرائب على تهريب المخدرات، وفقا لدراسة أعدها مركز بلدان المخاطر التابع لمؤسسة «آي إتش إس» البحثية. غير أن المسؤولين يقولون إنهم لا يستطيعون الجزم بأي الأدوار، إن كانت هناك أدوار، يلعبها تنظيم داعش في عمليات تهريب شحنات الحشيش.
*خدمة: {نيويورك تايمز}



أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
TT

أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)

في حي شعبي شمال العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، يقف محمد، ذو الأحد عشر عاماً، أمام «فرشة» صغيرة لبيع الألعاب، يراقب أترابه وهم يختارون ما يريدون بفرح، بينما اكتفى هو بالنظر بصمت قبل أن يغادر ممسكاً بيد شقيقه الأصغر.

يقول محمد لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتمنى أن أشتري سيارة لعبة وأن ألبس ملابس جديدة للعيد، لكنَّ أبي قال إن الوضع صعب، وربما يشتريها لي في السنة المقبلة».

ومع اقتراب عيد الأضحى، تبدو فرحة العيد في صنعاء وبقية المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين، باهتة لدى كثير من الأطفال الذين أثقلت الحرب كاهل أسرهم، وحوَّلت أحلامهم البسيطة إلى أمنيات مؤجلة. فالظروف المعيشية والاقتصادية المتدهورة، وارتفاع الأسعار، وغياب الرواتب، وندرة فرص العمل، دفعت آلاف العائلات إلى الاكتفاء بتأمين الغذاء، فيما أصبحت ملابس العيد والألعاب رفاهية بعيدة المنال.

وأجرت «الشرق الأوسط» جولة في بعض شوارع وأسواق صنعاء، ورصدت مشاهد تختصر حجم المعاناة والحرمان اللذين يعيشهما مئات الأطفال، في ظل ازدياد معدلات الفقر وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما ينعكس مباشرةً على احتياجات الصغار الأساسية.

في سوق «السنينة» بمديرية معين وسط المدينة، كانت الطفلة ريم (9 أعوام) تساعد والدتها على بيع بعض الحلويات المنزلية، بينما تراقب فساتين العيد المعلقة على واجهات المحلات.

الأطفال في اليمن يتحملون المشقة لمساعدة عائلاتهم (الشرق الأوسط)

وتقول الطفلة: «أتمنى أن ألبس فستاناً وردياً وأن أخرج للعب مع البنات، لكنَّ أمي تعجز دائماً عن توفير ذلك».

وفي حي الحصبة شمال صنعاء، يجلس الطفل سليم إلى جوار والده داخل «فرشة» صغيرة لبيع الخضراوات، وهو يعبث بطائرة ورقية صنعها بنفسه.

ويقول: «أحلم بأن أكون مهندساً وأن أبني متجراً كبيراً لأبي، وأساعده يومياً في البيع والشراء حتى يستطيع تأمين كل احتياجاتي من الملابس والألعاب وغيرها».

ورغم قسوة الواقع، لا يزال الأطفال في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين يتمسكون بأحلامهم الصغيرة، ويحاولون صناعة فرحتهم بوسائل بسيطة. ففي بعض الحارات الشعبية، يجتمع الصغار للعب بالكرات الورقية أو الألعاب القديمة، بينما تحاول أسر الحفاظ على الحد الأدنى من طقوس العيد، عبر تقديم مبالغ رمزية للأطفال أو إعداد وجبات منزلية متواضعة.

آثار نفسية ومعيشية

تؤكد تقارير إنسانية أن الأطفال في اليمن هم الأكثر تضرراً من الأزمة الممتدة، حيث يعاني كثير منهم من سوء التغذية وغياب الخدمات الأساسية، فضلاً عن الآثار النفسية التي خلفتها الحرب والفقر الناتجين عن الانقلاب الحوثي.

ويرى مختصون اجتماعيون أن الأعياد في اليمن فقدت جزءاً كبيراً من ملامحها التقليدية خلال السنوات الأخيرة، بعدما انعكست الأزمة الاقتصادية والحرب المستمرة على حياة الأسر، خصوصاً الأطفال.

طفلة يمنية تراجع دروسها برفقة ميزان في أحد شوارع صنعاء (إكس)

ويؤكد هؤلاء أن كثيراً من الأطفال في صنعاء ومدن أخرى تحت سيطرة الحوثيين باتوا يواجهون واقعاً قاسياً حرمهم من أبسط مظاهر الفرح المرتبطة بالعيد، مثل الملابس الجديدة أو الخروج إلى الحدائق وشراء الألعاب.

وحسب التقارير الدولية، فإن استمرار الحرب والأزمة الإنسانية في اليمن تركا آثاراً نفسية ومعيشية عميقة على الأطفال، الذين كبر كثير منهم قبل أوانهم، وأصبحوا أكثر إدراكاً لمعاني الحرمان والخوف وعدم الاستقرار.

تحذيرات أممية

في موازاة ذلك، يشير الطفل أيهم (15 عاماً)، الذي يقطن مع عائلته في حي القاع بصنعاء، إلى أن الأطفال باتوا أكثر وعياً بالظروف القاسية التي تمر بها أسرهم، الأمر الذي يدفعهم إلى كتمان رغباتهم أو تأجيل أحلامهم الصغيرة مراعاةً لأوضاع آبائهم.

ويضيف: «أمنيتي الوحيدة أن يأتي يوم أحتفل فيه مع أسرتي بعيد بلا حرب، وبأحلام لا تؤجلها الحاجة».

ويتزامن ذلك مع تحذير برنامج الغذاء العالمي من استمرار الارتفاع المقلق في معدلات سوء التغذية بين الأطفال دون سن الثانية في اليمن، مع تسجيل مستويات أكثر حدة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

يمنيون في صنعاء يبتكرون ألعاباً لأطفالهم خلال أيام العيد (الشرق الأوسط)

وأوضح البرنامج الأممي أن بيانات الرصد من بُعد تشير إلى أن الفقر الغذائي الحاد بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و23 شهراً لا يزال عند مستويات مرتفعة خلال عام 2026، رغم تسجيل تحسن طفيف في مارس (آذار) الماضي.

وحسب التقرير، لا يزال الوضع الإنساني في اليمن بالغ الخطورة، إذ يُقدَّر أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم، إلى جانب توقعات بتعرض نحو 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة لسوء التغذية خلال العام الجاري.

Your Premium trial has ended


ملايين اليمنيين عاجزون عن تأمين الغذاء

60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
TT

ملايين اليمنيين عاجزون عن تأمين الغذاء

60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)

أكدت بيانات أممية حديثة أن واحداً من كل شخصين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية يعاني من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في ظل استمرار التدهور الاقتصادي وتراجع المساعدات الإنسانية واتساع آثار الصراع؛ الأمر الذي جعل ملايين السكان غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية.

ووفق تقرير أممي حديث بشأن مستويات الأمن الغذائي، فإن نحو 5 ملايين يمني يعيشون حالياً في «المرحلة الثالثة أو ما فوقها» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، وهي مرحلة «الأزمة» أو «ما هو أسوأ»، حتى الشهر الحالي.

«حالة الطوارئ»

وأظهرت البيانات أن نحو 1.4 مليون يمني دخلوا المرحلة الرابعة؛ «حالة الطوارئ»، في مؤشر على اتساع فجوات استهلاك الغذاء، واضطرار كثير من الأسر إلى اتباع استراتيجيات تكيف قاسية، مثل بيع الممتلكات أو المواشي أو اللجوء إلى التسول، للبقاء على قيد الحياة.

وأشار التقرير إلى أنه لولا المساعدات الإنسانية المحدودة التي قُدمت لنحو 1.7 مليون شخص خلال الفترة الماضية، لكانت مستويات انعدام الأمن الغذائي أشد سوءاً، موضحاً أن 47 في المائة من السكان الذين شملهم التحليل، البالغ عددهم 10.5 مليون نسمة، يعانون من «المرحلة الثالثة أو أعلى» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي».

انخفاض حاد في المساعدات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية (الأمم المتحدة)

وعلى الرغم من حدة الأزمة، فإن التقرير تحدث عن تحسن موسمي طفيف في توافر الغذاء وإمكانية الحصول عليه مقارنة بالفترة السابقة، التي بلغ فيها عدد السكان في «المرحلة الرابعة» نحو 1.6 مليون يمني.

وعزا التقرير هذا التحسن المحدود إلى زيادة الإنتاج الزراعي والرعوي المحلي اليمني، وتوسع نطاق المساعدات الإنسانية، إضافة إلى ارتفاع الدعم المجتمعي عبر الزكاة والصدقات خلال الفترة الأخيرة، رغم تأكيده أن هذه العوامل لا تزال غير كافية لمعالجة الفجوات الغذائية المتصاعدة.

وأكدت البيانات أن نحو 60 في المائة من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة مصدراً رئيسياً للعيش، في حين لا يغطي الإنتاج المحلي سوى ما بين 25 و30 في المائة من الاحتياجات الغذائية الوطنية؛ مما يجعل اليمن أكبر عرضة لتقلبات أسعار الغذاء العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد المرتبطة بالصراع الإقليمي.

وصنف التقرير جميع المحافظات اليمنية الـ12 الخاضعة لسيطرة الحكومة ضمن «المرحلة الثالثة أو أعلى» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، في مؤشر على اتساع مواطن الضعف الهيكلية وتراجع قدرة الأسر على امتصاص الصدمات الاقتصادية والمعيشية.

وأوضح أن النازحين اليمنيين داخلياً والفئات المهمشة والأسر الأشد فقراً هم الأكبر تضرراً من ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل وانخفاض حجم المساعدات الإنسانية.

مخاوف من تفاقم الأزمة

نبهت الأمم المتحدة إلى أن أي تصعيد إضافي في النزاع أو استمرار خفض التمويل الإنساني في اليمن سيؤدي إلى اتساع الفجوات الغذائية وتسارع لجوء السكان إلى آليات تكيف أكبر هشاشة خلال الأشهر المقبلة.

وتوقعت البيانات أن يتدهور الوضع الغذائي سريعاً خلال موسم الجفاف الممتد من يونيو (حزيران) إلى سبتمبر (أيلول) المقبلين، مع ارتفاع عدد السكان في «المرحلة الثالثة أو أعلى» إلى 5.4 مليون شخص، يمثلون 51 في المائة من السكان الذين شملهم التحليل، بينهم 1.6 مليون شخص في «المرحلة الرابعة».

1.8 مليون يمني وصلوا إلى «المرحلة الرابعة» من انعدام الأمن الغذائي (الأمم المتحدة)

وتمثل هذه الأرقام زيادة بنحو 400 ألف شخص مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مع تحذيرات بأن النقص الحاد في التمويل سيؤدي إلى تقليص برامج الأمن الغذائي في اليمن لتشمل نحو 1.2 مليون شخص فقط، بثلث الحصة الغذائية القياسية.

وأشار التقرير إلى أن الصدمات المناخية، بما فيها الفيضانات المفاجئة، وتأخر مواسم الزراعة، وانتشار الآفات الزراعية، وارتفاع تكاليف المدخلات، ستؤدي إلى مزيد من تراجع الإنتاج الزراعي وانخفاض دخول الأسر اليمنية.

تراجع القدرة الشرائية

أكد التقرير الأممي أن استمرار عدم انتظام صرف الرواتب، وشح فرص العمل، يواصلان تقويض القدرة الشرائية للأسر اليمنية، في وقت يسهم فيه نقص السيولة المحلية والقيود المصرفية في زيادة صعوبة الحصول على الغذاء، خصوصاً للأسر المعتمدة على التحويلات المالية.

كما أشار إلى أن التوترات المرتبطة بـ«البنك المركزي»، وقيود السحب النقدي، وعدم الاستقرار المالي، تعرقل أنشطة التجار وتفاقم الضغوط الاقتصادية على السكان.

واحد من كل شخصين يمنيين يعاني من «انعدام الأمن الغذائي الحاد» (الأمم المتحدة)

وأوضح التقرير أن المساعدات الغذائية الإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية شهدت انخفاضاً حاداً منذ مطلع العام الحالي؛ نتيجة تخفيضات التمويل، حيث من المقرر أن يحصل 1.7 مليون شخص فقط على الدعم بمستويات متفاوتة من التغطية الغذائية.

وأكد أن محدودية التغطية، وانخفاض قيمة التحويلات، وتراجع وتيرة توزيع المساعدات، تؤدي إلى اتساع فجوات استهلاك الغذاء لدى الأسر المعتمدة على هذا الدعم.

وتوقع التقرير أن تتفاقم الأزمة خلال الربع الأخير من العام الحالي، مع ارتفاع عدد السكان المصنفين في «المرحلة الرابعة (حالة الطوارئ)» إلى نحو 1.8 مليون شخص، بزيادة تبلغ نحو 150 ألف شخص مقارنة بالمستويات الحالية.

وأشارت البيانات الأممية إلى أن هذا التدهور المتوقع في اليمن يعكس الاعتماد الكبير للسكان على المساعدات الإنسانية الخارجية لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية، إلى جانب هشاشة سبل العيش والاقتصاد المحلي.


ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
TT

ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

يتواصل الرفض العربي ضد مظاهر التعاون الإسرائيلي مع الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، منذ بدء الاعتراف في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وصولاً إلى رفض إعلان اعتزام الإقليم فتح سفارة له في القدس المحتلة.

وبحسب خبراء ومحللين، فإن ذلك الرفض العربي يحمل رسالة تحذيرية لأرض الصومال وإسرائيل، وستمتد حدوده من الإدانات والتحركات الدبلوماسية إلى إصدار قرارات بمساعدة واسعة لمقديشو لمنع أي تمدد لإسرائيل في المنطقة وإمكانية مقاطعة الإقليم.

وعمقت إسرائيل وجودها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بعد أن اعترفت به أواخر الماضي، وبعد تسمية سفراء في أبريل (نيسان)، وصولاً لإعلان قرب تبادل افتتاح السفارات في مايو (أيار) الحالي.

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال لقاء سابق مع رئيس أرض الصومال على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)

وأدانت السعودية ومصر وقطر والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا وجيبوتي والصومال وفلسطين وسلطنة عمان والسودان واليمن ولبنان وموريتانيا إعلان الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» فتح سفارة في القدس المحتلة، قبل أيام.

وأكد وزراء خارجية تلك الدول في بيان مشترك، الأحد، إدانة تلك الخطوة بأشد العبارات، ووصفوها بأنها غير قانونية ومرفوضة، وعدَّت ذلك «انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ومساساً مباشراً بالوضعين القانوني والتاريخي لمدينة القدس المحتلة».

وأعرب الوزراء عن رفضهم الكامل لأي إجراءات أحادية تستهدف تكريس واقع غير قانوني في القدس المحتلة أو منح شرعية لأي كيانات أو ترتيبات تخالف قواعد القانون الدولي، مؤكدين دعمهم الكامل لوحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية وسلامة أراضيها، والرفض الكامل لأي إجراءات أحادية تمس وحدة الأراضي الصومالية أو تنتقص من سيادتها.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، يوسف أحمد الشرقاوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن البيان المشترك خطوة إيجابية فيما يتصل بوقف اعتداءات الإقليم الانفصالي على سيادة الصومال وحقوق القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن هذه رسالة مباشرة أيضاً لأرض الصومال وإسرائيل بأن أي خطوات ستكون محل رفض عربي وإسلامي وتحذيرية لأي جهة أخرى يمكن أن تكرر مسار الإقليم الانفصالي.

بدوره، يرى أمين عام «مركز الفارابي للدراسات السياسية» مختار غباشي أن المواقف الدبلوماسية العربية تتواصل بهدف رفض أي وجود إسرائيلي في منطقة البحر الأحمر أو خلق قاعدة باعتبار ذلك تهديداً لأمن الدول العربية.

وأدان الصومال، الأربعاء الماضي، ذلك الإعلان أيضاً، معتبراً الخطوة إجراءً أحادياً غير قانوني ولا يترتب عليه أي أثر سياسي أو قانوني. واعتبر أن هذه الخطوة تمثل «استفزازاً سياسياً لا يتوافق مع الإجماع الدولي».

كما سبق وحذرت الجامعة العربية في بيان من «تعميق بؤر التوتر في القرن الأفريقي» على خلفية فتح إقليم «أرض الصومال» الانفصالي سفارة له في القدس المحتلة.

وكانت دول عربية وأفريقية قد أدانت في أبريل الماضي، بأشد العبارات، إعلان إسرائيل تعيين مبعوث دبلوماسي لدى «أرض الصومال».

ورغم ذلك، لا يتوقع الشرقاوي أن تصل حدود الرفض إلى دعم الصدام بين مقديشو والإقليم الانفصالي، مشدداً على ضرورة أن تتضمن المرحلة المقبلة قرارات أشد حسماً بمساندة الحكومة الصومالية وتقوية بسط سيطرتها على أراضيها، وكذلك مقاطعة الإقليم الانفصالي.

وشدد الشرقاوي على أهمية تعاظم الدور العربي والإسلامي لمنع أي وجود إسرائيلي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر لما له من أضرار كبيرة على استقرار المنطقة.

في المقابل، لا يستبعد غباشي، أن يتم دعم مقديشو بشكل واسع على كل المستويات «لمنع أي تهديد لسيادتها وسيادة الدولة العربية، ولو وصل الأمر لدعم صدام مباشر بين الصومال والإقليم الانفصالي، لمنع التمدد الإسرائيلي»، على حد قوله.