منظومة القيم في عالمنا الاستهلاكي «المعولم»

منظومة القيم في عالمنا الاستهلاكي «المعولم»

ترجمة عربية لكتاب باومان «الأخلاق في عصر الحداثة السائلة»
الأحد - 2 ذو الحجة 1437 هـ - 04 سبتمبر 2016 مـ
غلاف الكتاب
أبوظبي: د. رسول محمد رسول
صدرت عن «مشروع كلمة» في أبوظبي الترجمة العربية الأولى لكتاب الفيلسوف وعالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان، الذي يعيش في بريطانيا منذ خمسة وأربعين عامًا، كتابه «الأخلاق في عصر الحداثة السائلة» بترجمة الدكتور سعد البازعي والكاتبة بثينة الإبراهيم، وهو الكتاب الذي صدر في عام 2008 بعنوان (Does Ethics Have a Chance in a World of Consumers).
في العنوان الأصل، وكما يبدو، لا تظهر كلمة «حداثة» (Modernity)، ولا كلمة «سائلة» (Liquid)، إلا أن المترجمَين اختارا نقل العنوان إلى العربية بما يتناسب مع خطاب فلسفة باومان في نقد تمظهرات عالم ما بعد الحداثة الاستهلاكي (الحداثة السائلة). وبذلك، وبقدر ما توفق - البازعي والإبراهيم - في ذلك، نراهما يوفران للقارئ العربي تذكيرًا ضمنيًا بجوهر فلسفة باومان الذي سبق وأصدر الطبعة الأولى من كتابه «الحداثة السائلة» عام 1999. وكان ذلك الكتاب تأسيسا لجانب كبير من فلسفة باومان في نقد النمط الاستهلاكي للعالم المعاصر، وكذلك في بيان رؤيته التي وصفت مرحلة الحداثة بأنها «صلبة» (Solid)، ووصفت مرحلة ما بعد الحداثة بأنها «سائلة» (Liquid)، لينتصر بذلك إلى مفهومي «الإسالة» (Liquidizing)، و«التذويب» (liquefaction) اللذين ميزا مرحلة ما بعد الحداثة أو الحداثة السائلة؛ وبروح الباحث الاجتماعي المدقق في متغيرات ما يجري بالعالم المعاصر، راح باومان يشخِّص كل مظاهر السيولة التي تسم أنماط المعاش في عالمنا، وهو ما وجد تطبيقًا مركزًا له في كتابه «الأخلاق في عصر الحداثة السائلة»، بحسب هذه الترجمة، ومن قبل تناوله باومان في كتب عدَّة له، صدر منها: «الحداثة والهولوكوست» 1989. و«العولمة: الاستهلاك البشري والحياة الاستهلاكية» 2001. و«الحب السائل» 2003. وغير ذلك.
يضم الكتاب مقدِّمة وستة فصول هي: «أي فرصة للأخلاق في عالم استهلاكي معولم؟»، و«القتل الباتر أو إرث القرن العشرين وكيف نتذكّره؟»، و«الحرية في حقبة الحداثة السائلة»، و«حياة عجولة: تحديات الحداثة السائلة للتعليم»، و«بين الرمضاء والنار أو الفنون بين الإدارة والأسواق»، وأخيرًا «جعل الكوكب مضيافًا لأوروبا».
أوضح المترجمان في مقدِّمتهما المشتركة طبيعة الخطاب الفكري الذي يشتغل به المؤلِّف، لكنهما أشارا إلى نمط الكتابة لدى باومان ليس سهلاً كما يُشاع عنه، لا سيما أن باومان كثير الشواهد، فهو يتناص مع مقتبسات لمفكرين وشعراء وفلاسفة وفنانين ومؤرخين وعلماء اجتماع وصحافيين من إيطاليا وألمانيا وفرنسا وأميركا وبريطانيا، وكان ذلك عبئًا تجاوزته هذه الترجمة ببراعة رغم أسلوبية الكتابة لدى باومان، وهي أسلوبية غالبًا ما تلجأ إلى العبارات والجمل الطويلة، بل والاعتراضية أيضًا، لكنها أسلوبية فاتنة في كثير من المعالجات التي قدّمها المؤلِّف حتى إننا بوصفنا قراء لا نملّ منها كون الكتابة الشواهدية فيها تأخذنا إلى مضان نعيشها يوميًا حتى لتبدو جزءا مما نعيش، خصوصًا أن المؤلِّف يفتتح كتابه بمقولة توحي بذلك، فهو يقول: «هذا الكتاب تقريرٌ من أرض المعركة» (ص 17)، ولذلك يدخلنا باومان، من فوره، إلى أتون اليومي بنماذج حياتية وطبيعية بالانطلاق من اعتبار منهجي مهم مفاده «أننا نحتاج، وبشكل ملح، إلى إطار جديد يمكنه استيعاب تجربتنا وتنظيمها بطريقة تسمح لنا بإدراك المنطق الذي يحكُم تلك التجربة، ونقرأ ما فيها من رسالة ظلَّت، حتى الآن، مخفية، وغير مقروءة أو عرضة لسوء الفهم» (ص18). ولذلك يصف عمله بأنه «تقرير سيرة» (ص18) لحياة ومجتمع وإنسان صارت حياته تعج بمتغيرات جوهرية في عصر الحداثة السائلة ما انعكسَ على طبيعة القيم الأخلاقية التي أمست «تفتت مركزية المركز» (ص29)، وتفكك تقلُّبات الهوية في ظل جدلية الاتصال والانفصال، لا سيما «أن الهوية في حالة ولادة» (ص37) مستمرة، وانهيار الذات نحو تخوم جديدة، وظهور «الحشد» بديلاً عن «الجماعة»، ففي عصر الحداثة الصلبة كان للجماعة قمّة، بينما في عصر الحداثة السائلة لا قمة للحشد ولا مركز، ليس له سوى «طيرانه.. ذي الدفع الذاتي» (ص34)، وتلك ميزة ما يجري راهنا.
في كتابه هذا لا يقدِّم باومان رؤية أكاديمية تقليدية عن القيم، فكتابه لا يعرض ذلك بقدر ما يتابع التحولات المجتمعية في الواقع الجاري، وما تعكسه كل السُّلوكيات من قيم أخلاقية، ولكن ليس بعيدًا عن مباحث القيم التي تناولها فلاسفة وعُلماء نفس واجتماع وأنثروبولوجيا مثل توماس هوبز، وماكس شلر، وميشيل أغيير، وفيرغسون، وجورج زيمل، ولوغستروب، وبرودسكي، وفرويد، ونيتشه، وهيدغر، ولفيناس وبورديو، وغيرهم، ولذلك جاء الفصل الأول «أي فرصة للأخلاق في عالم استهلاكي معولم؟»، هذا التساؤل الذي بدت معالجته لذيذة من الناحية المعرفية كونه يربط «الأخلاق» و«الاستهلاك» و«العولمة» في سياق واحد، بين قيم تتغير ورؤى فلسفية واجتماعية تصف بقدر ما ترفض وتقبل تحوّلات ما يجري اليوم في عصر نفر فيه من ثوابت الماضي نحو مستجدات الحاضر السريعة والعابرة بلا هوادة.
سيشعر أحدنا بالمرارة عندما يقرأ الفصل الثاني «القتل الباتر أو إرث القرن العشرين وكيف نتذكّره؟»، فباومان يعود بنا إلى مآس حزينة عاشها إنسان القرن الماضي، ابتداء من محارق اليهود إلى صور الإبادة الشاملة للجماعات العرقية، ومنها ما جرى لأكراد العراق، وغير ذلك من مناطق العالم، وكلها «تكرس دروس نتجت عن الابتذال والتقديس، وتدفع إلى مزيد من الانفصال والشك والكراهية والعداء، وبهذا تزيد من احتمال حدوث كارثة جديدة أكبر مما كان سيحدُث من دونها» (ص138). ومهما يكن ما سيحدُث، وهذا ما يختم به باومان فصله الثاني، فإنِّ «المشكلات الإنسانية على كوكب معولم يمكن مقاربتها وحلها فقط على يد إنسانية متضامنة» (ص150)، ويبدو ذلك أملاً لا غير.
هذه الرؤية ستجد صداها في الفصل التالي «الحرية في حقبة الحداثة السائلة»، الذي خاض فيه المؤلِّف مناقشات مركَّزة لآراء فلاسفة التنوير بشأن الحرية في ضوء الفكرة القائلة إن «الإنسان المثالي هو ذلك الذي يجرؤ أن يفكِّر لنفسه ساحقًا تحت قدميه التعصُّب والتقاليد والماضي والمعتقدات الشعبية» (ص157). لكن ذلك لم يعد يكفي، «فما زال العالم الذي نعيشُ فيه أبعد ما يكون عن الشفافية وقابلية التنبؤ، كما أنه ليس وطنًا آمنًا للجنس البشري» (ص158)، هكذا يقول باومان، الأمر الذي يعني أن حرية الإنسان ما زالت مسلوبة فيه، وما زالت حياتنا عرضة للنزعة الاستهلاكية المريرة، ما يعني ضرورة «إنقاذ التضامن الإنساني من التآكل، والحفاظ على مشاعر المسؤولية الأخلاقية من الاضمحلال» (ص192)، وتلك مهمة صعبة لكنها غير مستحيلة.
من الحرية إلى إشكالية التعليم ننتقل مع باومان عبر الفصل الرابع «حياة عجولة: تحديات الحداثة السائلة للتعليم»، حيث كل شيء يمضي بوتيرة عجول، ومنه التعليم الذي تسمه الحياة الاستهلاكية بالسرعة والنسيان، وهي الملاحظة التي ينطلق منها الباحث في معاينة منظومات التعليم الدائرة في عصرنا في ضوء حراك السيولة الذي يبدو هوية لكل شيء في هذا العالم، فمثلما يعيش الاقتصاد الاستهلاكي على تقليب البضائع كذلك هو التعامل مع التعليم، وتلك طامة كبرى.
ومن التعليم إلى الثقافة والفنون في عصر الحداثة السائلة، وهو موضوع الفصل الخامس «بين الرمضاء والنار أو الفنون بين الإدارة والأسواق»، وفيه يستعرض باومان شتى سبل الفنون والثقافات الاستهلاكية ذات الطابع الاستهلاكي العابر في ظل ضياع «الصدفة» بوصفها موئلاً للإبداع وحتمية وجود «العتمة» التي لا تنتج سوى العابر والجاري بمعايير دخيلة عليه، حتى أصبح الفنانون والكتاب مجرد وسطاء يرضخون لقوى السوق، ما يعني أن «إخضاع الإبداع الثقافي لمعايير السوق الاستهلاكية ومقاييسها المطالبة بقبول هذا الإبداع لشروط المنتجات الاستهلاكية» (ص270)، حيث أصبحت شهرة «الفنان» تساوي شهرة «العلامة التجارية»، وأصبح للمبدع تاريخ إنتاج وصلاحية، ما ينذر بولادة ونشوء «ثقافة الهدر» (ص275) الدائر عبثها المدمر في عصر الحداثة السائلة.
ينهي باومان كتابه بالحديث الحزين عن أوروبا «جعل الكوكب مضيافًا أوروبيًا»، فالعالم من حول هذه القارة يبدو ضاجًا بالعنف والسيطرة الاستعمارية الجديدة (أميركا) التي يشي نمطها باستهلاك سريع وتصفية للتقاليد وظهور جديد للفوضى والإرهاب العالمي، وما فكرة الحرب على الإرهاب سوى «ضرب من التناقض» (ص302)، حيث «الحصون المحاصرة التي تتحوّل إليها المدن المتعددة الإثنيات والثقافات يتقاسمها الآن الإرهابيون وضحاياهم» (ص305) (العراق أنموذجًا) في ظل ظهور أنماط من «الحشود الإرهابية» العابرة للحدود، وهي «حشود منزلية» بلا ثكنات تشتغل في «ساحات معركة سريعة الحركة» (ص306)، وتلك تبعات تتحمَّلها الولايات المتحدة الأميركية في سياساتها التي تعتمد القوة العنيفة لا العلاقات الإنسانية، ولذلك يدعو باومان إلى جعل «الكوكب مضيافًا لقيم وأساليب أخرى من الوجود أكثر من تلك التي تمثلها القوة العسكرية الأميركية العظمى وتروِّج لها»، يدعو إلى «القيم والأساليب التي تعد أوروبا أكثر من أي جزء بالعالم مستعدّة لتقديمها، الذي يحتاج أكثر من أي شيء آخر أن يصمم الطريق المؤدي إلى الوحدة الشاملة للجنس البشري» (ص 311)
لقد أبدى البازعي والإبراهيم جهدًا ترجميًا تنويريًا عندما أقبلا على نقل متن هذا الكتاب إلى العربية، لا سيما هوامش المؤلِّف الأساسية، فضلاً عن الإضاءات الخاصة بترجمة الأسماء الواردة في المتن والتعريف بها في مواضع كثيرة خدمة للقارئ العربي، وتلك أمانة علمية حرصا على تفعيلها في صنيعهما الترجمي هذا.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة