الأسرى الفلسطينيون.. الجرح المفتوح

مليون جربوا الاعتقال منذ 1967.. سلاحهم «الصمود» و«الإضرابات»

الأسرى الفلسطينيون.. الجرح المفتوح
TT

الأسرى الفلسطينيون.. الجرح المفتوح

الأسرى الفلسطينيون.. الجرح المفتوح

إذا عرفنا أن إسرائيل اعتقلت منذ احتلالها للضفة الغربية عام 1967 وحتى الآن ثلث الشعب الفلسطيني، فهذا يعني أن كل عائلة في فلسطين تقريبا جربت هذه الاعتقالات التي طالما كانت وما زالت طقسا يوميا تمارسه قوات الاحتلال من ضمن إجراءات أخرى كثيرة في صراع وجودي مختلف.
والحقيقة أن كلمة «الاعتقال» تختصر مسارا طويلا صعبا وشاقًا، يبدأ بالرعب الذي تمارسه القوات الإسرائيلية أثناء العملية التي تتم عادة منتصف الليل، مع كل ما يتبعها من ترويع كبير للآمنين، مرورا بالضرب والإهانات والتحقيق والتنقل المذل وجلسات المحاكم وظروف الاعتقال والزيارات والحرمان والعزل والزنازين والإضرابات عن الطعام حتى الموت أو الحرية.
على مدار أكثر من 5 عقود، لم يقل عدد الأسرى الفلسطينيين عن آلاف تزيد وتنقص بحسب الوضع الأمني في البلاد، ولكن ولا في مرة واحدة حتى مع توقيع «اتفاق أوسلو» فرغت السجون من ساكنيها، وهو المطلب الذي تضعه السلطة الفلسطينية اليوم كشرط أساسي من بين شروط أخرى لتوقيع اتفاق سلام نهائي.
صحيح أن السلطة الفلسطينية من جهة وحركة حماس من جهة ثانية نجحتا في تخليص أسرى باتفاقات سلام أو صفقات تبادل، ولكن الأعداد التي تناقصت سرعان ما تزايدت بفعل الانتفاضة الأخيرة. وتشير تقارير فلسطينية رسمية أن العامين الأخيرين 2015 و2016 كانا الأسوأ منذ نحو 17 عاما، أي بالضبط إذا تجاوزنا فترة الانتفاضة الثانية عام 2000.

اغتيال سياسي
يلخص عيسى قراقع، رئيس هيئة شؤون الأسرى، الحرب المحمومة في العامين الأخيرين على الأسرى الفلسطينيين بوصفه ما يتعرض له الأسرى بـ«اغتيال سياسي». ويقول قراقع إن ما «يجري على ساحة السجون والمعسكرات الإسرائيلية هو اشتباك قاس وصعب ومؤلم، بل هو أكثر من عدوان على الأسرى وكرامتهم وحقوقهم، إنها محاولة إسرائيلية رسمية لصهر الأسرى نفسيا وجسديا وقانونيا في فرن الفاشية الإسرائيلية المتنامية والتي تضرب بجنونها في كل مكان».
ويرى قراقع أن الحكومة الإسرائيلية المتطرفة وضعت قضية الأسرى هدفًا هجوميًا على مستويات مختلفة:
الأول، هو حملة الاعتقالات المحمومة والشاملة التي تحوّلت إلى عقاب جماعي للشعب الفلسطيني والتي تركّزت على الأطفال القاصرين، حيث وصلت حالات الاعتقال منذ بداية عام 2016 إلى 3000 حالة اعتقال، ومن كافة فئات الشعب الفلسطيني.
والثاني، هو المستوى السياسي الذي أعطى الضوء الأخضر لإجراءات قمعية ومشددة تجاه الأسرى، بغطاء ديني من خلال فتاوى إسرائيلية مفعمة بالكراهية والعداء للأسرى.
والثالث، هو المستوى التشريعي، عبر تحويل الكنيست الإسرائيلي إلى ورشة عمل عنصرية في تشريع قوانين ضد حقوق الأسرى وضد القانون الدولي الإنساني، كقانون اعتقال أطفال في أعمار 12 عاما ورفع الأحكام بحقهم، وقانون التغذية القسرية بحق الأسرى المضربين، وقانون السماح بتعذيب المعتقلين، وقانون الاعتقال لمجرد الاشتباه.
والرابع، هو القضائي، ويتمثل من خلال الاعتقالات التعسفية وإصدار أوامر اعتقال إداري دون أمر قضائي ودون محاكمة أو لائحة اتهام، وتوسيع نطاق الاعتقال الإداري ليشمل نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، واعتقال النواب والنشطاء السياسيين والصحافيين، واعتقال أطفال إداريا، وتجديد الاعتقال عدة مرات.
والخامس، وهو الإنساني، حيث تشهد السجون عملية انقضاض واسع على حقوق الأسرى والمساس بكرامتهم الإنسانية، ونزع الصفة الآدمية عنهم، ومن خلال سياسة الاعتداء عليهم باقتحام متواصل لغرفهم وأقسامهم والتنكيل بهم وإذلالهم ونقلهم تعسفيًا. وكذلك من خلال العزل الانفرادي حيث يقبع 19 أسيرا في العزل بعضهم منذ 3 سنوات، والحرمان من الزيارات والكنتين وفرض الغرامات الفردية والجماعية، والإهمال الطبي وعدم تقديم العلاجات اللازمة للأسرى المرضى والجرحى وغيرها من الانتهاكات التعسفية.

اعتقالات محمومة في الانتفاضة
وتشير الإحصاءات الرسمية الفلسطينية إلى اعتقال إسرائيل منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي أي بدء الانتفاضة نحو 4800 مواطن، منهم نحو 1400 طفل وقاصر غالبيتهم من محافظتي القدس والخليل. ورفع هذا الرقم المهول عدد الأسرى في غضون فترة قصيرة إلى 7000 أسير يقبعون اليوم في 22 سجنًا ومركز توقيف وتحقيق إلى جانب معتقلي «عتصيون» و«حوارة» التابعين للجيش، بينهم 30 أسيرا قديما، و70 أسيرة، وأكثر من 400 طفل و750 أسيرًا «إداريا».

الأسرى القدامى
من بين الـ7000 يوجد 30 يطلق عليهم اسم «الأسرى القدامى»، وهو مصطلح يعني الأسرى الذين اعتقلهم الاحتلال منذ ما قبل توقيع «اتفاقية أوسلو» عام 1993. ورفضت إسرائيل الإفراج عنهم حتى مع توقيع «السلام» المأمول. وكانت إسرائيل أفرجت عام 2013 عن ثلاث دفعات ضمن استئناف مسار المفاوضات لكنها ألغت الإفراج عن الدفعة الرابعة في مارس (آذار) 2014. والتي تتضمن الأسرى الـ30. وأقدمهم الأسيران كريم يونس وماهر يونس من الأراضي المحتلة عام 1948، كما يطلق هذا المصطلح على الأسرى الذين قضوا أكثر من (20) عامًا في سجون الاحتلال. أما بالنسبة للأسيرات فيصل عددهن اليوم إلى 70 أسيرة في سجون الاحتلال، من بينهن 17 فتاة قاصر، وأقدمهن الأسيرة لينا الجربوني من عرب الداخل 1948. وأما عن الأسرى الأطفال والقاصرين (دون 18 سنة) فقد وصل عددهم في سجون الاحتلال إلى 400 موزعين على سجني «مجدو» و«عوفر».
ويقول تقرير لهيئة شؤون الأسرى إنهم جميعا تعرضوا خلال فترة اعتقالهم لأساليب متنوعة من التعذيب والإهانة والمعاملة القاسية، وذلك منذ لحظة إلقاء القبض عليهم والطريقة الوحشية التي يتم اقتيادهم بها من منازلهم في ساعات متأخرة من الليل، إضافة إلى المعاملة المهينة والمذلة التي يتعرضون لها أثناء نقلهم للمعتقلات أو مراكز التحقيق، هذا عدا عن الأساليب القاسية وممارسة التعذيب بحقهم، ويشار إلى أن الكثير من القاصرين انتزعت منهم الاعترافات بالقوة والتهديد، وحكموا غيابيًا.

انتهاكات بحق المعتقلين
وتوثق تقارير فلسطينية متخصصة عدة أساليب للتنكيل والتعذيب تتبعها إدارة مصلحة سجون الاحتلال وقوّات قمع السّجون بحقّ الحركة الأسيرة في السجون، منذ الاعتقال ومرورا بالتحقيق والتوقيف، وخلال التحقيق معهم، ثم لدى نقلهم إلى المحاكم والمستشفيات عبر عربة تسمى «البوسطة» وتشكل وحدها محطة إذلال نفسي وجسدي كبير. إذ يقضي الأسرى داخل غرف ضيقة حديدية في عربة نقل ساعات طويلة تحت حر شديد أو برد شديد من دون أن يتمكن أحد منهم من الحركة أو قضاء الحاجة أو طلب شربة ماء.
وتتنوع الانتهاكات بحق الأسرى، بين الحرمان من العلاج والأدوية، والاقتحامات الليلية المفاجئة والنقل التعسفي بين السّجون والأقسام، وحرمان الأسرى من الدرجة الأولى للقرابة من التجمع في نفس السجن في بعض الحالات، والاعتداء على الأسرى بالضرب وإطلاق قنابل الغاز بين الأقسام والغرف المغلقة، وإطلاق الرصاص في الساحات، إضافة إلى حرمان بعض الأهالي من الزيارة ووضع حاجز زجاجي بين الأسير وعائلته خلال الزيارة، وفرض عقوبات العزل ودفع الغرامات المالية وقطع الإمدادات الكهربائية والمائية عنهم.
أيضًا تشير التقارير القانونية إلى أن ما نسبته 95 في المائة من مجمل المعتقلين تعرضوا للتعذيب القاسي والإساءة من قبل المحققين والجيش الإسرائيلي. ويشمل التعذيب صنوفًا مختلفة، مثل الضرب والاعتداء بشكل وحشي وهمجي على الأسرى أثناء اعتقالهم وقبل نقلهم إلى مراكز التحقيق والتوقيف، بالإضافة إلى إجبارهم على خلع ملابسهم وتركهم لساعات طويلة في البرد القارس وهم مكبلو الأيدي والأرجل وحرمانهم من استعمال المراحيض.
وعند وصول الأسرى إلى أقبية التحقيق ومراكز التوقيف المنتشرة في إسرائيل، فإنهم يتعرضون لتحقيق قاسٍ، والحرمان من النوم والشبح المتواصل والحرمان من لقاء المحامي، إضافة إلى هدم منازل العشرات منهم ومعاقبة أسرهم باعتقال الزوجة والأم في محاولة لإجبار الأسرى على الاعتراف، إضافة إلى العزل في زنازين انفرادية لمدة طويلة.

نهج الإضرابات
«الأسرى الإداريون» هم الأسرى الذين زج بهم إلى السجن من دون محكمة وبلغ عددهم في سجون الاحتلال ما يقارب (750) أسيرًا إداريًا. وتستند قرارات الاعتقال الإداري إلى ما يسمى «الملف السري» الذي تقدمه أجهزة المخابرات الاحتلالية. وتتراوح أحكام الاعتقال الإداري ما بين شهرين وستة شهور قابلة للتمديد، يصدرها القادة العسكريون في المناطق الفلسطينية المحتلة بشكل تعسفي مستندين إلى الكثير من الأوامر العسكرية، وطال هذا الاعتقال جميع فئات المجتمع الفلسطيني، حيث إن الكثير من الأسرى الإداريين هم من الأطباء والمهندسين والأساتذة والصحافيين وكذلك نواب في المجلس التشريعي. وهذا النوع من الاعتقال بدأ يواجه بتمرد كبير سلاحه الوحيد الإضراب عن الطعام. ولقد نجح أسرى سابقون في إنهاء الاعتقال الإداري بحقهم متسلحين بالإضراب عن الطعام، بينهم خضر عدنان ومحمد القيق.
وقال خضر عدنان، الذي أضرب 67 يوما عن الطعام بشكل فردي، مفتتحا معركة الإضرابات الأخيرة: «الإضراب سلاحنا الوحيد». ويتحدث عدنان من واقع تجربة شخصية وفريدة ومهمة؛ فهو أول فلسطيني يضرب بشكل فردي وليس جماعيا، بالإضافة إلى أن إضرابه كان مختلفا ومفاجئا للإسرائيليين، فقد أضرب مطالبا بالحرية، وليس تحسين ظروف الاعتقال كما تعود الإسرائيليون.
وقال عدنان لـ«الشرق الأوسط»: «قررت أن أضرب بحثا عن الحرية»، وأضاف: «قلت إنه يجب وقف سياسة الاعتقالات وإفشالها ومنع الإسرائيليين من مواصلة هذا الصلف والإرهاب والهمجية في الاعتقال والتحقيق». وتابع: «لقد كانوا همجيين معي واستخدموا ألفاظا سيئة في التحقيق وألحقوا بي أذى نفسيا». وأردف: «لقد كان إضرابا من أجل الانتصار لكرامتي وكرامة شعبي، وضد الاعتقال الإداري الذي عانيت منه مرارا». وبهذا الإضراب الذي نجح بعد معاناة طويلة، تحول عدنان إلى رمز لمقاومة الاعتقال، ونجح في جر آخرين إلى مربع المواجهة هذا.
وأضربت بعده الأسيرة هناء شلبي وثائر حلاحلة وبلال ذياب ومحمود السرسك ومحمد القيق وبلال الكايد ومحمد ومحمود البلبول وآخرون في توجه على انتشار الاعتقال الذي يتم استنادا إلى أمر إداري فقط، من دون حسم قضائي، ومن دون لائحة اتهام ومن دون محاكمة.
وهنا توضح منظمة «بيتسيلم» الإسرائيلية أن الطريقة التي تستعمل بها إسرائيل «الاعتقال الإداري» تتناقض بصورة فظة مع القيود القانونية الدولية؛ إذ يتم القيام بالاعتقال الإداري في إسرائيل تحت غطاء كبير من السرية بحيث لا يتيح للمعتقلين أن يرتبوا لأنفسهم دفاعا لائقا. وقد احتفظت إسرائيل خلال السنوات الماضية بآلاف الفلسطينيين المعتقلين إداريا بصورة مستمرة دون تقديمهم للمحاكمة، ودون الإفصاح لهم عن التهم الموجهة لهم، ودون السماح لهم أو لمحاميهم بمعاينة المواد الخاصة بالأدلة. والقانون الإداري هو قانون الطوارئ البريطاني لعام 1945 ويعني اعتقال فلسطينيين والزج بهم في السجن من دون محاكمات أو إبداء الأسباب، لفترات مختلفة قابلة للتجديد تلقائيا.

التدويل كسلاح أخير
مع توجه الفلسطينيين إلى تدويل قضيتهم في الأعوام الأخيرة ترتفع الأصوات عاليا لتدويل قضية الأسرى على نحو خاص باعتبار ما يرتكب داخل السجون يرقى إلى جريمة حرب.
وفي حين أكد أمين سر اللجنة التنفيذية لـ«منظمة التحرير» الدكتور صائب عريقات أن «قضية الأسرى تشكل ركيزة أساسية لأي حل عادل وشامل في المستقبل، لما تمثله من اعتبارات سياسية وحقوقية وإنسانية»، وأطلقت وزارة الخارجية التعميم على سفارات دولة فلسطين في العالم، بضرورة تصعيد الفعاليات التضامنية مع الأسرى الإداريين المضربين عن الطعام، وفي مقدمتهم الأسير بلال كايد الذي دخل إضرابه عن الطعام شهره الثالث، والأخوان بلبول ووليد مسالمة وغيرهم، وطالبت الوزارة باستمرار التواصل مع مراكز صنع القرار والرأي العام في البلدان المضيفة، من أجل فضح الممارسات الإسرائيلية القمعية بحقهم، وشرح معاناتهم، والمطالبة بممارسة الضغوط على دولة الاحتلال للإفراج الفوري عنهم، لا يبدو هذا كافيا للكثيرين.
وهنا يشرح قراقع: «أعتقد أن المطلوب لحماية الأسرى من الاستهداف الإسرائيلي ووقف مخطط اغتيالهم سياسيا وقانونيا أن تدعو القيادة الفلسطينية الدول الأعضاء في (اتفاقيات جنيف) للانعقاد سريعا لإلزام إسرائيل باحترام هذه الاتفاقيات وتطبيقها على الأراضي المحتلة وعلى الأسرى. وكذلك الضغط على هيئة المحكمة الجنائية الدولية للإسراع في فتح تحقيقات حول مخالفة إسرائيل لميثاق روما والقانون الدولي وارتكابها جرائم ضد الإنسانية في تعاملها مع الأسرى والتوجه إلى المحكمة الدولية في لاهاي لاستصدار فتوى قانونية حول المركز القانوني للأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال ومسؤولية إسرائيل كسلطة محتلة تجاههم، والتمسك سياسيا بإطلاق سراح الأسرى كجزء أساسي وثابت في أي تسوية سياسية عادلة في المنطقة».
وحتى ينطبق ذلك إذا نجح أو تقوم الدولة الفلسطينية، سيسجن كثيرون آخرون ويجربون شتى أصناف القهر والحرمان في معركة لا تنتهي، شعارها الذي يحفظه جميع الأسرى وذووهم وأبناؤهم وأصدقاؤهم وبقية الفلسطينيين: «لا غرفة التوقيف باقية.. ولا زرد السلاسل.. نيرون مات.. ولم تمت روما.. بعينيها تقاتل.. وحبوب سنبلة تموت.. ستملأ الوادي سنابل».

أبرز السجون والمعتقلات ومراكز التوقيف
* سجن بئر السبع: وهو سجن كبير يتضمن أربعة سجون كل واحد منها منفصل عن الآخر وهي «اوهلي كيدار» و«ايشيل» للسجناء الأمنيين، وسجن «ديكل» وآخر للسجناء الجنائيين، وهذه السجون الأربعة تتسع لمئات المعتقلين.
- سجن عسقلان: أنشئ في عهد الانتداب البريطاني كمقر لقيادة الجيش البريطاني في عسقلان. وافتتحته إسرائيل عام 1970، وشهد افتتاحه تنكيلاً بالأسرى الفلسطينيين.
* سجن الرملة: أنشئ سرايا الرملة عام 1934 إبان الانتداب البريطاني على فلسطين. وبعد إعلان دولة إسرائيل عام 1948 تحول إلى مركز للجيش الإسرائيلي. وفي عام 1953 تم تخصيص جزء من السرايا كسجن للفدائيين الفلسطينيين، ثم حولت السرايا بكاملها في عام 1967 إلى سجن مركزي للجنائيين اليهود إضافة إلى الأسرى الفلسطينيين وخصوصًا من منطقة القدس.
* سجن النقب: افتتح هذا السجن أول مرة عام 1988 حين زاره أكثر من 50 ألف معتقل فلسطيني إلى أن أغلق عام 1995. ثم أعيد افتتاحه مع اندلاع أحداث انتفاضة الأقصى عام 2000، حيث يقع على بعد نحو 180 كلم جنوب مدينة القدس وعلى 10 كم شرق الحدود المصرية.
* سجن عوفر: أنشئ هذا السجن على أراضي بيتونيا، غربي مدينة رام الله بالضفة الغربية. ويعيش في كل خيمة من خيامه 30 أسيرًا يعانون من نقص الطعام والملابس وسوء الرعاية الصحية فضلاً عن انقطاع السجناء تمامًا عن العالم الخارجي.
* سجن جلبوع: يقع في شمال فلسطين أُنشئ حديثًا بإشراف خبراء آيرلنديين وافتتح في العام 2004 بالقرب من سجن شطة في منطقة بيسان. ويعد السجن ذا طبيعة أمنية مشددة جدًا، ويوصف بأنه السجن الأشد حراسة.
* سجن نفحة: يعد هذا المعتقل، الذي يبعد 100 كلم عن مدينة بئر السبع في صحراء النقب، من أشد السجون الإسرائيلية قسوة، وقد استحدث هذا السجن خصيصا للقيادات الفلسطينية من المعتقلين في مختلف السجون بغرض عزلهم عن بقية السجون الأخرى.
* سجن الدامون: بني هذا السجن منذ زمن الانتداب البريطاني كمستودع للدخان، وروعي في بنائه توفير الرطوبة لحفظ أوراق الدخان. وبعد عام 1948 وضع الكيان الإسرائيلي يده عليه وحوله إلى سجن، حيث يتسع لـ300 معتقل فقط، في حين تضع سلطات الاحتلال أعدادا أكبر من ذلك فيه.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.