الإعلام الأميركي يشيد برصد الشقيقة «المجلة» تحركات يحيى الحوثي «المشبوهة» في ألمانيا وإحراجها لحكومة ميركل

بعد كشفها بالصور والوثائق دخول شقيق زعيم التمرد برلين بجواز «باطل» وبيعه أملاكه قبل هروبه إلى سويسرا

الصفحة الرئيسية مركز أبحاث السياسة الخارجية الأميركي يشيد بتحقيق المجلة.... مجلة «أميركان إنترست» نقلت عن المجلة تحقيقها بشأن يحيى الحوثي
الصفحة الرئيسية مركز أبحاث السياسة الخارجية الأميركي يشيد بتحقيق المجلة.... مجلة «أميركان إنترست» نقلت عن المجلة تحقيقها بشأن يحيى الحوثي
TT

الإعلام الأميركي يشيد برصد الشقيقة «المجلة» تحركات يحيى الحوثي «المشبوهة» في ألمانيا وإحراجها لحكومة ميركل

الصفحة الرئيسية مركز أبحاث السياسة الخارجية الأميركي يشيد بتحقيق المجلة.... مجلة «أميركان إنترست» نقلت عن المجلة تحقيقها بشأن يحيى الحوثي
الصفحة الرئيسية مركز أبحاث السياسة الخارجية الأميركي يشيد بتحقيق المجلة.... مجلة «أميركان إنترست» نقلت عن المجلة تحقيقها بشأن يحيى الحوثي

اهتم الإعلام الأميركي الأسبوع الماضي بمتابعة ورصد مجلة «المجلة» تحركات ونشاطات يحيى الحوثي في ألمانيا، وما نشرته «المجلة» في العددين السابقين – يوليو (تموز) وأغسطس (آب) - من تقارير حول تحركاته المريبة في ألمانيا ووضعه القانوني والمالي، وعلاقاته بالسفير الإيراني لدى ألمانيا، ومقابلاته ببعض السياسيين والبرلمانيين الألمان، رغم ثبوت دخول الأراضي الألمانية بجواز سفر باطل. وبعد نشر «المجلة» تقريرها الأول في عدد يوليو الماضي غادر الشقيق الأكبر لزعيم الانقلاب الحوثي برلين، خوفًا من الملاحقة القضائية، فارًّا بأكثر من أربعة ملايين يورو، هي ثمن ما كان يملكه في بون. وهو المبلغ الذي يتناقض وما يصرح به زعماء الحوثي ليل نهار من شعارات المعاناة والكوارث.. فها هو شقيق زعيمهم يعيش متنقلاً بين عواصم أوروبا، وبمساعدة من أكبر دول الاتحاد.
كتبت مجلة «أميركان إنترست» واسعة الانتشار في الولايات المتحدة، تقريرًا أشادت من خلاله بتحقيق «المجلة» محذرة من وجود إرهابيين على أراضي بعض الدول الغربية وحصولهم على اللجوء السياسي، وأشارت إلى انفراد «المجلة» برصد تحركات يحيى الحوثي المتهم بالإرهاب في ألمانيا، ودخوله بجواز سفر ألماني مؤقت وباطل إلى أراضيها قادمًا من اليمن، في انتهاك صارخ لقوانين اللجوء. وغردت «أميركان إنترست» على صفحتها الرسمية بـ«تويتر» بشأن التحقيق.
واهتم مركز أبحاث السياسة الخارجية الأميركي بالتحقيق، وأشار إليه في موقعه الإلكتروني. وغرد المركز كذلك على صفحته الرسمية، وأشادت التغريدة بتحقيق هروب الحوثي.
واهتم كذلك بتحقيق الحوثي، ماثيو ليفيت الذي تولى منصب مساعد نائب وزير المالية الأميركية للمخابرات والتحليل، ولعب دورًا مركزيًا في الجهود الرامية لإحباط قدرة الإرهابيين – خاصة الإيرانيين - على تمويل الهجمات المهددة للأمن القومي الأميركي - وترك ليفيت على صفحته الرسمية، رابط المجلة (النسخة الإنجليزية) من خلال تغريدة له أشاد من خلالها.
وكانت الشقيقة «المجلة» حصلت - حصريًا - على معلومات من مصادر موثوقة أكدت مغادرة يحيى الشقيق الأكبر لزعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي لألمانيا نهاية الشهر الماضي (يوليو / تموز) 2016 متجها إلى جنيف، إثر كشف «المجلة» عن دخوله برلين بجواز سفر «باطل»، ورصدها لتحركاته المشبوهة على الأراضي الألمانية.
وتؤكد المصادر أن إجمالي ما حصل عليه يحيى الحوثي من أموال نظير بيع أملاكه يتخطى 4 ملايين يورو، هي ثمن منزل مكون من طابقين وحديقة خلفية كبيرة، ويضم 6 غرف منها 4 غرف نوم وغرفتان للمعيشة وحمامان ودورتان للمياه. إضافة إلى مزرعة صغيرة وسيارة ماركة مرسيدس حديثة ذهبية اللون تحمل لوحة معدنية رقم (BNY1961)، وأول حرفين من اللوحة المعدنية للسيارة اختصار لمدينة بون، حيث يقيم يحيى الحوثي والحرف الثالث (Y) أول حرف من اسمه. ويشير الرقم 1961 إلى تاريخ ميلاده. وكان يحيى قد اشترى سيارته الجديدة بعد عودته إلى ألمانيا مطلع يونيو (حزيران) الماضي، مما يدل على نيته الإقامة في بيته بمدينة بون، قبل أن يقرر نهاية يوليو الماضي تصفية أملاكه ومغادرة ألمانيا عقب تقرير «المجلة» المنشور العدد السابق تحت عنوان «بالأدلة.. يحيى الحوثي يدير تمرده من برلين.. وحكومة ميركل في ورطة قانونية».
وكانت «المجلة» قد طرحت عدة أسئلة في تقريرها على الحكومة الألمانية بعد عودة يحيى بدر الدين الحوثي إلى أراضيها بجواز سفر باطل، وظهوره في مدينة بون الألمانية من جديد مطلع شهر يونيو 2016، بعد أن غادرها إلى اليمن عام 2013.
وكان الشقيق الأكبر لزعيم الانقلابيين الحوثيين يحيى بدر الدين الحوثي - عضو مجلس النواب اليمني (البرلمان) عن الدورة البرلمانية 2003 - 2009 والكتلة البرلمانية لنواب حزب المؤتمر الشعبي العام - عاد إلى اليمن في 25 يوليو عام 2013، بعد أن عاش لعدة سنوات في ألمانيا الاتحادية لاجئًا سياسيًا، وذلك بموجب ضمانات من الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، للمشاركة في مؤتمر الحوار في حينها بعيد تعيينه عضوًا في مؤتمر الحوار الوطني الشامل عن جماعة الحوثي. وجاء قرار عودته إلى اليمن، بعد التنسيق مع الرئيس اليمني الذي أصدر بحقه عفوًا رئاسيًا وأسقط عنه الأحكام القضائية التي أصدرتها محاكم يمنية ضده في عهد الرئيس المخلوع صالح.
وكانت المحكمة الابتدائية الجزائية المتخصصة في قضايا أمن الدولة والإرهاب بصنعاء، أصدرت في فبراير (شباط) 2010، حكما غيابيا بالسجن 15 عامًا ضد يحيى الحوثي تبدأ من تاريخ القبض عليه، وذلك بتهمة المشاركة في مجموعة مسلحة إرهابية، والتورط بأعمال إرهابية وهجمات على سلطات دستورية، والتخطيط لاغتيال عدة شخصيات، منها السفير الأميركي في صنعاء، وهو الأمر الذي يؤكده مقربون من الحركة الحوثية لـ«المجلة»، من تورط يحيى بأعمال إرهابية، والتخطيط لقتل شخصيات سياسية موالية للشرعية في اليمن بعد عودته من ألمانيا.
ويذكر أن الإنتربول الدولي وافق على إدراج يحيى الحوثي ضمن قائمة الإرهابيين عام 2007 والمطلوبين دوليًا، بناءً على طلب تقدم به علي عبد الله صالح، بتهمة تشكيل جماعة مسلحة مع آخرين بهدف القيام بأعمال إرهابية.
وأثارت عودة يحيى بدر الدين الحوثي، شقيق زعيم التمرد عبد الملك الحوثي المتهم بعدد من قضايا الإرهاب، إلى ألمانيا مرة ثانية بعد مغادرتها إلى اليمن في هذا التوقيت بالذات ونشاطه من داخل أوروبا، وظهوره العلني على شاشة التلفزيون الألماني، الكثير من التساؤلات حول علاقاته ووضعه الاستثنائي على الأراضي الألمانية. حيث تعد عودته انتهاكًا صارخًا لقانون الحماية واللجوء الألماني، خصوصا أنه ما زال يحمل جواز سفر ألماني مؤقت، ويعد ذلك أيضا مخالفة قانونية صريحة. ويأتي ذلك بالتزامن مع تصاعد الانتقادات في أعقاب العنف الذي قام به اللاجئون في ألمانيا، وهو ما يترك الموازنة بين اللجوء والسياسات الأمنية أمرًا غامضًا بالنسبة لتلك الدولة التي تعد العضو الرئيسي بالاتحاد الأوروبي.
وتساءلت «المجلة» في عددها السابق (الصادر في يوليو الماضي)، عدة أسئلة وجهتها للمسؤولين في الحكومة الألمانية من بينها: كيف سمحت السلطات الألمانية للإرهابي الانقلابي يحيى الحوثي بالدخول إلى أراضيها رغم ارتكابه تلك المخالفات الواضحة؟.. وكيف التقى شقيق زعيم التمرد مسؤولين رفيعي المستوى بالبرلمان والخارجية الألمانية؟ وكيف عقد لقاءات سرية مع دبلوماسيين ومسؤولين إيرانيين في بون وبرلين؟ وكيف ظهر اللاجئ السياسي يحيى الحوثي على شاشة التلفزيون متحدثًا عن سياسة جماعته الإرهابية، وهذا يعتبر تناقضًا وانتهاكًا صارخًا أيضا للمتمتع بحق اللجوء؟
وأشارت «المجلة» في عددها السابق، إلى أنه عقب مقابلة يحيى الحوثي السفير الإيراني في ألمانيا بساعات قليلة، منحه سفير حكومة طهران في برلين علي ماجدي الضوء الأخضر للظهور، وفقًا لمصدر دبلوماسي مطلع.
وفشلت مساعي «المجلة» في الحصول على تعليق من المسؤولين بالحكومة الألمانية لندرة التصريحات العامة حول تلك القضية الشائكة، وتجاهلت حكومة ميركل خطورة وجود إرهابي على أراضيها. كما رفض وزير الداخلية الألماني، توماس دي ميزير، التعليق على الأسئلة التي طرحتها «المجلة» بشأن قضية يحيى الحوثي، أو الحديث حول عملية صنع القرار المتعلقة بحالات اللجوء السياسي، والإجراءات القانونية العامة المتعلقة بالأجانب.
ومع ذلك، فقد علمنا أن الحوثي التقى أخيرًا مسؤولين إيرانيين في ألمانيا، بالإضافة إلى مسؤولين بوزارة الخارجية الألمانية قبل تصفية أملاكه ومغادرتها. وفي الوقت ذاته، وفي نهاية يونيو، تم إطلاق سراح مواطن ألماني كان محتجزًا كرهينة في صنعاء التي يهيمن عليها الحوثيون، وسافر بعدها إلى عمان، وفقًا لما نشرته «رويترز».
كلينت واتس، هو زميل الباحثين بـ«برنامج الأمن القومي» في «معهد أبحاث السياسات الخارجية» بفيلادلفيا، الذي عمل سابقا عميلاً خاصًا لمكتب التحقيقات الفيدرالي في مهمة مشتركة لمكافحة الإرهاب، والمدير التنفيذي لـ«مركز مكافحة الإرهاب» بـ«الأكاديمية العسكرية الأميركية» بويست بوينت. أجرى واتس سلسلة من الدراسات حول التحديات التي تواجه مكافحة الإرهاب في أوروبا. وبعدما عرضت «المجلة» على كلينت واتس الحقائق المتعلقة بيحيى الحوثي، سألته عن تقييمه للوضع. وجاءت إجابته كالتالي:
تعكس حالة يحيى الحوثي معضلة الدول الأوروبية التي أصبح عليها فجأة إجراء تقييم سريع لعدد كبير من الأشخاص الذين يأتون إليها لاجئين وطالبي لجوء. ومن ثم فمن الطبيعي أن تسقط من حساباتهم بعض الأشياء. وعلى الرغم من أن هذا يمثل مشكلة في ألمانيا، فإنه ليس مقصورًا عليها. فهناك مثال آخر يتعلق بالولايات المتحدة في التسعينات من القرن الماضي، عندما سمحت بدخول عدد كبير من اللاجئين الأفغان الذين فروا من الحرب الأفغانية. فخلال تلك الفترة، كان أحد المستفيدين هو الداعية المصري عمر عبد الرحمن، المتورط في الهجوم على مركز التجارة العالمي عام 1993.
وتستدعي قضية الحوثي إلى الأذهان مشكلة مختلفة: ففي دولة مثل ألمانيا يتم تقييم اللاجئ أو طالب اللجوء السياسي مرة واحدة، مما يعني أن تقييم الحكومة له يقتصر على الفترة التي دخل فيها البلاد. ولا يمكن أن يكون هناك تقييم نهائي ومستمر لشخص ما، ومن ثم فإذا ما تبنى اللاجئ وجهات نظر عنيفة وقرر أن يفعل شيئًا شريرًا، فإنه سيتمكن على الأرجح من أن ينفذ ما يرغب في تنفيذه.



الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الهندية، السبت، أنَّه جرى استدعاء سفير إيران لاجتماع مع الوزير مساء اليوم، بعد إطلاق النار على سفينتين ترفعان علم الهند في مضيق هرمز.

وأفاد بيان للحكومة الهندية، أن وزير الخارجية الهندي فيكرام ⁠ميسري، عبَّر خلال اجتماع مع السفير الإيراني، عن قلق ​الهند ‌البالغ إزاء ‌حادث إطلاق النار الذي وقع في وقت سابق اليوم، وشمل سفينتين ترفعان العلم الهندي في مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز».

وحثَّ وزير الخارجية الهندي سفير إيران على نقل وجهة نظر الهند إلى السلطات الإيرانية، واستئناف عملية تسهيل عبور السفن.

وكان مصدر حكومي هندي قد ذكر، في وقت سابق اليوم، أنَّ سفينة ترفع العلم الهندي وتحمل شحنةً من النفط الخام تعرَّضت لهجوم، اليوم (السبت)، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز. وأضاف المصدر أنَّ اسم السفينة «سانمار هيرالد»، مشيراً إلى أنَّ السفينة وطاقمها بخير.

وذكرت «رويترز»، في وقت سابق اليوم، أن سفينتين تجاريتين على الأقل أبلغتا عن تعرُّضهما لإطلاق نار في أثناء محاولتهما عبور مضيق هرمز، اليوم (السبت).

وأوضح المصدر الحكومي الهندي أنَّ نيودلهي استدعت سفير إيران لدى الهند بشأن الواقعة ذاتها.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الجمعة)، إنَّ إيران وافقت على فتح المضيق، بينما قال مسؤولون إيرانيون إنهم يريدون من الولايات المتحدة رفع الحصار المفروض على ناقلات النفط الإيرانية بشكل كامل.

وأظهرت بيانات شحن أنَّ أكثر من 12 ناقلة نفط، من بينها 3 سفن خاضعة لعقوبات، عبرت مضيق هرمز بعد رفع الحصار الذي ظلَّ مفروضاً عليه لمدة 50 يوماً أمس (الجمعة)، قبل أن تعيد إيران فرض قيود، اليوم (السبت)، وتطلق النار على بعض السفن.


متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، ورأى أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

 

تحوّلات ونماذج بديلة

 

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

 

امتحان التكيّف والتعاون

 

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.