الدولار «حائر» انتظارًا لـ«موقف حاسم» من {الفيدرالي الأميركي}

اجتماع المصارف المركزية يحدد بشكل كبير بوصلة الفائدة الأميركية

جانيت يلين محافظة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي خلال مؤتمر صحافي سابق (رويترز)
جانيت يلين محافظة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي خلال مؤتمر صحافي سابق (رويترز)
TT

الدولار «حائر» انتظارًا لـ«موقف حاسم» من {الفيدرالي الأميركي}

جانيت يلين محافظة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي خلال مؤتمر صحافي سابق (رويترز)
جانيت يلين محافظة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي خلال مؤتمر صحافي سابق (رويترز)

بعد موجة صعودية للدولار، مع ازدياد التكهنات المتفائلة برفع أسعار الفائدة الأميركية الشهر المقبل، مدفوعة بتصريحات غير مباشرة لمسؤولين أميركيين بارزين، عاد الدولار أمس إلى الانخفاض مجددا مقتربا من أدنى مستوياته في شهرين، وهو المستوى السابق على «فورته الأخيرة».. فيما ينتظر أن تتضح الأمور وبوصلة الاقتصاد الأميركي بشكل أكبر عقب كلمة رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» جانيت يلين يوم الجمعة المقبل، وذلك على هامش المؤتمر السنوي لحكام المصارف المركزية الأميركية، الذي يتوقع كثيرون أن تحدد فيه يلين موقفها من التوجه إلى سياسات «التيسير» أو «التشديد» خلال الفترة المقبلة.
وكانت العملة الأميركية تلقت دعما مطلع الأسبوع، حين قال نائب رئيس مجلس الاحتياطي ستانلي فيشر إن البنك يقترب من تحقيق هدفيه المتعلقين بـ«التوظيف» و«التضخم»، وهو ما عزز التكهنات برفع أسعار الفائدة في سبتمبر (أيلول) المقبل.
لكن بعدما بلغ مؤشر الدولار، الذي يقيس أداءه أمام سلة من العملات، أعلى مستوى له في 5 أيام عند 94.958 في التعاملات المبكرة أول من أمس، نزل المؤشر 0.1 في المائة، إلى 94.411، مقتربا من أدنى مستوياته في شهرين وهو 94.077، الذي لامسه الأسبوع الماضي.
ويعقد حكام المصارف المركزية الأميركية مؤتمرهم السنوي في نهاية الأسبوع الحالي في «جاكسون هول» بالولايات المتحدة، ويأتي على قمة جدول أعمالهم ركود النمو، والتضخم الضعيف، في وقت ينتظر فيه العالم مداخلة رئيسة الاحتياطي الفيدرالي جانيت يلين بترقب كبير.
وسيبحث خبراء الاقتصاد وحكام المصارف المركزية خلال المؤتمر المزمع عقده خلال الفترة من مساء الخميس إلى السبت في المنتجع الجبلي بولاية وايومينغ الآليات التي تساعد برأيهم في «ابتكار إطار لسياسة نقدية فعالة في المستقبل»، بحسب عنوان المؤتمر.
وبعدما تغيبت عن مؤتمر العام الماضي، تلقي يلين الجمعة كلمة حول «الأدوات النقدية» في متناول «الاحتياطي الفيدرالي»، ستشكل النقطة المركزية في اللقاء. وستكون كلمتها موضع متابعة عن كثب من الأسواق التي تترصد منها أي مؤشرات حول الجدول الزمني للزيادة المقبلة في معدلات الفائدة التي يتوقعها كثيرون اعتبارا من سبتمبر المقبل.
وقال مايكل غابن، من معهد «باركليز ريسيرتش» لوكالة الصحافة الفرنسية: «على الرغم من أن كثيرا من أعضاء اللجنة النقدية في (الاحتياطي الفيدرالي) قلقون حيال التضخم، فإننا نتوقع من يلين أن تعطي إشارة أقوى حول إمكانية رفع معدلات الفائدة في مستقبل قريب»، مرجحا زيادة هذه المعدلات اعتبارا من الاجتماع المقبل للجنة النقدية في «الاحتياطي الفيدرالي» في 20 و21 سبتمبر.
وفي الفترة ذاتها من العام الماضي، كانت الأسواق المالية تترقب من «الاحتياطي الفيدرالي» أن يقرر أول زيادة في معدلات فائدته خلال عقد، على أن تدخل حيز التنفيذ في سبتمبر من العام الماضي. غير أن هذا القرار أرجئ في نهاية المطاف آنذاك إلى ديسمبر (كانون الأول) بسبب تباطؤ النمو الصيني والتقلبات في الأسواق.
وبمعزل عن مسألة زيادة معدلات الفائدة الأميركية وتوقيتها، ثمة جدل جوهري قائم بين خبراء الاقتصاد لمعرفة ما إذا كان نمط النمو تبدل بشكل بنيوي بفعل التطور الضعيف للإنتاجية، مما سيتطلب معدلات فائدة أكثر تدنيا.
ورأى نائب رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي»، ستانلي فيشر، الأحد الماضي أن هذه التساؤلات تنطلق من أنه يتم تسجيل «تراجع في معدل الفائدة المحايد»، وهو معدل التوازن الذي يفترض ألا يؤثر على النمو؛ سواء لتسريعه أو إبطائه، في وقت يشهد فيه العالم مرحلة من «الانكماش المطول».
* معضلة التضخم والنمو
حرك رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو، جون ويليامز، الجدل مؤخرا؛ إذ اعتبر أنه قد يكون من الأنسب السماح بمزيد من التضخم لإعطاء المصارف المركزية هامش تحرك أكبر، والاستمرار في دعم الاقتصاد دون أن تضطر المصارف إلى خفض معدلات الفائدة التي تقارب «الصفر» أساسا.
وهذه الفكرة تعيد النظر في الهدف الثابت الذي حدده «الاحتياطي الفيدرالي» صراحة منذ 2012 بتحقيق نسبة نمو بمستوى اثنين في المائة، ويعتبر ويليامز أنه في حال تم تخطي هذه النسبة، فإنه يتعين تشديد السياسة النقدية لتفادي حصول تسارع في النمو الاقتصادي.
ويقترب التضخم في الولايات المتحدة ببطء من تحقيق هذا الهدف، وهو يبلغ حاليا 0.9 في المائة، بحسب مؤشرات نفقات الاستهلاك الشخصي التي يعتمدها الاحتياطي الفيدرالي، غير أن النمو يبقى ضعيفا.
ولم يتخط نمو إجمالي الناتج الداخلي الأميركي في الفصول الأربعة الأخيرة نسبة 1.25 في المائة، بحسب فيشر، ومن غير المتوقع أن تحدث التقديرات الثانية للفصل الثاني من العام، المتوقع صدورها الجمعة، أي تغيير في المعطيات، التي تقع في حدود «زائد 1.1» في المائة بوتيرة سنوية؛ بحسب المحللين.
* الكلام النظري والواقع العملي
لكن على الصعيد العملي، فإن الحلول المتاحة لتحريك النمو تتطلب كذلك حض الحكومات وسلطات ضبط الأوساط المالية على التحرك. وقال ستانلي فيشر إن «سياسة الاقتصاد الكلي لا يمكن اختصارها بالسياسة النقدية»، وهي لازمة قد يرددها المشاركون في مؤتمر «جاكسون هول»، داعين إلى تبني تدابير مالية على صعيد البنى التحتية والتربية بصورة خاصة، لتحل محل سياسات المصارف المركزية من أجل دعم النمو.
وقد يلتقي المشاركون في المؤتمر، وبينهم عضو لجنة إدارة البنك المركزي الأوروبي بونوا كوريه، ومساعدة حاكم بنك إنجلترا المركزي نعمة شفيق، ناشطي تحالف «فيد آب»، وهي عبارة معناها «طفح الكيل» ومستوحاة من لقب «الاحتياطي الفيدرالي».. «فيد».
وتمكن تحالف المنظمات الاجتماعية من تعبئة 120 ناشطا سيعقدون مؤتمرا موازيا في «جاكسون هول»، وقد نشر التحالف تقريرا يطالب «الاحتياطي الفيدرالي» بمزيد من الشفافية والمحاسبة وبتعيين قادة يعكسون بشكل أكبر تنوع المجتمع الأميركي.
* الدولار الحائر
وبينما تستعد الأوساط الاقتصادية لمراقبة أجواء الاجتماع، تراجع الدولار بشكل عام أمس، وذلك بعد انتعاشه مدعوما بتصريحات فيشر بأن البنك يقترب من تحقيق هدفيه المتعلقين بالتوظيف والتضخم، وهو ما عزز التكهنات برفع أسعار الفائدة في سبتمبر المقبل. وبعد بلوغه أعلى مستوى في 5 أيام، عند 94.958 أمام سلة العملات يوم الاثنين، عاد الدولار صباح أمس إلى مستوى مقارب لمستويات الأسبوع الماضي.
ويترقب المستثمرون ما إذا كانت يلين ستتفق في الرأي مع فيشر ورئيس بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك ويليام دادلي، اللذين مالت تصريحاتهما إلى التشديد النقدي، أم إنها ستتبنى موقفا أكثر ميلا للتيسير يتوافق مع محضر اجتماع البنك المركزي في يوليو (تموز) الماضي، الذي أشار إلى أن البنك لا يتعجل رفع الفائدة.
ونزل الدولار لفترة وجيزة دون مائة ين في التعاملات المبكرة أمس، قبل أن يتعافى إلى 100.165 ين بحلول الساعة 10.45 بتوقيت غرينيتش، ليسجل انخفاضا نسبته 0.2 في المائة عن مستواه عند الفتح. بينما زاد اليورو 0.1 في المائة، إلى 1.1332 دولار أميركي، مقتربا من أعلى مستوى له في شهرين، الذي سجله الأسبوع الماضي حين بلغ 1.1366 دولار.
وكان الدولار النيوزيلندي صاحب أكبر تحرك بين عملات الدول المتقدمة أمس؛ إذ ارتفع واحدا في المائة إلى 0.7340 دولار أميركي، بعدما قال محافظ بنك الاحتياطي النيوزيلندي (المركزي) جريم ويلر، إنه لا يرى ضرورة للتعاقب السريع لتخفيضات أسعار الفائدة.



أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.