توقعات «وكالة الطاقة» تلقي بظلالها على أسعار النفط

تراجعت بأكثر من 3 % أمس

العرض من النفط سيواصل تجاوز الطلب في النصف الأول من العام المقبل على أقل تقدير (رويترز)
العرض من النفط سيواصل تجاوز الطلب في النصف الأول من العام المقبل على أقل تقدير (رويترز)
TT

توقعات «وكالة الطاقة» تلقي بظلالها على أسعار النفط

العرض من النفط سيواصل تجاوز الطلب في النصف الأول من العام المقبل على أقل تقدير (رويترز)
العرض من النفط سيواصل تجاوز الطلب في النصف الأول من العام المقبل على أقل تقدير (رويترز)

ازدادت أسواق النفط قتامة بعد تقرير لوكالة الطاقة الدولية أمس الثلاثاء، توقع استمرار تخمة المعروض في العام المقبل، وذلك بعد شهر واحد من تقديرات سابقة لها سيطر عليها التفاؤل الكبير.
وتأتي تلك التوقعات في وقت، شهدت فيه أسواق النفط لأول مرة اتفاقًا بين أكبر منتجين للنفط، السعودية (أكبر مصدر للخام في العالم) وروسيا (أكبر منتج للخام في العالم)، إذ من المتوقع أن يغير الاتفاق شكل السوق لـ«قبل وبعد الاتفاق»، إلا أن تقديرات وكالة الطاقة تجاهلت تمامًا هذا الاتفاق التاريخي، على الرغم من خلوه من بنود محددة. ومن المتوقع أن يجتمع المنتجون في الجزائر على هامش منتدى الطاقة الدولي بين 26 و28 سبتمبر (أيلول) الجاري.
وتوقعت وكالة الطاقة الدولية أمس الثلاثاء أن تتجاوز الإمدادات العالمية الطلب في العام المقبل. وتوقع أيضًا تقرير شهري لـ«أوبك» يوم الاثنين الماضي، أن أكبر المنتجين في العالم يتوقعون تسارع وتيرة الإنتاج من خارج المنظمة، مما يشير إلى احتمال وجود فائض من المعروض في السوق في 2017.
وقالت وكالة الطاقة: «تشير توقعاتنا في تقرير هذا الشهر إلى أن حركة العرض والطلب هذه ربما لن تتغير بشكل كبير في الأشهر المقبلة. ونتيجة لذلك فإن العرض سيواصل تجاوز الطلب في النصف الأول من العام المقبل على أقل تقدير».
وقال التقرير، إن من المتوقع زيادة معدلات تشغيل المصافي العالمية بأبطأ وتيرة في عشر سنوات على الأقل هذا العام، وهو ما سيقلص الطلب على النفط الخام مع ارتفاع المخزونات في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى مستوى قياسي جديد عند 3.111 مليار برميل.
وأضافت وكالة الطاقة: «في ضوء توقعاتنا الأشد تشاؤما لنشاط التكرير في النصف الثاني من 2016 وتعديلاتنا المتعلقة بإمدادات الخام، فإن السحب المتوقع (من المخزونات) في الربع الثالث من 2016 بات أقل الآن بينما زادت وتيرة الارتفاع (المتوقع في المخزونات) في الربع الأخير من 2016». ويتباطأ نمو الطلب العالمي بوتيرة أسرع مما توقعت الوكالة في وقت سابق.
وأبقت وكالة الطاقة على توقعاتها لنمو الطلب في 2017 دون تغيير عن تقديراتها في يونيو (حزيران) عند 1.2 مليون برميل يوميًا، لكنها خفضت توقعاتها لنمو الاستهلاك في 2016 إلى 1.3 مليون برميل يوميًا من 1.4 مليون برميل.
وقالت الوكالة: «التغير الرئيسي المتعلق بالطلب في هذا التقرير هو انخفاض قدره 300 ألف برميل يوميا لتقديرات الطلب العالمي في الربع الثالث من 2016، مع ما يترتب عليه من تقليص صافي توقعات 2016 بواقع 100 ألف برميل يوميًا».
وهبطت العقود الآجلة لخام «برنت» أكثر من اثنين في المائة أمس الثلاثاء، لتقترب من مستوى 47 دولارًا للبرميل، لكنها لا تزال مرتفعة 70 في المائة منذ بداية العام، إلا أنها عند نصف مستوياتها قبل عامين.
وتتوقع أوبك أن يبلغ متوسط الطلب على نفطها 32.48 مليون برميل يوميا في 2017 بانخفاض قدره 530 ألف برميل يوميا عن تقديراتها السابقة.
وقال تجار إن أسعار النفط لم تتلق دعمًا يذكر من بيانات إيجابية عن نمو الناتج الصناعي الصيني في أغسطس (آب)، إذ ظل الإقبال على جني الأرباح هو الاتجاه السائد في السوق.
ونما الناتج الصناعي الصيني بأسرع وتيرة له في خمسة أشهر في أغسطس، مع تعافي الطلب على منتجات من بينها الفحم والسيارات بفضل ارتفاع الإنفاق الحكومي وانتعاش الائتمانات وقطاع العقارات.
على صعيد متصل، أظهر برنامج تحميل مبدئي أمس الثلاثاء، أن العراق يخطط لزيادة صادرات النفط الخام من موانئ الجنوب إلى 3.28 مليون برميل يوميا في أكتوبر (تشرين الأول) من 3.253 مليون برميل يوميا مخطط لها في سبتمبر.
ومن المتوقع أن تنخفض صادرات خام البصرة الثقيل 256 ألف برميل يوميا إلى 677 ألف برميل يوميا. كما يتوقع أن ترتفع صادرات خام البصرة الخفيف 283 ألف برميل يوميا إلى 2.6 مليون برميل يوميا.
وتوقع وزير النفط الهندي يوم الاثنين نمو الطلب على الخام في بلاده بما يتجاوز 11 في المائة هذا العام، مع تسريع ثالث أكبر مستهلك للنفط والغاز عالميا لوتيرة التنمية الاقتصادية.
وقال الوزير درامندرا برادان لـ«رويترز»: «التوقع الأولي لمسار النفط (العام الماضي) كان بين 7 و8 في المائة، لكننا انتهينا عند 11 في المائة. هذا العام أنا أكثر تفاؤلا، هذا العام (الطلب على النفط بالهند) سيتجاوز الأرقام المسجلة والتوقعات ونحن مستعدون لذلك».
وأضاف أن النمو سيكون مدفوعا بتحسن الأمطار الموسمية وتسارع النشاط الاقتصادي.
كان الوزير يتحدث في لندن قبيل عرض توضيحي لجولة هندية لترسية حقول صغيرة مكتشفة يقدر أنها تحوي 625 مليون برميل من النفط والغاز. وقال برادان إن الحكومة الهندية تخطط لإطلاق جولة تراخيص للتنقيب عن النفط في السنة المالية المقبلة، مع سعي البلاد لتقليل اعتمادها على الواردات بنسبة 10 في المائة بحلول 2022.
وأظهرت بيانات من إدارة معلومات الطاقة الأميركية يوم الاثنين، أن من المتوقع تراجع إنتاج الولايات المتحدة من النفط الصخري 61 ألف برميل يوميا في أكتوبر إلى 4.41 مليون برميل يوميا.
وبهذا ينخفض الإنتاج للشهر الحادي عشر على التوالي وسط انحدار الأسعار المستمر منذ عامين في أسواق النفط العالمية. والإنتاج المتوقع في أكتوبر هو الأدنى منذ مارس (آذار) 2014.
ومن المتوقع تراجع إنتاج الغاز الطبيعي للشهر الثامن على التوالي في أكتوبر إلى 45.3 مليار قدم مكعبة يوميا، وهو أدنى مستوى منذ مارس 2015 حسبما قالت إدارة المعلومات.
وسيقل هذا 0.3 مليار قدم مكعب يوميا عن سبتمبر، مما سيجعله أصغر انخفاض شهري منذ مايو (أيار).
وتباطأت مشتريات الصين من النفط الخام المخصصة للتخزين الاستراتيجي في النصف الأول من 2016، نظرًا للتأخر في بناء المنشآت وامتلاء مواقع التخزين القائمة، مما نتج عنه تدفق مزيد من الواردات على المصافي المستقلة.
وتظهر المنافسة ازدياد القوة الشرائية لتلك المصافي. وحدّ تباطؤ مشتريات التخزين على الأرجح الطلب الصيني على الخام في النصف الأول من العام، لكن ذلك قد يتغير مع تشغيل المواقع الجديدة لتخزين النفط الاستراتيجي في 2016 وأوائل 2017.
وتقدر «إس إي إيه» للاستشارات في بكين، أن المخزونات الحكومية بلغت 35.6 مليون طن بما يعادل 260 مليون برميل في نهاية يوليو (تموز) بمعدل ملء قدره 180 ألف برميل يوميا في المتوسط. وهذا أقل 25 في المائة من بيانات الحكومة للنصف الثاني من 2015. وساهمت عوامل كثيرة في هذا التباطؤ، من بينها تأخر بناء صهاريج التخزين الجديدة والصعوبات الهندسية في التخزين تحت الأرض. لكن كانت هناك منافسة من المصافي المستقلة التي تجاوزت مشتريات التخزين الاستراتيجي. وتقدر «تومسون رويترز» أن معدل الملء تباطأ إلى 130 ألف برميل يوميا في الثمانية أشهر الأولى من 2016.
ونشر مكتب الإحصاءات الوطني الصيني في الثاني من سبتمبر، تحديثا نادرا لحجم المخزون النفطي الاستراتيجي أحد أكبر المخزونات في العالم. وقال المكتب إن الصين لديها 31.97 مليون طن أو 233 مليون برميل في أوائل 2016، وهو ما يعادل صافي واردات الخام لنحو 33 يوما. وتضمن التحديث المخزون الاستراتيجي وبعض المخزون التجاري.
تلك زيادة قدرها 43 مليون برميل في النصف الثاني من 2015، وتشير إلى معدل ملء بنحو 240 ألف برميل يوميا.
وتراجعت عمليات الشراء في النصف الأول من 2016 عن العام الماضي، على الرغم من انهيار الأسعار إلى 27 دولارا للبرميل في يناير (كانون الثاني)، مسجلة أدنى مستوياتها فيما يزيد على 10 سنوات، وهو ما يعني أن الصين فقدت فرصة لاقتناص النفط الرخيص.



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.