فيلم «بن حور» الجديد يخفق في اختبار الجودة فنًا وصناعة

حكاية تاريخية تتعرض لسوء التنفيذ

لقطة من فيلم «بن حور» الجديد
لقطة من فيلم «بن حور» الجديد
TT

فيلم «بن حور» الجديد يخفق في اختبار الجودة فنًا وصناعة

لقطة من فيلم «بن حور» الجديد
لقطة من فيلم «بن حور» الجديد

يدخل هذا الأسبوع فيلم «بن حور» (Ben Hur) المنافسة على المركز الأول في مباراة الفيلم الأكثر نجاحًا وإقبالاً. وأرقام يوم الجمعة (أول من أمس) تفيد بأنه محشور في المركز الثاني بين فيلمين، هما «كوبو والخَيْطان» (Kubo and the Two Strings) في المركز الأول، و«كلاب الحرب» (War Dogs) دراما وسيرة فعلية لمقاولي سلاح منحهما البنتاغون قبل سنوات غير بعيدة 300 مليون دولار لشراء أسلحة للجيش الأفغاني.
أما نقديًا، فهو الثالث بينها وبفارق كبير. النقاد أحبوا «كوبو...»، ورأفوا بـ«كلاب الحرب»، لكنهم كالوا لفيلم «بن حور» بلا رحمة بعدما شاهدوه في عرض خاص خلال الأيام القليلة الماضية. لو لومونيك قال عنه في «ذا نيويورك بوست»: «السيناريو يذهب بالقصّة إلى حيث لا تعني شيئًا». الناقدة كايت تايلور في «ذا غلوب أند مول» الصادرة في تورنتو قالت: «بينما يكشف الفيلم عن هشاشته، هناك لحظات هاربة تقترح أن أحدهم خلف هذا الفيلم الذي تكلف 100 مليون دولار، كان يفكر كيف يمكن إعادة تقديم هذه الملحمة بطريقة عشوائية لجمهور 2016». وسورن أندرسون كتب في «ذا سياتل تايمز»: «رخيص على كل صعيد. هذا (البن حور) بالكاد يمكن اعتباره ملحمة».
حتى الأقلية التي تحمست للفيلم، مثل جوردان هوفمان في «ذا غارديان» البريطانية لم تجده كاملاً. كتب هوفمان: «لا أستطيع التأكيد بما فيه الكفاية كم يصبح الفيلم رخيصًا في النهاية».

* الأصل الروائي
ما يجعل مهمّة «بن حور» الجديد صعبة في نيل الاستحسان هو أن مقاليد الإخراج سلمت إلى المخرج تيمور بكمامبيتوف المولود في كازاخستان قبل 55 سنة، الذي شق طريقه إلى هوليوود بعد فيلم واحد معقول هو «مراقبة ليلية» سنة 2004. بكمامبيتوف انخرط بين سينمائيي هوليوود وأخرج سلسلة من الأفلام المتوهجة بالإثارة المصنوعة ديجيتال والحكايات غير المروية على نحو صحيح، ومنها «أبراهام لينكولن: صائد الفامبايرز» (2012). ليس أن المشكلة في استغلال اسم رئيس جمهورية أميركي وضع تشريعات جديدة للولايات المتحدة واغتيل بسببها، بل في تصويره سفاحًا يقتنص من مصاصي الدماء، كما ينص العنوان. إلى جانب أن هذا الفيلم وبضعة أخرى حققها في هوليوود، لم يتمتع بأي دلالات فنية تستدعي التقدير.
لكن «بن حور» أسوأ ما أنجزه إلى الآن، ورد الفعل مضاعف في هذا الشأن لأن الفيلم الأصلي يُعد واحدًا من تلك الأعمال الملحمية التي احتفلت هوليوود بها منذ مطلع السينما الصامتة ولسنوات كثيرة من بعد.
الرواية وضعها ليو والاس سنة 1880. وكان قائدًا عسكريًا (برتبة ماجور جنرال) ثم حاكم ولاية نيو مكسيكو بعدما خاض الحرب الأهلية الأميركية لصالح الجيش الشمالي. خلال حقبة ولايته، وضع «بن حور: حكاية المسيح» كملحمة دينية وجدت رواجًا كبيرًا بين القراء. في جوهرها هي حكاية ذات نبرة مسيحية راجت بين القراء، لكونها حرصت على إظهار التسامح ونبذ فعل الانتقام.
بطل الرواية اليهودي جودا بن حور ترعرع صبيًا وصديقه ميسالا في بيت لحم. ثم افترقا، إذ توجه الثاني إلى روما بقناعات معادية للدين. ذات يوم انهار سقف منزل جودا، وأصاب قائد الجيش الروماني. ميسالا الذي بات قائدًا كبيرًا في الجيش الروماني أمر بإلقاء القبض على جودا حيث تمت معاملته كعبد. أما والدته وشقيقته فوضعا في السجن إلى أن أُصيبا بالبرص. بعد أن نال عفوًا من قائد روماني آخر وتدرّب على السلاح والقتال وضع جودا نصب عينيه الانتقام من ميسالا، لكنه يستيقظ على دعوات المسيح للعفو والتسامح فيقلع عن ذلك متحولاً إلى المسيحية بدوره.
الأفلام التي تم اقتباسها من هذه الرواية (التي تألفت من سبعة أجزاء) أخذت ما سنح لها أخذه من الحكاية الأصلية.
نسخة 1907 القصيرة التي أنجزها سيدني أولكوت (ما زالت متوفرة على الإنترنت) تعاملت مع جزء يسير حول إلقاء القبض على جودا بن حور. مثير للانتباه أنه لتفادي التصوير الداخلي آنذاك، تقع الأحداث ما بين سطح البيت والشارع فقط.
نسخة 1925 (الصامتة أيضًا) حَوَتْ، في نحو ثلاث ساعات، الحكاية ذاتها موسعة وذات بداية ونهاية تتفقان مع الحكاية الأصلية، وتنتهي بمفهومها على عكس، وإلى حد معين، من نسخة بيلي وايلدر اللاحقة (1959) التي تناثرت عليها الأوسكارات فنال العمل أوسكارات أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل ممثل في دور رئيسي (شارلتون هستون) وأفضل ممثل في دور مساند (هيو غريفيث) وأفضل تصوير (روبرت سورتيس) وستة أوسكارات في الجوانب الفنية المهمّة (تصميم ملابس، تصميم إنتاج، توليف، موسيقى... إلخ).

* أصالة صامتة
كل النسخ المذكورة (ونحو خمس نسخ سينمائية أخرى بعضها توجه إلى الفيديو مباشرة) باستثناء النسخة الصامتة القصيرة سنة 1907 حوت ذلك الفصل المثير من مشاهد سباق العربات التي تجرها الخيول في ميدان روما. على متن أحدها بن حور (تشارلتون هستون)، وعلى متن أخرى عدوه ميسالا (ستيفن بويد) لجانب عربات أخرى معظمها يتحطم خلال السباق على نحو عنيف لترتكز المباراة على الخصمين المذكورين.
هذه الأوسكارات الإحدى عشر التي حصل عليها الفيلم هي من أصل اثني عشر ترشيحا. الترشيح الوحيد الذي لم يحظَ بجائزة تتوّجه هو أوسكار أفضل سيناريو مقتبس، كما وضعه كارل تنبيرغ، وأضاف إليه غور فيدال.
المفاجأة هي أن نسخة عام 1925 الصامتة، كما حققها فرد نبلو، تميّزت بالأصالة والعمق في الدلالات أكثر من نسخة وايلدر التي أعابها السعي لإتقان المباراة ومشاهد المبارزة أكثر مما حوت عمقًا في الشخصيات والدلالات. التمثيل، من الجميع، كان حسب النص بعيدًا عن روح الإبداع. وحسب الناقد والمؤرخ ديفيد تومسون، فإن نسخة وايلدر هي محاولة «الأكاديمية الاحتفاء بمستوى من الأفلام الملحمية» فشلت على نحو ذريع.
لكنها ما زالت أفضل بعدة أميال فضائية من النسخة الحاضرة التي ستزور معظم الصالات العربية خلال الأيام القليلة المقبلة. رغم الاستعانة بتمثيل وصوت مورغن فريمان في الفيلم الجديد، إلا أنه أقرب لأن يكون الجوهرة الوحيدة اللامعة بين الممثلين المتوفرين، بمن فيهم جاك هيوستون في دور بن حور. المشاهد مبنية في الأساس على نص جيد يحتوي على طرح درامي جيد للمواقف، لكن تنفيذها يمارس أقسى ما يمكن أن يتعرّض إليه نص من سوء المعاملة.
المونتاج الذي رغب به المخرج لفيلمه يشبه آلة فرم اللحم حيث المشاهد تتكوّم في لقطات من ثوانٍ قليلة مصحوبة بتلك الإيقاعات المختلفة، أبرزها ضرب طبول سمعناه في أفلام ضخمة أخرى (قرع طبل يتردد عدّة مرات وبسرعة متزايدة كلما اقتربت اللحظة المرئية من ذروة ما).

* آلة فرم
أما الفصل المنتظر، ذلك الذي يدور في حلبة السباق ذاتها، والذي نراه بكل خلجاته وإثارته في نسختي 1925 و1959، فعولج بطريقة المزيد من حشد اللقطات السريعة والانتقال من رأس إلى رأس ومن حصان إلى حصان ومن دولاب عربة إلى دولاب عربة أخرى. بما أن الجهد الأكبر لكل هذا يقع في غرف الاستوديوهات التي تقوم بأكثر من نصف مهام التصميم وتتدخل في التصوير لتضيف إلى الجزء الحي منه ما يناسب من تفاصيل، فإن روح العمل مفقودة تمامًا. حين المقارنة بين هذا الفصل وذاك الذي في فيلم بيلي وايلدر يجد المطلع بعدًا شاسعًا ليس فقط على صعيد اختلاف مفهوم العمل (التصوير الحي والمجهد في مقابل شذرات المؤثرات المبرمجة على الديجيتال اليوم)، بل أساسًا في كيف كان صنع الأفلام يتم في تلك الحقبة الرائعة من تاريخ السينما. البذل الشديد في إحياء السباق على نحو واقعي. توزيع اللقطات غير الخادعة وتوفير مشاهد تبقى ثابتة وقوية الإيحاء من دون أن تضطر إلى اللهاث عبثًا.
هناك عقل وراء التنفيذ في السابق، وقلب مشاهد يعلو ويهبط تبعًا لما يتم تصويره (تكفي الإشارة إلى لقطات تعرّض عربة بن حور إلى منشار لولبي ثابت في عربة ميسالا التي قد تعرض بن حور لحادثة، ثم المشهد الذي تنقلب فيه عربة ميسالا وتجرّه العربة تحتها). فن في صناعة المشاهد كما يجب أن تُصنع فعلاً ما يجعل المشاهد شريكا فيما يدور عوض أن يكتفي بالفرجة الباردة ويخرج من الفيلم من دون أن يستفيد منه شيئًا.
حتى نسخة 1925 لها جمالياتها وقدراتها النافذة على صعيدي الفن والصنعة ذاتهما. هذا مع العلم بأنه لم يكن مشروعًا سهلاً على الإطلاق. ففي عام 1924 تم تأسيس شركة سينمائية كبيرة باسم «مترو - غولدوين - ماير» (نسبة لثلاث شركات أصغر) و«بن حور» كان الفيلم الأكبر التي في جعبتها. عندما بوشر بتصويره في منتصف العام ذاته، اكتشفت الشركة أن الفيلم، الذي انتقل إلى إيطاليا لتصوير مشاهده الخارجية ومشهد الميدان الشهير، يعاني من فوضى العمل. فانبرى المنتجان لويس ماير وإرفينغ ثولبيرغ لإنقاذه بالتوجه إلى إيطاليا، وطرد المخرج المنتدب تشارلز برابِن، واستبدال الممثل الذي كان عين للعب دور بن حور (جورج وولش)، وتعيين فرد نابلو مخرجًا ورامون نوفارو ممثلاً. كذلك تم التخلي عن كثير من المشاهد التي تم تصويرها.
في تلك الأثناء، سقط ثولبيرغ بنوبة قلبية وعاد بعدها إلى هوليوود، وتعرض ماير إلى إصابة ما استوجب خلع كل أسنانه، ولم ينقذ الفيلم سوى المخرج فرد نابلو الذي لم يسبق له أن عالج فيلمًا بهذا الحجم من قبل ولا في ظروف سياسية مناوئة، إذ شهدت الفترة صعود الفاشية ومعارضتها تصوير الفيلم، ثم ظهور مشكلات متعددة بين الفنيين والعمال والممثلين الثانويين الإيطاليين الموالين للفاشية وأولئك المعارضين لها. بميزانية قدرها نحو 4 ملايين دولار اعتبر الفيلم أغلى فيلم صامت في التاريخ.
لكن الفيلم نجا بوضوح من كل هذه الكبوات، ويومها لم تكن تأسست جائزة الأوسكار وإلا لنال الفيلمَ حظ منها.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».