ترحيب دولي باتفاق طرابلس مع مسلحي برقة بشأن تصدير النفط

خطوط جوية غربية تعلق رحلاتها.. ووزير الدفاع الفرنسي يصف جنوب ليبيا بـ «وكر أفاع»

نقطة أمنية لحراسة بئر نفطي في الزويتنية أمس (رويترز)
نقطة أمنية لحراسة بئر نفطي في الزويتنية أمس (رويترز)
TT

ترحيب دولي باتفاق طرابلس مع مسلحي برقة بشأن تصدير النفط

نقطة أمنية لحراسة بئر نفطي في الزويتنية أمس (رويترز)
نقطة أمنية لحراسة بئر نفطي في الزويتنية أمس (رويترز)

في خطوة مفاجئة، أكدت شركة «لوفتهانزا» الألمانية للطيران أمس أنها والخطوط الجوية النمساوية التابعة لها علقتا رحلاتهما إلى ليبيا لأجل غير مسمى بعد حادث أمني بمطار طرابلس قبل أسبوعين، وذلك بالتزامن مع ترحيب غربي أمس بالاتفاق الذي أعلن عن التوصل إليه بين الحكومة المركزية الليبية والمحتجين المسلحين من إقليم برقة حول المنشآت النفطية، رغم تصريحات قوية لوزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان، قال فيها إن جنوب ليبيا تحول إلى «وكر أفاع» للمتشددين الإسلاميين، وأن الطريقة الوحيدة للتعامل معه هي من خلال تحرك جماعي قوي من الدول المجاورة.
وقال متحدث باسم لوفتهانزا: «قررنا تعليق رحلاتنا إلى طرابلس إلى أجل غير مسمى لأسباب أمنية وتشغيلية»، بحسب وكالة «رويترز». وأوقفت الشركتان بالإضافة إلى شركتي «بريتش إيرويز» البريطانية و«أليتاليا» الإيطالية رحلاتها إلى ليبيا منذ نهاية مارس (آذار) الماضي، عقب انفجار قنبلة على المدرج الرئيس لمطار طرابلس الدولي. لكنهم تركوا الاختيار مفتوحا لاستئناف العمليات مجددا، قبل أن تعلن الشركة الألمانية أمس قرارها.
من جانبه، قال وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان، أمس، حول الوضع في جنوب ليبيا «شعورنا بالقلق يتنامى. إنه وكر أفاع يعود إليه الجهاديون للحصول على السلاح وتجنيد العناصر. إنها منطقة خطرة، والظروف ليست مواتية لإيجاد حل»، مشددا على أن الطريقة الوحيدة للتعامل مع الوضع هي من خلال تحرك جماعي قوي من الدول المجاورة.
وعلى مدى أشهر تعهدت دول غربية بتدريب قوات الأمن الليبية لحماية الحدود بشكل أفضل في ظل عزوف هذه الدول عن التدخل عسكريا. لكن لم يف بهذا التعهد سوى عدد قليل من الدول. وكان من المقرر أن تبدأ فرنسا تدريب ألف من ضباط الشرطة الليبية بنهاية شهر مارس (آذار) الماضي، لكن يبدو أن الخطة تأجلت. وقال لودريان «الرد الوحيد الممكن يكون من خلال التعاون القوي بين الدول المجاورة لضمان أمن الحدود، لأن مقومات الدولة غائبة في ليبيا. نحن على استعداد لتدريب أفراد الشرطة لكن لا يوجد متطوعون».
في غضون ذلك، ووسط شكوك بإمكانية صموده وتنفيذه، أعلنت حكومات فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة ترحيبها بالاتفاق الذي أبرمته الحكومة الانتقالية في ليبيا مع المحتجين المسلحين من إقليم برقة لرفع الحصار المفروض على منافذ لتصدير النفط في شرق ليبيا، فيما نفى مسؤول ليبي لـ«الشرق الأوسط» وجود بنود سرية في الاتفاق المكون من ستة بنود والذي جرى إعلانه مساء أول من أمس.
وقالت الحكومة الانتقالية التي يترأسها عبد الله الثني، في بيان رسمي، إنه «في إطار قيامها بواجباتها، ومن أجل حقن دماء الليبيين وتجنيب الاقتصاد الوطني المزيد من الخسائر الناجمة عن قفل الموانئ النفطية خلال المدة الماضية، وفي سبيل المضي قُدما في بناء ليبيا الجديدة، فإنها قبلت الاتفاق المبرم بين الوسطاء ومقفلي الموانئ النفطية، والذي يجري بموجبه فك الحصار عن هذه الموانئ وعودتها للعمل بكامل طاقتها».
وقال مسؤول ليبي مطلع إن بيان الحكومة التي سبق أن نفت مشاركتها بشكل رسمي في المفاوضات السرية التي جرت في مدينة إجدابيا خلال الأيام الماضية مع أعضاء المكتبين السياسي والتنفيذي لإقليم برقة، يعكس عدم رغبة الثني في تبني اتفاق يعلم أنه قد لا يصمد كثيرا في المستقبل القريب أو يثير غضب واستياء الشارع الليبي. واعترف المسؤول، الذي طلب حجب هويته، بأن «الاتفاق تضمن بنودا لصالح تنفيذ مطالب المحتجين المسلحين في إقليم برقة»، لافتا إلى أن «المستقبل السياسي لرئيس الحكومة سيكون على المحك في حال فشل هذا الاتفاق أو انهياره».
وأعلن مساء أول من أمس عن إعادة افتتاح ميناءي الزويتينة والحريقة النفطيين، بحضور أحد أعضاء المؤتمر الوطني العام (البرلمان) ووزيرين في حكومة الثني، بالإضافة إلى إبراهيم الجضران رئيس ما يسمى بالمكتب السياسي لإقليم برقة، والنائب العام الليبي. واتفق الجانبان على أن يسلم ميناءا السدرة ورأس لانوف، وأي منشآت أخرى تباعا، بموجب إجراءات يتفق عليها خلال فترة تتراوح بين أسبوعين وأربعة أسابيع.
وأعلن وزير العدل الليبي صلاح الميرغني أن الاتفاق ينص على تشكيل لجنة جديدة للتحقيق في الادعاءات بأي تجاوزات مالية وإدارية في قطاع النفط منذ التحرير حتى الآن، تتكون من ستة خبراء من مختلف مناطق ليبيا، وكذلك سعي الحكومة لدى المؤتمر الوطني لإلغاء قرار رئيس المؤتمر الوطني العام رقم 42 والقاضي باستخدام القوة لتحرير الموانئ المغلقة، كونه لم تعد له حاجة.
كما نص الاتفاق على إصدار قرار من مجلس الوزراء الليبي بإعادة مقر جهاز حرس المنشآت النفطية إلى البريقة وإعادة هيكلته الإدارية، بالتزامن مع تسوية مستحقات أفراد حرس المنشآت النفطية (المنطقة الوسطى) في حساب كل فرد منهم وفق اللوائح، وكذلك الالتزام بدفع المستحقات المتعلقة بالإعاشة والمصروفات القانونية والمشروعة للجهاز.
واشترط الاتفاق عدم عودة المعتصمين أو تعطيل الموانئ بأي شكل، وبما يسمح بعودة العمل الطبيعي إليها، مشيرا إلى أنه عند إتمام تنفيذ هذا الاتفاق يسعى الوسطاء لدى مكتب النائب العام لإيقاف الملاحقات القانونية الخاصة بعملية غلق الموانئ ووقف التصدير الماضية والمذكورة تحديدا في المذكرات الصادرة ضد كل من خالد شقيق الجضران وأفراد حرس المنشآت النفطية ممن لهم علاقة بإقفال الموانئ النفطية.
وتجاهل الاتفاق الإشارة إلى نقاط جوهرية أخرى تتعلق بمطالب إقليم برقة المعلنة بتشكيل لجان من الأقاليم الليبية الثلاثة للإشراف على المبيعات النفطية وتقاسم عائداتها بحسب الكثافة السكانية والمساحة الجغرافية وتشكيل للجان لاستفتاء إقليم برقة على تطبيق النظام الفيدرالي.
وقال عبد اللطيف العلام، منسق ميناء الزويتينة النفطي، إن الميناء مستعد لاستقبال الناقلات لتحميل الخام فور صدور الأوامر من السلطات بعد الاتفاق، مشيرا إلى أن المرفأ مستعد لبدء التصدير حاليا أو في أي وقت، وأن فريقا من وحدة الصيانة بدأ العمل بالفعل لاستقبال أول ناقلة.
وهنأت حكومات خمس دول هي بريطانيا وإيطاليا وفرنسا وأميركا وألمانيا في بيان مشترك لها أمس البرلمان والحكومة في ليبيا بالتزامهما بالعمل معا من أجل حل هذه القضية التي أضرت كثيرا بالاقتصاد الليبي والشعب الليبي سلميا، وطالبوا جميع الأطراف المعنية بتنفيذ الاتفاق بشكل كامل وبأسرع وقت ممكن، وفقا للجدول الزمني المعد له.
واجتمعت الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي ودول من المنطقة في روما الشهر الماضي في محاولة لإيجاد سبل للتعامل مع الأزمة في ليبيا، لكن لم يسفر الاجتماع عن نتائج تذكر، وخلال أيام سقطت ليبيا مجددا في أتون الفوضى عندما أطيح برئيس الوزراء المقال علي زيدان.
وحث البيان جميع الفئات في أنحاء ليبيا على وقف تعطيل منشآت الطاقة في البلاد لتمكين الإنتاج والصادرات من العودة إلى المستويات الطبيعية، واستئناف التنمية الاقتصادية تحقيقا لمصلحة جميع الليبيين. وجددت الحكومات الخمس دعواتها العاجلة لتنظيم حوار وطني شفاف وشامل يتضمن التركيز بشكل خاص على المسائل الوطنية والإقليمية الأساسية التي تنطوي على موارد ليبيا، عادة لجنة صياغة الدستور التي ستبدأ أعمالها في وقت لاحق من هذا الشهر سيكون لها دور حاسم في صياغة الدستور الليبي الجديد، والذي بدوره سيضمن مستقبل الديمقراطية في ليبيا والحقوق الأساسية لمواطنيها.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.