إسبانيا تتوسع اقتصاديًا.. رغم الاضطرابات السياسية في البلاد

بدعم من السياحة والإنفاق الاستهلاكي

متجر لبيع الخضر والفواكه في برشلونة (غيتي)
متجر لبيع الخضر والفواكه في برشلونة (غيتي)
TT

إسبانيا تتوسع اقتصاديًا.. رغم الاضطرابات السياسية في البلاد

متجر لبيع الخضر والفواكه في برشلونة (غيتي)
متجر لبيع الخضر والفواكه في برشلونة (غيتي)

تتوسع إسبانيا اقتصاديا - بشكل مثير للإعجاب - رغم المخاوف من حالة الجمود السياسي التي تجتاح البلاد، كذلك أظهرت إسبانيا بعض علامات الاستقرار الاقتصادي على الرغم من الضغط المستمر من المفوضية الأوروبية. ويعود ذلك جزئيًا إلى ازدهار السياحة، مع تدفق الكثير من الزوار إلى إسبانيا بعد التخوف من التوجه إلى كل من مصر وتونس وتركيا التي تعاني من تعرضها لسلسلة هجمات إرهابية.
وقالت وكالة الإحصاءات الإسبانية - يوم الخميس الماضي - إن الاقتصاد نما بنسبة 0.8 في المائة في الربع الثاني بفضل ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي ونمو الصادرات، وهذا النمو يتماشى مع النمو في الربع الأول، لكنه جاء أفضل من نسبة نمو قُدرت بنحو 0.7 في المائة كانت الوكالة قد توقعتها في يوليو (تموز) الماضي.
ويستمر اقتصاد إسبانيا - رابع أكبر اقتصاد في منطقة اليورو - في طريقه للتوسع بنحو 3 في المائة خلال العام 2016. متجاوزًا توقعات صندوق النقد الدولي لفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة. ويعزا النمو في إسبانيا إلى تنامي الاستثمار بنسبة 1.3 في المائة، في حين ارتفعت نفقات الاستهلاك المنزلي بنسبة 0.7 في المائة. وارتفعت الصادرات بنسبة 4.3 في المائة ونمت الواردات بنسبة 2.7 في المائة.
وتجنبت إسبانيا مؤخرًا غرامة مالية لمخالفة قواعد ميزانية الاتحاد الأوروبي– التي تتعارض مع تسجيل عجز قدره 5.1 في المائة في العام 2015 - ويحظر على أعضاء منطقة اليورو تسجيل عجز يزيد على 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. ويأتي ذلك بعد أن أوصت المفوضية الأوروبية بإلغاء الغرامات، معترفة بأن البيئة الاقتصادية ما زالت صعبة ورغم ذلك واصلت إسبانيا جهود الإصلاح والتزمت البلاد بالامتثال لقواعد ميثاق الاستقرار والنمو.
يذكر أن إسبانيا من دون حكومة كاملة منذ ديسمبر (كانون الأول)، وتستمر الشكوك حول من سيشكل الحكومة المُقبلة منذ أن تم انتخاب البرلمان الجديد في يونيو (حزيران) الماضي والمنقسم بين أربعة أحزاب رئيسية، ولا أحد منهم يُمثل الأغلبية. ويظل ماريانو راخوي، زعيم المحافظين الذي انتخب خلال فترة الركود في عام 2011 وأشرف على ثلاث سنوات تالية من الانتعاش، في منصب رئيس الوزراء بالإنابة ولكن مع عدم وجود صلاحية اقتراح التشريعات أو الاتفاق على مشاريع جديدة.
وعلى الرغم من حالة عدم اليقين السياسي في البلاد، يُنفق الإسبان بصورة أكبر من الأعوام السابقة، مدعومين بالتوسع في فرص العمل والأجور. وقد أسهم الانخفاض العالمي في أسعار النفط في دعم المستهلكين في البلاد ببعض المصادر النقدية الإضافية. وتراجعت العائدات على السندات الحكومية إلى أقل من 1 في المائة، حيث استمر تفاؤل المستثمرون بشأن الاقتصاد الإسباني وقيام البنك المركزي الأوروبي بشراء الديون السيادية في محاولة لتعزيز النمو ورفع معدلات التضخم في المنطقة.
لكن الركائز التي تعرضت لها لاسترداد إسبانيا من الركود تظهر علامات الإجهاد، ويتوقع خبراء أن يتباطأ النمو في إسبانيا خلال العام 2017. وذلك بسبب حالة عدم اليقين السياسي الذي يعتبر وضعا مثبطا لبعض أنواع الاستثمار. فالبلاد في حالة اضطراب سياسي، دون وجود حكومة تعمل بكامل طاقتها لمدة ثمانية أشهر.
وقال دانييلي أنتونيسا، وهو اقتصادي مورغان ستانلي: «إسبانيا تبدو أنها في طريق الانتعاش المالي، ولكن في عام 2017 يجب أن تخفض إسبانيا الإنفاق لتلبية أهداف العجز في الميزانية التي وضعها الاتحاد الأوروبي». وأضاف أنتونيسا قائلاً: «إسبانيا سوف تضطر لشد الحزام، ولكن ستظل هناك علامة الاستفهام حول أي درجة ستضطر إسبانيا إلى تشديد الوضع المالي لديها، وهذا يعتمد أيضا على الوضع السياسي».
وقال اجناسيو دي لا توري، كبير الاقتصاديين في مجموعة Arcano، وهو بنك استثماري يتخذ من مدريد مقرًا له - إن التخفيضات في الميزانية قد تؤدي إلى تباطؤ الاقتصاد في عام 2017. وقال: إنه يتوقع في العام المقبل: ارتفاع أسعار النفط ونمو أبطأ في الوظائف، وانخفاض في الصادرات إلى بريطانيا، التي ضعفت منذ قرارها بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي.
وقال ميجيل كاردوسو، كبير الاقتصاديين في بنك بانكو بيلباو فيزكايا أرجنتاريا: «كان يمكن أن يتوسع الاقتصاد بنسبة 3.5 في المائة في عام 2016 لولا حالة عدم اليقين السياسي». معللاً ذلك بأن بعض الأفراد والشركات اضطروا إلى تأخير أو إلغاء الاستثمارات المخطط لها.
ووفقًا لمسح لمديري المشتريات في شركات التصنيع التي جمعتها شركة IHS Markit، شهد المصنعون في إسبانيا انخفاضا في الطلبيات الجديدة من العملاء في يوليو الماضي، وهو أول انخفاض شهري فيما يقرب من ثلاث سنوات. وقال أندرو هاركر، الاقتصادي بشركة IHS، إن التراجع في الطلبيات، يجعل من الصعب جدا زيادة الإنتاج أو زيادة أعداد الموظفين.
وعلى نحو آخر أثبتت صناعة الخدمات في إسبانيا مرونة أكثر، مدعومة بطفرة في السياحة بعد تفضيل الزوار لإسبانيا وسط تعرض أكثر من جهة في البحر الأبيض المتوسط إلى سلسلة من الهجمات الإرهابية الأخيرة. وأظهر تقرير شركة IHS، أن التوظيف والنشاط التجاري في الفنادق والمطاعم كان قويًا في يوليو. وقالت وكالة الإحصاءات الإسبانية، إن السياح الأجانب سجلوا 6 ملايين سائح في يوليو، ووصل العائد السياحي في الأشهر السبعة الأولى من العام 2016 نحو 28.3 مليون دولار، بزيادة 11 في المائة عن العام 2015.
وليس هناك شك في أن إسبانيا قد برزت كنجم اقتصادي بين اقتصاديات الوزن الثقيل في أوروبا. فمنذ وقت ليس ببعيد، كانت إسبانيا عضوًا ضمن مجموعة البلدان المأزومة والمعروفة باسم «PIIGS»، البرتغال وإيطاليا وآيرلندا واليونان وإسبانيا. وكان معدل البطالة في إسبانيا، أكثر من 26 في المائة، كما في اليونان. وكانت إسبانيا في حالة سيئة اضطرتها لإعادة رسملة بنوكها بنحو 41.3 مليار يورو، كجزء من حزمة إنقاذ ممولة من قبل نفس الوكالة الأوروبية التي جاءت لنجدة اليونان.
ومنذ بداية العام الجاري بدأت المؤشرات الاقتصادية في إسبانيا تتحسن، فقد تراجع عدد العاطلين عن العمل في إسبانيا للشهر السابع على التوالي بواقع 83.993 ألف شخص على أساس شهري خلال يوليو الماضي، في أكبر تراجع منذ عام 1997. ورغم أن معدل البطالة في إسبانيا ما زال ثاني أعلى معدل في الاتحاد الأوروبي، بعد اليونان، فإنه يسير في اتجاه الانخفاض.
وأعلنت وزارة العمل الإسبانية أن إجمالي عدد العاطلين بالبلاد وصل إلى 3.686 مليون شخص، في أدنى معدل منذ 2009. ويمثل شهر يوليو فرصة جيدة لخلق الوظائف، نظرا لزيادة توافد السائحين على إسبانيا، علما بأن إسبانيا تتلقى هذا العام عددا قياسيا من السائحين. وخلال آخر 12 شهرًا، تراجعت البطالة في إسبانيا بواقع 363.2 ألف شخصا، بانخفاض على أساس سنوي وصل نسبة 9 في المائة، وذلك وفق بيانات رسمية هي الأفضل منذ عام 1999.
فقد عانى الاقتصاد الإسباني من الركود الخانق منذ الأزمة المالية، استمرت حدته حتى عام 2012 دون أن يكون هناك أي إجراء يُذكر من أجل التعامل مع الأزمة. وخلال العام نفسه طبقت الحكومة خطة تقشفية للحصول على حزمة إنقاذ بقيمة 100 مليار يورو من الاتحاد الأوروبي. وحتى عام 2012 كان الوضع قاتمًا في إسبانيا، حيث انفجرت فقاعة العقارات، وكانت البطالة بمثابة آفة في إسبانيا لعدة سنوات، وقوضت حالات الإفلاس المتتالية من الثقة في الاقتصاد.
واستطاعت إسبانيا الخروج من نفق الركود، وخفضت العجز المالي من 9.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2011 إلى 5.1 في المائة في عام 2015. ولكن هذا كان أعلى من المستهدف المقرر عند 4.2 في المائة. مع عجز متوقع خلال 2016 مُقدر بنحو 4.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، علمًا بأن إسبانيا لديها فرصة من الاتحاد الأوروبي حتى عام 2018 لتحقيق هدف تقليص العجز لأقل من 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.