تصريحات إيرانية متباينة حول انطلاق الطائرات الروسية من «همدان»

صراع طهران الخفي يبرز في ملف الوجود العسكري الروسي

القاذفات الروسية في قاعدة همدان غرب إيران ({وكالة فارس الإيرانية})
القاذفات الروسية في قاعدة همدان غرب إيران ({وكالة فارس الإيرانية})
TT

تصريحات إيرانية متباينة حول انطلاق الطائرات الروسية من «همدان»

القاذفات الروسية في قاعدة همدان غرب إيران ({وكالة فارس الإيرانية})
القاذفات الروسية في قاعدة همدان غرب إيران ({وكالة فارس الإيرانية})

لم تمر ساعات على تكذيب رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني أمس مغادرة الطائرات الروسية قاعدة همدان الجوية واستمرار انطلاقها من الأراضي الإيرانية لقصف سوريا، حتى نفى أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الأدميرال علي شمخاني التصريحات، مؤكدا صحة ما أعلنته كل من طهران وموسكو، أول من أمس.
وعلى خلاف إعلان الخارجية الإيرانية، بشأن «وقف انطلاق الضربات الجوية الروسية من قاعدة همدان في الوقت الراهن»، قال علي لاريجاني إن الطلعات الروسية من إيران «لم تتوقف»، مضيفا أن «الحلف الإيراني الروسي في مكافحة الإرهاب لصالح المسلمين». وجاء ذلك ضمن رد لاريجاني خلال جلسة صباح أمس على طلب للبرلمانيين بشأن اجتماع مغلق لبحث ملابسات الوجود العسكري الروسي.
هذا ودخلت طهران في دوامة من التصريحات المتباينة والغامضة منذ تسريب صور وجود القاذفات الروسية في قاعدة همدان، التي نشرت صور لها لأول مرة في وسائل الإعلام، أخيرا، نظرا للرقابة المشددة التي تفرضها أجهزة المخابرات على المراكز العسكرية الحساسة.
واتسع الجدل بين كبار المسؤولين الإيرانيين، خاصة أن إعلان الخارجية الإيرانية بشأن تجميد الوجود الروسي بعد يومين من مؤتمر وزير الدفاع الذي قال إنه سيسمح لروسيا بالاستقرار في قاعدة همدان «للفترة الزمنية التي تحتاجها». وكان رئيس لجنة السياسة الخارجية والأمن القومي في البرلمان علاء الدين بروجردي قد ذكر أن روسيا «تستخدم القاعدة الجوية منذ فترة طويلة لكن تم الإعلان عنه مؤخرا بتفاهم إيراني روسي».
وشدد لاريجاني في تصريحات سابقة له حول طبيعة الوجود الروسي في ثاني أكبر قاعدة جوية في إيران، موضحا أن بلاده «لم تمنح قاعدة عسكرية لأي بلد أجنبي وأنه كان أمرا مؤقتا استخدمته الطائرات الروسية من أجل التزود بالوقود ومن أجل ذلك لم يكن بحاجة إلى إذن من البرلمان»، وذلك حسبما أورد عنه موقع البرلمان الرسمي «خانه ملت».
وحاول لاريجاني تخفيف وطأة تصريحات وزير الدفاع الإيراني حسين دهقان، السبت الماضي، عندما قلل من أهمية المواقف البرلمانية، بقوله إن القرار جاء من أعلى الجهات في النظام. بهذا الصدد استند لاريجاني على كلام قادة إيران في أن «بيت الشعب على رأس الأمور»، وقال إنه «من الضروري تحذير وزير الدفاع بأن لا يتفوه بكلام ضد البرلمان وعليه أن يأخذ آداب الحكم بعين الاعتبار» مطالبا من وصفهم بالأصدقاء «باحترام بنية النظام وسلسلة مراتبه».
السبت الماضي، رد دهقان على نقاش شهده البرلمان حول الوجود العسكري الروسي في إيران، بقوله إنه «لا شأن للبرلمان» في استخدام الطائرات الروسية وأنه جاء في «سياق التعاون الثلاثي الإيراني الروسي السوري وقرار المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني والنظام». في نفس الوقت شدد لاريجاني على أن إيران «لم تمنح روسيا قاعدة جوية» وأصر كغيره من المسؤولين على كلمة «الاستخدام»، الأمر الذي أثار استغراب المراقبين الإيرانيين في الأيام الأخيرة. ومع ذلك وعد البرلمانيين بدراسة طلب اجتماع مغلق. وكان 20 برلمانيا طالبوا باجتماع مغلق لمعرفة الأسباب التي أدت إلى منح قاعدة جوية لإحدى القوى العالمية. وقال عضو البرلمان محمود صادقي إنه «ليس احتجاجا إنما نريد الاطلاع على ما يجري من أجل مزيد من التناغم والانسجام». وأضاف أن الحديث عن احتمال عودة الروس لقاعدة همدان يبقي طلب البرلمانيين لاجتماع مغلق، قائما.
ولم تمض سوى ساعات على تكذيب خروج الروس من إيران، حتى جاء رد شمخاني أمس خلال تصريحات للقناة الرسمية الأولى، موضحا أن الطائرات الروسية «لم تعد في إيران.. لم يكن من المقرر بقاؤها»، وأكد شمخاني أنها غادرت قاعدة همدان الخميس الماضي إلى موسكو بعد «الانتهاء من مهام» في سوريا. يشار إلى أنها المرة الأولى التي تشهد تصريحات متناقضة بشكل لافت بين مسؤولين كبار يرأسون مراكز حساسة في النظام الإيراني، مما يشير إلى صحة الخلافات والانقسام بين جناحين في السلطة الإيرانية وفق فريق من المحللين. يتمثل الأول بالجناح الأكثر تأثيرا في صنع القرار الإيراني في سوريا فيلق «القدس» وقادة الحرس الثوري على رأسهم قاسم سليماني الذي يحظى بدعم المرشد الأعلى على خامنئي ورئيس البرلمان علي لاريجاني الذي يعتبر من المقربين له، وفي المقابل حكومة روحاني ووزير الخارجية وتيار من الحرس الثوري يوصف بالمعتدل يمثلهم وزير الدفاع حسين دهقان. ويقف وسط التيارين علي شمخاني ممثل خامنئي في المجلس الأعلى للأمن القومي كعنصر توازن، على الرغم من ميوله إلى سياسة روحاني خاصة بعد تعيينه في منصب المنسق السياسي والعسكري بين حلف الثلاثي الإيراني والروسي ونظام الأسد.
الخلافات بين التيارين قبل قضية الطائرات برز في إقالة مساعد وزير الخارجية السابق في الشؤون العربية أمير عبد اللهيان من قبل جماعة روحاني، على الرغم من مقاومة الحرس الثوري وسليماني، الأمر الذي رد عليه لاريجاني بتعيينه عبد اللهيان في منصب المساعد البرلماني الخاص في الشؤون الدولية. وكانت وسائل إعلام الحرس الثوري حاولت الظهور في موقع التفاخر بعد الكشف عن الوجود الروسي في همدان. واعتبرت وكالة «فارس» المنبر الإعلامي الأهم للحرس الثوري، أن الوجود الروسي ترجم الخطة التي تفاهم حولها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقاسم سليماني لدى زيارة الأخير في الشتاء الماضي إلى موسكو.
في غضون ذلك، كشف شمخاني أن استقرار طائرات روسية في قاعدة تابعة للقوات الجوية جاء بطلب من «المستشارين الإيرانيين لتوفير دعم لوجستي وغطاء جوي في معركة حلب»، معتبرا إياه دليلا على «قوة وليس تبعية» إيران. وكان شمخاني أول مسؤول عسكري رفيع يعلق على الموضوع من الجانب الإيراني، بعد إعلان تداول وسائل الإعلام صورا عن استقرار القاذفات الروسية الأسبوع الماضي. ونفى شمخاني وجود انقسام كبير بين المسؤولين الإيرانيين بشأن التعاون العسكري مع روسيا، قائلا إن «التأخير والمأزق في اتخاذ القرار في هيكل النظام الإيراني جرت إزالته منذ فترة طويلة»، وتابع أن النظام يتخذ «قرارات تتناسب مع ضمان المصالح القومية».
في السياق أوضح شمخاني أن إيران «جذبت روسيا القوية إلى جانبها لدعم العملية العسكرية» التي تديرها قواتها في الأراضي السورية، معتبرا ذلك من النقاط «الإيجابية في تاريخ إيران».
وأثار تضارب مواقف المسؤولين الإيرانيين عقب الكشف عن الوجود الروسي في قاعدة همدان الجوية الشكوك حول التحالف الإيراني الروسي العسكري في سوريا. وكانت انتقادات وزير الدفاع الإيراني حسين دهقان عززت تلك الشكوك خاصة في ظل تباين واضح بين ما أدلى به السبت الماضي في مؤتمر صحافي وانتقاداته المفاجئة إلى الحليف الروسي، بسبب ما اعتبره «استعراضا» و«عدم لباقة» في إعلان أحادي الجانب لاستخدام قاعدة ومؤشرا على انزعاج طهران من تجاهل «السرية» الأمر الذي عجل بإنهاء «التعاون الاستراتيجي» في همدان. في غضون ذلك وجه وزير الدفاع حسين دهقان رسالة إلى رئيس البرلمان أعرب خلالها عن أسفه حيال «سوء التفاهم» الذي حصل بسبب تصريحاته السبت الماضي، وفي توضيح تصريحاته التي أثارت استياء برلمانيا قال: إنه لم يكن يقصد تضعيف البرلمان.
من جانبها قابلت الخارجية الأميركية إعلان الخارجية الإيرانية بالتشكيك وقالت في بيان صحافي، أول من أمس «إنها اطلعت على تقارير تفيد بأن روسيا أنهت استخدامها لقاعدة جوية إيرانية في تنفيذ ضربات ضد متشددين سوريين، ولكن ليس واضحا ما إذا كان الاستخدام الروسي للقاعدة توقف فعليا».
وذكرت وكالة «رويترز» نقلا عن المتحدث باسم الخارجية الأميركية مارك تونر، أن الولايات المتحدة تراقب عن كثب التعاون بين روسيا وإيران، وأنه «ليس واضحا بالنسبة لنا.. ما إذا كان استخدامها (موسكو) لهذه القاعدة قد توقف بشكل حاسم».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.