أهالي طرابلس يتهمون السياسيين باستخدامهم وقودا في معاركهم ويرحبون بعودة الأمن

المحكمة العسكرية تدعي على رفعت عيد.. والجيش يسيطر كليا على طريق رابط بين عرسال والهرمل

آليات الجيش اللبناني لدى انتشارها في حي باب التبانة في طرابلس (أ.ب)
آليات الجيش اللبناني لدى انتشارها في حي باب التبانة في طرابلس (أ.ب)
TT

أهالي طرابلس يتهمون السياسيين باستخدامهم وقودا في معاركهم ويرحبون بعودة الأمن

آليات الجيش اللبناني لدى انتشارها في حي باب التبانة في طرابلس (أ.ب)
آليات الجيش اللبناني لدى انتشارها في حي باب التبانة في طرابلس (أ.ب)

الطريق إلى باب التبانة سالك، لا قناصة يصطادون المارة، ولا مسلحون يتهددون المدنيين. المحلات في «شارع سوريا» الفاصل بين المنطقة (ذات الغالبية السنية) وجبل محسن (ذات الغالبية العلوية) فتحت أبواب بتثاقل. القذائف والرصاص أتى على كل مبنى، لم يبق شيء سالما هنا. الأهالي لا يزالون تحت صدمة انتهاء المعارك بسرعة مباغتة. وعند سؤال أحدهم عن الخطة الأمنية التي بدأ تنفيذها الثلاثاء الماضي، بعد سبع سنوات من الاقتتال المذهبي بين المنطقتين، وهروب المسلحين من الطرفين، يجيب مستنكرا: «اسألوا السياسيين: لماذا سمحوا بـ20 جولة من المعارك؟ هم يورطون الشعب في القتال، وهم الذين يوقفون المعارك حين يريدون».
في المقابل، يصف أبو عماد ما حصل بـ«مجرد هدنة»، ويرى أن «الحرب توقفت من أجل انتخاب رئيس للجمهورية، والجولة المقبلة آتية. تتحلّق مجموعة من الشبان يقولون إنهم شاركوا مع أبو عماد في القتال، معظمهم أصيبوا في المعارك، ويتفقون على أنه لم يكن أمامهم أي خيار آخر».
يقول محمود فخر الدين (16 سنة)، المصاب في رأسه: «في الجولة ما قبل الأخيرة، أصبت بقذيفة ضربت شريانا أساسيا في رجلي، ولا أزال أخضع للعلاج»، مضيفا: «تعبنا ونريد أن نرتاح». شاب آخر يرفع قميصه ليرينا ثلاث رصاصات اخترقت بطنه، ويقول: «لم يهتم لأمري أحد، خضعت لثلاث عمليات، ماذا استفدت من كل هذا الهراء». بلال السماك فقد عينه، ولا تزال الآثار بالغة في صدره. مصطفى (20 سنة) حين نسأله عن مستقبله، يجيب: «مستقبل فاشل. نريد عملا. لو كانت لي وظيفة لتزوجت، وأنجبت أولادا، ألاعبهم بدل أن أحارب».
أكثر من 15 شابا في مقتبل العمر يقولون إنهم بلا عمل، بينهم من افتتح محلا في باب التبانة، ثم عاد وتوقّف عمله منذ سنوات بسبب المعارك. آخرون طردوا من وظائفهم، لأن القنص يمنعهم من الوصول إلى مقر عملهم. يقول أحد الشبان: «بات الناس يرفضون توظيفنا بمجرد أن يعرفوا أننا من أبناء باب التبانة»، ويتساءل: «لماذا ليس عندنا شوارع مثل بيروت؟ لماذا لا يريدوننا أن نفرح؟».
يتكرر الكلام على ألسنة الشباب حول انتزاع السوريين النازحين لفرص عمل الشباب في طرابلس، وإلى تسبّبهم في غلاء الإيجارات. أصبح الزواج مستحيلا. يعلق أبو عماد: «النازحون السوريون يعيشون كل ست عائلات في بيت واحد، ويتقاسمون الأعباء. نحن لا نستطيع ذلك. أصبحت البيوت محرّمة علينا».
تمر سيدة بالقرب من الشباب يقولون إن ابنتها قُتلت في المعارك، فتلوح المرأة بيدها متأففة، لا تريد التعليق على شيء.
النقمة على السياسيين كبيرة هنا. الجميع يشتكي أن أولادهم لا يذهبون إلى المدرسة، 75 دولارا في السنة للطفل الواحد بدل تسجيل لا يستطيعون دفعها. يقولون إن 15 في المائة فقط يتعلمون، والباقون في الشوارع. يقول شاب: «ولماذا نتعلم، سياسيونا يوظفون من يحسبون عليهم فقط، ونحن لسنا منهم. الشهادات لم تعد تنفع. ومن هم مسجلون في المدارس يقضون أياما كثيرة من السنة في منازلهم بسبب المعارك».
جمال شقره، يملك محل كومبيوتر مقابل جبل محسن، يدخلنا إلى دكانه لنرى آثار الرصاص التي اخترقت الكومبيوترات، يقول: «هنا، مات طفل عمره 11 سنة كان يلعب، حين باغتنا الرصاص، أخرجناه من شباك خلفي لننقله إلى المستشفى».
رغم الشكوى العارمة حين تكون بين الجموع، لا يخفي الأهالي ارتياحهم لانتهاء الكابوس. ويقول أحد التجار: «معايشة المسلحين كارثة. لقد حولوا حياتنا إلى جحيم. صاروا أخطر علينا من مسلحي جبل محسن». ويتابع: «المجرمون بينهم، الذين كان مطلوبا توقيفهم، فعلوا المستحيل لجعل المعارك لا تتوقف. الذين اختفوا لا يتجاوزون الـ70 شخصا على ما اعتقد. هؤلاء هم الأخطر. حتى المقاتلون أصابهم الملل في الجولات الأخيرة، فهم الناس أننا في دوامة عبثية رخيصة».
يؤكد هذا التاجر الذي واكب كل جولات القتال، ولم يحمل سلاحا قائلا: «قادة المحاور كانوا يستفيدون من الأموال التي تُغدَق عليهم، ويوزعون بعضها على مقاتليهم. لكن هذا ليس حال أغلبية من حمل السلاح، واضطر أحيانا لشراء الذخائر من جيبه. هناك من لجأ لفرض (الخاوّات) على المحلات التجارية ليجمع مالا، ويشتري السلاح ويشكل مجموعته الخاصة المقاتلة». ويضيف: «في نهاية المطاف صارت المعارك تدور بسبب مصالح شخصية لمجموعة محدودة من الناس».
ثمة تأكيدات اليوم أن المقاتلين كانوا دائما من أبناء المنطقة، نادرا ما كانت تأتي مجموعات صغيرة من الخارج، لشهوة إطلاق الرصاص. المقاتلون الصغار يقولون إن السلاح كان يأتيهم على دفعات، وبالقدر الذي يحدده المصدر. ليلة انتشار إشاعة وفاة رئيس الحزب العربي الديمقراطي علي عيد من جبل محسن، اشتعلت طرابلس بالرصاص والقذائف ابتهاجا. قيل إن مليون دولار صُرفت تلك الليلة على الأسلحة. يعلق أحد الشباب قائلا: «أتوا لنا برصاص كثير وقذائف بأعداد هائلة، قالوا لنا عليكم أن تستنفدوها هذه الليلة، وفعلنا. بدأنا بإطلاقها حتى انتهينا منها».
في جبل محسن بدأت تدب الحياة. يتنفس الأهالي الصعداء، متمنين أن لا تكون الوعود وهما، على الرغم من قرار مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر، أمس، الادعاء على 12 شخصا، بينهم رفعت عيد، رئيس الحزب العربي الديمقراطي، المسيطر على المنطقة، وذلك بجرم الانتماء إلى تنظيم إرهابي مسلح يهدف إلى القيام بأعمال إرهابية والاشتراك في أحداث طرابلس وحيازة أسلحة وإثارة النعرات المذهبية والطائفية.
تتحسر أم علي على أيام كان العلويون يسكنون في باب التبانة. تقول: «جبل محسن ولد بالصدفة، صارت العمارات تبنى على طرف باب التبانة لقلة المساحات هناك، وتتسع رقعة المعمار على هذا الجانب، ويأتي العلويون ويسكنون في المنطقة. وبقي كثيرون في باب التبانة يسكنون ويعملون. بعض مَن لهم محال تجارية ذهبوا إليها الآن يتفقدونها، لأول مرة منذ أربع سنوات».
البعض يشعر بالضيم لمغادرة علي ورفعت عيد، زعيمي جبل محسن، لكن ثمة أيضا من يقول: «هذا لن يغير شيئا. في الفترة الأخيرة، لم يكن رفعت عيد يوجد كثيرا في الجبل. نحن نعرف أنه غالبا ما يكون غائبا حين تندلع الاشتباكات، كان يذهب إلى بلدة حصرون ويقيم هناك. الناس هم من يعانون، كان لا بد من تخزين الطعام باستمرار، والعيش على الأرز والخبز والمعلبات خلال فترة المعارك، لأن دخول الخضار والفواكه إلى الجبل يتوقف، تماما».
وفي سياق متصل، تمكّن الجيش اللبناني من بسط سيطرته بشكل كامل على طريق يربط بين عرسال والهرمل قرب الحدود السورية. وأفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأن عناصر حزب الله اعتادوا تفتيش السيارات المارة بذلك الطريق بحثا عن الأسلحة والسيارات المفخخة.
وأكد وزير الداخلية نهاد المشنوق أنه «لم يعد هناك أي حواجز غير رسمية على طريق عرسال، وأن كل القوى المسلحة غير الرسمية لم تعد موجودة على الطرقات في منطقة بعلبك - الهرمل».
وقال إنه «سيُطرح في جلسة مجلس الوزراء يوم الثلاثاء المقبل، ضرورة فتح الطريق إلى قرية الطفيل اللبنانية، وهي قرية لا يستطيع اللبنانيون الوصول إليها، إلا من داخل سوريا، وعدد سكانها 4300 مواطن، ويبلغ طول الطريق 23 كيلومترا في الجبال على الحدود اللبنانية - السورية».



«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

TT

«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

يقترب ملف نزع سلاح حركة «حماس» من تطور جديد يمكن أن يساعد في فك أكثر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تعقيداً، مع تسريبات أميركية عن مقترح جديد يستهدف حلاً تدريجياً يشمل إخراج العتاد الثقيل من الخدمة فوراً.

المقترح الذي لم يخرج إلى إطاره الرسمي بعدُ، ولم يتحدث عنه الوسطاء أو «حماس»، يعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه قد يكون حلاً مناسباً شريطة أن تكون هناك ضمانات خاصة أميركية لتنفيذه وعدم انقلاب إسرائيل عليه، مشيرين إلى أنه بخلاف الضمانات الأميركية ستكون الضمانات على أرض الواقع أهم؛ مثل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار قوات الاستقرار الدولية وقوات الشرطة الفلسطينية.

وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الأربعاء، بأن واشنطن تعد مقترحاً جديداً موجهاً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح لها بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى، وسيُقدَّم هذا المقترح خلال أسابيع.

مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

وحسب «نيويورك تايمز»، تهدف الخطة إلى إخراج الأسلحة الثقيلة من الخدمة فوراً، مع تسجيل الأسلحة الشخصية، ونقل مسؤولية الأمن إلى الإدارة الفلسطينية الجديدة في القطاع، فيما تتمسك إسرائيل بنزع سلاح «حماس» قبل أي انسحاب لقواتها من غزة، وتُصرّ الحركة على عدم التخلي عن أسلحتها دون ضمانات ملموسة تشمل دمج جهاز شرطتها ضمن الهيكل الأمني والإداري للقطاع.

ويأتي المقترح الذي سربته الصحيفة الأميركية بعد يومين من رفض القيادي البارز بـ«حماس»، خالد مشعل، في منتدى بالدوحة، الأحد، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي».

ودعا مشعل «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» قبيل اجتماعه المرتقب يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، فيما أعلنت رئاسة الوزراء الإسرائيلية أن نتنياهو وقَّع، خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، على عضوية الانضمام «لمجلس السلام» في غزة قبل لقاء الرئيس دونالد ترمب.

فلسطينيون يركبون على ظهر عربة تجرها سيارة في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد سمير راغب أن هذا المقترح قد يكون مقبولاً فلسطينياً ويعد حلاً واقعياً، لافتاً إلى أن هذا القبول يأتي من منطلق استحالة نزع كل الأسلحة دفعة واحدة، خصوصاً في ظل حالة الفوضى وانتشار السلاح الخفيف بأيدي العامة، ووجود عدائيات ضد «حماس» لا سيما من الجماعات المدعومة من إسرائيل وهو ما يجبرها على الاحتفاظ بسلاح خفيف إلى حين وجود قوات أمنية رسمية ومسيطرة على القطاع بمهنية.

ولفت راغب إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استبق هذا المقترح وصرح برغبته في نزع 60 ألف قطعة سلاح خفيف من «حماس»، مما يعني أننا سنكون أمام جولة تتطلب ضغوطاً أميركية على إسرائيل لقبول هذا المقترح.

ونبه إلى أن المقترح قابل للتطبيق خصوصاً أن حركة «حماس» قد فقدت بالفعل الجزء الأكبر من سلاحها الثقيل، سواء بنفاد الذخيرة ببعض الأسلحة الثقيلة أو تدمير منظومة الصواريخ، والمتبقي لديها في الأغلب هو سلاح خفيف.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، أن هناك فرصة كبيرة لنجاح مخطط نزع السلاح تدريجياً، لأسباب أبرزها أن الإدارة الأميركية ستنزع أي مبرر لتعطيل المرحلة الثانية، وستعمل على وجود قوات الاستقرار، فضلاً عن أن «حماس» سوف تتمكن من تبرير مبدأ النزع لدى أنصارها الرافضين.

ويعتقد مطاوع أن إسرائيل تعيش عام انتخابات، وبالتالي نتنياهو وغيره سيصدرون تصريحات متشددة، وسيستغل نزع السلاح في هذا الأمر، لكن الموقف الأميركي وضغوطه حاسمة في هذا الاتجاه.

وفي الجانب الآخر، لا تزال إسرائيل تواصل عملياتها، وأعلن الجيش الإسرائيلي الأربعاء مقتل أحمد حسن، قائد كتيبة بيت حانون التابعة لحركة «حماس» في قطاع غزة، خلال عملية عسكرية شمال القطاع.

وفي ظل هذه الخروقات الإسرائيلية، يرى راغب أنه من الطبيعي أن تكون هناك ضمانات أميركية، والمضي في تنفيذ خطة السلام بإعادة الإعمار ونشر قوات الاستقرار الدولية التي من المفترض أن تكون مراقباً فاصلاً بين الطرفين لمدة عامين، لمنع أي اعتداءات إسرائيلية ومنع «حماس» من إحداث هجمات، مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع دون احتكاك.

وأوضح أن ذلك سيتم تحت رقابة قوات الاستقرار والشرطة الفلسطينية، وبالتالي لن تكون هناك فرصة لإعادة تسلح «حماس»، كما لن تكون هناك أسباب لعودة إسرائيل للحرب، خصوصاً أن كل شيء يمضي وفق خطة ترمب، مشيراً إلى أن تسليم السلاح يمثل بالنسبة لإسرائيل قضية رمزية تعني أنها نفذت أهداف الحرب، سواء كان جزءاً منها تم بالقوة أو آخر عبر التفاوض وتنفيذ مقترح ترمب.

ويعتقد مطاوع أن استمرار القصف شبه اليومي على غزة جزء من الملاحقة الساخنة التي تنتهجها حكومة نتنياهو ضمن سياق الانتخابات، والتأكيد على تنفيذ شروطها وأنها ستتوقف بعد نزع السلاح، لا سيما مع ضمانات مؤكدة من واشنطن في هذا الصدد لتهدئة المنطقة.


الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

TT

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

وضع رئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني، الدكتور شائع الزنداني، أولى إشارات تحرك حكومته بعد 24 ساعة من أدائها اليمين الدستورية، قائلاً إن وجهتها المقبلة ستكون عدن؛ وفي وقت قريب.

كما علل احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بأنه «لاستكمال العمل الذي بدأ»، مؤكداً أن «الانتقال إلى الداخل خطوة ضرورية لتفعيل الأداء»، وأضاف أن «الوجود في عدن يجب أن يرتبط بقدرة فعلية على إدارة الملفات؛ وأن الهدف إعادة انتظام المؤسسات».

جاء ذلك خلال حلقة خاصة من «بودكاست الشرق الأوسط»، سُجلت في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «SRMG» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» بالرياض.

تحدث الزنداني وبلاده في لحظة ضغط اقتصادي وتوقعات سياسية مرتفعة. وقال إن «المرحلة لا تحتمل خطاباً واسعاً، وإنما (تحتاج) عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة»، مشيراً إلى أن «تثبيت الإيقاع المؤسسي يسبق أي توسع في الأهداف».

تساؤلات الحكومة

تطرق الزنداني عن تشكيل حكومته، وأولوياتها، والعلاقة بالشركاء، ومستقبل المسار السياسي، وصولاً إلى قراءته الشخصية لمسار اليمن خلال نصف قرن من العمل العام.

تشكيل الحكومة جاء، حسب رئيسها، وفق معايير مهنية بحتة، مشيراً إلى أن «الاختيار اعتمد على المفاضلة بين الكفاءات والتخصصات والتجربة، بعيداً عن الإملاءات الحزبية». وقال إن الحكومة استقبلت سيراً ذاتية ولم تتلقَّ طلبات محاصصة، مضيفاً: «لم نتعامل مع الخلفيات السياسية بقدر ما ركزنا على القدرة على إدارة الملفات».

وأوضح أن العدد المعلن للوزراء لا يعكس بالضرورة حجم الحقائب الفعلية؛ إذ «الوزارات الحقيقية نحو 26، بينما وزراء الدولة جرى تعيينهم لمهام محددة؛ ولإشراك الشباب». وأشار إلى مراعاة التوازن الجغرافي والوطني، مؤكداً أن التمثيل الجغرافي كان حاضراً؛ «بهدف تنوع الدولة، لا توزيع المكاسب».

يرى الزنداني أن المواطن يمثل نقطة ارتكاز برنامج حكومته، قائلاً إن «الإنسان هو محط اهتمام الحكومة... تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي أولوياتنا».

وأشار إلى العمل على إعادة بناء المؤسسات وتعزيز الرقابة، مؤكداً أن ضعف البناء المؤسسي كان سبباً رئيسياً للاختلالات. وتحدث عن تحسن نسبي في بعض الخدمات، خصوصاً الكهرباء؛ بدعم سعودي، مضيفاً أن التحدي يكمن في استمرار الإصلاحات الاقتصادية وإدارة الموارد.

وفي ملف المحاسبة، قال إن توحيد القرار السياسي أتاح فرصة لتطبيق القانون، وزاد بالقول: «عندما تتوحد السلطة يصبح (الثواب والعقاب) ممكناً».

ويمتد حديث رئيس الحكومة إلى ما هو أبعد من توصيف الإجراءات التنفيذية، إذ يضع تشكيل حكومته في سياق أوسع يتعلق بإعادة تعريف علاقة الدولة بمجتمعها بعد سنوات من التآكل المؤسسي. فالحكومة التي تشكلت في ظرف استثنائي تسعى إلى إدارة الملفات اليومية، فضلا عن «إعادة تثبيت فكرة الدولة ذاتها في الوعي العام، من خلال انتظام الأداء، واستعادة الثقة، وفرض معيار الكفاءة في تولي المسؤوليات العامة».

هذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن أزمة اليمن لم تكن سياسية أو أمنية فحسب؛ «بل أزمة ثقة ممتدة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وهو ما يجعل إعادة بناء تلك الثقة مدخلاً لأي استقرار قابل للاستمرار».

تفعيل الرقابة

في الملف الاقتصادي، يتجنب الزنداني إطلاق وعود سريعة، ويفضل الحديث بلغة إدارة الموارد وإعادة ترتيب الأولويات، مشيراً إلى أن التعافي لا يمكن أن يتحقق عبر قرارات جزئية، بقدر ما يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة. ويرى أن ضبط الموارد، واستثمارها بفاعلية، هما الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة الداخلية واستقطاب الدعم الخارجي، مؤكداً أن الاستقرار المالي يمثل الأساس لأي تحسن ملموس في حياة المواطنين.

ويأتي الانتقال المرتقب للحكومة إلى عدن ضمن هذا السياق بوصفه ضرورة عملية ووطنية، إذ يؤكد أن وجود السلطة التنفيذية داخل البلاد ليس مجرد خيار إداري، وإنما شرط لفاعلية القرار وقدرته على ملامسة الواقع.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن العمل من الداخل يمنح الحكومة قدرة أكبر على فهم أولويات المجتمع والتفاعل معها، كما يعزز حضور الدولة في المجال العام، وهو حضورٌ تراجَع خلال سنوات الصراع. وفي هذا الإطار، يضع أداء اليمين في الرياض ضمن سياق دستوري وأمني فرضته ظروف المرحلة، عادّاً أن التركيز ينبغي أن ينصرف إلى مضمون العمل الحكومي، لا إلى رمزية الموقع.

أما في الشأن الأمني، فيتحدث بنبرة تجمع بين الواقعية والحذر، مشيراً إلى أن تراكمات السنوات الماضية لا يمكن محوها في زمن قصير، لكنه يرى أن التنسيق بين الأجهزة الأمنية، وتوحيد القرار السياسي، أسهما في تحسين نسبي للمشهد. ويقر بأن الاحتجاجات تمثل جزءاً من الحياة العامة في المراحل الانتقالية، لكنه يشدد على أهمية التزامها الإطار القانوني؛ «حفاظاً على الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهات تعطل مسار التعافي».

توحد القرار العسكري

بشأن إعادة تنظيم القوات العسكرية، يرى الزنداني أن توحيد القيادة، وإعادة تموضع الوحدات خارج المدن، يمثلان خطوة ضرورية لترسيخ سلطة الدولة وتقليص مظاهر التداخل بين الأدوار الأمنية والعسكرية.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن تعدد الولاءات، الذي طبع المرحلة السابقة، أضعفَ قدرةَ المؤسسات على أداء وظائفها، وأن تجاوزه يشكل أساساً لإعادة بناء الاستقرار وتفعيل الدور التنفيذي للحكومة.

وعلى المستوى الخارجي، يعكس حديث رئيس الوزراء اليمني إدراكاً لأهمية وضوح التمثيل السياسي في تعزيز موقع الدولة دولياً؛ إذ يشير إلى أن وجود حكومة بقرار موحد يُسهِّل التفاعل الدبلوماسي ويمنح اليمن حضوراً قانونياً أقوى تماسكاً. ويبرر احتفاظه بحقيبة الخارجية بالحاجة إلى استكمال عملية إصلاح بدأت بإعادة تنظيم الوزارة والبعثات، مؤكداً أن انتظام العمل الدبلوماسي يمثل امتداداً طبيعياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وفي سياق العلاقات الإقليمية، يصف العلاقة بالسعودية بأنها تجاوزت إطار الدعم التقليدي إلى شراكة متعددة الأبعاد، لافتاً إلى أن ما قدمته السعودية خلال السنوات الماضية انعكس على قطاعات حيوية، وأن المرحلة الحالية تتجه نحو توسيع هذا التعاون في مجالات التنمية والاستقرار الاقتصادي. ويرى أن هذه الشراكة تشكل أحد أعمدة الاستقرار، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.

أما بشأن الحوثيين، فيؤكد أن الحكومة تعاملت مع مسار السلام بقدر من المرونة، لكنها اصطدمت بعدم الالتزام بالاتفاقات، مشيراً إلى أن التطورات العسكرية والاقتصادية الأخيرة أضعفت موقف الجماعة، ويرى أن أي مفاوضات مستقبلية ينبغي أن تستند إلى مرجعيات واضحة، وأن توحيد القوى المناهضة لهم منح الحكومة موقعاً تفاوضياً أقوى تماسكاً في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة.

نصف قرن من العمل الحكومي

عندما يستعيد الزنداني مسيرته المهنية، يتحدث عن تجربة تفوق الخمسين عاماً، وبدأت في سن مبكرة داخل التعليم، قبل أن تمتد لعقود في العمل الدبلوماسي.

ويرى أن اليمن مر بتحولات عميقة كشفت عن هشاشة البناء المؤسسي وأثرت في استقرار الدولة.

ومع ذلك، يؤكد أن التجربة التاريخية تفرض قراءة المستقبل بعين تتجاوز الإحباط، وتقوم على التعلم من الماضي، والعمل على تثبيت أسس الاستقرار، مشيراً إلى أن ما يبقى في نهاية المطاف هو مصلحة المواطن وليست المواقع أو المناصب.

ويمضي في حديثه مؤكداً أن التفاؤل في هذه المرحلة ليس خطاباً سياسياً، بل هو خيار عملي في مواجهة التعقيدات، وأن الرهان الحقيقي يكمن في إعادة بناء الثقة بين الدولة ومجتمعها، وتعزيز العمل المشترك مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يفتح المجال أمام مرحلة تتوازن فيها إدارة التحديات مع استثمار الفرص المتاحة؛ لإعادة وضع اليمن على مسار الاستقرار والتعافي.


نددت بـ«إبادة جماعية» في غزة... فرنسا تدعو لاستقالة ألبانيزي

المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)
المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)
TT

نددت بـ«إبادة جماعية» في غزة... فرنسا تدعو لاستقالة ألبانيزي

المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)
المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)

دعت فرنسا، العضو الدائم في مجلس الأمن الدولي، إلى استقالة المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي، على خلفية ما وصفته بأنه «تصريحات شائنة ومستهجنة» أدلت بها ألبانيزي في مؤتمر عُقد السبت، وفق ما صرح وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو اليوم (الأربعاء).

وقال بارو أمام أعضاء البرلمان: «تدين فرنسا بلا تحفظ التصريحات الشائنة والمستهجنة التي أدلت بها فرانشيسكا ألبانيزي والتي لا تستهدف الحكومة الإسرائيلية، التي يمكن انتقاد سياساتها، بل إسرائيل كشعب وكأمة، وهو أمر غير مقبول بتاتاً».

وكانت ألبانيزي قد حذرت من خطورة القرارات الأخيرة الصادرة عن الكابينت الإسرائيلي بشأن الضفة الغربية المحتلة، معتبرة أنها تأتي في سياق سياسة ممنهجة تهدف إلى الضم الكامل للأراضي الفلسطينية المحتلة.

خلال مداخلة عبر الفيديو السبت، تطرّقت ألبانيزي إلى «عدو مشترك»، سمح على حد تعبيرها بوقوع «إبادة جماعية» في غزة.

وقالت: «بدلاً من إيقاف إسرائيل، قامت معظم دول العالم بتسليحها، ومنحتها أعذاراً سياسية ومظلّة سياسية، ووفرت لها دعماً اقتصادياً ومالياً».

وأضافت: «نحن الذين لا نتحكم برؤوس أموال ضخمة، ولا بالخوارزميات، ولا بالأسلحة، ندرك الآن أنه، كبشرية، لدينا عدو مشترك».

في مقابلة أجرتها معها قناة «فرنس-24»، اليوم، قبل إدلاء بارو بموقفه، ندّدت ألبانيزي بـ«اتهامات كاذبة تماماً» وبـ«تحريف» لتصريحاتها.

وقالت المقررة الأممية: «لم أقل أبداً أبداً أبداً إن إسرائيل هي العدو المشترك للبشرية»، موضحة: «تحدثتُ عن جرائم إسرائيل، وعن الفصل العنصري، وعن الإبادة الجماعية، ودِنت النظام الذي لا يسمح بسوق إسرائيل إلى العدالة ولا بوقف جرائمها، بوصفه عدواً مشتركاً».

لكن وزير الخارجية الفرنسي اعتبر أن تصريحات ألبانيزي «تضاف إلى قائمة طويلة من المواقف الشائنة، من تبرير (هجوم) السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، أسوأ مجزرة معادية لليهود في تاريخنا منذ المحرقة، إلى التطرق إلى اللوبي اليهودي، وحتى تشبيه إسرائيل بالرايخ الثالث».

وقال في معرض ردّه على سؤال وجّهته النائبة في المعسكر الرئاسي كارولين يادن: «إنها ناشطة سياسية تروّج لخطابات كراهية تسيء إلى قضية الشعب الفلسطيني التي تزعم الدفاع عنها، وإلى الأمم المتحدة. لا يمكن بأي حال من الأحوال، وبأي صفة، أن تتحدث ألبانيزي باسمهم».

وطالبت يادن ومعها نحو عشرين نائباً في رسالة إلى الوزير، أمس، بأن تُجرَّد ألبانيزي «من أي تفويض أممي وبأثر فوري» بعد تصريحاتها.