مقتل «منجنيق داعش» و«أمير» الشام

مقتل «منجنيق داعش» و«أمير» الشام

أقوى ضربة تلقاها التنظيم المتطرف
الاثنين - 3 ذو الحجة 1437 هـ - 05 سبتمبر 2016 مـ
أبو محمد العدناني ({الشرق الأوسط})
دبي: هاني نسيره
تأكدت يوم 30 أغسطس (آب) 2016 أخبار مقتل «أبو محمد العدناني»، الناطق الرسمي باسم تنظيم داعش المتطرف، وأقرت به أبرز وسائل إعلام «داعش» وكالة «أعماق» ووكالة «حق». ولعل هذه الضربة الأقوى على ما يبدو للتنظيم الإرهابي المتطرف، منذ بدء ضربات التحالف الدولي ضد في 30 سبتمبر (أيلول) 2014. فـ«العدناني» ليس فقط صوت التنظيم، بل لعله أهم أركانه ولوحة الإشارات الأهم لتوجهاته وتوجيهات عناصره. وحين ظهر «أبو محمد العدناني» خلال شهر رمضان الماضي، الموافق 21 مايو (أيار) الماضي، كانت رسالته التوجيهية واضحة بتنفيذ هجمات ضد الدول الأوروبية والولايات المتحدة، حين قال «اجعلوا هذا الشهر شهر المصائب على الكفار، في كل مكان. والدعوة موجهة خصوصًا لأنصار الخلافة (المزعومة) في أوروبا وأميركا»، أخذت العمليات و«الذئاب المنفردة» تنشط بكل ما لديها من إمكانات في مختلف الدول الأوروبية، دهسًا وتفجيرًا وطعنًا ومحاولات قتل فاشلة في كل اتجاه.
وصف تركي بن مبارك البنعلي، أكبر منظّري «داعش» سابقًا: «أبو محمد العدناني» في كتيب له صدر عام 2014 - ردا على راديكالي مصري مقيم في العاصمة البريطانية لندن أساء إليه بعد إعلانه الخلافة المزعومة، ونعته أنه «مجهول وخليفته مجهول» – بأن «العدناني» هو «منجنيق الدولة»، وترجم له ترجمة وافية عرفت بمراحله الحركية وشيوخه وتوجهاته، وإن لم يتعرض لكامل نشاطه وتاريخه الإعلامي، ومنها أنه ارتبط بالحركات الراديكالية عبر «أبو مصعب الزرقاوي»، تحديدًا، أثناء استقرار الأخير في سوريا لبعض الوقت قبل دخوله إلى العراق.
في الحقيقة، ربما كان هذا الرجل الأخطر في «داعش»، بل نراه أخطر من «أبو بكر البغدادي» نفسه، ولعله صانعه وهالته، وهو مَن أقنعه بأن يعلن خلافته.
وكان يظهر في أوقات تحمل في مخاضاتها أحداثًا كبرى، ظهر بعد فض اعتصام الأنبار بالقوة عام 2013 بيوم واحد، مبشرا بعودة «القاعدة» في العراق، وداعيا أهل العراق لاستيعاب الدرس من الميليشيات المرتبطة بنوري المالكي والحكومة العراقية حينئذ، وهو من كان يتكلم ويروج منذ عام 2012 في رسائله وبياناته أن «خلافة» «داعش» قادمة وأن «الخليفة» المزعوم سيعلن قريبا.
* المعلومات المتوافرة
لم يأت في ترجمة البنعلي - الذي أقيل من منصبه في يونيو (حزيران) الماضي - أن الاسم الكامل لـ«أبو محمد العدناني» هو طه صبحي فلاحة. ولقد ولد في شمال غربي سوريا عام 1977 في بلدة بنش بريف محافظة إدلب. وذاعت شهرته بصفته ناطقا باسم «داعش» منذ بدء الخلاف مع قيادات «القاعدة» في أبريل (نيسان) ومايو 2014، خصوصا في إعلان الانفصام من بيعة «القاعدة» في الشرط المشهور الذي انتقد فيه أيمن الظواهري «عذرًا أمير القاعدة» في 12 مايو 2014، ثم في إعلانه «الخلافة» المزعومة لـ«أبو بكر البغدادي» في 29 يونيو 2014، وهو الإعلان الذي بُث بخمس لغات. وبعدها توالى ظهوره بصفته وجها رئيسيا في الجدل مع «القاعدة» بتسجيله، لكنه اختفى منذ بدايات عام 2015 بشكل كبير، ربما بسبب استهداف قيادات التنظيم من ضربات التحالف التي انطلقت في أغسطس من العام نفسه!
كان «العدناني» يستخدم أثناء وجوده في العراق هوية مزورة باسم «حسين خلف نزال الراوي». ويعرف عنه أنه استقر في الأردن لبعض الوقت في مدينة الزرقاء على مقربة من جماعة التيار المتشدد الذي كان يقوده «أبو محمد المقدسي».
وربما جاء تجاهل هذا اللقاء المبكر نظرا للفصال المتأخر بين «داعش» من جهة وبين هذه الجماعة و«القاعدة»؛ إذ تنكر «الزرقاوي»، وبعده البنعلي، لشيخه السابق، كما تنكر «داعش» لـ«القاعدة»! وهوجم هاني السباعي، الذي قدم كتابًا لتركي البنعلي عام 2012 عام 2014، أي بعد ذلك بعامين فقط.
غير أن البنعلي يشير في ترجمته إلى أنه تم تجنيد «العدناني» من قبل «الزرقاوي» في سوريا بعد فرار الأخير من أفغانستان، وقبل دخوله العراق. وأن التوجه كان القيام بعمليات داخل سوريا في البداية، ولكن النظام السوري أحبط حينذاك هذه المخططات، وجرى اعتقال الشاب «العدناني» مرتين كما تذكر رسالته «منجنيق الدولة».
* الحضور الإعلامي
بالنسبة لتطور الحضور الإعلامي لـ«العدناني» وخطورته، نذكر ما يلي:
1 - بدأ بروزه إعلاميا منذ أواخر 2011، وكان اهتمامه عراقيًا في هذه الفترة؛ إذ لم تدخل «القاعدة في العراق» على الثورة والساحة السورية إلا أواخر هذا العام، وحتى أبريل من العام التالي. وصدرت له رسالة صوتية منشورة في فبراير (شباط) 2012 بعنوان «العراق العراق يا أهل السنة» يستنفر فيها التطرف السنّي ضد التطرف الشيعي الذي حدد بعض ملامحه حينها.
2 - كان حضوره الأبرز وتأثيره الأهم إعلاميا بعد فض الاعتصام السلمي في الأنبار يوم 30 يناير (كانون الثاني) 2013، ولقد أثار العشائر، حيث أحسن وتنظيمه الاستثمار في المظلومية السنّية هناك. وبعدها بيوم واحد (31 يناير) كان أول ظهور لما بات يُعرف بـ«أبو محمد العدناني» وظهر بصفته ناطقا باسم «القاعدة في العراق» حينئذ - و«داعش» فيما بعد - داعيا السنة إلى الانتفاض بالسلاح في وجه التمييز الطائفي لرئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي ضدهم، وللالتفاف حول «القاعدة» من جديد كونه حلا وحيدا لهم.
3 - في مرحلة عودة «القاعدة في العراق» قال «العدناني» في خطبة له بعنوان «الاقتحامات أنجع» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012 «ولقد أعلنتها دولة العراق الإسلامية عالية مدوية: لا تفاوض، لا مساومة، لا مداهنة، ثباتٌ لا تراجع، حربٌ لا هوادة فيها، ويقول عن تقدم تنظيم الدولة في العراق، فالآن نغزوهم ولا يغزوننا» (1)
4 - في المفاصلة مع «القاعدة» والظواهري، تتضح شدة «العدناني» في خطابه في 12 مارس (آذار) 2014، الذي انتقد فيه الظواهري وخلع بيعته وبيعة تنظيمه من قيادته «عذرًا أمير القاعدة»، حيث عايره بالتبعية والتصالح مع إيران، موظفًا سياق الثورة السورية والدور الإيراني فيها، وأنه كان يمنعهم من استهدافها.
وفي 29 يونيو 2014 كان إعلان «أبو محمد العدناني» الخلافة المزعومة لـ«أبو بكر البغدادي» بعدما تلا نسبه، ثم ألزم مختلف الحركات الراديكالية ببيعته! وإلا قطف الرؤوس...!
* شيوخ العدناني وتعليمه
كما هو شأن كثير من زعماء «القاعدة» و«داعش» الذين لم يتلقوا تعليمًا شرعيًا نظاميًا، كان هناك مقتطفات يدخل فيها الجواني والتأويلي مع العلمي والشرعي المضبوط. ويقول البنعلي عن تعليم «العدناني» أنه «بدأ بكتب التفسير، وكان أحبها إليه (تفسير ابن كثير) الذي قرأه مرارًا، ثم (في ظلال القرآن) حتى همّ بكتابة (في ظلال الظلال)، وكتب الحديث وأهمها لديه (الصحيحان)؛ إذ إنه كان يراوح بينهما، وكتب الفقه عامة. ولقد شُغف بكتب الإمام الشوكاني - رحمه الله - وعلى رأسها (نيل الأوطار)، وعني بـ«فقه الجهاد» فقرأ –على سبيل المثال – (مشارع الأشواق) أكثر من ثلاث مرات، وكتب السيرة والتاريخ التي أولاها اهتمامًا بالغًا»، ثم يضيف البنعلي - من باب المبالغة - أنه قرأ كتاب «البداية والنهاية» ست مرات!
ومن المبالغات والتناقضات كذلك، ما يذكره البنعلي أنه قرأ جل كتب الأدب كـ«البيان والتبيين» و«العقد الفريد» وغيرهما، وقرأ دواوين العرب كالمعلقات وشروحها، وحفظ الكثير من أشعارهم، وتابع البنعلي «أظنه مستظهرًا لديوان المتنبي، وقد قال عن المتنبي (ما أراه إلا أشعر العرب في الجاهلية والإسلام!)، وفي النحو درس (الأجرومية) ثم (قطر الندى)، ثم (ألفية ابن مالك)، وأما كتب المعاجم فقد طالع (لسان العرب) لابن منظور وغيره». وطالع «لسان العرب» كاملا! أي مبالغة هذه؟! وكيف قرأ «البيان والتبيين» للجاحظ المعتزلي؟ وكيف رأى متحدث الداعشية في القرن الحادي والعشرين المتنبي وعصره ودولة بني حمدان التي والاها وهي شيعية المذهب، والخلافة الضعيفة في أيامه...!
إنها المبالغة وعواصف الكلام غير المضبوط في وجه «القاعدة» التي خالفت «داعش»، والتي كان ينتمي إليها البنعلي نفسه سابقا!
على صعيد آخر، لا يذكر البنعلي أي شيوخ لـ«العدناني» في سوريا؛ نظرًا لضغط النظام، لكنه يذكر تلقيه على الحركي الراحل «أبو أنس الشامي» مساعد «الزرقاوي». ويذكر البنعلي بيتي شعر أو نظم لـ«العدناني» في رثائه. ويقول: إن من شيوخه أيضًا «أبو ميسرة الغريب» - قتل في غارة أميركية عام 2007 - الذي التقاه في العراق، وكذلك أمير «داعش» الحالي «أبو بكر البغدادي» الذي يذكر المترجم أنه أتم حفظ القرآن عليه، رغم أنه سبق وقال: إنه أتمه من قبل (!) وتعلم التجويد (!) ثم تفرغ للقراءات العامة..
وعن المؤلفات، يذكر البنعلي أنها كثيرة لكنها فقدت منه في السجن، بجانب منظومات يعني ألا يبحث أحد عنها.
* مواقع «العدناني» التنظيمية
ذكر تركي البنعلي عن التطور التنظيمي لـ«العدناني» ما يلي: دخل العمل التنظيمي منذ بداية الألفين ميلادية، مبايعًا «أبو مصعب الزرقاوي» في سوريا مع خمسة وثلاثين شخصًا، وانطلقوا بالإعداد لبدء قتال ما وصفه بـ«النظام النصيري» آنذاك، قبل دخول الأميركان العراق، فلما حصل الاحتلال الأميركي للعراق، شد رحاله إليها، فتلقاه الشيخ «أبو محمد اللبناني» الراحل. ثم يضيف البنعلي في ترجمة القيادي القتيل أن من أهم المناصب التي شغلها:
1 - مدرب في معسكر حديثة أيام «التوحيد والجهاد».
2 - أمير حديثة بتنصيب «أبو مصعب الزرقاوي».
3 - مدرب في معسكر الجزيرة.
4 - شرعي القاطع الغربي في الأنبار.
5 - الناطق الرسمي باسم «دولة العراق الإسلامية».
6 - الناطق الرسمي باسم «داعش».
7 - الناطق الرسمي باسم خلافة «داعش» المزعومة.
ويذكر البنعلي أن العدناني اعتقل عند الأمن السوري ثلاث مرات، وعند الأميركان في العراق مرتين، سجن في إحداها ست سنوات، واقترب في السجن من دائرة «الزرقاويين» الذين شكلوا معه مساره فيما بعد.
ولكن أهم ما يذكره البنعلي عن «العدناني» في ترجمته أمران، نحددهما فيما يلي:
أولاً، قربه من «الزرقاوي»؛ فهو كان محل ثقة «الزرقاوي» بشكل بعيد، حتى أن الأخير كان يقول له: «أطلعني ولا تشاورني».
ثانيًا، قدرته على التجنيد؛ إذ جنّد «أبو عمر البغدادي»، ويذكر البنعلي أن «أبو محمد العدناني» كان أول من أطلقت العمليات القتالية في حديثة بغرب العراق ومعه ثلاثة عشر شخصًا، إلى أن استقلت حديثة على أيديهم. وفيها كان تحت إمرته «أبو عمر البغدادي» زعيم «القاعدة في العراق» السابق (قتل مع نوابه عام 2010)، وأن «العدناني» قرّبه منه، وكان يستشيره ويتوقع أن يكون له شأن. كذلك يذكر البنعلي شيئا يكشف قدرته العسكرية وعناده، وأنه كان «آخر من انسحب من مدينة الفلوجة في معركة الفلوجة الثانية، مع الشيخ «أبو حمزة المهاجر» و«أبو الغادية» و«أبو الربيع» و«أبو جعفر المقدسي» و«أبو عاصم الأردني». وكانت تربطه علاقة خاصة بـ«أبو حمزة المهاجر» و«أبو عمر البغدادي» الذي قضى معه، وكانا يقيمان معًا المباريات الشعرية في ساحات الحرب.
ختامًا، لا شك أن استراتيجية المطرقة الصلبة في تصفية قيادات «داعش» تؤتي ثمارها في دفع هذا التنظيم الأعنف عالميًا وتاريخيًا للتراجع، وفقدان أسسه وأركانه الرئيس. ومن قتل أمس لعله الأهم بين هذه القيادات، و«الزرقاوي» الحالي المدير لعقل التنظيم ووسائط اتصال عناصره.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة