الهند الجديدة !

شعار انتخاباتها «لا أحد مما سبق».. وحزب بهاراتيا جاناتا يقترب من حكم خمس سكان العالم

الهند الجديدة !
TT

الهند الجديدة !

الهند الجديدة !

تشهد الهند، أكبر ديمقراطية في العالم، واحدة من أهم انتخاباتها، والتي انطلقت أول من أمس، وينتظر أن تشهد نتائجها تغيرات عديدة سياسية واجتماعية، وكذا اقتصادية. وتتسم الانتخابات الهندية بنكهة خاصة، فعلى الرغم من إجراء الانتخابات في نحو 48 دولة في العالم هذا العام، فإن الانتخابات الهندية تتخذ طابعا مختلفا، ليس فقط لأنها أكبر ديمقراطية في العالم، بل لأن رئيس الوزراء الجديد سيحكم خمس سكان العالم.
ومن المتوقع أن تمهد هذه الانتخابات، التي دأب المحللون الهنود على وصفها بالتاريخية، الطريق أمام حزب بهاراتيا جاناتا اليميني لمنافسة حزب المؤتمر الذي يميل إلى يسار الوسط، والذي يحظى بشعبية كبيرة، والموجود على رأس السلطة منذ 10 سنوات.
وتجرى الانتخابات في تسع مراحل على مدار ستة أسابيع لانتخاب الحكومة السادسة عشرة منذ الاستقلال، التي بدأت أول انتخاباتها البرلمانية عام 1952، بعد أربع سنوات فقط من نهاية الاستعمار البريطاني، والتي جاءت بجواهر لال نهرو كأول رئيس للوزراء، شغل المنصب لسبعة عشر عاما، والذي كان رقما قياسيا لم يشغله أي رئيس وزراء آخر في الهند.
ويبلع إجمالي عدد الناخبين الهنود الذين يحق لهم التصويت نحو 815 مليون ناخب، أكثر من عدد سكان الولايات المتحدة وروسيا واليابان ونيجيريا مجتمعة، والذين سيدلون بأصواتهم مستخدمين 1.7 مليون ماكينة تصويت إلكترونية، توجد في 930 ألف مركز اقتراع لاختيار 543 نائبا في البرلمان. ويتوقع أن تبلغ تكلفة الحملات الانتخابية أكثر من خمسة مليارات دولار، لتحل كثاني أكثر انتخابات تكلفة في العالم بعد الولايات المتحدة.

تعد الانتخابات الحالية هي المرة الأولى التي سيتمكن فيها الناخبون الهنود من إبداء امتعاضهم من الأحزاب والمرشحين في الهند والضغط على خيار «لا أحد مما سبق»، في آلة التصويت الهندية (أي أنهم لن ينتخبوا أحدا سبق انتخابه). وتتجاوز أعداد الناخبين الذين سيشاركون للمرة الأولى في الانتخابات 120 مليون ناخب، بالتساوي مع سكان الفلبين، الذين سيدخلون حظيرة الديمقراطية مرة واحدة.
سيتم فرز الأصوات في السادس عشر من مايو (أيار)، وسيحظى الحزب أو التحالف الفائز بأغلبية الأصوات بارتقاء سلمي وناعم للسلطة، في شهادة على نضوج الديمقراطية الهندية.
ومنذ إعلان مفوضية الانتخابات الهندية عن موعد إجراء الانتخابات شهد الشهر الماضي كثافة في الحملات الانتخابية التي استخدمت فيها مكبرات صوت ولوحات وملصقات، في الوقت الذي انخرط فيه القادة السياسيون في عقد المؤتمرات الانتخابية.
يقول مانيش تشيبر، وهو صحافي هندي بارز، لـ«الشرق الأوسط»، إن الانتخابات «تأتي في وقت تواجه فيه الحكومة فضائح الفساد وسوء إدارة الاقتصاد وارتفاع الأسعار». وأضاف «من بين القضايا الرئيسة التي احتلت أهمية كبرى قضية كبح جماح التضخم، وتوفير فرص العمل للشباب وإدارة أفضل لموارد البلاد».
وإذا ما صدقت استطلاعات الرأي الكثيرة، فمن المتوقع أن يشكل حزب بهاراتيا جاناتا ورئيسه وزرائه ناريندرا مودي أضخم تحالف سياسي. فحسب آخر استطلاعات الرأي الذي أجري في الشهر الحالي، يتقدم حزب بهاراتيا جاناتا على المؤتمر، ويبدو متأهبا لتشكيل الحكومة القادمة بعد السادس عشر من مايو.
وكشف استطلاع الرأي الذي أجرته مؤسسة لوكنيتي على مستوى الهند، والذي نشرت نتائجه في الرابع من أبريل (نيسان)، عن رغبة 63 في المائة من الهنود في أن يقود حزب بهاراتيا جاناتا الحكومة القادمة، مقارنة بـ19 في المائة الذين أيدوا حزب المؤتمر، وهو ما يشير إلى تدني شعبية الحزب إلى أدنى مستوى لها منذ الفترة بين عامي 1996 و1998.
ويقول بي جي فيرغيزي، المحلل السياسي في مركز الأبحاث السياسية، مؤسسة بحثية مقرها نيودلهي «هناك عاملان يجعلان انتخابات 2014 الهندية الحالية حالة فريدة عن الانتخابات السابقة، وهي أنه عندما تغيب فرص ظهور زعيم قوي والسياسات المؤيدة للشعب مع التحالفات الاجتماعية القائمة على الطائفة والدين والعصبيات لإنتاج فائز نهائي، يكون الفائز في أغلب الحالات حزب المؤتمر الذي تأسس قبل 128 عاما».
وأشار إلى أن الهند تغيرت بشكل ملحوظ خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، التي شهدت انخفاض مستويات الفقر المطلق بشكل حاد، وعوضت الوفرة النقص في السلع الاستهلاكية، وحافظ التوسع الحضري العشوائي على وتيرة النمو الاقتصادي المطرد منذ عام 1991. صحيح، أن هناك جزر الحرمان، ولكن بشكل عام فإن الهند عام 2014 أكثر قوة، وأفضل تعليما، وأكثر تفاوتا اجتماعيا وطموحا من أي وقت مضى.
علاوة على ذلك، لا يملك حزب المؤتمر مرشحا قويا لرئاسة الوزراء، فالاقتصادي الذي تحول إلى رئاسة الوزراء، مانموهان سينغ، قد أعلن بالفعل عن اعتزامه التقاعد. في الوقت الذي تعاني فيه زعيمة الحزب سونيا غاندي من متاعب صحية، بينما يبدو ابنها راؤول غاندي غير مؤهل بعد، على الرغم من ظهوره كمرشح محتمل لرئاسة الوزراء في إعلانات الحملة الانتخابية.
من ناحية أخرى، أعلن حزب بهاراتيا جاناتا، الذي يتصدر المشهد الانتخابي في الوقت الراهن، عن مرشحه ناريندرا مودي رئيسا للوزراء. ومن المتوقع بشكل كبير أن تشهد الهند تولي أول رئيس للوزراء يولد بعد الاستقلال.
وفي حال الرغبة في إجراء مقارنة بين المرشحين لرئاسة الوزراء فإن ناريندرا يمتلك قدرات إدارة جيدة، ويمتلك القدرة على تحويل الخصومة إلى فرصة. وهذا هو تحديدا ما يجعله يبدو مقبولا لدى الشعب الهندي، الذي يبحث عن رئيس وزراء أكثر جدارة من مانموهان سينغ، الذي يعتقد أنه يعاني من علة صحية على الرغم من إنجازاته الاقتصادية. بيد أن مودي شخصية مثيرة للجدل، وباعتباره شخصية هندوسية متطرفة فشل إلى حد كبير في وقف أعمال العنف ضد المسلمين في ولاية غوغارات عام 2002. رغم ذلك استطاع توحيد صفوف الحزب ورفع أسهمه، إضافة إلى أنه يحظى بإقبال كبير من أصحاب الشركات وكل طوائف المجتمع الأخرى من المهمشين والأشخاص العاديين.
وتلاقي التجمعات الانتخابية التي يحضرها مودي حضورا شعبيا كبيرا، ويجري فيها توزيع الهدايا من الأكواب والقمصان والأقنعة والأقلام بشكل مجاني لجذب المزيد من الحضور. وعند تعرضه للسخرية من زعيم حزب المؤتمر ماني شانكار آيار بسبب خلفيته المتواضعة لمساعدته والده في متجر الشاي في ريعان شبابه، طرأت لحملة مودي فكرة إقامة حوار «كوب شاي ساخن».
أبرز التحديات التي ينبغي على مودي التعامل معها في الوقت الراهن خاصة بوصمة عام 2002 والتي تلاحقه منذ ذلك الوقت، على الرغم من تبرئة المحكمة لساحته. ومن المتوقع أن يصوت له الناخبون المسلمون.
في المقابل، يقف راؤول غاندي، 34 عاما، زعيم حزب المؤتمر، والذي يتوقع أن يكون إما أبرز نجاحات الحزب أو نقاط ضعفه. ورغم كون غاندي الرابط الذي يجمع الحزب، فإن إمكاناته تظل موضع شكوك حتى من قبل الحزب ذاته. فيرى بعض أعضاء حزبه أنه يبدو مختلفا وغير واثق من قدراته، فهو يقضي كثيرا من الوقت في دراسة التحليلات والتفكير في إجراء إصلاحات داخلية في الحزب أكثر من تفسير السبب في رغبته في الحكم. لكن حزب المؤتمر يتوقع عدم قدرته على تحقيق برنامجه الذي تعهد فيه بتوفير 100 مليون وظيفة للفقراء، وزيادة الإنفاق على الرعاية الصحية، وانتعاش الاقتصاد المتعثر للقوة الناشئة. وقال راؤول غاندي إن حزبه سيستثمر مليار دولار في البنية التحتية المتداعية.
وقد اعتمد حزب المؤتمر على دعم الهنود في المناطق الريفية التي تمدها بإعانات الطعام وخطط التطوير. وفي إشارة تبعث على القلق لحزب المؤتمر، قال أكثر من نصف الأشخاص الذين جرى استطلاع رأيهم في استطلاعات الرأي الأخيرة إن حزب بهاراتيا جاناتا سيعمل بشكل أفضل من حزب المؤتمر في مساعدة الفقراء.
وبحسب البروفسور كي سي سوري، فقد أظهرت الأنماط الانتخابية أن الناخبين الهنود يحكمون على الموقف الانتخابي بأثر رجعي، أكثر من التوقعات. ففي الأسبوع الماضي راهن المستثمرون الأجانب على تغيير الحكومة، ليرفع ذلك من أسهم البورصة. وقال سوري «ارتفاع الأسعار كان أحد الأسباب في تردي أوضاع حزب الكونغرس».
بيد أنه مع الزيادة الكبيرة في أعداد الأحزاب السياسية في الهند والتنوع الكبير في البلاد خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، لم يتمكن حزب سياسي واحد من تشكيل حكومة بمفرده، واحتاج إلى دعم من شركائه قبل الانتخابات أو بعدها. وقد سمح ذلك بتشكيل ثلاثة تحالفات سياسية هي التحالف التقدمي المتحد، وهو التحالف الذي يقوده حزب المؤتمر، والجبهة الديمقراطية الوطنية، التي يقودها حزب بهاراتيا جاناتا، وتضم الجبهة الثالثة الشيوعيين والمجموعات الإقليمية الأصغر حجما.
جدير بالذكر أن حزب المؤتمر هيمن على الساحة السياسية في الهند منذ الاستقلال عام 1947، وتولى السلطة منذ عام 2004، لكنه لم يشكل حكومة بمفرده منذ عام 1984، بينما كانت المرة الأخيرة التي يشكل فيها حزب بهاراتيا جاناتا والجبهة الديمقراطية الوطنية الحكومة بين عامي 1998 و2004، وهو ما يتوقع أن يتكرر في عام 2014. فقد كان أداء عدد من الأحزاب الإقليمية التي تهيمن بشكل كبير على الولايات ذات الكثافة السكانية الكبيرة مثل بيهار وأوتار براديش وتاميل نودو والبنغال الغربية عامل حسم أيضا. فقد أعلنت هذه الأحزاب عن تشكيل ما سمته «الجبهة الثالثة»، لتحدي الحزبين الرئيسيين إذا فازا بأصوات كافية. لكن المحللين يرون احتمالية وقوع انشقاقات بين أحزاب هذه الجبهة في حال الوصول إلى البرلمان. وقد دخل حزب بهاراتيا جاناتا الانتخابات في شراكة مع بعض الأحزاب الصغيرة تحت راية الجبهة الوطنية الديمقراطية، فيما يواصل حزب المؤتمر سيطرته على التحالف التقدمي المتحد على الرغم من خسارته لبعض الأحزاب الرئيسة قبيل الانتخابات.
وقال برافين راي، عالم النفس في مركز دلهي لدراسات المجتمعات النامية «يستطيع حزب المؤتمر وحزب بهاراتيا جاناتا الفوز في الانتخابات في حال عقد تحالفات مع الأحزاب المحلية الصغيرة في الولايات».
ورغم إشارة الكثير من استطلاعات الرأي إلى احتمالية فوز حزب بهاراتيا جاناتا بغالبية الأصوات، فإنه في حال فشله في الفوز بالـ272 مقعدا المطلوبة لتشكيل حكومة فسوف يسعى إلى عقد تحالفات لتشكيل الحكومة. وهنا يأتي دور الأحزاب الإقليمية الصغيرة التي ستسعى إلى الحصول على امتيازات في مقابل دعم الحزب، والتي سيكون من بينها الحصول على حقائب وزارية لأعضاء بارزين في الأحزاب المحلية أو صفقات خاصة بشأن ولايات بعينها. وقد عقد بهاراتيا جاناتا تحالفات مع أحزاب إقليمية - من بينها حزب السيخ في ولاية البنجاب، وحزب شيروماني آكالي دال وحزب إم دي إم كيه بولاية تاميل نادو، وحزب لوك جانشاكاتي في ولاية بيهار، وحزب تي دي بي في جنوب ولاية أندرا براديش وحزب شيفا سينا في ولاية مهاراشترا.
وقد أشارت تقارير إعلامية إلى أن حزب بهاراتيا جاناتا قد يسعى إلى الحصول على دعم حزب مؤتمر ترينامول كل الهند، وهو حزب إقليمي يحكم ولاية البنغال الغربية جنوب شرقي الهند، في مقابل حصول رئيس الحزب ماماتا بانيرجي على منصب وزاري في الحكومة المقبلة، أو بتقديم الدعم المالي للولاية التي تعاني من تراكم الديون عليها. ويتوقع أن يحصد حزب ترينامول ما بين 30 إلى 35 مقعدا في الانتخابات الحالية، وهو ما يتوقع أن يمنح الأغلبية لحزب بهاراتيا جاناتا في البرلمان.
ويتكرر الموقف ذاته مع جايا لاليثا، حاكمة ولاية تاميل نادو جنوب الهند وزعيمة حزب إيادمك، الذي كان شريك بهاراتيا جاناتا في حكومة الجبهة الديمقراطية الوطنية. وعلى الرغم من عدم عقد أي تحالفات مسبقة بين الحزب وحزب بهاراتيا جاناتا قبل الانتخابات فإن الباب لا يزال مفتوحا أمام وجود مثل هذه التحالفات.
ووسط المعركة بين الحزبين الكبار تظهر جبهة جديدة، هي جبهة «آم آدامي»، ولدت لمحاربة الفساد، والتي أظهرت أداء رائعا في الانتخابات المحلية التي جرت في الهند في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وقد يثبت الحزب الذي دخل الانتخابات للمرة الأولى في البلاد أنه إما يتمتع بنفوذ قوي أو أنه صاحب معارك كلامية فقط.
كان حزب «آم آدامي» قد تخلى عن سياسات الهوية المعتادة، وتبنى عوضا عن ذلك طموحات الشعب خاصة أولئك الذين يقبعون في قاع الهرم، عبر تعريف الفساد بأنه عائق أمام تحقيق طموحات الشعب الهندي. وقد لقي الحزب استجابة لدى بعض الناخبين الذين لم يجدوا من يتحدث عن الطموحات الشعبية - وهو ما لقي استجابة بين قطاعات كبيرة من السكان والطبقات والعرقيات.
ويقول المحلل السياسي ريخا تشودري «جلب الحزب عامل التجديد واشتهر بأنه أحدث انشقاقا عن السياسيين القدامى التقليديين. لكن الفترة التي تولى فيها الحزب المسئولية في دلهي ألقت الضوء على افتقاره إلى الخبرات الإدارية، حيث يبدو الحزب أكثر نشاطا وفوضوية عن كونه بديلا جادا. وربما يكون الحزب قد نجح على مستوى الحشد، لكن لا يتوقع أن يبدي المواطنون رغبة في المجازفة بهم على المستوى الوطني».
ورغم اعتقاد بعض التقارير الإعلامية أن الانتخابات ستكون بين حزبي «آم آدامي» وبهاراتيا جاناتا، فإن الحقيقة هي أن الانتخابات بين حزبي بهاراتيا جاناتا والمؤتمر. فقد يغير نجاح آم آدامي من الطريقة التي يتم من خلالها وضع السياسة في البلاد، لكن ذلك لن يجعل منه شريكا في حكومة مركزية. فقد قضى على الفكرة السائدة باقتصار المنافسة في الانتخابات بين حزبين، لكنه قد ينتهي بالتأثير على الفائزين الآخرين عبر إضافة حالة من التقلب.
وهناك فرصة واقعية لأن يجتذب الحزب الأصوات المعارضة لحزب المؤتمر لصالحه، ومن ثم التفاوض مع حزب بهاراتيا جاناتا.
ولم يكشف مودي، الذي يتوقع أن يشكل الحكومة الهندية المقبلة، عن تفاصيل لخطط اقتصادية بعد، لكن الواضح أن عددا من أقرب مستشاريه ومديري حملته الانتخابية يعلقون الكثير من الآمال عليه، ويأملون في أن يتخذ من النهج الثاتشري نبراسا له.
فيقول ديباك كانث، المصرفي المقيم في لندن والذي يجمع التبرعات لحملة مودي «إن عرفت الثاتشرية بأنها حكومة أصغر حجما وشركات حرة، فلن يكون هناك فارق بين أسلوب مودي والثاتشرية».
التشابه مع ثاتشر لا يتوقف عند الاقتصاد. سواء أكان الأمر للأفضل أو الأسوأ، فقد غص الكثير من الهنود بسنوات ضعف القيادة. ويقول كانث «نحن نريد شخصا فاعلا، لقد شاهدنا ما يكفي من التباطؤ على مدى السنوات العشر الماضية».
نصب مودي من نفسه قائدا للتنمية الاقتصادية، واستشهد بالتنمية والصناعات التي شهدتها ولاية غوغارات أثناء توليه حكمها، وقال إن الهند ستتمتع بنفس الشيء إذا تولى رئاسة الوزراء.
وقال مودي في أحد مؤتمراته الانتخابية «يعلم الجميع عني أنني زعيم قومي هندوسي. لكن فكري الحقيقي هو بناء الحمامات أولا ثم بناء المعابد في ما بعد».
وقالت توشار بودار، كبير الاقتصاديين الهنود في مؤسسة «غولدمان ساكس»، مشيرة إلى حزب المؤتمر وحزب بهاراتيا جاناتا «انتخابات 2014 لحظة فارقة في تاريخ الهند، فلم تشهد السنوات الأخيرة مثل هذا الانقسام الحاد في الرؤى الاقتصادية». وسوف يركز حزب بهاراتيا جاناتا في ظل قيادة مودي على التحول نحو التحضر والبنية التحتية والقضاء على الروتين.
على الجانب الآخر يهدف حزب المؤتمر في ظل رئاسة راؤول غاندي إلى الترويج للتنمية الشاملة عبر تبني خطط الرفاهية بما في ذلك الحق في الرعاية الصحية للجميع والمعاشات التقاعدية لكل المسنين والمعاقين. وخلال الانتخابات السابقة شملت أجندة الحزبين الكبيرة الكثير من النقاط المشتركة، بحسب بودار.
وكان الغرب قد سعى خلال العام الماضي إلى عقد حوار مع مودي، ومؤخرا، بعد تسع سنوات من القطيعة مع الولايات المتحدة الأميركية، أعاد مودي العلاقات من جديد مع رئيس الوزراء المرتقب.
وكان العلاقات بين مودي والكثير من الدول الغربية قد شابها التوتر في أعقاب أعمال التي شهدتها ولاية غوغارات. ومن بين المبعوثين الغربيين الذين التقوه المفوض السامي البريطاني جيمس بيفان، والسفير الألماني مايكل ستاينر، والاتحاد الأوروبي. والمؤكد هو أن الولايات المتحدة لا تملك خيارا آخر سوى القبول بمودي حتى لا تخسر تجارة بينية تقدر بنحو 100 مليار دولار.

* الشباب.. يخلطون أوراق السياسيين والأحزاب
* تسعى الأحزاب السياسية الهندية إلى التودد للشبان على عكس ما كان يحدث من قبل.
وحسب أحدث البيانات الصادرة عن لجنة الانتخابات، سيكون بمقدور نحو 90.000 ناخب، بين سن 18 و22 سنة، التصويت لأول مرة خلال العام الحالي، مما يؤكد على أهمية الناخبين الشبان.
وتعد انتخابات 2014 مؤشرا على حدوث ما يمكن تسميته بـ«زلزال الشبان»، إذ سيلعب الشبان دورا مؤثرا كما لم يحدث من قبل، إذ ستحسم أصوات الشبان الذين يصوتون لأول مرة ما يقرب من خمس عدد المقاعد المتنافس عليها خلال تلك الانتخابات.
وتشير إحصاءات رسمية صادرة عن لجنة الانتخابات إلى أن عدد الناخبين الشبان وصل إلى 146 مليونا عام 2011. يبدو حزب «بهاراتيا جاناتا» متفائلا بشأن تلك الإحصاءات، إذ يتوقع ألا يكون لدى الناخبين الجدد ولاء تجاه أيديولوجيات سياسية معينة، مما يسهم في تعزيز فرص التصويت ضد حزب «المؤتمر» الحاكم.
ويقول حزبيون إن «التركيبة النفسية للناخبين الشبان ما زالت نقية ولم تلوث بعد، وهؤلاء الشبان يبدون أكثر حماسة للأفكار التي تتبنى مكافحة أخطاء الماضي، ويأتي الفساد على رأس قائمة أكثر الأشياء بغضا لدى الشبان، يليه عدم الكفاءة، ثم الغياب التام لمبدأ المساءلة».
ومن اللافت أن غالبية الأحزاب تستغل طاقة الشبان المتعلمين لإضفاء مزيد من الحماس على حملاتهم الانتخابية، إذ يستخدمون مهاراتهم ومعارفهم لصياغة الخطط الانتخابية وجمع التبرعات وحشد أصوات الناخبين الشبان للتواصل مع قادة الأحزاب.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.