أنغولا: من الانتعاش القوي إلى الأزمة.. قصة بطلها النفط

الحكومة خفضت ميزانيتها إلى النصف.. والمستشفيات خالية من عقارات الملاريا

إحدى مضخات النفط (رويترز)
إحدى مضخات النفط (رويترز)
TT

أنغولا: من الانتعاش القوي إلى الأزمة.. قصة بطلها النفط

إحدى مضخات النفط (رويترز)
إحدى مضخات النفط (رويترز)

مع تحرك أسعار النفط في وقت سابق من هذا العقد نحو الارتفاع، انتعشت الأوضاع الاقتصادية بمدينة لواندا عاصمة أنغولا، ما تجلى في ظهور ناطحات السحاب الزجاجية فوق الركام الذي خلفته حرب أهلية استمرت 27 عامًا، كما اجتذبت المدينة مطربين أميركيين عالميين أمثال ماريا كاري لإحياء حفلات غنائية خاصة بها، الأمر الذي دفع سلطات المدينة لإعلانها «دبي الجديدة».
إلا أنه مع التراجع الشديد في أسعار النفط، ظهرت التداعيات السلبية على واحدة من أكثر دول القارة السمراء ثراءً وتفاوتًا في توزيع الثروات، والآن، يطلب نفس المسؤولين الذين تباهوا من قبل بصعود لواندا المبهر، قروضا بمليارات الدولارات، في الوقت الذي يلقى الآلاف حتفهم بسبب أمراض يمكن الوقاية منها وتعاني المستشفيات نقص الأدوية، واليوم، يمكن أن يصل سعر جوال الأرز خمسة أضعاف ما كان عليه منذ عام مضى. وفي ظل وجودها بقارة أفريقيا، القارة التي تتحكم مواردها الطبيعية في صعود وهبوط الاقتصاد، تبقى أنغولا نموذجًا متفردًا ومثير للفزع في الوقت ذاته، ذلك أنها أكثر اعتمادًا على صادراتها من السلع عن أي من دول جنوب الصحراء الكبرى الأخرى، والآن تتكبد البلاد ثمن هذا الأمر على نحو مأساوي.
المعروف أن أنغولا ليست الدولة الوحيدة التي تعاني منذ تهاوي أسعار النفط من نحو 115 دولارا للبرميل منتصف عام 2014 إلى أقل من 30 دولارًا العام الماضي، ليصل مؤخرًا إلى مستوى 40 دولارًا تقريبًا، على سبيل المثال، تعاني فنزويلا هي الأخرى من نقص في الطعام، في الوقت الذي تجابه نيجيريا أكبر أزمة اقتصادية تعصف بها منذ عقود، بيد أن تفّرد أنغولا يكمن في أن سقوطها جاء مخفيًا في الجزء الأكبر منه عن أعين العالم، نظرًا لأنه نادرًا ما يجري منح تأشيرات دخول لصحافيين.
وتشير الأرقام الصادرة عن منظمة «أوبك» إلى أن نحو 45 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي في أنغولا يأتي من قطاع النفط والغاز الطبيعي، مقارنة بـ25 في المائة في فنزويلا و35 في المائة في نيجيريا.
وداخل مستشفى كاجويروس، تحولت أزمة النفط إلى أزمة بالمجال الصحي، جراء معاناة المستشفى، كما هو الحال مع معظم المستشفيات على مستوى البلاد، من نقص الإبر والقفازات الجراحية وتقريبًا جميع الأدوية، ويتمثل السبيل الوحيد أمام المرضى للحصول على العلاج الطبي في شراء هذه المواد من السوق السوداء، في وقت يعجز غالبية أبناء أنغولا عن توفير تكاليف الشراء، وخلال الأسابيع الأخيرة، لم تجر أي اختبارات بخصوص مرض نقص المناعة ولم يحصل أي شخص على لقاح السل على مستوى البلاد، تبعًا لما أعلنه مسؤولون من أنغولا وآخرون دوليون معنيون بالمجال الصحي. وبعد أن قلصت الحكومة ميزانيتها بنسبة 53 في المائة العام الماضي، لم تشتر البلاد جرعة واحدة من عقار الملاريا، وخلال الشهور الثلاثة الأولى من 2016. ظهرت في أنغولا قرابة 1.3 مليون حالة إصابة بالملاريا، وتبعًا لما أعلنته منظمة الصحة العالمية، فقد توفي 3 آلاف منهم على الأقل.
من جهته، قال فرانسيسكو سونغني، كبير ممثلي اليونيسيف في أنغولا «اليوم، عندما تذهب لأي وزارة وتطلب شيئا، تتلقى الإجابة ذاتها ليس لدينا مال».
ومع ذلك، فإن الأزمة الاقتصادية بمفردها لا تفسر بشكل كامل الفوضى الصحية العارمة التي تعصف بالبلاد، في الواقع، تتسم حكومة أنغولا منذ أمد بعيد بمستويات كبيرة من الفساد وسوء الإدارة، وتعاني البلاد من أعلى معدل وفيات بين الأطفال عالميًا، مع وفاة واحد من بين كل 6 أطفال دون الخامسة، تبعًا لما أعلنه مسؤولو «يونيسيف».
بفضل أسعار النفط شديدة الارتفاع والإنتاج الوفير، حقق اقتصاد البلاد نموًا مذهلاً بمعدل 17 في المائة سنويًا بين عامي 2004 و2008، وبحلول عام 2014. أصبح لدى أنغولا ثالث أكبر إجمالي ناتج محلي على مستوى دول جنوب الصحراء الكبرى الأفريقية، بعد نيجيريا وجنوب أفريقيا، إلا أن الثروات تركزت في أيدي قلة على نحو متزايد، كانوا في معظمهم مقربين من النخبة السياسية.
وحتى عندما حدث التراجع الاقتصادي، كانت النخبة تنفق ببذخ، في ديسمبر (كانون الأول)، دفعت واحدة من كبريات شركات الهاتف المحمول بالبلاد: «يونيتيل»، للمطربة الأميركية نيكي ميناج مليوني دولار مقابل إحيائها حفلا غنائيا في لواندا، وكان الرئيس التنفيذي للشركة حينها إيزابيل دوس سانتوس، ابنة الرئيس الأنغولي، جوزيه إدواردو دوس سانتوس، الذي يتولى رئاسة البلاد منذ عام 1979. في يونيو (حزيران)، جرى تعيين إيزابيل دوس سانتوس، أول مليارديرة على مستوى أفريقيا، ـ رئيسة لشركة النفط المملوكة للدولة.
على الجانب الآخر وفي أحد الأيام القريبة، وقفت كريستينا دا سيلفا تنتظر خارج مستشفى كاجويروس كي تتمكن من إدخال القفازات والإبر والعقاقير اللازمة لزوجها المصاب بالملاريا، كانت هي وأقاربها قد تمكنوا من جمع المال الكافي لدفع تكلفة احتياجات زوجها الطبية والتي بلغت 10 دولارات، ما يعد مبلغا أقرب إلى المستحيل في بلاد يتقاضى نصف عامليها أقل من دولاري يوميًا، جدير بالذكر أنه قبل الأزمة الاقتصادية الحالية، كانت العقاقير متوافرة مجانًا في المستشفيات العامة.
وقالت دا سيلفا «في هذه الظروف، يسعى المرء للاقتراض من الأقارب والأصدقاء والعمل للحصول على المال بأي وسيلة، لأن عدم توافر المال يعني موته».
من جهتهم، اعترض عدد من النشطاء القلائل بالبلاد والصحافيين المستقلين علانية ومنذ أمد بعيد على التفاوتات الصارخة في الدخول داخل هذه البلاد الغنية بالنفط، وتساءلوا كيف يمكن لبلد واحد أن يضم مبيعات مزدهرة لسيارات «بورش» وشقق سكنية يبلغ إيجارها 20.000 دولار شهريًا ومثل هذا العدد الضخم من الفقراء في آن واحد؟
والآن، يواجه هؤلاء النشطاء أنفسهم سؤالاً مفزعًا: كيف سيكون الحال إذا ما ازدادت الأوضاع تفاقمًا؟
في هذا الصدد، قال رافاييل ماركيز دي موريس، أحد منتقدي الحكومة ومؤسس «ماكا أنغولا»، منظمة رقابية: «حتى أثناء الحرب، لم نشهد هذه الأعداد الكبيرة من الوفيات»، في إشارة إلى الحرب الأهلية التي انتهت عام 2002.
الملاحظ أن الانهيار الشديد في أسعار النفط أدى إلى تراجع سريع في تدفقات الدولارات الأميركية على أنغولا ونقص حاد في قيمة العملة المحلية، كوانزا، وأدى ذلك بدوره لاشتعال الأسعار في بلد يستورد الكثير من السلع الأساسية.
ولا يقتصر الأمر على السلع، ذلك أنه نظرًا لافتقارها إلى المهنيين، اعتمدت البلاد لسنوات على مهندسين وأطباء ومدرسين أجانب، الآن، تناضل البلاد لسداد رواتبهم. العام الماضي، هدد المئات من الأطباء الكوبيين بالرحيل بسبب عدم تلقيهم رواتبهم منذ شهور، إلا أن سفير كوبا لدى أنغولا أعلن في تصريحات صحافية أن المشكلة جرت تسوية معظمها.
على مدار سنوات، كانت أنغولا واحدة من أغلى البلاد بالنسبة للأجانب على مستوى العالم، في ظل ارتفاع أسعار النفط والتنامي الشديد لقيمة العملة، أما أبناء البلاد فلم يسبق أن واجهوا مثل هذه المشقة في كسب قوتهم بالعملة المحلية التي تراجعت قيمتها بشدة في الوقت الذي قلصت الحكومة برامج الرفاه على نحو بالغ، وبذلك، تردت أوضاع المواطنين بشدة، الأمر الذي اتخذ صورًا مأساوية في بعض الحالات.
من بين الأمثلة البارزة على ذلك معاناة البلاد من أكبر حالة تفشي للحمى الصفراء عالميًا منذ عقود، ومن بين الأسباب المطروحة وراء تفشي الوباء رفض الحكومة سداد تكاليف جمع القمامة ببعض أجزاء لواندا نتيجة الانكماش الشديد بميزانيتها، واجتذبت أكوام القمامة، بجانب برك مياه الأمطار، جحافل من الناموس تحمل الوباء القاتل، حتى الآن، هناك ما يزيد على 3 آلاف حالة إصابة مشتبه بها وقرابة 350 حالة وفاة، وعن هذا، قال سونغني، كبير ممثلي اليونيسيف بالبلاد «هذا الأمر كان يمكن تجنبه تمامًا».
على الجانب الآخر، فإن الازدهار الاقتصادي الذي عاشته أنغولا طيلة 15 عامًا زاد من صعوبة حصولها على مساعدات دولية، ذلك أنها مصنفة حاليًا من قبل البنك الدولي باعتبارها دولة تنتمي للشريحة العليا من الدخل المتوسط.
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ {الشرق الأوسط}



رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
TT

رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)

أعلنت كوريا الجنوبية، الأحد، تعيين الخبير الاقتصادي الكوري الجنوبي، شين هيون سونغ، المعروف بتوقعه للأزمة المالية العالمية عام 2008، رئيساً للبنك المركزي للبلاد، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً اقتصاديةً ناجمةً عن النمو المحلي المتفاوت وحرب إيران.

وسيخلف شين، ري تشانغ يونغ المحافظ الحالي عند انتهاء ولايته في 20 أبريل (نيسان) المقبل.

وفي بيان صادر عن البنك المركزي، قال شين إنه سيسعى إلى اتباع نهج سياسي «متوازن» يراعي التضخم والنمو والاستقرار المالي.

وأضاف شين: «لقد ازدادت حدة التقلبات في الأسواق المالية وأسواق الصرف الأجنبي، فضلاً عن حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، مؤخراً نتيجة للتغيرات السريعة في الوضع بالشرق الأوسط».

مهمة صعبة

يواجه شين، الذي يتمتع بسمعة أكاديمية مرموقة بفضل تحذيراته المستمرة من الإفراط في الاقتراض، تحديات مباشرة تتمثل في التضخم الناجم عن الأوضاع في الشرق الأوسط والنمو غير المتكافئ.

وقال متحدث باسم الرئاسة في إحاطة صحافية: «كما يتضح من الوضع الراهن في الشرق الأوسط، فإن الظروف الاقتصادية المحلية والعالمية مترابطة، مما سيزيد من أهمية خبرته».

يتولى منصب محافظ البنك المركزي في وقت يواجه فيه صناع السياسات تحدياً دقيقاً يتمثل في الموازنة بين دعم النمو واحتواء مخاطر الاستقرار المالي الناجمة عن ارتفاع ديون الأسر وحرب إيران.

ورغم ازدهار قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، بما فيها صناعة أشباه الموصلات، فإن التعافي لا يزال متفاوتاً، حيث تعاني قطاعات تقليدية كالصلب والبتروكيماويات من ضعف الطلب الخارجي.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أبقى بنك كوريا المركزي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 2.50 في المائة، وأشار إلى أنه من المرجح أن يبقي أسعار الفائدة ثابتة حتى أغسطس (آب) من هذا العام على الأقل.

ديون الأسر

ركزت العديد من تصريحات شين في مقابلات سابقة على ضرورة بذل جهود سياسية جادة لخفض المديونية في ظل ازدياد ديون الأسر، لتجنب أزمة مالية مماثلة لتلك التي شهدتها البلاد في الماضي، وكذلك لكبح جماح أسعار العقارات المرتفعة للغاية حول العاصمة الكورية الجنوبية سيول.

وقال مسؤول عمل مع شين في بنك التسويات الدولية: «يمكن اعتباره متشدداً أكثر من كونه معتدلاً، وهذا فهم شائع بين الاقتصاديين، ويعود ذلك في الغالب إلى تركيز العديد من أبحاثه على مخاطر الإفراط في الاقتراض».

وأوضح مسؤول في وزارة المالية: «لا أعتقد أن أحداً في الأوساط الأكاديمية سيجادل في أنه بلا شك أحد أبرز الاقتصاديين في كوريا الجنوبية. يتمتع بشخصية متواضعة، وكانت تجربتي معه خلال زيارتي لبنك التسويات الدولية إيجابية للغاية، حيث نظم العديد من فعاليات التواصل للمسؤولين الكوريين الزائرين».

ويواجه شين، البالغ من العمر 66 عاماً، جلسة استماع للتصديق على تعيينه في الجمعية الوطنية، لكن لا يملك المشرعون حق النقض على ترشيح الرئيس.

وقال شين في تقرير صدر الأسبوع الماضي: «إذا كانت الصدمة ناتجة عن خلل في العرض، وبالتأكيد إذا كانت مؤقتة، فهذه أمثلة نموذجية يجب فيها تجاهل الأمر وعدم اللجوء إلى السياسة النقدية. الأمر يعتمد حقاً على مدة استمرار النزاع ومدة استمرار ارتفاع أسعار النفط».

وقدّم شين والخبير الاقتصادي الهندي راغورام راجان تحذيرات في مؤتمر لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في أغسطس 2005، مستخدمين استعارة من جسر الألفية في لندن لتحديد مواطن الضعف النظامية التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى الأزمة المالية العالمية.

ويُعرف شين، الأستاذ السابق في جامعة برينستون، بعلاقاته الوثيقة بالعديد من مسؤولي بنك كوريا، بمن فيهم ري الرئيس الحالي، حيث كان عضواً منتظماً في لجان ندوات البنك. ولا يمكن إعادة تعيين المحافظ إلا مرة واحدة فقط لمدة أربع سنوات.


لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
TT

لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)

بعد سلسلة من الارتفاعات القياسية التي جعلت الذهب والفضة يتصدران المشهد الاستثماري، شهدت أسواق المعادن الثمينة موجة بيع عنيفة وتسارعاً في هبوط الأسعار، لتصبح آخر ضحايا توقعات التضخم المتزايدة.

ففي يوم «الخميس الأسود»، سجلت العقود الآجلة للذهب والفضة واحدة من أسوأ تراجعاتها اليومية على الإطلاق، حيث هوى الذهب بنسبة 5.9 في المائة (ما يعادل 289 دولاراً للأونصة)، بينما فقدت الفضة نحو 20 في المائة من قيمتها خلال سبع جلسات فقط. وواصلت أسعار الذهب تراجعها يوم الجمعة، مسجلةً أسوأ أسبوع لها منذ 15 عاماً، وسط مخاوف المستثمرين من التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية الإيرانية.

ويتجه الذهب نحو تسجيل أسوأ أداء شهري له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008. ومع ذلك، لا يزال المعدن مرتفعاً بأكثر من 5 في المائة في عام 2026، مما يؤكد ارتفاعه الكبير قبل حرب الخليج.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

ولكن لماذا تنهار «الملاذات الآمنة» في وقت تشتعل فيه الأزمات الجيوسياسية؟

السبب الرئيسي خلف هذا التراجع يكمن في تحول توقعات التضخم وتلاشي آمال خفض أسعار الفائدة العالمية. فبينما يزدهر الذهب عادة في بيئات الفائدة المنخفضة، أدت صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط إلى تعقيد المشهد أمام البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا.

لقد أشارت المصارف المركزية هذا الأسبوع إلى أن الفائدة قد لا تنخفض بالسرعة التي كان يأملها المستثمرون، مما رفع «تكلفة الفرصة البديلة» لحيازة المعدن الأصفر الذي لا يدر عائداً، ودفع المستثمرين نحو السندات التي باتت توفر دخلاً ثابتاً ومغرياً في ظل استمرار سياسة التشدد النقدي.

تخارج الصناديق

لم تقتصر الضغوط على السياسات النقدية والمستثمرين الكبار فحسب، بل امتدت لتطال «نبض الشارع الاستثماري» المتمثل في المستثمرين الأفراد. فلليوم السادس على التوالي وحتى تعاملات الجمعة، سجلت البيانات تخارجاً صافياً للمستثمرين من صندوق «إس بي دي آر غولد شيرز»، وهو أكبر صندوق متداول للذهب في العالم والمؤشر الأكثر دقة لشهية صغار المستثمرين. ورغم أن القيمة الإجمالية للمبالغ المسحوبة خلال هذه الفترة - التي بلغت حوالي 10.5 مليون دولار - تبدو ضئيلة مقارنة بمشتريات قياسية بلغت 36.8 مليون دولار في يوم واحد العام الماضي، إلا أن الدلالة العميقة تكمن في «التحول النفسي» وليس في الرقم ذاته، وفق «وول ستريت جورنال».

هذا النزيف المستمر في التدفقات النقدية يعكس تحولاً جذرياً في قناعات الأفراد الذين كانوا يرون في الذهب ملاذاً لا يُقهر. فالمستثمر الذي اندفع للشراء عندما تجاوزت الأونصة مستويات 5300 دولار في يناير (كانون الثاني)، بدأ يدرك أن الذهب بات «ضحية» لتوقعات التضخم بدلاً من أن يكون وسيلة للتحوط ضده. هذا الفتور في الشهية يعني أن المستثمرين الصغار لم يعودوا يبحثون عن الأمان في المعدن الأصفر، بل باتوا يفضلون «تسييل» مراكزهم والهروب نحو الدولار القوي أو السندات التي تمنح عائداً ثابتاً، مما يضع ضغوطاً إضافية على أسعار الذهب التي فقدت زخمها التاريخي.

شخصان ينظران إلى المجوهرات الذهبية وهما يقفان خارج متجر مجوهرات في السوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)

البيع الاضطراري و«تغطية الخسائر»

يرى محللون أن جزءاً كبيراً من هذا التخارج الصافي ليس ناتجاً عن فقدان الثقة المطلقة في الذهب، بل هو نتيجة «حاجة ماسة للسيولة» في أسواق أخرى متعثرة. فمع تراجع أسواق الأسهم والعملات، اضطر العديد من المستثمرين الأفراد لاستخدام حصصهم في صناديق الذهب كـ«حصالة طوارئ» لتغطية خسائرهم أو لتلبية طلبات «هامش الربح» من قبل الوسطاء. هذا النوع من «البيع القسري» يثبت أن الذهب، في لحظات الأزمات المركبة، يتحول من أصل للادخار طويل الأمد إلى مصدر سريع للسيولة، مما يعجل من وتيرة هبوطه السعري في الأسواق العالمية.

«الأموال الذكية»

بالتوازي مع تراجع استثمارات الأفراد، لم تكن المؤسسات الكبرى بمعزل عن هذا المشهد. ففي الكواليس، بدأت «الأموال الذكية» - المتمثلة في صناديق التحوط والمستثمرين المحترفين - في تقليص مراكزها من المعادن بشكل كبير. ويرى محللون أن التقلبات الحادة في الأسواق الأخرى، مثل تراجع الأسهم، دفعت بعض المستثمرين لبيع الذهب والفضة لـ«تسييل الأرباح» وتغطية خسائرهم في أماكن أخرى من محافظهم الاستثمارية، أو لتلبية طلبات «هامش الربح». وبحسب خبراء السلع في «ستاندرد تشارترد»، فإن الحاجة إلى السيولة في الوقت الراهن تفوقت على علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت تدعم الذهب تاريخياً.

البنوك المركزية... حارس استراتيجي

في مقابل تخارج صغار المستثمرين، تواصل البنوك المركزية العالمية تعزيز احتياطاتها من المعدن الأصفر، وإن كان ذلك بوتيرة أكثر توازناً. فوفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي لشهر مارس 2026، استمر «بنك الشعب الصيني» في الشراء للشهر السادس عشر على التوالي، حيث أضاف نحو 25 طناً في فبراير (شباط) وحده، ليصل إجمالي حيازاته إلى مستوى قياسي جديد. ويعكس هذا الإصرار السيادي على الشراء استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى «تنويع الاحتياطيات» وتقليل الاعتماد على الدولار، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة التي أعقبت صراع الشرق الأوسط.

سبيكة ذهبية وزنها كيلوغرام واحد وعملة ذهبية مختومة معروضتان في متجر مجوهرات بدبي (رويترز)

دخول لاعبين جدد

لم تعد المشتريات مقتصرة على القوى التقليدية مثل الصين وروسيا؛ فقد شهد الربع الأول من عام 2026 دخول لاعبين جدد إلى الساحة بشكل مفاجئ. فقد أعلن بنك كوريا المركزي عن خطط لدمج صناديق الذهب المتداولة في محفظته الدولية لأول مرة منذ عام 2013. كما سجل «بنك ماليزيا» أول عملية شراء رئيسية له منذ سنوات. هذا التوسع في قاعدة المشترين السياديين يشير إلى أن الذهب لم يفقد قيمته كأصل استراتيجي، بل إن البنوك المركزية تنظر إلى التراجعات السعرية الحالية كـ«فرصة شراء» لتعزيز مرونة اقتصاداتها الوطنية أمام تقلبات العملات الورقية.

رغم هذه المشتريات، يشير محللون إلى أن بعض البنوك المركزية قد تتبنى نهج «الانتظار والترقب» في الأشهر المقبلة. فمع ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط التضخمية الناتجة عن تعطل الإمدادات في مضيق هرمز، قد تضطر بعض الدول الناشئة لاستخدام سيولتها النقدية لدعم عملاتها المحلية بدلاً من زيادة حيازاتها من الذهب. ومع ذلك، يظل التوقع العام لعام 2026 هو بقاء صافي مشتريات البنوك المركزية عند مستويات مرتفعة تتراوح من 750 إلى 900 طن، مما يوفر «أرضية صلبة» تمنع انهيار الأسعار بشكل كامل رغم موجات البيع التي يقودها الأفراد وصناديق التحوط.

عدوى الهبوط

لم تكن المعادن الثمينة وحدها في ساحة النزيف، بل امتدت الموجة لتشمل البلاتين والبلاديوم اللذين فقدا نحو 17 في المائة و15 في المائة من قيمتهما هذا الشهر على التوالي. كما تراجعت المعادن الصناعية مثل النحاس والألومنيوم، وهو ما يفسره المحللون بإعادة تقييم المستثمرين لتوقعات النمو الاقتصادي العالمي. فرغم إغلاق مضيق هرمز الذي يعد شرياناً حيوياً لشحنات الألومنيوم والغاز، فإن الأسعار تراجعت مع ازدياد القناعات بأن الركود العالمي القادم قد يؤدي إلى «تدمير الطلب»، مما جعل التحوط بالمعادن خياراً أقل جاذبية في ظل تباطؤ اقتصادي وشيك.


الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
TT

الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)

سمحت الفلبين بالاستخدام المؤقت والمحدود لنوع من الوقود أرخص ثمناً، ولكنه أقل جودة وأكثر بعثاً للملوثات؛ وذلك لضمان استمرار الإمدادات في ظل سعيها إلى إيجاد حلول لمواجهة تداعيات أزمة الشرق الأوسط.

وأعلنت وزارة الطاقة، الأحد، أنه سيُسمح فقط للمركبات المصنعة في عام 2015 وما قبله، وسيارات الجيب التقليدية، ومحطات توليد الطاقة، وقطاع النقل البحري، باستخدام منتجات البترول المتوافقة مع معيار «يورو2».

وأوضحت الوزارة في بيان: «يهدف هذا الإجراء إلى المساعدة في ضمان استمرار إمدادات الوقود بشكل كافٍ ومتاح، مع إتاحة مرونة محدودة للقطاعات التي قد تتأثر».

وأصدرت الوزارة توجيهات لشركات النفط التي ستوفر وقود «يورو2» بالحفاظ على الفصل التام بينه وبين وقود «يورو4» في جميع أنظمة التخزين والنقل والتوزيع.

وفي عام 2016، تحولت مانيلا إلى استخدام وقود أنظف متوافق مع معايير «يورو4» بدلاً من «يورو2». ويحتوي وقود «يورو4»، الذي لا يزال ساري المفعول، على نسبة كبريت تبلغ 50 جزءاً في المليون، مقابل 500 جزء في المليون لوقود «يورو2».

وفي الأسبوع الماضي، خرج آلاف سائقي السيارات إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل المحلية بأكثر من الضعف، وذلك بعد ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

ومثل كثير من جيرانها في جنوب شرقي آسيا، اتخذت الفلبين خطوات، مثل تقليص أسبوع العمل وتقديم دعم للوقود؛ لمواجهة آثار ارتفاع التكاليف. كما منح البرلمان الرئيس صلاحيات طارئة لتعليق أو تخفيض ضرائب الوقود.

وقال الرئيس الفلبيني، فيرديناند ماركوس، في رسالة مصورة يوم الأحد، إن الحكومة تجري محادثات مع الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند وبروناي بشأن ترتيبات محتملة لإمدادات الوقود. وتستعد الدولة، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط لتلبية احتياجاتها من الوقود، لاستيراد النفط الروسي هذا الشهر لأول مرة منذ 5 سنوات.