بعد أكثر من نصف قرن.. قصيدة النثر إلى أين؟

الناقد المغربي محمد الصالحي يبحث في التباساتها وضبابية حدودها

محمد الصالحي - غلاف «شيخوخة الخليل»
محمد الصالحي - غلاف «شيخوخة الخليل»
TT

بعد أكثر من نصف قرن.. قصيدة النثر إلى أين؟

محمد الصالحي - غلاف «شيخوخة الخليل»
محمد الصالحي - غلاف «شيخوخة الخليل»

بعد مرور أزيد من نصف قرن على دخول قصيدة النثر العربية دائرة الممارسة الإبداعية والجدل النقدي، ما زال الجدل مستمرًا، بخصوصها، مكرسًا حالة من الانقسام الحاد والاصطفاف، معها أو ضدها، إذ فيما يرى البعض أن التعبير بالنثر شعريًا اكتسب «مشروعية نهائية»، أصبحت معها قصيدة النثر واقعًا شعريًا مكرسًا، مع النظر إليها باعتبارها «شكلاً متمردًا ومتمنعًا وملتبسًا»، يشدد آخرون على أن «منطق تاريخ الأمم لا يعترف بما هو غريب عن سياقه منفي عن سيرورته»، وأنه «لا سبيل إلى إقناعنا بشرعية (قصيدة النثر)، إلا أن تنقد نفسها بادئة من اسمها».
ضمن هذا السياق، يأتي مؤلف الناقد والشاعر المغربي محمد الصالحي، الذي أعطاه عنوان «شيخوخة الخليل.. بحثًا عن شكل لقصيدة النثر العربية»، حاملاً، كما نقرأ في مقدمته، «هم السعي، ما أمكن، نحو تبديل موقع وآليات النظر إلى الموضوع، لأجل الاقتراب من ممكنات الصياغة العلمية الملائمة للواقع الشعري لقصيدة النثر، بدل الإبقاء على ترجيع الشعارات التنظيرية التي رَسَّبها هذا التراكم الهائل».
ورغم أن الكاتب سبق أن نشر كتابه في طبعة مغربية، فإنه يعتبر الطبعة الثانية، التي نشرتها أخيرًا «دار الهلال» بمصر، «طبعة أولى»، مشددًا، في حوار مع «الشرق الأوسط»، على أن الطبعة المصرية «ستمنح القارئ العربي إمكان الدنو من الكتاب أكثر»، حيث يقول: «صدرت الطبعة الأولى من الكتاب مطلع الألفية، لكن الجهة الناشرة كدأبها لم توزع الكتاب. الحق أنها الطبعة الصفر لا الأولى. لقد كنت الكاتب والموزع معًا. أوصلت نسخ الكتاب بطرقي الخاصة إلى أصقاع بعيدة، كما وزعته على المهتمين هنا في المغرب. الطبعة الحالية إذن هي الطبعة الأولى الحق من الشيخوخة».
وعن اختيار «شيخوخة الخليل» عنوانًا رئيسيًا للمؤلف، ودلالات العنوان الفرعي «بحثًا عن شكل لقصيدة النثر العربية»، قال الصالحي: «الكثيرون تسرعوا في تأويل وفهم العنوان. رأوا في الشيخوخة موقفا سلبيًا من العروض الخليلي. والحق أن الأمر أبعد ما يكون عن ذلك. لقد ذيلت كلمة الغلاف بجملة تلخص أطروحة الكتاب لكن قل من انتبه إليها: ولد الخليل شيخًا وهو لن يموت. فأنت ترى إذن أن المراد لم يكن قتل الخليل بل وضعه في مكانه اللائق: العروض الخليلي جزء بسيط من مكونات أخرى ينهض عليها الإيقاع الشعري. ثم إن العروض ليس هو الوزن وهنا تكمن المعضلة. فالدارس العربي قلما يميز بين العروض والوزن. الوزن مدى مفتوح على اللانهائي والمحتمل والصدفة، في حين أن العروض جزء يسير من قارة الوزن. ليس هذا مكان التفاصيل. وسيصدر لي بعد أشهر من الآن قسم ثانٍ من الكتاب يزيد هذه الأمور تفصيلاً. أما العنوان الفرعي فيقود القارئ إلى المراد من الكتاب: هل من واقع شكلي وحقيقة جمالية تخضع لها بوضوح هذه التلال من النصوص التي نسميها باطمئنان كسول قصائد نثر؟ إنه الإشكال الأكبر. فكل كلام يدعي مدبجه أنه قصيدة نثر يتلقفه النقد ويتناوله بصفته كذلك. والحق أن النقد هو من يتحمل مسؤولية هذا الإخلال. فما قصيدة النثر؟ هل كل كلام يجافي العروض الخليلي نسميه قصيدة نثر؟ إنها الأزمة».
وعن توقفه عند «الأوهام» التي «رسخت تسمية قصيدة النثر في الحركة الشعرية العربية الحديثة، بعيدًا عن أي اجتهاد نقدي علمي قد يقارب، قليلاً أو كثيرًا، هذه القصيدة محاولاً القبض على قوانينها الإيقاعية الظاهرة والخفية»، أشار الصالحي إلى أن «العمل يتوقف على فرضيتين أساسيتين ستوجهان كل الأسئلة المتشعبة التي سيطرحها: أولاها أن الشعر العربي نسق كلي يستوعب عددًا لانهائيًا من الأشكال الشعرية، بما فيها قصيدة النثر التي ليست سوى إمكان إلى جانب عدد من الإمكانات الإيقاعية الأخرى المتحققة والمحتملة. وثانيها أن معالجة المسألة الأجناسية عليها (إبستيمولوجيا) أن تؤول إلى تمييز وضبط حدود النثري والشعري، وليس إلى الخلط بينهما كما هو حاصل الآن، ما دام هذا الخلط لا يحل مشكل قصيدة النثر بل هو نوع من الهروب إلى الأمام. فالواقع يؤكد أن المبدع والقارئ معًا مجبران على الانتظام داخل نسق نوعي كلي أشكل من التيار والمدرسة والاتجاه، أي داخل جنس معين للكتابة يعين الواقع الشكلي والفيزيائي للقصيدة». لذلك شدد شاعر «أحفر بئرًا في سمائي» و«أتعثر بالذهب»، على أن كتابه النقدي «لا يدعي ما ليس فيه»، مشيرًا إلى أن «البحث في قصيدة النثر يقتضي مساءلة النص الشعري العربي منذ أن تخلق واستوى لتحديد البنية الإيقاعية فيه رغم تنافر الأشكال ظاهريا. فما الجامع بين النابغة الذبياني وبدر شاكر السياب وسركون بولص؟ ثم تنثال الأسئلة الموجعة»، قبل أن يضيف: «حسبُ هذا الكتاب أن يكون إشارة إلى منبع الحرائق، وحسبه أنه فتح عيني على غنى البحث في الإيقاع وأذاقني لذاذة المساءلة».
وعن مسؤولية النقد الشعري العربي في ضبط «الحقيقة الشكلية» لقصيدة النثر، رأى الصالحي أن «السؤال الذي تغافلت عنه الدراسات الشعرية العربية حول قصيدة النثر هو ذاته السؤال الذي واجه الشعرية الغربية الحديثة: كيف نحدد قصيدة نثر من قصيدة غير نثرية؟ وبالتالي: ما الجامع بين هذه الأشكال التي ندرجها جميعًا تحت اليافطة نفسها: قصيدة النثر؟ أفضى ذلك إلى التباس المصطلح وضبابية حدود الجنس ولا محدودية السمات الشكلية والإيقاعية لقصيدة النثر، وجعل الدراسات التي تتناولها تنتهي إلى مجرد تأملات خارجية ترصد الثيمات على حدة أو الخصائص اللغوية على حدة، ساكتة عن معنى الشكل وشكل المعنى. غياب كل ذلك وغياب تناول قصيدة النثر كشكل له ما للشكل الشعري عامة من مكونات وخصائص مع اختلاف في استراتيجية الإيقاع جعل هذه الأشكال المتنافرة واللانهائية التي تسمى قصائد نثر مستحيلاً، والحق أن سبب الاستحالة يعود، أصلاً، إلى هذا التعدد والتشتت وإلى قصور النقد عن إيجاد الرابط الإيقاعي لا إلى طبيعة في قصيدة النثر».
وعن النقاش المتواصل بصدد تجربة قصيدة النثر العربية، ووجهات النظر التي ترى أن هذه القصيدة قد فرضت مصطلحها، شرعيتها وشعريتها في سياق «حرب» بين الأشكال الشعرية انتهت إلى «هدنة» و«تعايش» بين الإخوة - الأعداء، قال الصالحي: «ليس ما تسمعه من حشرجة نقعا يثار. وحتى إن كان كذلك فهو ليس غبار حرب بين أشكال. إنها حشرجات استراتيجية إيقاعية تحتضر. استراتيجية في لحظة النزع الأخير، تسلم الروح. المحتضر هنا ليس هو الوزن أو القافية أو البلاغة، بل هو الطريقة التي ارتضاها الشعر منذ زمن للانبناء والإعلان عن كينونته. إن ما يتغير من فترة شعرية إلى أخرى ليس هو الجوهر الذي هو شعرية النص، بل استراتيجية الاشتغال، فيخال لكثير من النقد حتى الأكاديمي منه، للأسف، أن النص الشعري تخلى عن بعض مكوناته واستبدل بها أخرى، في حين أن مكونات النص هي ذاتها وإنما أعيد انتشارها فتوارت قليلاً مكونات وطفت إلى السطح مكونات، فيما يظل النص الشعري نصا شعريا موزونا شئنا أم أبينا لأن الوزن هو نحو الشعر، كما أن الإيقاع هو نحو الإلقاء والتلقي، في حين أن العروض هو ذلك الجزء اليسير من الوزن الذي استطاعت النظرية تأطيره ووضعه في قالب في فترة أدبية ما. من هنا فالنظرية القائمة تعادي عادة الأشكال الجديدة لأنها مجبرة على استبدال أدواتها في الاشتغال. لقد استنفدت القصيدة ذات الشطرين إمكاناتها الإيقاعية وستعود بعد دورة إيقاعية كاملة. فما المراد بالشرعية؟ إن اللقاءات والندوات والأماسي وتخصيص أعداد من المجلات والدوريات لقصيدة النثر إنما يزيد الأمر التباسا، في غياب السؤال الإيقاعي الأكبر».
وعن الكيفية التي يمكن بها لقصيدة النثر، اليوم، أن تتخلص من أخطاء البدايات، أو من البداية الخاطئة، أقر الصالحي بأننا «ما زلنا نلوك أخطاء البدايات»، وأن «التخلص من الزلات تلك يقتضي طرح السؤال الأكبر الذي ينأى النقد السائد بنفسه عنه: ما هذا الذي ظل عالقًا بالنص الشعري الذي يسمي نفسه قصيدة نثر ويجعله شعرًا رغم إسقاطه ظاهريًا لكثير من المكونات التي نُظر إليها مكونات لازمة للنص الشعري. من هنا تنبثق الأسئلة ثم لا تنتهي. الاجتهادات التي حاولت وتحاول ربط قصيدة النثر بأجناس أدبية قديمة كالمقامة والكتابات النثرية المفتوحة كما عند المتصوفة اجتهادات لا تفضي إلا إلى مزيد من التعمية و(المتاه). فشجرة نسب قصيدة النثر هي ذاتها شجرة نسب الشعر العربي منذ أن قصدت القصائد إلى اليوم. يا أهل النقد تعالوا إلى إيقاع سواء بيننا. إننا نجترّ سيلاً من الأوهام نظنها دعامات لهذا النص، وعلى رأسها ما حددته سوزان برنار، وهو ما توقفت عنده في الكتاب لأثبت أنه يفتقر إلى المسوغ الإجرائي العلمي الواضح لتحديد قصيدة النثر».
وعن الكيفية التي يمكن أن «نسائل بها نوايا الشاعر ونوايا النص معًا»، رأى الصالحي أن «تجنيسية النص ليست موكولة لصاحبه. فللنص شجرة نسبه وهي الكفيلة بإثبات كونه فرعا منها. القارئ لا يقرأ بعين الشاعر ولا حتى بعينه هو بل بعين الجنس. يقودك النص الشعري منذ البدء ويضعك في المسار السالك والموصل، وأنت القارئ لحظتئذ تتوكأ على عصاك وتتقدم في دروب الشعر الشائكة الموخزة. النقد الشعري العربي الحديث أخل بواجبه حيال هذه المسألة، فهو بدل أن يبحث عن الثوابت الجنسية للنص صار يسقط عليه ما يراه كفيلا باعتباره شعرًا. أي إنه يسائل نيات الشاعر بدل نيات النص».



أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025
TT

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

بعد أن انغمستُ في قراءة مجلدات «أفضل قصائد الشعر الأميركي» في وقت سابق من العام الجاري، تعهدت بألا أبدأ أبداً أياً من مقالاتي بالتساؤل عن معنى كلمة «الأفضل»، وهي كلمة أزعجت محرري تلك السلسلة أكثر بكثير من كلمتي «أميركي» أو «شعر». كنت أرغب في الابتعاد عن ذلك أيضاً، ما أسمته لويز غلوك «استبداد صناعة الذوق». أنا أكتب هذه القوائم لصحيفة «التايمز» منذ خمس سنوات الآن؛ وأنا على ثقة من أن قرائي يعرفون أن كل ما تعنيه كلمة «الأفضل» في عالم الفنون هو ما تحبه فئة بعينها من الناس.

قصيدة «إنقاذ» هيدجي تشوي

بعض القصائد التي أثَّرت فيَّ بشدة هذا العام تعكس قسوة معينة. خذ على سبيل المثال الأسطر الأولى من قصيدة تشوي «الهلع»: «أعلم أن الآخرين حقيقيون، لا تُذكرني بذلك». أنا نفسي نطقت عبارة «الآخرون حقيقيون»، لذا شعرت أنها بمنزلة مواجهة مباشرة معهم. وضحكت بصوت مرتفع مرات عدة في أثناء قراءة قصيدة «إنقاذ»، أول عمل لتشوي، وهو عمل مفعم بالحقد والسخرية القاسية -بل ربما هو أقرب إلى الوحشية!

ينمُّ صوت تشوي عن ثقة الشباب المتحدية، التي نحتاج جميعاً إلى التعرض لها. القصائد مسيئة بعض الشيء («ألا يمكن أن تكون، مثل مملكة السماء، فالصور/ للخاسرين والمختلين؟») بطريقة جذابة للغاية، مثل جدال يُغير رأيك بالفعل. «هل من المهم معرفة الحقائق؟»، تسأل قصيدة «مراحل»؛ «لأنني بدأت أعتقد/ ربما لا». لا يمكن للقصائد أن تؤذيني إلا قليلاً، ويمكن أن تبدو قسوتها حقيقية للغاية: «في النهاية/ أنا/ شخص جاد للغاية/ لكننا لم نصل إلى النهاية بعد».

«أعرف بعض الأشياء» لريتشارد سايكن

كان هذا كتاباً آخر منحني متعة شبه مازوخية. في خروج رسمي عن مجموعة سايكن بعنوان «صراع الثعالب» (2015)، ومجموعته الأولى المؤثرة بعنوان «انكسار» (2005)، تأتي هذه القصائد في صورة نثرية. كُتبت جميع القصائد الـ77 (والرقم تكريم، على ما أعتقد، لمؤلفة بيريمان «أغاني الحلم 77») بعد إصابة سايكن بالسكتة الدماغية وخلالها، وتُشكل في حد ذاتها سيرة ذاتية موجزة: «إنها نافذة صغيرة، تلك الفترة الزمنية التي نستطيع فيها أن نقول ما نعرفه».

هذا عمل قاسٍ، ومخيف أحياناً في تعامله مع الشيخوخة والموت -الحياة بوصفها ضرراً- والصراع من أجل استعادة الجسد والعقل والذات بعد الأزمة. كما يستجوب سايكن أيضاً مفهوم الذاتية بوصفها مشروعاً طويلاً، وطريقة للدفاع، وفعلاً من أفعال المخاتلة: «قلت كذبة وتحولت إلى حقيقة». تَظهر كلمة «يحدث» كعبارة مخفَّفة مخيفة؛ ما يحدث قد يحطم حياتك: «كان من الواضح أن شيئاً ما قد حدث ولن يتراجع» («الرصيف»). «أنا أنتظر أن يخبرني أن هذا لن يحدث مرة أخرى. إنه لا يقول ذلك» («خريطة حرارية»). «عليك أن تكون حذراً، فالأشياء ترغب أن تحدث» («غابة ديفون»).

قد يكون هذا الكتاب قاتماً، ولكنه ساحر أيضاً («تحت السرير الأرضية، ثم الأرض، ثم الجانب الآخر والنجوم. سقطت في كل الاتجاهات») ومضحك بطريقة غريبة -ضحكة من مقطع واحد في وجه الشيطان، يكتب قائلاً: «إذا كان في ذلك أي عزاء، فلن أسامحك أبداً».

قصيدة «رحمة الدم» لآي. إس. جونز

تُعيد هذه القصائد في هذا العمل الأول المثير للإعجاب، تفسير قصة قابيل وهابيل على أنهما أختان، وهي تتمتع بقوة الأسطورة المخيفة والعنيفة والموسيقية. «معظم الألم منعدم الفائدة»، كما تكتب جونز في القصيدة الافتتاحية، «لكنه أقدم أغنية للجسد». تشكل هذه القصائد سلسلة من التفاعل المستمر مع فكرة القوة -القوة التي نستسلم لها والقوة التي نطالب بها- وتجسد نوعاً من الفضاء الهجين الحقيقي والرمزي، والحاضر والأبديّ في آن واحد.

تكتب جونز في قصيدة «قابيل»: «كنتُ أسطورة ذات يوم، وأنا الآن فتاة». وفي قصيدة «حواء ليليث» تكتب: «يكسر/ السماء فوق جمجمتي ويُظلم العالم. أختي، يستمر الأمر هكذا/ .../ الأيام لا تُعدّ».

يتحقق تماسك مذهل بصفة جزئية من خلال تكرار رمزيات الدم والشفرات والماعز القربانية والشمس: «أنا الفأس التي تحلم بشق طريقها عبر حلق آدم». وفي قصيدة «تاريخ موجز للعالم حسب الماعز»، تكتب جونز: «يولد الماعز برؤية بانورامية ليرى الموت/ الماعز يخطط للحرب مثل أي حيوان آخر/ هذه قصيدة عن التعفن». وفي النهاية الرائعة لقصيدة «قطعة موسيقية حالمة»: «تجسيد حُلم معاناتي/ الشمس تجر جسدها مقطوعة الرأس عبر السماء كنصب تذكاري/ للحرب».

قصيدة «غزة: القصيدة قالت ما لديها» لناصر رباح

يعلق مترجمو كتاب «غزة»، الذي يضم مختارات من قصائد الشاعر الفلسطيني ناصر رباح، في خاتمة الكتاب على الصعوبات التي واجهتهم في نقل هذه القصائد إلى الإنجليزية الأميركية، التي تلعب دوراً في تمكين الكثير من التشويهات في طريقة تصوير فلسطين على الساحة العالمية. وسعى المترجمون إلى تجنب «الإفراط في الترجمة»، مُفسحين النطاق لقَدرٍ من الغرابة و«الغموض وحتى عدم الفهم». أدى ذلك إلى ظهور سطور تُسبب أحياناً ارتباكاً نحوياً، غير أن الاغتراب والغرابة أمران مألوفان في هذه المناطق السريالية الشبيهة بالأحلام، حيث يتصادم الرعب والدمار مع الجمال والموسيقى والجنس، وحيث تتعايش الروتينية اليومية والملل مع الجنون واللا معقول.

وفي حين أن الصوت قد لا يُترجم دائماً، فإن الصورة تُترجَم، وأعمال رباح مليئة بالصور التي لا تُنسى: «أنا لست جندياً، لكن/ في أثناء الحرب أرى نفسي شرفة معلَّقة في السماء/ بعد أن هدموا المبنى... أنا لست جندياً، لكنني أرى نفسي في أثناء الحرب أرتِّب/ مشهد الموت الأخير، لإرضاء الأحياء بموتي». في القصيدة الطويلة «ما لم أقله لنفسي»، يكتب رباح: «كن مملاً... كن توم هانكس وقل: يا إلهي! كل شيء رائع يا رفاق. كن أي شيء، فقط لوِّح لموتك الجميل في المرآة»، و«لمرة واحدة، كن برتقالياً يا بحر، وأنتِ يا سماء، أمطري لمرة واحدة في اتجاهك».

قصيدة «ابنة المينوتور» لإيفا لوكا

أحياناً بعد سطر أو سطرين فقط تعرف أن الشاعر يتحدث إليك -كما لو أن الحساسية تتبدى في أصغر الكلمات. كانت هذه تجربتي مع لوكا وقصيدة «ابنة المينوتور»، المترجَمة عن السلوفاكية بواسطة جيمس ساذرلاند-سميث. أحب هذه القصائد السحرية عن الأماكن الحدودية والمخلوقات الهجينة، والرجال-الوحوش والأسماك-الطيور والكائنات الحية-الميتة: «مكسوة-مكشوفة/ في فمها تبكي وتغني/ تعود إلى أسفل المنحدر/ إلى المنزل الذي ليس منزلاً»، تكتب لوكا في قصيدة «الأخت البرية». «لا ماشية على الأقدام ولا راكبة في عربة/ على كتفها بومة، في يدها/ تفاحة، في تفاحتها/ حب، في حبها/ سُمّ».

انجذبتُ بصورة خاصة إلى سلسلة القصائد المستوحاة من لوحات ليونورا كارينغتون، مثل «لوحة السيدة بارتردج الراحلة» (هذه المرأة تبدو كأنها تجسيد للبرق) و«دجاجة أختي غير الشقيقة»: «لكن الآن هو أوان التمرد. الدجاجة تكشر عن أنيابها/ .../ انتظري فقط، تقول الدجاجة/ يوماً ما ستقيَّدين في طوق، كما يحدث بين المالكين/ والمملوكين... يوماً ما سنتبادل الأدوار». هذا كتاب ينبض بظلامية حكايات القصص الخيالية القديمة.

قصيدة «نوبات غضب في الهواء» لإميلي سكيلينغز

بناءً على مجموعتها الثانية، «نوبات غضب في الهواء»، أرى أن سكيلينغز زميلة لي في محبة الفراغ -نحن الذين نحب أن نجمل الفراغ. عن «زهرة الجزرة، أو دانتيل الملكة آن»، تكتب سكيلينغز في إحدى قصائدها: «أحبها عندما تكون كبيرة/ وبيضاء مثل صحن خزفي/ النقطة في المنتصف/ إيماءة صغيرة للتركيز/ رشفة من الظلام، ثقب/ ينزلق فيه كل/ تطريز السماء».

تُذكرنا قصائد سكيلينغز بمدرسة «غورلسك» (مصطلح أرييل غرينبرغ للإشارة إلى «دمج النسوية للغريب والقاسي مع البراق والحالم»)، قصائد سكيلينغز تبدو أشبه ما تكون بمسرح عبثي في بيت دمى مسكون. فكرة استعارتها من إيلين مايلز -أن الشعراء ليسوا أذكياء، بل «شيء آخر»- تتكرر طوال القصائد في شكل إصرار على نوع من الذكاء الخارجي، سبيل سلبي: «نصف تفكير، نصف لا شيء».

القصيدة الأخيرة آسرة، بسطورها الطويلة لدرجة أنها مطبوعة بشكل أفقي: «أوه، لقد لاحظت الفئران، لا تهتم بها/... / بدأت أعتقد أنها توسِّع الفجوات بين الأشياء: الكلمات، الأيام/.../ هذه مجرد غرفة واحدة في مؤامرة واسعة من الفضاء».

* تشمل مجموعات إليسا غابرت الشعرية والقصصية، في الآونة الأخيرة، «المسافة الطبيعية»، و«أي شخص هو النفس الوحيدة». تُنشر مقالاتها في دورية «حول الشعر» أربع مرات في السنة.

* خدمة: «نيويورك تايمز»


شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»