مجلس الأمن يدين بالإجماع كوريا الشمالية

مراقبون: أمر مقلق تطوير الترسانة النووية مع البرنامج الصاروخي

جنود من كوريا الشمالية يقفون على عبارة على ضفة نهر يالو قريبًا من الحدود الصينية (أ.ف.ب) - نشطاء من كوريا الجنوبية يحتجون في سيول على التجربة النووية (إ.ب.أ)
جنود من كوريا الشمالية يقفون على عبارة على ضفة نهر يالو قريبًا من الحدود الصينية (أ.ف.ب) - نشطاء من كوريا الجنوبية يحتجون في سيول على التجربة النووية (إ.ب.أ)
TT

مجلس الأمن يدين بالإجماع كوريا الشمالية

جنود من كوريا الشمالية يقفون على عبارة على ضفة نهر يالو قريبًا من الحدود الصينية (أ.ف.ب) - نشطاء من كوريا الجنوبية يحتجون في سيول على التجربة النووية (إ.ب.أ)
جنود من كوريا الشمالية يقفون على عبارة على ضفة نهر يالو قريبًا من الحدود الصينية (أ.ف.ب) - نشطاء من كوريا الجنوبية يحتجون في سيول على التجربة النووية (إ.ب.أ)

دان مجلس الأمن الدولي التجربة النووية، وقرر إعداد قرار جديد يفرض عقوبات جديدة على بيونغ يانغ. وفي بيان تبنته بالإجماع، قالت الدول الـ15 الأعضاء في المجلس بما فيها الصين حليفة كوريا الشمالية، إنها «ستبدأ العمل فورا على اتخاذ الإجراءات المناسبة بموجب المادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة وعلى قرار للمجلس». وتتعلق المادة 41 بـ«إجراءات لا تتضمن استخدام القوة المسلحة».
وقال مسؤول في الأمم المتحدة لـ«الشرق الأوسط»: «مثلما أدنا إطلاق الصواريخ، سندين تفجير القنبلة»، مضيفا أن «حكومة كوريا الشمالية تواصل تحدي المجتمع الدولي، والقوانين الدولية. وتواصل تهديد الدول المجاورة لها. وتواصل خلق مزيد من التوتر الموجود سلفا في تلك المنطقة».
وأشار إلى قرار أصدره مجلس الأمن يوم الثلاثاء الماضي دان فيه إطلاق صواريخ بعيدة المدى. وقال القرار، في ذلك الوقت: «يبدو أنه (إطلاق الصواريخ) يمهد للحصول على وسائل لإطلاق أسلحة نووية».
وفي حال صحة ادعاءات كوريا الشمالية وتحليلات دول الجوار، تكون بيونغ يانغ قد نجحت في إجراء أكبر تجربة نووية في تاريخها. أجهزة رصد الزلازل في كوريا الجنوبية رصدت ما وصفته بزلزال «اصطناعي» بلغت قوته خمس درجات.
التجربة النووية لكوريا الشمالية تتزامن مع الذكرى الثامنة والستين لتأسيس «جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية»، هي الخامسة في سلسلة من التجارب التي بدأت عام 2006. ومن المعهود أن تقوم كوريا الشمالية بتصعيد عسكري حول هذه المناسبة في التاسع من مايو (أيار) من كل عام، ولكن العام الحالي شهد تصعيدًا عسكريًا كوريًا شماليًا ممنهجًا لكل من الصواريخ الباليستية والتجارب النووية. ففي الماضي كانت هناك فترة من ثلاث أو أربع سنوات تفصل بين التجارب النووية التي أجريت عامي 2006 و2009 ثم 2013، ولكن بيونغ يانغ استهلت العام الحالي بتجربة نووية في يناير (كانون الثاني) في المنطقة نفسها التي شهدت «زلزالا» الجمعة الماضي، وأعقب ذلك الانفجار تشديد مجلس الأمن للعقوبات المفروضة على هذه الدولة المغرقة في عزلتها عن العالم. وها هي تجربة جديدة أخرى بعد تسعة أشهر «تحظى» بتنديد واسع من حكومات العالم.
ومن العناصر التي تثير القلق بخصوص هذا التسارع في تطوير الترسانة النووية لكوريا الشمالية أنها تترافق مع تطوير موازٍ لبرنامجها الصاروخي الباليستي، وهو بدوره تعرض للحظر من الأمم المتحدة، لكن بيونغ يانغ كررت إجراء تجارب صاروخية ناجحة وبمواصفات متنوعة في الأسابيع الماضية، حيث أطلقت صاروخا باليستيا من على متن غواصة في الرابع والعشرين من أغسطس (آب) حلق لمسافة ألف كيلومتر باتجاه اليابان، كما أطلقت ثلاثة صواريخ باليستية في الخامس من سبتمبر (أيلول) أيضًا باتجاه بحر اليابان. وبعد التجربة النووية الأخيرة تدور التساؤلات القلقة في عدد من العواصم المجاورة عن احتمال اكتمال حلقة المنظومة العسكرية النووية لكوريا الشمالية بتطوير صواريخ أقوى من ناحية وقنابل نووية أصغر من ناحية أخرى وصولاً للنجاح في تركيب رؤوس نووية على صواريخ باليستية، مما يعني دخول كوريا الشمالية نادي الدول القادرة على إطلاق هجوم نووي صاروخي على أعدائها. والتلفزيون المركزي لجمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية لم يخف أن هذا هو الهدف المنتظر من التجربة التي وصفها بالناجحة. الرئيس الأميركي باراك أوباما قال إن هذا العمل سوف تكون له عواقب وخيمة، كما وصفته الرئيسة الكورية الجنوبية بارك غيون هي بالتهور الجنوني. ويلفت النظر إلى أن الصين كانت أيضًا من ضمن الدول التي سارعت لشجب التجربة، في تكريس للتباعد بين البلدين الذي وإن ليس من المتوقع أن يصل لحد القطيعة فإنه يعني أن بيونغ ينغ أصبحت أكثر بعدًا عن التحكم بعقال النظام الجار، رغم تعويل النظام الدولي خصوصًا جيران بيونغ يانغ على دور محوري للصين في ذلك السياق.
كما أكد أوباما بعد الانفجار أن الولايات المتحدة عازمة على نشر منظومة ثاد الصاروخية في كوريا الجنوبية والتعاون مع الدول المجاورة للسيطرة على الوضع وفرض عقوبات صارمة على كوريا الشمالية. وتحدت كوريا الشمالية الولايات المتحدة بتأكيدها أمس، أنها لن ترضخ «للابتزاز» الأميركي.
يوم الاثنين الماضي، أطلقت كوريا الشمالية ثلاثة صواريخ بعيدة المدى، سقطت على مسافة ما بين مائة ومائتي ميل من ساحل اليابان، وذلك خلال مؤتمر قمة العشرين في الصين. ثم أعقبت ذلك، يوم الخميس، بتفجير القنبلة النووية.
وتطالب الولايات المتحدة وفرنسا واليابان بعقوبات جديدة وصارمة ضد كوريا الشمالية. وفي كوريا الجنوبية، بدت وسائل الإعلام أمس (السبت) منقسمة بين تشديد الرد الدولي أو تغيير الاستراتيجية المتبعة حيال تعنت كوريا الشمالية بشكل جذري.
وكتبت «رودونغ سينمون» الصحيفة الرسمية للحزب الحاكم في بيونغ يانغ، أن «الزمن الذي كانت فيه الولايات المتحدة تستطيع ممارسة ابتزاز نووي أحادي الجانب لجمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية (الاسم الرسمي لكوريا الشمالية) ولى». وأضافت أن «الولايات المتحدة غاضبة من الإجراءات العسكرية القوية التي اتخذتها جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية تدريجيا».
وتخضع كوريا الشمالية لعقوبات مالية وتجارية قاسية منذ مارس (آذار) الماضي، فرضت بعد إجرائها تجربتها النووية الرابعة في يناير (كانون الثاني). وعملت واشنطن وبكين شهرين لصياغة هذا القرار.
وبدا سفير الصين ليو جيي حذرا الجمعة، معتبرا أنه «يجب على الطرفين الامتناع عن القيام بأي عمل استفزازي». وتحظر قرارات الأمم المتحدة على كوريا الشمالية القيام بأي نشاط نووي أو باليستي. وقد فرضت عليها خمس مجموعات من العقوبات منذ تجربتها النووية الأولى في 2006. من جهته، صرح وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر أن بكين «تتحمل مسؤولية كبيرة» لدفع بيونغ يانغ إلى الامتثال.
ولفرض عقوبات جديدة أو مجرد تطبيق تلك المفروضة أصلا، يجب الاعتماد على إرادة بكين الشريكة الاقتصادية الأولى لكوريا الشمالية. أما وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف فقد انتقد «نزعة المغامرة الخطيرة» لبيونغ يانغ، لكنه أكد في جنيف ضرورة «الامتناع عن اتخاذ أي إجراءات يمكن أن تؤدي إلى تفاقم التوتر وتضع المنطقة على شفير مواجهة مسلحة».
وكانت الرئيسة الكورية الجنوبية بارك غيون هي وصفت الجمعة التجربة النووية الكورية الشمالية بأنها «تدمير ذاتي» و«عمل استفزازي» سيزيد من عزلة هذا البلد. وقالت في بيان: «بهذه التجربة النووية، لن يجلب نظام كيم جونغ أون سوى مزيد من العقوبات والعزلة (..) وعمل استفزازي كهذا سيزيد من سرعة تدميرها الذاتي». ووصفت الصحيفة الكورية الشمالية نفسها في مقالها الذي بثته وكالة الأنباء الكورية الشمالية أيضا، الرئيسة الكورية الجنوبية بأنها «مومس قذرة» للقوات الأجنبية.
أما الصحف الكورية الجنوبية فبدت أمس (السبت) منقسمة حول الاستراتيجية التي يجب اتباعها. فقد كتبت صحيفة «شوسون إيلبو» المحافظة أنه «يجب تطبيق استراتيجية لعزل كيم جونغ أون وزمرته في الداخل والإطاحة بهم».
أما صحيفة «هانكيوره» التي توصف باليسارية، فقد رأت أن هذه التجربة النووية الجديدة التي تأتي بعد ثمانية أشهر فقط على الاختبار السابق، تعكس فشل استراتيجية العقوبات الدولية. وأضافت: «يجب الكف عن الاعتماد على نظرية وهمية تشير إلى أن الشمال على وشك الانفجار من الداخل»، مؤكدا أنه «من الضروري اتباع استراتيجية جديدة شاملة». وقال تلفزيون «سي إن إن»، إن التقاط التفجير كان في الساعة التاسعة صباح الخميس بتوقيت شرق آسيا. وإن قوة الانفجار هي 10 أطنان، حسب معلومات إدارة الأرصاد الجوية في كوريا الجنوبية. ويعني هذا أن قوة التجربة الجديدة أكبر من قوة آخر تجربة نووية أجرتها بها كوريا الشمالية في يناير (كانون الثاني) الماضي. وأضاف تلفزيون «سي إن إن» أن قوة التفجير الأخير تقترب من قوة القنبلة الأميركية التي ألقيت على هيروشيما في الحرب العالمية الثانية. وكانت قوة تلك 15 طنا.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية قول وكالة الأنباء الكورية الشمالية إن «هذه التجربة النووية أكدت البنية والمميزات الخاصة لرأس نووي أعد بطريقة تمكن من وضعه على صواريخ باليستية استراتيجية (بعيدة المدى)». وأن التجربة «رفعت، من دون شك، مستوى تقنية كوريا الشمالية».
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية قول التلفزيون الكوري الشمالي إن «علماءنا النوويين أجروا اختبارًا لانفجار ذري لرأس نووي حديث في موقع الاختبارات النووية في شمال البلاد». وأن «حزبنا يوجه رسالة تهنئة إلى علمائنا النوويين لإجرائهم تجربة ناجحة لتفجير رأس نووي».



أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.