«الأغنياء» نقطة الفصل في التشريعات الضريبية لكلينتون وترامب

تداعيات أجندتهما الانتخابية قد تحسم الجدل

المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون في إحدى جولاتها الانتخابية (رويترز)
المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون في إحدى جولاتها الانتخابية (رويترز)
TT

«الأغنياء» نقطة الفصل في التشريعات الضريبية لكلينتون وترامب

المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون في إحدى جولاتها الانتخابية (رويترز)
المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون في إحدى جولاتها الانتخابية (رويترز)

إذا ما فاز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة ونجح في إقناع الكونغرس بتمرير أجندته الضريبية، فإن ذلك سيعني تقليصا ضئيلا في الضرائب المفروضة على الأميركيين من أبناء الطبقة الوسطى، في الوقت الذي سيحظى الأميركيون الأثرياء والشركات التجارية بتقليص ضخم، ما يؤدي بدوره إلى عجز بالموازنة سيتسع على نحو بالغ إلا إذا تحقق الازدهار الاقتصادي الذي وعد به في خضم إجراءات تقليص الضرائب وتشديد الإجراءات.
أما إذا فازت هيلاري كلينتون بالرئاسة ونجحت في إقناع الكونغرس بتمرير أجندتها، فإن الأميركيين الأثرياء سيدفعون ضرائب أعلى، وستواجه الشركات قواعد ضريبية تجعل من غير المجدي الانتقال إلى الخارج، وسيجري توجيه المال الذي تثمره هذه الإجراءات إلى تمويل باقي سياسات أجندتها، بدءًا من الرعاية الصحية وصولاً إلى الطرق والجسور وعناصر البنية التحتية الأخرى.
بوجه عام، يمثل ما سبق خيارات السياسات الضريبية المطروحة على الأميركيين عندما يتوافدون على صناديق الاقتراع في نوفمبر (تشرين الثاني)، بناءً على الخطط التي أعلن عنها المرشحان وناقشاها خلال الخطابات الكبرى التي ألقياها، هذا الأسبوع.
والمعروف أن المقترحات التي تطرح خلال الحملات الانتخابية لا ينتهي بها الحال بالطبع بذات الصورة التي تحدث عنها المرشحون. ومع ذلك، تبقى الحقيقة أن السياسات الضريبية المطروحة تطرح بعض الأرقام الواضحة على الخطاب الانتخابي الذي عادة ما يغلفه الغموض. وتكشف السياسات الضريبية المقترحة ترتيب الأولويات بالنسبة للمرشح ومجمل رؤيته الاقتصادية.
المؤكد أن لأي انتخابات نتائجها، وفيما يلي سنستعرض النتائج الاقتصادية المحتملة حال طلب الرئيسة كلينتون أو الرئيس ترامب من الكونغرس إعادة صياغة السياسات الضريبية على النحو الذي يتفق مع رؤيتها/ رؤيته.
* الضرائب على الأسر مرتفعة الدخل
الوضع الراهن: يبلغ معدل الضريبة الفيدرالية على الدخل فوق مستوى 467 ألف دولار عن الزوجين، في الوقت الراهن 39.6 في المائة. والملاحظ أن الكثير من الأسر مرتفعة الدخل تستفيد من خصومات ضخمة على أشياء مثل فوائد الرهن العقاري وضرائب الدخل حسب الولاية. كما تحظى الكثير من هذه الأسر بحصة كبيرة من دخلها عبر مكاسب طويلة الأجل على رأس المال، والتي عادة ما تخضع لضرائب بنسبة 23.8 في المائة.
ما ينوي ترامب فعله: سيقلص معدل ضريبة الدخل بالنسبة للهامش الأعلى إلى 33 في المائة. وقد خلص تحليل أجرته «ذي تاكس فاونديشن أوف ذي هاوس ريببليكانز» (المؤسسة الضريبية التابعة للأعضاء الجمهوريين بمجلس النواب)، إلى أن المعدل سيزيد بعد ضريبة الدخل بالنسبة لـ1 في المائة الأكثر ثراءً من الأميركيين بنسبة 5.3 في المائة.
أيضًا، يدعو ترامب إلى تقليص المعدل الضريبي على دخول جميع الشركات إلى 15 في المائة ـ ودعا لتطبيق هذا المعدل على جميع أنواع الشركات، بما في ذلك الشراكات والشركات الخاضعة لملكية فردية. ومن شأن ذلك فتح الباب أمام أفراد لتحويل ما يخضع الآن للضرائب باعتباره دخلا فرديا إلى دخل من نشاط تجاري يخضع لهذا المعدل المنخفض البالغ 15 في المائة، خاصة من يملكون القدرة على الاستعانة بمحامين متخصصين بالمجال الضريبي لمساعدتهم على صياغة التفاصيل بصورة مقبولة.
ما تنوي هيلاري فعله: تقترح فرض ضريبة إضافية بنسبة 4 في المائة على الدخول التي تتجاوز 5 ملايين دولار، ما يعني أن أعلى الأفراد دخلاً سيخضعون فعليًا لمعدل يبلغ قرابة 44 في المائة، كما تقترح تطبيق قاعدة يدفع بمقتضاها أصحاب الدخول التي تفوق مليون دولار، 30 في المائة على الأقل كضرائب، وذلك بهدف الحيلولة دون دفع أصحاب الدخول الأعلى معدلات ضريبية إجمالية منخفضة بفضل ضرائب الأرباح الرأسمالية الأقل. كما أنها ستحد من قيمة التخفيضات الضريبية، وتفرض فترات احتفاظ أطول للحصول على معدل ضريبي أقل فيما يتعلق بمكاسب رأس المال طويلة الأجل، علاوة على خطوات أخرى تهدف لجعل قانون الضرائب أقل ميلاً لصالح الأثرياء.
*الضرائب على الأسر متوسطة ومنخفضة الدخل
الوضع الراهن: بالنسبة للزوجين اللذين يجنيان ما بين 18.551 دولار و75.300 دولار، يبلغ المعدل الضريبي الهامشي الرسمي 15 في المائة. بيد أنه على الصعيد العملي، فإن نحو 45 في المائة من دافعي الضرائب الأميركيين لا يدفعون ضريبة دخل فردية (وإن كانوا يدفعون ضرائب رواتب فيدرالية)، وذلك بسبب الاعتمادات الضريبية المتنوعة التي تميل بشكل خاص لصالح الأسر التي لديها أطفال.
ما ينوي ترامب فعله: ينوي تقليص الضرائب عبر مختلف الفئات على نحو يتفق مع مقترح طرح في وقت سابق من العام من قبل الجمهوريين بمجلس النواب، والذي يحد معدل الضرائب على الدخل من 15 في المائة إلى 12 في المائة. من جانبها، قدرت «ذي تاكس فاونديشن» أن الخطة المقترحة من شأنها زيادة دخل ما بعد استقطاع الضرائب بالنسبة للأسر في شريحة ما بين 20 في المائة و40 في المائة، بنسبة 0.5 في المائة، وبالنسبة لدافعي الضرائب من الطبقة الوسطى بمعدل 0.2 في المائة.
كما يرغب ترامب في جعل الرعاية الصحية للأطفال باعتبارها ضريبة قابلة للخصم. وحال تطبيق هذه السياسة كخصم فعلي بالصورة المعتادة، فإن هذا لن يعود بفائدة تذكر على الـ45 في المائة من الأفراد الذين لا يدفعون ضرائب وسيعود بالنفع الأكبر على الأفراد المنتمين للشرائح الأعلى من حيث ضريبة الدخل. وقد لمح مسؤولون بحملته إلى أن إدارة ترامب ستجد سبلاً لجعل مزايا هذه السياسة متاحة على مساحة أوسع، رغم عدم كشفهم عن تفاصيل.
ما تنوي كلينتون فعله: في ظل الخطة المطروحة من كلينتون، فإن المنتمين إلى الـ95 في المائة الأقل من حيث الدخول لن يعاينوا تغييرًا يذكر في الضرائب المفروضة عليهم في ظل الخطة المطروحة من كلينتون، تبعًا لما أوضحه تحليل صادر عن «تاكس بوليسي سنتر» (مركز السياسات الضريبية).
وترغب كلينتون في إقرار اعتمادات ضريبية لرعاية طفل كجزء من جهود أوسع لتيسير مسألة رعاية الأطفال من الناحية المالية. ورغم أن كلينتون لم تكشف النقاب عن جميع تفاصيل ما تنوى تطبيقه على هذا الصعيد، فإن إقرار اعتمادات يمكن استردادها من شأنه تجنب الضرائب الناجمة حاليًا عن طرح خصومات ضريبية، وسيعود بالنفع على الأسر ذات الدخول المنخفضة والمتوسطة حتى ولو كانت لا تدفع ضرائب دخل فيدرالية.
* ضريبة التركات
الوضع الراهن: عندما يتوفى شخص، تكون أول 5.45 مليون دولار من التركة معفاة من الضرائب، وأول 10.9 مليون دولار بالنسبة للزوجين. أما الأصول المنتمية لمستويات أعلى من ذلك فإنه عادة ما يفرض عليها ضرائب بنسبة 40 في المائة قبل تمريرها إلى الورثة.
ما ينوي ترامب فعله: ينوي إلغاء ضريبة التركات، أو ما يطلق عليه «ضريبة الوفاة» حسبما يطلق عليها هو وجمهوريون آخرون، للسماح حتى بأشد الناس ثراءً بتمرير ملكية أصولهم إلى ورثتهم من دون ضرائب.
ما تنوي كلينتون فعله: ستقلص مستويات الإعفاء إلى 3.5 مليون دولار بالنسبة للأفراد و7 ملايين دولار للزوجين. وعليه، فإن المزيد من الأسر سيتعين عليها سداد ضرائب إرث، وستدفع الأسر الأكثر ثراءً ضرائب عن نسبة أكبر من أصولها. وستزيد كلينتون معدلات الضرائب على الملكيات الخاضعة للضرائب إلى 45 في المائة.
* ضرائب الشركات
الوضع الراهن: معقد. ويبلغ المعدل الرسمي للضرائب على الشركات 35 في المائة، أعلى من الحال داخل غالبية الدول المتقدمة. إلا أنه في الوقت ذاته، توفر الولايات المتحدة مجموعة معقدة من الخصومات تؤدي إلى أن يصبح المعدل الفعلي للضرائب ـ بمعني ما تجمعه الحكومة بالفعل ـ أقل بكثير. وقد يرى الكثيرون أن هذا المزيج من المعدلات الضريبية المرتفعة والتحصيلات الضريبية الفعلية الضئيلة ليس بالأمر الجيد ـ فكرة يتفق معها خبراء الضرائب بكلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
ما ينوي ترامب فعله: سيقلص بدرجة بالغة من المعدل الضريبي الأعلى على أرباح الشركات إلى 15 في المائة. وسيطبق هذا المعدل على الشراكات والأنماط الأخرى من الكيانات التجارية التي تمرر أرباحها حاليًا إلى أفراد، ثم يجري إخضاعهم لضريبة الدخل الفردي والتي تصل في أقصى معدلاتها إلى 39.6 في المائة. كما أنه سيلغي في الوقت ذاته على عدد كبير من الخصومات المتاحة أمام الشركات.
وتبعًا للمعدل الجديد المنخفض، فإن الشركات التي تربح أموالاً من خارج البلاد وتبقيها حاليًا خارج الولايات المتحدة ستتوافر أمامها حوافز أقل للقيام بذلك. وعليه، فإنها قد تعيد الأموال إلى الداخل الأميركي، وتسدد ضرائب أقل وتستثمر المال بالداخل. ومن شأن المقترح الحد بصورة بالغة من العبء الضريبي على الشركات، وتقليص العائد الحكومي بمقدار 1.9 تريليون دولار على مدار العقد القادم، تبعًا لتقديرات «ذي تاكس فاونديشن».
ما تنوي كلينتون فعله: تسعى لإدخال سلسلة من التعديلات على قانون ضرائب الشركات، في محاولة لتثبيط الشركات عن نقل نشاطاتها إلى الخارج للتوفير في الضرائب.
ومن شأن واحدة من التعديلات المقترحة من كلينتون تغيير قاعدة جوهرية بهدف زيادة صعوبة أسلوب التحايل الضريبي الذي تبعًا له تندمج شركة أميركية بأخرى أجنبية منافسة وتنقل مقرها الرئيسي إلى الخارج بهدف الخضوع إلى ضرائب أقل ببلد الشريك الأجنبي. ومن شأن مقترح آخر فرض «ضريبة خروج» على الشركات الساعية لنقل نشاطاتها إلى خارج الولايات المتحدة من دون استعادة أولاً الأرباح المحتفظ بها في الخارج.
وتقترح كلينتون كذلك توفير اعتمادات ضريبية للشركات للاستعانة بعمال من كيانات تدريبية أو التشارك في الأرباح مع العمال. وأشارت إلى أنها ستعمل على تقليص الروتين أمام الشركات الصغيرة في إطار محاولاتها سداد الضرائب المفروضة عليها.
* خدمة «نيويورك تايمز»



صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.