نحو فهم أدق لظاهرة التطرّف العنيف

نحو فهم أدق لظاهرة التطرّف العنيف

أنماط مختلفة لعمليات الإرهاب عربيًا ودوليًا
الاثنين - 26 ذو القعدة 1437 هـ - 29 أغسطس 2016 مـ
القاهرة - هاني نسيرة
يحسم البعض، من المراقبين ووسائل الإعلام، قولاً واحدًا، مساويا بين استراتيجيات الجماعات الإرهابية من بلد لآخر، ومن سياق إلى سياق مختلف، حتى وإن ترابطت، فروعا لـ«داعش» أو أصولا، أو خلايا عشوائية من الذئاب المنفردة، تنتمي لتنظيم أم أو لا ترتبط. فالإرهاب شأن أي ظاهرة يتبيأ في بيئتها، ويتكيف مع سياقاته، ومن الضروري عدم الانسياق وراء آلته الدعائية في التهويل من حضوره، باعتباره واحدا وخطرا مستمرا لا يعرف التراجع أو الهزيمة، كما هو دائما في سائر خطاباته ونداءاته الحركية ظاهرة واحدة متجمعة تتبع رجلا واحدا وأميرا واحدا، وما يراه آخروها منها دائما هو خطر متصاعد لا يعرف الإقرار بأزمته أو هزيمته يوما.
من الأخطاء الشائعة في تناول ظاهرة التطرف العنيف عربيا - ودوليا - نقص الوعي باختلافها، فكرا وتنظيمات وممارسة، وإدارة هذه الاختلافات. وكذلك الانسياق اللاشعوري وراء نص قاموس الإرهاب نفسه، الذي يعمم تعبير «عملية» وأحيانا غزوة، على كل عمل - صغر أو كبر - قام به، والاستجابة لإيحائه بالصمود والتقدم والانتصارية التي يطمئن بها أبناءه قبل أن يخيف بها أعداءه.
لكن من أعظم الخطر تداولا ما يقوم به بعض الكتاب والصحافيين من افتراض الاتصال العميق بين جماعات الإرهاب المعاصر وبين تراث ديني، من البخاري لابن تيمية إلى غيرهم، رغم أنه لم يكن إرهابيا أو عدميا أو خارجيا قبل مئات السنين، فيسلم الإرهاب شرعيته دون أن يدري، ويصدم سند المعتدلين ليس غير خبط عشواء.
ندرك أن ثمة مشكلا كبيرا في تناول كثير من الظواهر العميقة عربيا الآن، في ظل مناخ استقطابي حاد، وسيولة من الصراعات والمعارك والفوضى المنظمة وغير المنظمة، وغلبة للخبر على الفكرة، وللعنوان على التحليل، وتخمة من التحيز الآيديولوجي والسياسي ما أكثر نماذجه. ويكفي أن نشير لوصف قناة إعلامية عربية تلفزيونية إرهابيًا مصريًا بـ«المقاتل» وليس الإرهابي في موقعها الرسمي، أو ما أصدره مركز أميركي في يونيو (حزيران) الماضي حول «الإرهاب في سيناء المصرية» يحسم فيه قولا واحدا بأن عمليات الإرهاب تضاعفت خلال العام 2016. الذي لم ينته بعد، وأن الأداء الأمني المصري غير مجد في هذا الاتجاه. وفضلا عن مشاكل الحصر الذي استخدمه هذا التقرير المشار إليه، وهو يخالف بشكل صريح الإحصاءات والبيانات الرسمية وغير الرسمية في مصر والمنطقة - بل وبيانات تنظيمات التطرف في سيناء التي تعلن بها مسؤوليتها عن عملياتها، لاحظنا تجاهل مؤشرات التراجع الواضحة في انحسار العمليات الكبرى، التي كان آخرها في يونيو 2015 اغتيال المستشار هشام بركات النائب العام المصري الراحل، أو عملية 17 يوليو (تموز) 2015 التي اتضح فيها التوجه الداعشي في تنفيذ تفجيرات متزامنة على عدد من النقاط الأمنية الصلبة. ولأول وهلة ظن التنظيم انتصاره وتحققه ورفع أعلامه، لكن انكشافه لقوات الأمن التي توقعت ذلك، أتاح لها ضربات قاصمة لعناصره لم يقم بعدها.

خطأ أم توظيف سياسي؟
من هنا نرى أن مساواة البعض، من باب الخطأ أو التوظيف السياسي المقصود لطرف ضد طرف آخر، بين محاولة إرهابية فاشلة وعملية كبيرة لها رمزيتها ودلالتها القوية، فلا يمكن أن تستوي تفجيرات باريس في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بمحاولة فاشلة لقتل رجل في الشارع بسكين من قبل متطرف موتور، هنا أو هناك. وكذلك لا تصح المساواة بين عمليات استهدفت أهدافا صلبة لها دلالتها وأهميتها، كتلك التي استهدفت الحدود الأردنية السورية في أواخر يونيو الماضي أو تفجير الضبعة في الأسبوع الأول من الشهر نفسه الذي استهدف مؤسسة أمنية مهمة، وراح ضحية كلتيهما عدد من عناصر الأمن وخبراته، وبين عمليات صغيرة تستهدف أهدافا رخوة. والسبب أن الأهداف الرخوة تكشف أزمات وضعف التنظيم المتطرف وخلاياه وعناصره، وميله العدمي، خاصة إذا كانت دور عبادة ومصلين، كما شاهدنا في المملكة العربية السعودية في تفجيري مسجد القديح والعنود في مايو (أيار) من العام الماضي 2015 أو في تفجيرات المدينة المنورة ثاني الحرمين الشريفين، وهي عمليات كبيرة لا يمكن مساواتها مثلا بالمحاولة الفاشلة لتفجير سيارة في 15 يوليو 2015 قرب قسم شرطة في الرياض.

استراتيجيات بسياقات مختلفة
الحقيقة أن التطرف وعي تخلف تنتمي له الكثير من التنظيمات وتتشابك في غاياته وأهدافه الكلية والجزئية أحيانا، وتجمعها في العموم صفة «رفض الآخرية» أو تكفير الآخر واستحلاله. لكن كل شكل من أشكاله وممثليه يعمل في سياقاته الخاصة وحالاته الخاصة، وفق الممكن والمتاح وليس انقلابا على قوانين التاريخ والطبيعة التي لا تنقلب.
ثمة المئات غيره من جماعات ومجموعات التطرف المنسوبة للإسلام تعمل في المنطقة، وليس «داعش» واحدها، بل ضمن مختلف طوائفه. وليس السنّي فقط كما يفهم بعض الباحثين الغربيين. وكل منها يختلف فعلها في بؤر الصراع كسوريا والعراق واليمن عن فعلها في دول مستقرة وقوية كما تختلف عن ممارساتها ضد دول بعيدة تبتغي فقط إرهابها والضغط عليها.
بشكل عام، رغم أن التطرف نسق وعقل كلي فإنه لن تصح مجابهته إلا من خلال التفاصيل والمتابعة الملتحمة بفعاليات الظاهرة وتنظيماتها. فمن المهم إدراك تطوراته وتراجعاته، وخطابه النظري والتأسيسي، ونشاطه أو غيابه. فليس أدل على أزمة تنظيم مثل «داعش» في سيناء من عجزه النظري عن إصدار كتيّب واحد أو رسالة واحدة للمنسوبين إليه في تكفير نظام يحرص على تكفيره، أو في تبرير ممارسة أو حضور حتى الآن، ما يعكس أزمة الرمز الكبيرة التي يعاني منها.
ظهور الرموز واختفاؤها؟

أيضًا، من المهم إدراك الظهور والاختفاء لقادة ورموز ومنظري هذه التنظيمات، ونذكر على سبيل المثال تركي بن مبارك البنعلي، أكبر «شرعيي داعش»، الذي جرى فصله في يونيو الماضي من منصبه، وكيف تراجع إنتاجه وتفاعله النشط من أكتوبر (تشرين الأول) 2015. وهو مَن كان يدوي نشاطا وتبشيرا بـ«دولة البغدادي» المزعومة، وكان أول من كتب عنها وبرر لها في رسالته «مد الأيادي لبيعة البغدادي». ولقد خلفه حاليًا «أبو عمر القحطاني». بل إن هذه المنطقة من أهم النقاط التي تستحق اهتماما إعلاميا عربيا كبيرا، حتى يعرف المتعاطفون ممن لا يعرفون. ومن الغريب مثلا أن أهم منشورات «داعش» المعروفة في المغرب العربي رسالة «أبو عمر الكويتي» المعنونة بـ«ميراث الأنبياء» رغم أن «داعش» أعدم «أبو عمر الكويتي» فيما بعد عام 2013.
أضف إلى ما سبق، أن الدول والحكومات الداعمة للحرب على «داعش»، تكون هدفا فقط للعمليات الخاطفة عبر استراتيجية «الذئاب المنفردة» الانتحارية. وهي تقع ضمن نمط الاستنزاف والنمط الدعائي وهو ما مثل السبب الرئيسي الذي ألجأ «داعش» لاستهداف عدد من البلدان الخليجية، وكذلك عدد من البلدان الأوروبية خلال عام من الآن. من هنا نلح على ضرورة معرفة استراتيجيات التنظيمات العنيفة كل في سياقه، القادرة على التكيف والتأقلم مع تحدياتها وواقعها، وكيف تتأثر بهذه السياقات، فلا تلامس طموحاتها السقف حين تكون مضطرا للانحناء، ولا يطمح - حال مواجهته أنظمة قوية ومستقرة - لإقامته إمارته الآيديولوجية. وحين يصعب عليه الاستقرار في منطقة توحش يمارس عليه أحكامه السيادية والخاصة، ليكون Proto - States ويظل قابعا ومحاولا في مرحلة «النكاية والاستهداف»، كما جاء في مصطلحات «أبو بكر ناجي» صاحب كتاب «إدارة التوحش»، دون مرحلة التمكين التالية، حسب تصورات «إدارة التوحش» الاستراتيجية الأشهر.. التي نراها أكثر تأثيرا في أداء تنظيمات التطرف العنيف الآن، مع الأزمات المتوالدة والمتفجرة منذ عام 2011.
عربيا، تحديدًا في غير بؤر الصراع المشتعلة دون حل سياسي وعسكرة عامة، تستهدف الجماعات العنفية المتطرفة مرحلة النكاية والاستنزاف دون عملية التمكين، وإن أعلنت أنها «ولاية» - كما تفعل «داعش» دائما في تسمية فروعها - أو شعرت به بعض التنظيمات بعد العمليات الناجحة. ولكن حتى تاريخه تبدو هذه المحاولات في غير بؤر الصراع ومع الدولة القوية استهدافا واستنزافا وليس تمكينا، كما هو في مصر أو دول الخليج تحديدا، ودول المغرب العربي أيضا.
أنماط العمليات الإرهابية
يفرق ويلح هذا التقرير على أداة تحليلية مهمة، وهي التمييز بين درجات الحضور المختلفة لجماعات التطرف العنيف في العالم العربي. وهو ما كان الإرهاب نفسه واعيا به، حين وضع أبرز منظّريه الاستراتيجيين «أبو بكر ناجي»، الذي هو برأينا محمد خليل الحكايمة، استراتيجيته الأشهر «إدارة التوحش» في تفريقه بين مراحل العمل الإرهابي من الإنهاك والاستنزاف.. وصولاً لمرحلة التمكين وإقامة إمارات الجماعة ـ أو تمددها لخلافة مزعومة. من هنا نرى أن لدينا ثلاثة أنماط رئيسية في سلوك التنظيمات الإرهابية يمكننا تحديدها فيما يلي:
أولا: نمط الإنهاك: العمليات الاستنزافية في «مرحلة الإنهاك» تستهدف الدول المستقرة والقوية عبر «الذئاب المنفردة» والعمليات الانتحارية واستراتيجية الجهاد الفردي التي تؤمن بها هذه الجماعات، وهو ما تعبر عنه هذه الجماعات بمرحلة «النكاية والإنهاك». وهذه تحضر بالخصوص في حالة الإرهاب في سيناء المصرية، الذي تراجع حلم الدولة عنه، كما انحصر وجوده داخل أماكن محدودة في سيناء، بعدما كاد يتمدد في سائر محافظات مصر.
الثاني: النمط الدعائي والذرائعي: يظهر عمليات يعلن بها التنظيم عن نفسه، واستهدافه أو ضغطه لأنظمة ودول بعينها تدعم الحرب عليه وتعاديه، ويستهدف منها إحراج هذه الأنظمة عند شعوبها الرافضة له، أو تفجير الاحتقان الطائفي فيها، وهو ما يغلب على عمليات الإرهاب والتنظيمات المتطرفة في كثير من البلدان والمناطق، مثل الخليج وأوروبا والولايات المتحدة وتركيا.
ثالثا: نمط الدولة والتمكين: وهذه حالة جماعات التطرف في مرحلة ضعف الدولة، وتتمثل اليوم عربيا في خمس دول رئيسية هي العراق وسوريا وليبيا واليمن والصومال. وتدرك تنظيمات التطرف العنيف والإرهاب في هذه البلدان أن لديها فرصة في صراعات السلطة فيها، سواءً عبر سيطرتها أو تمكنها من مناطق جغرافية معينة مثل سوريا والعراق والصومال، أو محاولتها لاستثمار الصراع بين الدولة ومعارضيها كما هو الحال في الشأن اليمني. وعبر هذه الأنماط الثلاثة، يمكن وضع تصور تركيبي وتفسيري لحالة التطرف العنيف في المنطقة، وكذلك التفريق بين غاياته وأهدافه، بين حروب التنظيمات الميدانية المباشرة في مكان، وعمليات الخلايا و«الذئاب المنفردة» العابر في مكان آخر، وبين عملية التنظيمات الوسيطة والمجموعات الأضعف أمام الدول المستقرة أو الأجهزة الأمنية القوية.
ونلح هنا على ضرورة وأهمية الوعي باختلاف ظاهرة التطرف العنيف، وجماعاته وممثليه، فضلا عن إدارته، مع إدراك الترابط فيما بينها، أصولا وفروعا، وتشابكا أو تقاطعا جغرافيا وتنظيميا. كما نؤكد على ضرورة هذا الوعي بالاختلاف وإدارته لضبط الأزمة المصطلحية في التعاطي مع عمليات الإرهاب، عبر التفريق بين درجات الخطورة، وتحاشي الانسياق وراء القاموس الإرهابي وإعلامه الدعائي، بالتفريق بين العملية الكبيرة والصغيرة والمحاولة الفاشلة.
وهذا، خاصة، مع تفهم أن العملية ليست إلا صوتا إعلاميا ونداء حركيا موجها لعناصر التنظيم والمتعاطفين معه، وحفزهم في الأصل، كما هو شأن أي بيان أو تسجيل أو فيديو منسوب للتنظيم وقيادات، تستهدف تأكيد حضوره أو مقاومته وعدم تراجعه.

التعليقات

د محسن العربي
البلد: 
مصر
29/08/2016 - 19:39
دراسة منهجية رائعة تضيف للقارئ وتحدد الكثير من فوضى التعاطى مع الإرهاب وعملياته في المنطقة، شكرا للكاتب المحترم الدكتور هاني نسيره على إضافاته المستمرة وجهده المتميز في هذا المجال.
عرض الكل
عرض اقل

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة