قيادة عسكرية أوروبية.. الهدف الحالي

لتطبيق ما يعرف بالاستراتيجية الشاملة للاتحاد بعد خروج بريطانيا

خروج بريطانيا من الاتحاد قد يحدث فراغا عسكريًا في أوروبا نظرًا لثقل المملكة المتحدة في هذا القطاع (إ.ب.أ)
خروج بريطانيا من الاتحاد قد يحدث فراغا عسكريًا في أوروبا نظرًا لثقل المملكة المتحدة في هذا القطاع (إ.ب.أ)
TT

قيادة عسكرية أوروبية.. الهدف الحالي

خروج بريطانيا من الاتحاد قد يحدث فراغا عسكريًا في أوروبا نظرًا لثقل المملكة المتحدة في هذا القطاع (إ.ب.أ)
خروج بريطانيا من الاتحاد قد يحدث فراغا عسكريًا في أوروبا نظرًا لثقل المملكة المتحدة في هذا القطاع (إ.ب.أ)

ما زال قرار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يلقي بظلاله على جميع المستويات والمؤسسات، المحلية البريطانية والأوروبية والعالمية. ومنها قضية الدفاع الأوروبي المشترك الذي عارضته بريطانيا خلال وجودها في التكتل الأوروبي. وبعد قرار خروجها في 23 يونيو (حزيران) الماضي أصبحت الفكرة قابلة للتطبيق، كما يعتقد كبار المسؤولين في الاتحاد، المعارضة التقليدية للفكرة من قبل لندن كان ينبع مما وصفته بازدواجية الأدوار بين الأوروبيين وحلف الناتو في المجال العسكري، وهي المعارضة التي حالت حتى الآن دون تطوير الدفاع الأوروبي، أو إرساء مقر لهيئة أركان أوروبية مشتركة في بروكسل. رئيس الاتحاد الأوروبي دونالد توسك عبر عن ذلك قائلا: إنه يجب السيطرة على الأمن بشكل كامل داخل التكتل وعلى طول حدوده ليظل قويًا بعد خروج بريطانيا.
المسألة الجوهرية التي استحوذت على اهتمام المسؤولين في الاتحاد تمثلت في التفاصيل الجديدة التي أوردتها منسقة السياسة الخارجية الأوروبية فيديريكا موغيريني بشأن خطط التحرك الدفاعي والأمني الأوروبي في المستقبل. ويعتقد المراقبون أن التوجه الجديد هو بمثابة سعي واضح للتعويض عن قرار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والفراغ الذي يحدثه عسكريًا في أوروبا نظرًا لثقل المملكة المتحدة في هذا القطاع.
وأفادت صحيفة «فايننشيال تايمز» بأنه من المتوقع أن يتم طرح خطة الدفاع الأوروبية ضمن خطاب رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر حول حالة الاتحاد أمام البرلمان الأوروبي الأربعاء المقبل.
وقالت موغيريني الخميس، إن على دول الاتحاد الأوروبي حشد الموارد العسكرية كسبيل لإنعاش المشروع الأوروبي عقب قرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي، وأعلنت موغيريني أنها ستطرح خلال أيام قليلة من الآن، خطة مفصلة لتحفيز سياسة الأمن والدفاع الأوروبية، ضمن تطبيق ما بات يعرف بالاستراتيجية الشاملة للاتحاد الأوروبي، والتي عرضتها للمرة الأولى يوم 20 يونيو 2016.
وكانت فرنسا قد عارضت مشاريع الدفاع المشتركة في الخمسينات، بسبب مخاوف تتعلق بالسيادة الوطنية. ومنذ ذلك الحين تم إحراز تقدم محدود بهذا الشأن، ويرجع ذلك جزئيا لتردد بريطانيا والمخاوف بشأن أن جيشا أوروبيا افتراضيا قد يقوض حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وقالت موغيريني لصحيفة «لا ريبوبليكا» الإيطالية «الوقت حان لوضع أساس للدفاع المشترك»، مضيفة «أعتقد أن هذا أحد أهم المشاريع الكبرى التي يمكننا من خلالها استئناف عملية التكامل الأوروبي».
وفي إشارة إلى أن بريطانيا لم تكن الوحيدة المعارضة لتعميق التعاون العسكري الأوروبي، قالت موغيريني إنه بمجرد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لن يكون لدى العواصم الأوروبية الأخرى المتشككة «بشكل غير معلن حجة مريحة لعرقلة التقدم».
وقبل أيام قليلة، استضافت برتيسلافا السلوفاكية اجتماع وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي، وقالت مصادر المجلس الوزاري في بروكسل في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن الوزراء اجتمعوا لمناقشة الموضوعات الراهنة التي تتعلق بالسياسة الخارجية والأمن العالميين، هذا إلى جانب تقييم تنفيذ الاستراتيجية العالمية في مختلف المجالات والتي اعتمدتها بروكسل مؤخرا.
موغيريني عرضت مجددًا تفاصيل المعالم الرئيسية لهذه الاستراتيجية يوم الاثنين الماضي خلال لقائها (السنوي) بالدبلوماسيين الأوروبيين العاملين بالخارج، وبالموظفين التابعين لخدمة العمل الخارجي في بروكسل.
وقالت موغيريني للدبلوماسيين الأوروبيين في إشارة إلى خروج بريطانيا إنها تعتقد بوجود الفضاء السياسي الذي يوفر القدرة على فعل أشياء لم تكن ممكنة في الماضي وأهمها عرض خطة تنفيذية طموحة في مجال الأمن والدفاع. ورأت موغيريني أنه بات من الممكن «الاستفادة الكاملة من المعاهدات القائمة، ومن الإمكانات الهائلة المتوفرة بالفعل، من الناحية المؤسسية لإزالة العقبات التي تحول دون انتشار القوات القتالية الأوروبية التي تم وضعها».
كما أشارت إلى عدة جوانب أخرى عملية مثل التعاون المنظم، أو كيفية تطبيق أفضل لما يتم الاتفاق عليه بالفعل، والركون للمادة 42.7 أو المادة 44 من اتفاقية لشبونة للوحدة الأوروبية والتي لم تستعمل إطلاقًا وتتعلق بشؤون الدفاع. وأوضحت موغيريني أن أحد العناصر الأخرى المهمة تتمثل في العمل مع الشركاء في مجال الأمن والدفاع وأن العمل مع الناتو هو الأكثر وضوحًا.
وفي تعليق على هذا الأمر قال علي أوحيدة الصحافي والمحلل السياسي المقيم في بروكسل «تعتبر كلمة موغيريني تحولاً واضحًا في الخطاب الرسمي الأوروبي في مجال الدفاع.. كما أن إعلان موغيريني عن جدول زمني يحدد الخطوات لإنشاء الهياكل العسكرية للاتحاد الأوروبي، ووصفت من قبل بعض الدول كأساس لـ(جيش أوروبي)، يمثل تطورًا نوعيًا بالفعل».
ويقول الدبلوماسيون إن الاتحاد الأوروبي وعلاوة على سعيه لملء الفراغ الناتج عن خروج بريطانيا يريد توظيف هذا الخروج لصالحه وطمأنة الرأي العام بشأن مصداقية المشروع الاندماجي الأوروبي الذي نجح في مجال العملة الموحدة ويتجه إلى التركيز على الدفاع في وقت تستغل فيه القوى اليمينية المخاوف الأمنية للمواطنين وغياب المراقبة على الحدود ونزوح اللاجئين وتكرار حوادث الإرهاب للتأثير على المشككين في أوروبا.
وحددت موغيريني خطة مؤلفة من أربع نقاط سوف تقوم بعرضها خلال قمة الاتحاد الأوروبي في براتيسلافا. وتقترح موغيريني أن يوافق الاتحاد الأوروبي أولا على أن يتم إرسال قواته المقاتلة متعددة الجنسيات، التي تم وضعها في حالة تأهب منذ 2007 ولكن لم تشارك في صراعات، لمناطق الأزمات. كما أوضحت موغيريني أن خطتها تضمن السماح لدول أوروبية معينة القيام بعمليات عسكرية بالنيابة عن بقية دول الاتحاد وتأسيس مقر عسكري أوروبي في بروكسل وتدشين مبادرات شراء دفاعية أوروبية.
رئيس الاتحاد الأوروبي دونالد توسك ذكر أنه يجب السيطرة على الأمن بشكل كامل داخل التكتل وعلى طول حدوده ليظل قويًا بعد خروج بريطانيا، وذلك وسط موجة من المحادثات مع قادة الاتحاد الأوروبي بشأن عواقب خروج بريطانيا. ويستعد لقمة أوروبية في براتيسلافا في 16 سبتمبر (أيلول) الحالي تضم الدول الأعضاء باستثناء بريطانيا لمناقشة الدروس التي يجب الاستفادة منها من قرار الاستفتاء الصادم البريطاني في يونيو لمغادرة التكتل، مشددًا على أن التكتل لن يبدأ مفاوضات الخروج رسميًا قبل إخطار لندن رسميًا.
توسك قال لرئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي أمس خلال لقائه معها في لندن بأن «الكرة الآن في ملعبكم»، وإنه يرغب في أن تدشن بريطانيا عملية خروجها من الاتحاد الأوروبي، والتي تستغرق عامين «في أقرب وقت ممكن». وأضاف توسك أن القمة المقررة الأسبوع المقبل، وهي الأولى التي لا تضم بريطانيا سوف «تبحث التداعيات السياسية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي». وأكد توسك أن جميع الدول الأعضاء الباقين الـ27. تنتظر تنفيذ بريطانيا للمادة 50 من معاهدة لشبونة، وهي الخطوة الرسمية المطلوبة لبدء عملية الخروج. وقال توسك مخاطبا ماي «إن الأمر ببساطة هو أن الكرة في ملعبكم الآن». وأضاف: «ليس لدي شك في أنه في نهاية المطاف، هدفنا الاستراتيجي المشترك هو إرساء أوثق علاقات ممكنة».
من جانبها، قالت ماي إنها ترغب في عملية سلسة، مضيفة أنها وتوسك لديهما قضايا جدية يلزم بحثها.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعىٍ مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.