تعاملت المعارضة السورية مع الاتفاق الروسي الأميركي حول الهدنة في سوريا التي من المتوقع أن تبدأ صباح عيد الأضحى غدا بحذر، واضعة ملاحظات عدّة حول ما أعلن عنه. وفي حين أكدت «الهيئة العليا للمفاوضات» أنها لم تتسلم أي نص رسمي عن الاتفاق وأنها لن تقدم على أي رد قبل الاجتماع مع كل مكونات الثورة، معبرة عن خشيتها من يكون «اتفاق إذعان»، أكّد قيادي في «الجيش الحر» أن الفصائل المعارضة لن تلتزم بالاتفاق الذي يبدو واضحا أنّه يعطي روسيا ضوءًا آخر لتدميرها، كما شكّك مقاتلون في نجاحها مستبعدين التزام دمشق وموسكو بها.
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كان أعلن أن موسكو أطلعت حكومة النظام على الاتفاق، وأن هذه الأخيرة «مستعدة لتطبيقه»، غير أن «الهيئة» قالت من جانبها إنه لم يتم اطلاعها على الاتفاق. وأشارت في بيان صادر عنها، إلى أنه في حال تسلمها نص الاتفاق فإنها ستجري دراسة تفاصيله ومعرفة آليات وضمانات تطبيقه، مؤكدة على أنه قبل إعطاء أي رد رسمي ستجتمع الهيئة مع المكونات السياسية والمدنية وقيادات «الجيش السوري الحر» والفصائل الثورية للتشاور في هذا الأمر.
وفي حين بدا واضحا ارتباك المعارضة التي كانت خارج أجواء الاتفاق، أشارت مصادر في «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية» إلى اجتماع سيعقد في الساعات القليلة المقبلة في مدينة إسطنبول التركية بين ممثلين من المعارضة السياسية والعسكرية للبحث فيما أعلن من اتفاق الهدنة. وفي هذا الإطار، أشار المتحدث باسم «الهيئة» الدكتور رياض نعسان آغا، إلى أن لدى المعارضة «ملاحظات عدّة على الاتفاق أولها عدم اطلاعها عليه»، إضافة إلى ارتكازه على عنوان «مكافحة الإرهاب وليس حلّ القضية السورية وتجاهل قرار مجلس الأمن 2254 الذي يفترض أن يشكّل أرضية لبناء الثقة والعودة إلى المفاوضات التي لم يتم الإشارة إليها أيضا على لسان كل من وزيري الخارجية الروسي والأميركي». وبينما أكّد نعسان آغا أنه لا يمكن التوصل لحل في سوريا إذا لم يتم حسم مصير رئيس النظام بشار الأسد، فإنه عبر في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، عن خشيته من أن يتحوّل هذا الاتفاق إلى «اتفاق إذعان» يُفرض فرضا على المعارضة ويستفيد منه النظام الذي تحارب بدلا عنه روسيا وإيران. ورأى أن الأمر الوحيد المفيد في هذه الهدنة قد يكون في عدم تعرض المدنيين للقصف في عيد الأضحى.
وأضاف نعسان آغا: «علينا أن نعلم أيضا ما هي حزمة الوثائق والخطط الخمس التي أشار إليها كيري خلال إعلانه عن الاتفاق، وما هي الآلية التي سيتم التعامل معها من النظام إذا خرق الهدنة»، متسائلا: «إذا كان الهدف هو العمل على حلّ للأزمة لماذا لم يتم فك الحصار عن المناطق المحاصرة بدل إيصال المساعدات إليها؟ وماذا عن مصير المعتقلين في سجون النظام الذي كان يفترض تحريك قضيتهم ضمن القرار 2254؟». ولفت إلى قضية استهداف «داعش» و«جيش فتح الشام» والطلب من الفصائل المعتدلة الموافقة على الهدنة لتحييدها، مؤكدا أن تنفيذ هذا الأمر يواجه صعوبة كبيرة في ضوء تداخل المناطق بين الفصائل وصعوبة الفصل فيما بينها. كذلك تساءل عن سبب تحييد ما يسمى «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية وغيرها التي تقاتل إلى جانب النظام، رغم أنّها مصنفة ضمن التنظيمات الإرهابية؟ قبل أن يستطرد: «كذلك، فإن القضاء على الإرهاب يجب أن يشمل القضاء على النظام السوري الذي يشكل مصدر الإرهاب».
من جهة أخرى، أكّد قيادي في «الجيش السوري الحر» أن الفصائل المعارضة لن تلتزم بالاتفاق الذي يبدو واضحا أنّه يعطي موسكو ضوءا آخر لتدميرها. وفي حوار مع «الشرق الأوسط» تابع القيادي: «الاتفاق رسالة موجّهة لتركيا وللدول التي تؤيد المعارضة، وهو نسخة عن الاتفاقات السابقة، وإن كان هذه المرة يعطي شرعية لاستهداف الفصائل المعتدلة عبر التهديد بقصف (فتح الشام)». وأردف «هذا الأمر ستستفيد منه روسيا التي لن توفّر فصيلا معارضا من الاستهداف، لكنه في المقابل سيدفع الفصائل إلى المزيد من التوحّد أكثر، وخير مثال على ذلك الاستمرار في معركة حلب رغم كل ما حصل إضافة إلى فتح جبهة الجنوب».
أيضًا، قال مقاتلون من «الجيش السوري الحر» أمس، إنهم لا يرون فرصا كبيرة لنجاح الاتفاق الأميركي الروسي بشأن سوريا «لأن دمشق وموسكو لن تلتزما به». وذكّر فارس البيوش، قائد جماعة الفرقة الشمالية التابعة للجيش السوري الحر، إن «روسيا ودمشق لم تلتزما بالاتفاق السابق، وإن فرص نجاح الاتفاق الجديد لا تختلف عن سابقتها». كذلك ذكر النقيب عبد السلام عبد الرزاق، المتحدث العسكري باسم «كتائب نور الدين الزنكي»، أن الاتفاق سيمنح جيش النظام السوري فرصة لحشد قواه والدفع بالمزيد من الجماعات المسلحة المدعومة من إيران في المعارك الرئيسية بمدينة حلب.
في هذه الأثناء، علق تشارلز ليستر، الباحث في معهد الشرق الأوسط للأبحاث، على الاتفاق بالقول: «أحد الأسئلة المهمة هو كيف ستحدد الولايات المتحدة وروسيا المناطق التي تعتبر فيها المعارضة بعيدة بشكل كاف عن (فتح الشام) – (جبهة النصرة) سابقًا - قبل فك ارتباطها بتنظيم القاعدة، والمناطق التي تعتبر قريبة جدا فيها من فتح الشام وتشكل بالتالي أهدافا مشروعة».
وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن لافروف تحدث عن تشكيل «مركز مشترك» روسي أميركي لتنسيق الضربات سيهتم فيه عسكريون وممثلون عن أجهزة الاستخبارات الروسية والأميركية بقضايا عملية «التمييز بين الإرهابيين والمعارضة المعتدلة». وشددت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في بيان على أن التعهدات المدرجة في الاتفاق «يجب أن تحترم بالكامل قبل أي تعاون عسكري محتمل» مع الروس.
وكان وزيرا الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف أعلنا مساء الجمعة عن الهدنة التي يفترض أن تدخل حيز التنفيذ غدا الاثنين لتتزامن بذلك مع أول أيام عيد الأضحى. وأعرب كيري عن الأمل في أن يتيح الاتفاق «خفض العنف» وفتح الطريق أمام «سلام عن طريق التفاوض وانتقال سياسي في سوريا».
وللعلم، يتناول الاتفاق الروسي الأميركي في إحدى نقاطه مدينة حلب عاصمة شمال سوريا التي تشهد وضعا إنسانيا مروعا وتشكل الجبهة الرئيسة للنزاع. والمقسمة بين قوات النظام وفصائل المعارضة. وتفرض قوات النظام حصارا جديدا على الأحياء الشرقية للمدينة. وينص الاتفاق على «نزع الأسلحة» من طريق الكاستيلو، بشمال حلب، التي كانت الفصائل المقاتلة تستخدمها للتموين قبل أن تسيطر عليها قوات النظام في 17 يوليو (تموز) وتحاصر مواقع المعارضة. كما ينص الاتفاق على أن نقل المساعدات الغذائية عبر هذه الطريق. ولقد رحب الموفد الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا ستيفان دي ميستورا بالاتفاق. وقال إنه «ينتظر من كل الأطراف تسهيل جهود الأمم المتحدة الهادفة إلى تسليم المساعدة الإنسانية إلى السكان الذين يحتاجون إليها بما في ذلك الذين يعيشون في المناطق المحاصرة».
لافروف أكد في سياق شرح الاتفاق أنه «يسمح بإقامة تنسيق فعال لمكافحة الإرهاب». ورد كيري بأن الولايات المتحدة ستوافق في حال استمرت الهدنة «لمدة أسبوع» على التعاون مع الجيش الروسي. ويتعين على روسيا ممارسة ضغوط على النظام السوري بينما على واشنطن إقناع من تسميها «المعارضة المعتدلة» بفك ارتباطها بالمجموعات الراديكالية التي تتحالف معها في محافظتي حلب وإدلب بشمال غربي سوريا.
«الهيئة العليا» تخشى أن تتحوّل الهدنة «إلى اتفاق إذعان».. والفصائل تشكّك بنجاحها
المتحدث باسمها: لماذا استثناء الفصائل الإرهابية الموالية للنظام من القصف.. وقيادي في «الحر»: لن نلتزم بها
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف والأميركي جون كيري إثر مؤتمرهما الصحافي أمس في جينيف (أ.ف.ب)
«الهيئة العليا» تخشى أن تتحوّل الهدنة «إلى اتفاق إذعان».. والفصائل تشكّك بنجاحها
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف والأميركي جون كيري إثر مؤتمرهما الصحافي أمس في جينيف (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة






