هل تستطيع الصين إصلاح الخلل في نموذج نموها؟

بين تباطؤ الطلب الداخلي وخيبة أمل في الإنتاج.. وتدني الصادرات وتدهور الواردات

مستثمران في البورصة الصينية تبدو عليهما علامات الإحباط لخسارة أموالهم (رويترز)
مستثمران في البورصة الصينية تبدو عليهما علامات الإحباط لخسارة أموالهم (رويترز)
TT

هل تستطيع الصين إصلاح الخلل في نموذج نموها؟

مستثمران في البورصة الصينية تبدو عليهما علامات الإحباط لخسارة أموالهم (رويترز)
مستثمران في البورصة الصينية تبدو عليهما علامات الإحباط لخسارة أموالهم (رويترز)

منذ عدة أعوام تسعى بكين بأكثر من طريقة لإعادة التوازن إلى نموذجها للنمو، عن طريق تشجيع الطلب المحلي على الاستهلاك الداخلي والخدمات، بدلا من الاعتماد على التصدير كمحرك أساسي للاقتصاد، إلا أن هذا لم يمنع تراجع نمو إنفاق الأسر في الصين خلال الفترة الماضية.
وسجلت مبيعات التجزئة في الصين تباطؤا فاق التوقعات في يوليو (تموز) على الرغم من جهود بكين لتحريك الطلب الداخلي، فيما عكس الإنتاج الصناعي أيضا تباطؤا جديدا، في أحدث مؤشر على تراجع ثاني اقتصاد في العالم.
و«مبيعات التجزئة» من أهم المؤشرات التي تقيس درجة نمو أو انخفاض استهلاك الأسر، وبلغت زيادة مبيعات التجزئة في الصين الشهر الماضي 10.2 في المائة على مدى عام، بحسب ما أعلن مكتب الإحصاءات الوطني أمس الجمعة، وهذه النسبة أقل بكثير من الزيادة المسجلة في يونيو (حزيران)، وقدرها 10.6 في المائة، وأدنى بفارق ملحوظ من متوسط توقعات محللين تحدثت إليهم وكالة «بلومبرغ»، وقدره بـ10.5 في المائة.
ويُسجل هذا التراجع في إنفاق الأسر في الصين في وقت تسعى بكين لإعادة التوازن إلى نموذجها للنمو لتركيزه أكثر على الاستهلاك الداخلي والخدمات، وبات قطاع الخدمات المدعوم خصوصا بفورة المبيعات على الإنترنت، يمثل أكثر من نصف إجمالي الناتج الداخلي للعملاق الآسيوي.
وكان الازدهار المتواصل لمبيعات التجزئة المستفيدة من التسهيل المتواصل لسياسة الإقراض، ساهم إلى حد بعيد في الاستقرار المفاجئ لنمو الاقتصاد الصيني في الفصل الثاني من السنة بمستوى 6.7 في المائة.
كذلك كانت أرقام الإنتاج الصناعي مخيبة إذ بلغ ارتفاعها في يوليو (تموز) 6 في المائة بالمقارنة مع الشهر نفسه من العام الماضي، بحسب أرقام مكتب الإحصاءات، فجاءت أدنى من التوقعات، وسجلت تباطؤا واضحا بالنسبة إلى يونيو، الذي بلغ نمو الناتج الصناعي فيه 6.2 في المائة.
ويبدو أن فترة التحسن التي سجلت في الربيع انتهت، وقد استفاد النشاط الاقتصادي خلال ذلك الفصل من تدابير الدعم الحكومي ومن ارتفاع في النفقات العامة والإنفاق على البنى التحتية وانتعاش السوق العقارية.
وتعاني الصناعات الصينية الثقيلة التي تهيمن عليها مجموعات كبرى مملوكة من الدولة، من طلب ضعيف، على خلفية تراجع الصادرات، ومن الفائض الهائل في القدرات الإنتاجية، ومن مديونية متزايدة ولا سيما في قطاعي التعدين والمناجم.
وتواجه الصين صعوبة في عملية التحول التي باشرتها نحو نموذج اقتصادي يقوم على السوق والخدمات والاستهلاك، فيما تراوح الإصلاحات البنيوية التي وعدت بها، وما يزيد الوضع تعقيدا أن السلطات، بإقرارها تدابير تيسير نقدي متتالية، شجعت على زيادة الإقراض، ما يؤدي اليوم إلى ارتفاع مقلق في القروض والديون المشكوك في تحصيلها، ورغم تدابير الدعم من السلطات، فإن الأسس التي يقوم عليها النمو الصيني تواصل تراجعها، حيث سجلت المبادلات التجارية تراجعا جديدا في يوليو، مع تدني الصادرات الصينية بنسبة 4.4 في المائة على مدى عام وتدهور الواردات للشهر الـ21 على التوالي، حتى قطاع العقارات والبناء الذي حقق انتعاشا مفاجئا في الأشهر الأخيرة بعد فترة طويلة من التباطؤ، بدأ يتعثر مع تسجيل تباطؤ شديد في الاستثمارات في القطاع العقاري خلال يوليو بحسب أرقام مكتب الإحصاءات.
كما سجل التحفيز المالي أيضا تباطؤا حيث بلغ نمو الاستثمار في أسهم رأس المال، الذي يُعتبر مؤشرا للنفقات العامة على البنى التحتية، 8.1 في المائة على مدى عام خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، مقابل 9 في المائة للنصف الأول من السنة.
وتحقق الصين نموا متباطئا مع 6.7 في المائة في الربع الثاني هذه السنة وهي نسبة مساوية للربع الأول ولكنها تراجعت عن 6.9 في المائة في 2015.
وأظهرت بيانات رسمية، أمس (الجمعة)، أن استثمارات الأصول الثابتة للقطاع الخاص في الصين قد ارتفعت بنسبة 2.1 في المائة على أساس سنوي في الأشهر السبعة الأولى، بانخفاض من 2.8 في المائة في النصف الأول و5.7 في المائة في الربع الأول، وقالت مصلحة الدولة للإحصاء إن الاستثمار الخاص نما ليصل إلى 19.15 تريليون يوان (نحو 2.88 تريليون دولار) في الأشهر السبعة الأولى، وهو ما يمثل 61.4 في المائة من استثمارات الأصول الثابتة في البلاد، بحسب وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا).
وأرجع بعض المحللين الانخفاض في استثمارات القطاع الخاص هذا العام إلى التباطؤ في الصناعات التصديرية، وتدهور الثقة في الأعمال التجارية على مدى السنوات القليلة الماضية.
يذكر أن القطاع الخاص هو ركيزة أساسية لدعم النمو الاقتصادي في الصين ويساهم بنحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للصين، ونحو 80 في المائة من فرص العمل.
ونشرت الوكالة الفرنسية تقريرا خلال الأسبوع الماضي بعنوان «اليوان يستمر في التراجع بعد سنة من تخفيضه دون إثارة قلق المستثمرين». وقال التقرير إن الصين أحدثت صدمة في الأسواق في منتصف أغسطس (آب) 2015 عندما خفضت سعر اليوان بشكل كبير وبعد سنة لا تزال عملتها تتراجع واستنفد المضاربون ما لديهم فبنك الصين لم يتراجع عن سياسة التدخل والمستثمرون أقل قلقا بكثير.
ويذكر أن الصين قد خفضت عملتها المستقرة والموجهة في المعتاد بنسبة 5 في المائة خلال أسبوع الصيف الماضي، والآن بات مسموحا لليوان بالتذبذب أمام الدولار ضمن هامش 2 في المائة من السعر المرجعي الذي يحدده بنك الصين.
وأثار قرار الصيف الماضي القلق على سلامة أداء الاقتصاد الصيني ومن «حرب عملات» بين الدول المتنافسة، وفقا للتقرير.
لكن الصين دافعت عن قرارها وقتها بقولها إنه يهدف إلى دعم المصدرين وإنها مجرد طريقة جديدة للحساب تعتمد على تقلبات سوق الصرف.
ولكن لم يتوقف تراجع العملة الصينية منذ ذلك الحين حتى أنها أغلقت الأربعاء على 6.6430 يوان للدولار مقتربة من أدنى سعر مسجل منذ ست سنوات في حين تراجع سعر الصرف المرجعي لبنك الصين بنسبة 9 في المائة على مدى سنة، قبل أن يرتفع اليوان ويسجل 6.6385 أمام الدولار ظهيرة أمس (الجمعة).
ويقول المحلل لدى «سوسييته جنرال» وي ياو: «بات الأمر المتبع منذ عدة أشهر أن يتم خفض اليوان بشكل تدريجي، لا يحدث تقلبات في سوق الصرف ولا يؤرق المستثمرين»، ويتفق خبراء مكتب «كابيتال إيكونوميكس» مع هذا الرأي، ويضيفون إنه بالإضافة إلى حجم التخفيض في صيف 2015 فإن «عدم ثقة الأسواق إزاء بنك الصين والتكتم على نواياه زادت من الضغوط على اليوان، وبعد سنة يبدو المستثمرون أقل توترا إزاء تقلبات العملة الصينية».
وسعى بنك الصين إلى تحسين التواصل مع السوق بعد أن كان يكتفي بإصدار بيانات مقتضبة، وخرج حاكمه تشو شياو تشوان عن صمته في فبراير (شباط) ليؤكد أنه «لا يوجد أساس للخفض المستمر للعملة»، ولكن البنك المركزي تدخل بكثافة في السوق لوقف تدهور اليوان والحد من هروب الرساميل الذي عززته خشية المستثمرين من انهيار قيمة أموالهم، وذكرت وكالة «بلومبرغ» أن تريليون دولار خرجت من البلاد العام الماضي.
وأنفق البنك المركزي منذ سنة 440 مليار دولار من احتياطاته لشراء اليوان لوقف تراجعه، وشددت بكين القيود على إخراج الرساميل، وبهذه الطريقة وجهت الصين رسالة إلى المضاربين المراهنين على استمرار تراجع اليوان، وقال وي ياو إن «المضاربات باتت اليوم محدودة ويبدو أن سياسة ضبط الرساميل نجحت».
وتراجعت عمليات تحويل العملات، فالبنوك الصينية باعت من العملات الأجنبية أكثر مما أودع فيها خلال الربع الثاني من السنة ثم تراجع الفارق إلى النصف مقارنة مع الربع الأول، لكن بنك الصين يواجه معضلة فهو يتغنى بالتقدم المحرز نحو حرية صرف اليوان وأخذ تقلبات السوق في الاعتبار، وهو التزام شكل شرطا لاعتماد اليوان بين العملات المرجعية لصندوق النقد الدولي، ومن جهة ثانية، وبهدف تعزيز استخدام اليوان على المستوى الدولي، وعدت بكين بجعله مستقرا أمام سلة من العملات الرئيسية، لكن فجأة بادر البنك المركزي إلى تصحيح سعره المرجعي و«فرض إرادته لتوجيه السوق» وتوجيه اليوان، وفق بنك «آي إن زد»، ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، خفض بنك الصين سعر اليوان المرجعي خلال ثماني جلسات متتالية مثيرا توقعات بخفض أكبر للعملة قبل أن يرفعها مجددا.
وفي الواقع فإن المصدرين لا يستفيدون سوى بشكل هامشي من إضعاف اليوان، فصادرات الصين تراجع نموها خلال الأشهر الماضية.
ويقول لياو كون الاقتصادي لدى «سيتيك بنك إنترناشيونال» إن الأمر لا يتعلق باستراتيجية صينية متعمدة لتحفيز النشاط التجاري، وإنما يعاني اليوان من (المؤشرات) الأساسية للاقتصاد العالمي.
وبين ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية التي تزيد من جاذبية الدولار والقلق الناجم عن بريكست (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي) الذي يدفع لشراء العملات المستقرة، يتوقع أن يستمر تراجع اليوان ولكن إلى متى؟
يوضح لياو كون أن «التقلبات العالمية تترك تأثيرها بشكل تدريجي، وإلى متى سيستمر اليوان بالتراجع يتوقف على متى سيتحسن سعر اليورو والجنيه الإسترليني».
وعلى الرغم من انتقاد واشنطن المستمر على خفض قيمة عملتها لكنها أبدت ارتياحا إزاء ضعف اليوان حاليا، وقال مسؤول في وزارة الخزانة الأميركية على هامش مجموعة العشرين في يوليو إن «الصين التزمت بالانتقال بطريقة منظمة إلى سعر صرف يخضع لشروط السوق»، وأضاف: «سيتم امتحانها عندما تتعرض عملتها لضغوط تصاعدية وإذا كانت الصين ستسمح لسعر اليوان بالارتفاع».
وبينما لا توجد الكثير من التوقعات الدقيقة لمستقبل سعر اليوان في المستقبل، فإن مسؤولا ببنك سكوشيا قد صرح بأن استهلاك الذهب في الصين والهند أكبر مشترين للمعدن النفيس في العالم سيتراجع ما بين 15 و20 في المائة في 2016. بعد انخفاض الطلب الاستثماري ومبيعات الحلي.
وقد يكبح تراجع الطلب من البلدين اللذين يشكلان أكثر من نصف السوق العالمية موجة صعود في الأسعار العالمية القريبة من أعلى مستوياتها في عامين.
وقال سونيل كاشياب العضو المنتدب للأنشطة المصرفية العالمية والأسواق في بنك سكوشيا يوم الأربعاء الماضي إن «الطلب الهندي سينخفض من 15 إلى 20 في المائة في 2016 عن العام السابق، حيث أسهم ارتفاع الأسعار والطلب الاستثماري الضعيف في تقليل الاستهلاك، والهند ليست استثناء، بل هو اتجاه عام في أنحاء آسيا وحتى في الصين».
وقفزت أسعار الذهب نحو 28 في المائة منذ بداية 2016 إلى 1350.7 دولار للأوقية مما يثني مشتري الحلي التقليديين، وقال كاشياب: «ما لم تنزل الأسعار عن 1300 دولار للأوقية فإننا لا نتوقع تحسن الطلب».
وبحسب بيانات جمعها مجلس الذهب العالمي بلغ الطلب الصيني على المعدن 981.5 طن العام الماضي في حين بلغ الطلب الهندي 864.3 طن.
وفي الهند قفزت أسعار الذهب المحلية إلى 32 ألفا و455 روبية (487.21 دولار) للعشرة غرامات في يوليو وهو أعلى مستوى لها في نحو ثلاث سنوات مما يدفع المستهلكين إلى بيع حليهم القديمة.
أخبار إيجابية ولكن «على الحجم الصغير»
وعلى الرغم من هذا لا يخلو الأمر من بعض المؤشرات الإيجابية ولكن ليس على مستوى الاقتصاد الكلي، حيث أعلن اتحاد مصنعي السيارات في الصين أمس الجمعة أن مبيعات السيارات في البلاد ارتفعت 23 في المائة إلى 1.9 مليون سيارة في يوليو، مقارنة مع مستواها قبل عام لتسجل أسرع وتيرة نمو شهرية في ثلاث سنوات ونصف السنة، فهذا أعلى معدل نمو شهري للمبيعات منذ يناير 2013. ويتجاوز الارتفاع السنوي البالغة نسبته 14.6 في المائة الذي سجلته المبيعات في يونيو وآخر بنسبة 9.8 في المائة في مايو (أيار).
وقال الاتحاد في إيجاز صحافي في بكين إن المبيعات زادت 9.8 في المائة في الأشهر السبعة الأولى من 2016 مقارنة مع مستواها قبل عام، وفي يناير قال الاتحاد إنه يتوقع نمو مبيعات السيارات بنسبة ستة في المائة هذا العام.
هذا كما ذكرت تقارير إخبارية أول من أمس الخميس أن أرباح شركة «تشاينا موبايل» أكبر مشغل لشبكات الهاتف الجوال في الصين زادت بنسبة 5.6 في المائة خلال النصف الأول من العام الحالي مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي بفضل النمو القوي في إيرادات خدمات نقل البيانات عبر الأجهزة المحمولة وخدمات الجيل الرابع للهاتف الجوال.
ووصلت الشركة وهي أكبر شركة جوال في العالم من حيث عدد المشتركين خلال النصف الأول من العام الحالي إلى 60.6 مليار يوان (9.1 مليار دولار) بحسب البيانات المالية الصادرة عنها.
في الوقت نفسه زادت إيرادات التشغيل خلال الأشهر الستة الأولى من العام الحالي بنسبة 7.1 في المائة إلى 370.4 مليار يوان في حين زادت إيرادات خدماتها الاتصالية بنسبة 6.9 في المائة خلال الفترة نفسها.
ونقلت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) عن شانج بينج رئيس مجلس إدارة «تشاينا موبايل» قوله إن النتائج «مشجعة» وإن أداء الشركة تجاوز متوسط نمو صناعة اتصالات الهاتف الجوال في الصين ككل.
في الوقت نفسه سجلت شركة «تشاينا موبايل» زيادة في عدد مستخدمي خدمات الجيل الرابع خلال النصف الأول من العام الحالي بمقدار 19 مليون مشترك ليصل إجمالي عدد مشتركي هذه الخدمات إلى 429 مليون مشترك، وخلال النصف الأول من العام الحالي زادت إيرادات خدمات نقل البيانات لاسلكيا بنسبة 39.7 في المائة سنويا، حيث فاق معدل نمو هذه الإيرادات معدل نمو الأنشطة التقليدية للشركة.
ورغم نمو أرباحها وإيراداتها، قال شانج إن الشركة تواجه منافسة ضارية من جانب شركات خدمات الجيل الرابع للهاتف الجوال والإنترنت التي تتوسع في مجال الاتصالات.
وفيما يخص مواقع التواصل الاجتماعي، ذكرت تقارير إخبارية أن مجموعة «سينا ويبو» لمواقع التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت حققت زيادة في إيراداتها خلال الربع الثاني من العام الحالي بفضل العائدات القوية لخدمات الإعلان والتسويق مع نمو قاعدة مستخدميها.
وذكرت شركة «ويبو كوربورشن» التي تدير المواقع في بيان أن خدمة التدوينات الصغيرة الشبيهة بخدمة «تويتر» الشهيرة حققت نتائج فاقت التوقعات حيث وصلت إيراداتها الصافية إلى 146.9 مليون دولار بزيادة نسبتها 36 في المائة عن الفترة نفسها من العام الماضي، يُذكر أن الإعلانات وخدمات التسويق تمثل مصادر رئيسية لإيرادات الشركة، حيث زادت هذه المصادر بنسبة 45 في المائة سنويا إلى 127.2 مليون دولار خلال الربع الثاني.
ونقلت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) عن وانج جاوفي الرئيس التنفيذي لشركة «ويبو» القول إن الشركة استفادت من زيادة الإقبال على وسائل التواصل الاجتماعي كأدوات تسويق، مع زيادة إيرادات المشروعات الصغيرة والمتوسطة بنسب 73 في المائة و107 في المائة على الترتيب خلال الربع الثاني من العام الحالي.
في الوقت نفسه استمر النمو القوي لعدد مستخدمي خدمات «ويبو» حيث وصل عددهم في يونيو الماضي إلى 282 مليون مستخدم شهريا بمعدل نمو سنوي قدره 33 في المائة، ويمثل مستخدمو الأجهزة المحمولة نحو 89 في المائة من إجمالي مستخدمي «ويبو»، في الوقت نفسه بلغ عدد مستخدمي الخدمة يوميا 126 مليون مستخدم بمعدل نمو سنوي قدره 36 في المائة.
وتتوقع «ويبو» تحقيق إيرادات صافية خلال الربع الثالث من العام الحالي تتراوح بين 168 و173 مليون دولار.
وفي القطاع المصرفي ذكرت تقارير إخبارية يوم الأربعاء الماضي أن مصرف «هواشيا بنك» الصيني متوسط الحجم سجل زيادة في أرباحه الصافية خلال النصف الأول من العام الحالي بنسبة 6.08 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي بفضل توسع أنشطته.
وذكر البنك في بيان أن صافي أرباحه بلغت خلال الأشهر الستة الأولى من العام الحالي 9.83 مليار يوان (1.5 مليار دولار)، في حين زادت الإيرادات بأكثر من 10 في المائة إلى 31.2 مليار يوان.
وأرجع البنك نتائجه الجيدة إلى استراتيجيته الناجحة للاستثمار في ممر «بكين - تيانجين - هيبي» التنموي وتوسع أنشطته.
وأشارت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) إلى وصول إجمالي قيمة أصول البنك إلى 2.25 تريليون يوان في نهاية يونيو الماضي بزيادة نسبتها 11.4 في المائة عن بداية العام الحالي.
في المقابل كان متوسط نمو أرباح البنوك التجارية في الصين خلال النصف الأول من العام الحالي 3.2 في المائة وفقا للبيانات الرسمية الصادرة اليوم.
كما بلغت قيمة صفقات الاندماج والاستحواذ التي قامت بها الشركات الصينية في الخارج 134 مليار دولار خلال النصف الأول من العام الحالي، وأشارت مؤسسة «برايس ووتر هاوس كوبرز» (بي دبليو سي) للاستشارات الإدارية والمراجعة المحاسبية إلى أن قيمة هذه الصفقات خلال النصف الأول من العام الحالي تعادل نحو 3 أمثال قيمتها خلال العام الماضي، وتتجاوز قيمة إجمالي صفقات الاندماج والاستحواذ للشركات الصينية خلال العامين الماضيين.
ونقلت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) عن التقرير القول إن 24 صفقة تجاوزت قيمة الواحدة منها مليار دولار، في حين بلغت قيمة استحواذ شركة «كيم تشاينا» على شركة الكيماويات الزراعية والبذور السويسرية «سينجينتا» بمفردها 43 مليار دولار.
وساهمت الشركات الصينية المملوكة للقطاع الخاص بنحو الثلثين في أكبر 20 صفقة اندماج واستحواذ خارجية بحسب ليو يانلاي رئيس إدارة الاستثمار المالي الخاص للصين وهونغ كونغ في مؤسسة «بي دبليو سي».
وأضاف ليو أن صفقات الاندماج والاستحواذ وصلت إلى مستوى قياسي مع نمو نشاط مؤسسات الاستثمار المالي، بما في ذلك إدارات الاستثمار في الشركات الكبرى وشركات التأمين والصناديق الحكومية.



«إسكوا»: الحرب تهدّد المنطقة العربية بخسارة 150 مليار دولار

ناقلة النفط «راريتي» ترسو في ميناء السلطان قابوس بمسقط (رويترز)
ناقلة النفط «راريتي» ترسو في ميناء السلطان قابوس بمسقط (رويترز)
TT

«إسكوا»: الحرب تهدّد المنطقة العربية بخسارة 150 مليار دولار

ناقلة النفط «راريتي» ترسو في ميناء السلطان قابوس بمسقط (رويترز)
ناقلة النفط «راريتي» ترسو في ميناء السلطان قابوس بمسقط (رويترز)

أطلقت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا)، صرخة تحذير مدوية، كاشفةً عن فاتورة اقتصادية باهظة تتصاعد وتيرتها في المنطقة العربية بشكل غير مسبوق. ففي غضون أسبوعين فقط، تبخَّر نحو 63 مليار دولار من الناتج المحلي للمنطقة (1.6 في المائة)، وسط اضطرابات عاصفة ضربت أسواق الطاقة وممرات التجارة الدولية والملاحة الجوية؛ مما يضع الدول الـ21 الأعضاء في اللجنة أمام أحد أعنف الاختبارات الاقتصادية في تاريخها الحديث.

ويذهب تقرير «إسكوا» تحت عنوان «الصراع وتداعياته: تصاعد حدة الأزمة في المنطقة العربية»، والمبني على تحليل دقيق للسيناريوهات، أبعد من ذلك في حال طالت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران واستمرَّت شهراً واحداً فقط. إذ إن خسائر المنطقة قد تقفز، وفق تقديراتها، إلى 150 مليار دولار، ما يعادل 3.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة؛ مما يحول الصدمات العابرة إلى أزمات هيكلية مزمنة.

وتضم «إسكوا» في عضويتها 21 دولة عربية هي: الأردن، والإمارات، والبحرين، وتونس، والجزائر، وجيبوتي، والسعودية، والسودان، وسوريا، والصومال، والعراق، وعمان، وفلسطين، وقطر، والكويت، ولبنان، وليبيا، ومصر، والمغرب، وموريتانيا، واليمن.

خريطة توضح مضيق هرمز (رويترز)

دول الخليج في عين العاصفة

أكد التقرير أن دول مجلس التعاون الخليجي تتحمل العبء الأكبر من الخسائر المالية المباشرة. فعلى الرغم من المتانة الهيكلية لهذه الاقتصادات، فإن الصراع أدى إلى نزف في القيمة السوقية للبورصات المحلية، مع اتساع ملحوظ في فروقات العائد السيادي، وهو ما يعكس قفزة في تقييم المخاطر الجيوسياسية وارتفاع تكلفة التأمين على الديون السيادية.

وعلى صعيد قطاع الطاقة، استندت تقديرات «إسكوا» إلى فرضية انخفاض حاد في إنتاج النفط بالدول المتضررة بمعدل 20 مليون برميل يومياً خلال الأسبوعين الأولين؛ نتيجة الشلل اللوجيستي الذي أصاب ممرات التصدير. كما برزت حالة الارتباك في إمدادات الغاز المسال، لا سيما من قطر التي تؤمِّن 19 في المائة من احتياجات العالم؛ إذ تسببت تحديات الشحن والتصدير في قفزة جنونية بأسعار الغاز في أوروبا بنسبة 80 في المائة، مدفوعةً بمخاوف دولية من انقطاع طويل الأمد لسلاسل التوريد الحيوية.

مضيق هرمز... شلل في شريان التجارة العالمية

وثَّقت «إسكوا» تراجعاً تاريخياً في حركة الشحن عبر مضيق هرمز بنسبة وصلت إلى 97 في المائة؛ إذ انخفض عدد السفن التي تصل إلى مواني المنطقة من 137 سفينة يومياً إلى 5 سفن فقط. هذا التعطُّل الاستراتيجي أدى إلى توقف تدفق بضائع تقدَّر قيمتها بنحو 2.4 مليار دولار يومياً، وارتفاع خيالي في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب. وخلال الأسبوعين الأولين فقط، بلغت الخسائر التجارية المتراكمة نحو 30 مليار دولار، وهو رقم مرشح للوصول إلى 60 مليار دولار في حال استمرَّ التصعيد لشهر كامل، وفق التقرير.

حاويات على متن سفينة شحن في نهر باتابسكو (إ.ب.أ)

قطاع الطيران والسياحة

عدّ التقرير قطاع الملاحة الجوية والسياحة من أكثر القطاعات تأثراً بـ«الصدمات التشغيلية»؛ حيث تم إلغاء أكثر من 18400 رحلة جوية في 9 مطارات إقليمية رئيسية خلال 12 يوماً فقط. وقدَّرت «إسكوا» الخسائر الأولية لشركات الطيران بنحو 1.9 مليار دولار، مرشحة للوصول إلى 3.6 مليار دولار في حال استمرار الحرب لشهر. كما اضطرت الناقلات الكبرى لتغيير مساراتها، مما زاد من استهلاك الوقود وأطال أمد الرحلات، مسبباً «نزفاً تشغيلياً» حاداً، بينما تراوح الانخفاض في أعداد السياح بين 10 في المائة و95 في المائة بحسب الدولة.

مسافرون عند أكشاك تسجيل الوصول الذاتي بمكتب تذاكر الخطوط الجوية المتحدة داخل المطار الدولي في دنفر (أ.ب)

خريطة الضرر الإقليمي

لم تكن تداعيات الحرب الراهنة محصورةً في جبهات القتال، بل امتدت لتضرب العمقَين الاقتصادي والاجتماعي للدول الأعضاء في «إسكوا»:

  • لبنان: يبرز بوصفه أحد أكثر الدول تأثراً بالصدمات المباشرة، حيث يواجه البلد أزمةً إنسانيةً كارثيةً مع نزوح أكثر من 816 ألف شخص بحاجة ماسة للمساعدة. وتأتي هذه الحرب لتزيد من حدة الانهيار القائم، إذ انكمش الاقتصاد اللبناني بنسبة 40 في المائة منذ عام 2019، مما يضع البنى التحتية والخدمات الأساسية تحت ضغوط تفوق قدرة الدولة على الاحتمال.
  • مصر وتونس: تواجه الاقتصادات المُستورِدة للطاقة، وفي مقدمتها مصر وتونس، ضغوطاً ماليةً حادةً، وحالةً من التضخم المستمر. وكشف التقرير عن أن هذه الدول مُهدَّدة بارتفاع إجمالي فاتورة واردات الوقود في البلدين بنحو 6.8 مليار دولار سنوياً، وهي زيادة ضخمة تلتهم جزءاً كبيراً من الميزانيات الوطنية وتزيد من إجهاد الحيز المالي المحدود أصلاً، مما يهدد الاستقرار المعيشي للمواطنين.
  • فلسطين والسودان واليمن والصومال: باغتت الأزمة الجديدة دولاً تعاني أصلاً من نزاعات ممتدة وأوجه ضعف هيكلية؛ حيث سجَّلت فلسطين والصومال والسودان واليمن معدلات فقر وبطالة مرتفعة تاريخياً.

وحذَّر التقرير من أن تفاقم الاحتياجات الإنسانية في المنطقة العربية كلها بات يطال 82 مليون شخص بحاجة للمساعدة، في ظلِّ وجود 210 ملايين يعيشون في مناطق متضررة من النزاعات، مما يجعل قدرة هذه الدول على الصمود أمام الصدمات الاقتصادية الجديدة شبه مستحيلة.

منشآت الغاز الطبيعي المسال في مدينة رأس لفان الصناعية بقطر (إ.ب.أ)

من «أزمة الشهر» إلى «التعطل الاستراتيجي»

خلصت «إسكوا» إلى وضع سيناريوهين مرجعيَّين؛ الأول يفترض استمرار الحرب لـ30 يوماً، مؤديةً لقفزة في التضخم وتباطؤ القطاعات غير النفطية في الخليج. أما السيناريو الثاني (صدمة إقليمية شاملة لمدة عام)، فيعد «الأكثر قتامة»، حيث يُتوقَّع انقطاع سلاسل إمداد الطاقة العالمية وتقويض أهداف التنمية المستدامة، مما قد يعيد المنطقة عقوداً إلى الوراء على مستويات الفقر والتعليم.

ويخلص تقرير «إسكوا» إلى أنَّ احتمالات تحقق السيناريوهات الشاملة والمُدمِّرة، وإن كانت تبدو منخفضة حالياً، فإن تداعياتها تتطلب جهوزيةً إقليميةً عاليةً، وتنسيقاً دولياً عاجلاً للحدِّ من آثار هذا «التعطُّل الاستراتيجي» الذي يهدِّد استقرار النظام العالمي بأسره.


الاقتصاد العالمي يترقب أول «كشف حساب» لآثار حرب إيران

الناس يسيرون في الحي المالي مقر بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
الناس يسيرون في الحي المالي مقر بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

الاقتصاد العالمي يترقب أول «كشف حساب» لآثار حرب إيران

الناس يسيرون في الحي المالي مقر بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
الناس يسيرون في الحي المالي مقر بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

يُشكِّل الأسبوع المقبل لحظةً مهمةً في تتبع المسار الاقتصادي العالمي لعام 2026؛ فمن خلال بيانات المشتريات والتضخم المرتقبة، سيتحوَّل الجدل من التوقعات النظرية إلى الحقائق الرقمية حول مدى عمق الندوب التي تركتها حرب الشرق الأوسط في جسد الاقتصاد العالمي. وبينما يبدو الاقتصاد الأميركي مستقراً نسبياً بفضل موارده الطاقية، تظل أوروبا وبريطانيا في قلب «العاصفة»، حيث يضعهما ارتفاع تكاليف المعيشة أمام معادلة شبه مستحيلة: فإما المضي في رفع الفائدة لمواجهة التضخم والمخاطرة بركود حاد، أو الانتظار ومراقبة الأسعار وهي تتجاوز المستويات الآمنة.

في أميركا، ستُقدِّم استطلاعات مديري المشتريات الأميركية الأولية لقطاعَي التصنيع والخدمات، والمقرِّر صدورها يوم الثلاثاء، مؤشراً أولياً على أداء الشركات خلال حرب الشرق الأوسط، التي تسببت في ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز.

وكان «الاحتياطي الفيدرالي» أبقى أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه الأخير، وأشار إلى أن مخاطر التضخم قد تُصعّب خفضها. ومع ذلك، يُعدّ الاقتصاد الأميركي في وضع أفضل من اقتصادات كثير من الدول في أوروبا وآسيا، نظراً لكون الولايات المتحدة مُصدِّراً صافياً للطاقة، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» مترئساً اجتماع لجنة السوق المفتوحة (أ.ف.ب)

وقال الخبير الاقتصادي جيمس نايتلي من بنك «آي إن جي» في مذكرة: «لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي مهمة مزدوجة: الحفاظ على استقرار الأسعار، وتعظيم فرص العمل، ويواجه الجزء الثاني تحديات أكبر. ولذلك، ما زلنا نعتقد أن مجلس (الاحتياطي الفيدرالي) يميل إلى خفض أسعار الفائدة بدلاً من رفعها».

منطقة اليورو: «ستار من الشك»

تترقَّب منطقة اليورو أسبوعاً حافلاً بالبيانات التي ستكشف حجم الأضرار التي ألحقتها حرب الشرق الأوسط والقفزة «الهائلة» في أسعار الطاقة بالثقة لدى الشركات والمستهلكين على حد سواء. وستكون البداية يوم الثلاثاء مع صدور القراءات الأولية لمؤشرات مديري المشتريات لشهر مارس (آذار) في كل من فرنسا وألمانيا والمنطقة كلها، بالإضافة إلى سلسلة من مسوح الثقة المُقرَّر صدورها خلال الأسبوع.

وعلى الرغم من أن تقرير شهر فبراير (شباط) الماضي كان قد أظهر بوادر انتعاش في الطلب وتحسناً في التفاؤل، فإنَّ التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط تهدِّد بتقويض هذا الزخم. وفي هذا السياق، أكد ريان جاجاسابوترا، المحلل في «إنفستيك»، أن قطاع التصنيع سيكون «الأكثر تضرراً» من الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة، متوقعاً أن يلقي «ستار من عدم اليقين» الناجم عن الصراع بظلاله الثقيلة على مؤشرات مديري المشتريات هذا الشهر، وفق «وول ستريت جورنال».

رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد تتحدث إلى الصحافة عقب اجتماع مجلس إدارة البنك (رويترز)

وبالتوازي مع بيانات المشتريات، تصدر يوم الاثنين البيانات الأولية لثقة المستهلكين في منطقة اليورو، يليها يوم الأربعاء مؤشر «إيفو» لمناخ الأعمال في ألمانيا، الذي يحظى بمتابعة دقيقة، ثم بيانات الثقة في قطاع التصنيع الفرنسي يوم الخميس. وفي يوم الجمعة، ستكون الأسواق على موعد مع بيانات التضخم الأولية في إسبانيا، والتي ستعطي مؤشراً حاسماً لمدى سرعة انتقال قفزة أسعار الطاقة إلى المستهلك النهائي.

وعلى صعيد السياسة النقدية، تسبب مشهد الحرب في تغيير موازين القوى داخل البنك المركزي الأوروبي؛ فبعد أن أبقى أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه الأخير، أشار البنك بوضوح إلى استعداده لرفع الفائدة إذا أدت أسعار الطاقة المرتفعة إلى انفلات التضخم مجدداً. وتشير بيانات «إل إس إي جي» إلى أنَّ أسواق المال باتت تسعر الآن «بشكل كامل» قيام البنك برفع الفائدة في يونيو (حزيران) المقبل.

وفي ظلِّ هذه الأجواء المتوترة، تشهد سوق السندات الأوروبية نشاطاً مكثفاً؛ حيث ستجري بلجيكا وهولندا مزادات يومَي الاثنين والثلاثاء، بينما تعلن وكالة التمويل الألمانية عن مراجعتها ربع السنوية للتمويل قبل طرح سندات متنوعة الآجال يومَي الثلاثاء والأربعاء، وتختتم إيطاليا الأسبوع بمزادات يومَي الأربعاء والجمعة.

بريطانيا... والخيارات الصعبة

من المتوقع أن تصدر يوم الأربعاء بيانات تضخم أسعار المستهلكين لشهر فبراير، وهي البيانات التي يترقبها المستثمرون بكثير من الحذر. ورغم أن هذه الأرقام تعود للفترة التي سبقت القفزة الهائلة في أسعار النفط والغاز الناجمة عن اندلاع المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط، فإنَّها ستقدم صورةً حاسمةً للقاعدة السعرية التي انطلقت منها البلاد قبل الصدمة الأخيرة.

لافتة إرشادية بالقرب من مبنى «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)

تعاني بريطانيا بالفعل من مستويات تضخم مرتفعة، وهو ما دفع «بنك إنجلترا» في اجتماعه الأخير للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، مع التلويح صراحةً بإمكانية رفعها للسيطرة على الأسعار إذا اقتضت الضرورة. ويرى خبراء اقتصاد في «إتش إس بي سي» أنَّ مؤشرَي أسعار المستهلكين وأسعار التجزئة قد يستقران عند 3 في المائة و3.8 في المائة على التوالي في قراءة فبراير، لكن أي أرقام تتجاوز هذه التوقعات قد تثير ذعر المستثمرين، خصوصاً مع وصول عوائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2008.

إلى جانب التضخم، ستصدر يوم الثلاثاء القراءات الأولية لمؤشرات مديري المشتريات لقطاعَي التصنيع والخدمات لشهر مارس، والتي ستوفِّر أول لقطة حية لمدى تضرُّر معنويات الأعمال منذ بدء العمليات العسكرية ضد إيران. ويختتم الأسبوع بصدور مسح ثقة المستهلكين وأرقام مبيعات التجزئة، وهي مؤشرات ستعكس مدى استعداد الأسر البريطانية لمواجهة موجة غلاء جديدة.

الصين واليابان... وتحولات «أمن الطاقة»

في الصين، ورغم الهدوء النسبي في البيانات، فإنَّ تقارير «بي أن بي باريبا» تشير إلى إعادة صياغة الأولويات السياسية نحو «الاستقرار المالي وأمن الطاقة». ومع تأجيل الرئيس الأميركي دونالد ترمب زيارته المُخطَّط لها إلى بكين، تظل العلاقات الثنائية تحت المراقبة.

موظفون يفرزون الفاكهة بمتجر «وول مارت» في بكين (رويترز)

وتستفيد الصين من عزلة نسبية عن صدمات الطاقة المباشرة مقارنة باليابان وكوريا؛ مما يمنحها بعض الاستقلالية في رسم سياساتها المحلية.

أما في اليابان، فتركز الأنظار على نتائج مفاوضات الأجور السنوية وبيانات التضخم التي قد تظهر تراجعاً طفيفاً بفضل الدعم الحكومي للطاقة، بينما يراقب المستثمرون الطلب على سندات الحكومة اليابانية لأجل 40 عاماً التي تقدِّم عوائد مرتفعة للغاية.

كما تستعد أستراليا لبيانات تضخم قد تكون «الهدوء الذي يسبق العاصفة»، حيث يتوقَّع المحللون قفزةً في معدلات التضخم بنحو 5 في المائة في الأشهر المقبلة؛ نتيجة حرب إيران، مما يعزِّز احتمالات قيام البنك المركزي الأسترالي برفع الفائدة 5 مرات قبل نهاية العام. وفي النرويج، يُتوقَّع أن يبدي البنك المركزي حذراً كبيراً تجاه أي خفض مستقبلي للفائدة في ظلِّ «صدمة الطاقة» الحالية.


الصين تتعهّد بـ«معاملة وطنية» للمستثمرين الأجانب لطمأنة الأسواق العالمية

يظهر رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ على شاشة كبيرة خلال إلقائه خطابه في افتتاح منتدى التنمية الصيني (أ.ب)
يظهر رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ على شاشة كبيرة خلال إلقائه خطابه في افتتاح منتدى التنمية الصيني (أ.ب)
TT

الصين تتعهّد بـ«معاملة وطنية» للمستثمرين الأجانب لطمأنة الأسواق العالمية

يظهر رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ على شاشة كبيرة خلال إلقائه خطابه في افتتاح منتدى التنمية الصيني (أ.ب)
يظهر رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ على شاشة كبيرة خلال إلقائه خطابه في افتتاح منتدى التنمية الصيني (أ.ب)

تعهَّد رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ، يوم الأحد، بمواصلة انفتاح الاقتصاد وتطبيق المعاملة الوطنية للشركات الأجنبية بشكل كامل، في مسعى استباقي لطمأنة الأسواق العالمية وتخفيف حدة التوترات التجارية المتزايدة. وتأتي هذه الوعود في وقت يواجه فيه ثاني أكبر اقتصاد في العالم ضغوطاً متصاعدة؛ بسبب فائض تجاري قياسي، وقبيل زيارة مرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي سبق وأرجأ زيارته؛ نتيجة التطورات العسكرية في الشرق الأوسط بين واشنطن وطهران. بينما رسم صندوق النقد الدولي خريطة طريق لـ«فصل جديد» من النمو الصيني يرتكز على قوى السوق والاستهلاك، لا الاستثمار الموجه.

وقالت وسائل الإعلام الرسمية إن الصين ستركز على تعزيز التنمية عالية الجودة، وستواصل تهيئة بيئة أعمال مواتية، لكي تتمكَّن الشركات المقبلة إلى الصين من التطوُّر بثقة وتحقيق نجاح باهر.

هذه التصريحات جاءت خلال منتدى التنمية الصيني، الذي يُعدّ منصةً لبكين للترويج لمسارها الاقتصادي وفرص الاستثمار المتاحة أمام قادة الأعمال الأجانب، والمسؤولين الصينيين، والاقتصاديين، والأكاديميين.

زيارة ترمب

تكتسب هذه التحركات الصينية أهميةً استثنائيةً بالنظر إلى توقيتها؛ إذ يأتي انعقاد المنتدى في ظلِّ تصاعد حدة الخلافات مع الشركاء التجاريين الرئيسيين، مدفوعةً بفائض تجاري قياسي بلغ 1.2 تريليون دولار. كما تسبق هذه التعهدات زيارة مرتقبة ومفصلية للرئيس الأميركي دونالد ترمب، والتي تأتي بعد إرجاء موعدها السابق في أواخر مارس (آذار)؛ نتيجة التوترات العسكرية التي شهدتها المنطقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، مما يضع بكين تحت مجهر الاختبار لإثبات جديتها في الانفتاح الاقتصادي قبل مواجهة الضغوط الحمائية المحتملة من الإدارة الأميركية.

ومن بين كبار المسؤولين التنفيذيين الحاضرين، مسؤولون من شركات «أبل»، و«سامسونغ» للإلكترونيات، و«فولكس فاغن»، «برودكوم» لصناعة الرقائق الإلكترونية، ومجموعة «سيمنز» الصناعية، و«باسف» للمواد الكيميائية، و«نوفارتس» للأدوية.

ولم يُدرَج أي مسؤول تنفيذي من الشركات اليابانية في قائمة المدعوين على موقع المنتدى الإلكتروني.

الرئيس التنفيذي لشركة «أبل» تيم كوك يتحدث في افتتاح منتدى التنمية الصيني (أ.ف.ب)

وقال لي إن الصين ستستورد مزيداً من السلع عالية الجودة، وستعمل مع شركائها التجاريين؛ لتعزيز التنمية التجارية المتوازنة وتوسيع نطاق التجارة العالمية، واصفاً الصين بأنها ملتزمة بأن تكون «حجر الزاوية للاستقرار»، و«ملاذاً آمناً» للاقتصاد العالمي. وأوضح أن الانفتاح والتقدم التكنولوجي ضروريان لخلق أسواق جديدة.

هذا وأفادت وكالة أنباء «شينخوا» بأن نائب رئيس مجلس الدولة الصيني، هي ليفنغ، التقى يوم السبت كبار ممثلي الشركات متعددة الجنسيات، بما في ذلك «إتش إس بي سي»، و«يو بي إس»، و«شنايدر إلكتريك»، و«ستاندرد تشارترد».

وفي المنتدى نفسه، قال محافظ البنك المركزي الصيني (بنك الشعب)، بان غونغشنغ، إن البنك سيواصل تطبيق سياسة نقدية توسعية مناسبة. وأوضح بان أن «بنك الشعب» الصيني سيستخدم بشكل شامل أدوات السياسة النقدية، مثل نسبة الاحتياطي الإلزامي، وسعر الفائدة، وعمليات السوق المفتوحة؛ للحفاظ على سيولة كافية.

صندوق النقد الدولي

من جهته، أكد النائب الأول للمدير العام لصندوق النقد الدولي، دان كاتس، أن الاقتصاد العالمي يمرُّ بمرحلة من التغييرات المتلاحقة والصدمات المتكررة، مشدداً على أن قدرة الصين على صياغة «فصل جديد» من النمو تعتمد بشكل أساسي على إطلاق عنان قوى السوق، وإعادة التوازن نحو الاستهلاك المحلي.

وحذَّر كاتس من المخاطر الجيوسياسية الراهنة، مشيراً إلى أن الصراع في منطقة الشرق الأوسط أوجد مصدراً جديداً للمخاطر في وقت بدأ فيه الاقتصاد العالمي يظهر بوادر مرونة. ودعا البنوك المركزية العالمية إلى تبني سياسات «مرنة» وتجنب القرارات المتسرعة في مواجهة صدمات الطاقة، مؤكداً أن «الانتظار للحصول على وضوح أكبر» قد يكون الخيار الأفضل حالياً لضمان استقرار الأسعار.

وبالانتقال إلى الشأن الصيني، قال كاتس: «إن قوى السوق هي المفتاح لفتح المرحلة التالية من النمو الاقتصادي في الصين»، داعياً صناع السياسة الصينيين إلى المضي قدماً في 3 ركائز إصلاحية أساسية:

1- تكافؤ الفرص: تقليص الدعم الموجه لشركات بعينها، ومنح الشركات الخاصة والأجنبية مساحةً عادلةً للمنافسة، وهو ما قد يرفع الناتج المحلي الإجمالي للصين بنسبة تصل إلى 2 في المائة.

2- تسعير رأس المال: ضرورة توجيه التمويل نحو القطاعات الأكثر إنتاجية بدلاً من دعم الشركات الضعيفة، مع تسريع وتيرة التصحيح في القطاع العقاري.

3- تنمية قطاع الخدمات: يرى صندوق النقد أن هناك مساحةً هائلةً لنمو قطاعات الصحة والتعليم والخدمات المهنية، والتي تعدُّ محركات أكثر استدامةً للإنتاجية من التصنيع التقليدي.

وشدَّد على ضرورة تطور دور الدولة في الصين، بحيث تتحوَّل من «موجه مباشر» للاستثمارات نحو صناعات محددة، إلى «بناء البيئة والمناخ» الذيين يسمحان للابتكار والقطاع الخاص بقيادة الموارد الهائلة نحو المجالات الأكثر قيمة.

واختتم كاتس كلمته بالتأكيد على أن تحوُّل الصين نحو اقتصاد تقوده السوق ليس مصلحة وطنية فحسب، بل هو ضرورة عالمية، قائلاً: «هذا التحوُّل سيكون جيداً للصين. وفي عالم يحتاج إلى ديناميكية واستقرار، سيكون جيداً لنا جميعاً».