بعد هزائم «داعش».. حروب جديدة تمور في العراق

أخطر بؤر الصراعات المقبلة خطوط التماس بين البيشمركة والميليشيات الشيعية

مقاتل كردي لدى مواجهة مسلحة جرت ضد ميليشيات شيعية في طوز خورماتو في ابريل الماضي (رويترز)
مقاتل كردي لدى مواجهة مسلحة جرت ضد ميليشيات شيعية في طوز خورماتو في ابريل الماضي (رويترز)
TT

بعد هزائم «داعش».. حروب جديدة تمور في العراق

مقاتل كردي لدى مواجهة مسلحة جرت ضد ميليشيات شيعية في طوز خورماتو في ابريل الماضي (رويترز)
مقاتل كردي لدى مواجهة مسلحة جرت ضد ميليشيات شيعية في طوز خورماتو في ابريل الماضي (رويترز)

يبدو خط الجبهة إلى الجنوب من هذه البلدة القاتمة الكئيبة على ما كان عليه قبل عامين ماضيين، عندما كان تنظيم داعش هو العدو وسيطر على قرية تبعد أقل من ميل واحد من البلدة. والآن، رغم ذلك، يتحصن مقاتلو البيشمركة الكردية خلف الأكياس الرملية والأسلاك الشائكة وينظرون عبرها نحو الميليشيات الشيعية، حلفاء الظاهر في الحرب ضد التنظيم الإرهابي.
وما إذا كان تحالف البيشمركة والميليشيات الشيعية سيستمر إلى ما بعد زوال «داعش» لا تزال مسألة محل نظر. فلقد انهارت دفاعات المتطرفين سريعا في مختلف أرجاء العراق. ومن المرجح أن يبدأ هجوم على الموصل، وهي آخر معاقل التنظيم المتطرف القوية في العراق، بحلول نهاية العام الحالي، على حد تصريحات المسؤولين الأميركيين والعراقيين. وإذا ما سارت المعركة بصورة جيدة، فإن هزيمة «خلافة داعش» المزعومة والمعلنة من جانب واحد في العراق، على الأقل من حيث الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم، باتت تلوح في الأفق.
كذلك تلوح في الأفق مشاكل جديدة – وربما صراعات محتملة جديدة.
خلال العامين الماضيين، تمكنت قوات البيشمركة، وقوات الجيش العراقي، والميليشيات الشيعية، وبعض من قوات العشائر السنية، من أن تتجاوز وإلى حد كبير الخلافات طويلة الأمد فيما بينها، لمواجهة الخطر الذي يتهدد الجميع. لكن خلافاتهم ومظالمهم – التي تدور حول قضايا حيوية مثل توزيع السلطة، والأرض، والمال، والنفط – لم تتم تسويتها بعد.
والطريقة التي تُخاض بها هذه الحرب – بواسطة تشكيلات من المجموعات المحلية المسلحة ذات الأجندات الكثيرة والمتنافسة، قد سببت تفاقما في المشكلات القائمة مع نزاعات جديدة وربما تكون أكثر تعقيدا، مثل مسألة من سيحكم المناطق المحررة من المتطرفين، وبأي كيفية.
ويقول يزيد صايغ من مركز كارنيغي لـ«الشرق الأوسط»: «إن اللحظة هناك هي ما يمكن أن نسميها لحظة الانتصار على (داعش)، ثم سوف تواجهك كافة المشاكل الأخرى التي كانت سببا رئيسيا في هذه الأزمة بالمقام الأول».
وخلال عملية دحر تقدم تنظيم داعش، احتلت قوات البيشمركة الكردية المناطق التي كانت تحت سيطرة الحكومة العراقية، مما يعني توسيع المنطقة التي تحكمها الحكومة الكردية الإقليمية المتمتعة بما يشبه الحكم الذاتي بنحو 50 في المائة.
وكان المقاتلون الشيعة الذين يعملون تحت مظلة «الحشد الشعبي» الذي يضم الميليشيات القوية المدعومة مباشرة من إيران إلى جانب مجموعات من المتطوعين العاديين، قد تحركوا في اتجاه أقصى الشمال إلى داخل المناطق التي كانت ذات أغلبية سنية. ولقد عبرت القوات الكردية السورية، مع وحدات الحماية الشعبية، الحدود من سوريا للمساعدة في أعمال القتال وتمكنت من احتلال أجزاء متاخمة لما تحتله قوات البيشمركة الكردية، وهم منافسوهم الألداء في النزاع الكردي - الكردي الأكثر تعقيدا.
وإلى جانب ذلك، لم يتم التعامل مع المظالم السنية التي ساعدت في إذكاء صعود المتطرفين أو تسويتها، مما يزيد من مخاطر أن دورة الحرمان والتهميش التي يشكو منها المكون السني، والتي ساهمت في صعود تنظيم داعش، ستعود مجددا.
إنها معركة معقدة وفوضوية بشكل كبير ويمكنها بسهولة إطلاق العنان لصراعات جديدة حيث إن المنتصرين في الحرب الحالية سوف ينقلب كل منهم على الآخر في محاولة للسيطرة على الأراضي التي خلفوها وراءهم.
وتعتبر بلدة طوز خورماتو المختلطة دينيا وعرقيا من أحد الأماكن التي اندلعت فيها التوترات في الصراع المسلح خلال العام الماضي ومرة أخرى في أبريل (نيسان) عندما قتل 12 مواطنا في الاشتباكات بين القوات الكردية والشيعية.
ويمثل الشيعة التركمان نسبة كبيرة من سكان البلدة، لكنها تضم في ذات الوقت أعدادا كبيرة من الأكراد والعرب السنة. ومنذ أن طردت القوات الكردية والميليشيات الشيعية مقاتلي تنظيم داعش من القرى المجاورة قبل عامين، ظلت طوز خورماتو تحت السيطرة الكردية. لكن الميليشيات الشيعية تملك مكاتب لها هناك وتسيطر على أغلب القرى المحيطة بالمدينة. وتتقاطع الخطوط الأمامية مع تلك المنطقة، وهي لا تعتبر آمنة لعبورها في الوقت الراهن. وخلال الشهور الأخيرة، نفذت الكثير من الهجمات الانتحارية من قبل مسلحي تنظيم داعش وساعدت في زيادة حدة التوتر هناك.
لكن المتطرفين لا يعدون التهديد الأكثر خطورة في الوقت الحالي، كما يقول اللواء محمود فارس محمود، والذي يقود الموقع الكردي في ضواحي طوز خورماتو والتي شاركت قواته في بعض حوادث إطلاق النار مع الميليشيات الشيعية. وقال اللواء فارس: «بكل صراحة، التهديد الأكبر الآن مصدره قوات الحشد الشعبي الشيعية»، مشيرا إلى الميليشيات الشيعية والتي يمكن رؤية راياتها من على بعد ميل. وأضاف قائلا: «يصعب تماما التعامل معهم. إنهم همجيون للغاية. وهم لا يحترمون أي اتفاقيات أو معاهدات، وبالتالي لا يمكننا الوثوق بهم. نشعر بالندم الشديد لأننا دعوناهم إلى هنا وعقدنا تحالفات معهم».
ولا تثق الحكومة العراقية وحلفاؤها في الحشد الشعبي الشيعي كما أنها لا تثق في الأكراد، والذي أعلن رئيسهم، مسعود بارزاني، في أكثر من مناسبة علنية أن حدود كردستان الجديدة تجري إعادة رسمها بالدماء، وأنه لن يتخلى عن شبر واحد من الأراضي الكردية التي استولت عليها قوات البيشمركة في القتال ضد تنظيم داعش.
يقول كريم نوري، الناطق الرسمي باسم منظمة بدر، وهي إحدى الميليشيات الشيعية الموجودة حول طوزخورماتو: «إن هذا الكلام محض هراء. ليست لدى أي أحد النية لأن يسمح لأي قوات بإعادة ترسيم الحدود»
ووفقا للمتحدث الرسمي باسم الحكومة العراقية سعد الحديثي فإن الحكومة المركزية تأمل في إعادة سلطتها على المناطق الخاضعة حاليا لسيطرة الأكراد بعد هزيمة قوات تنظيم داعش هناك. وأضاف: «أي تغيير يحدث من قبل أي شخص نتيجة للظروف الراهنة هو تغيير مؤقت وليس دائما. وهو أمر يعارض الدستور العراقي ولن نقبل به أبدا».
ويمكن لمعركة الموصل، برغم ذلك، أن تزيد من تعقيد الأمور. فللمرة الأولى منذ بدء الحرب ضد تنظيم داعش قبل عامين فإن الطيف الكامل للقوات التي عملت ضده تستعد للمشاركة بما فيها قوات البيشمركة الكردية، والميليشيات الشيعية، وبعض من قوات العشائر السنية العراقية، ومجموعتان من القوات المسيحية إلى جانب القوات الأميركية، والتي كانت قد بدأت في الانتشار في جنوب شرقي الموصل للعمل كمستشارين للحملة العسكرية هناك.
وعلى الرغم من أن مدينة الموصل هي في معظمها للعرب السنة، فإن البلدات والقرى المحيطة بها في محافظة نينوى تقطنها مجموعات كاملة من القوميات العراقية الأخرى، بما في ذلك السنة، والشيعة التركمان، والأكراد، والمسيحيون، والعرب واليزيديون، وطائفة صغيرة تسمى طائفة الشبك والذين يقترب مذهبهم من مذهب الشيعة. ولدى كل منها رؤى متضاربة للطريقة التي تجب بها إدارة المحافظة بعد تحريرها تماما، وهناك الكثير من المقترحات لطرق تقسيم المحافظة إلى أقاليم أصغر.
ويأمل الجانب العراقي في تجنب الصراعات في المستقبل، كما يقول أسعد الأسعد الناطق الرسمي باسم ميليشيات الحشد الشعبي. وأضاف قائلا: «أمامنا الكثير من العمل لنقوم به بعد رحيل (داعش)، ولن يكون أسهل من القتال معهم. ولكن بالنسبة للمشكلة المقبلة، فإن الحرب هي آخر الخيارات المتاحة لدينا، ذلك لأننا سئمنا من الحرب والقتال».
وتتواصل الفصائل المختلفة هناك بالكاد، مما يثير المخاوف من الاندفاع لفرض السيطرة على المناطق المحررة، وفقا لمسؤول كردي كبير، فضل الحديث من دون ذكر هويته لمناقشة المسائل الحساسة. وقال المسؤول الكردي «لا يتحدث أحد مع أحد الآن. وكل ما يشغل بال الجميع الآن أن يكون هو الأول في رفع رايته الخاصة في وسط المدينة. سوف تكون هناك فوضى عارمة وكبيرة».
ويقر المسؤولون الأميركيون بتلك المخاوف ويقولون إنهم على دراية بالصراع المحتمل عقب تحرير الموصل.
وقال المتحدث باسم الجيش الأميركي العقيد كريس غارفير «ليست المسألة في سقوط الموصل، ولكن متى سوف تسقط الموصل، وعندما يحدث ذلك، نريد للخطط أن تكون جاهزة لملء الفراغ السياسي وعودة سكان المدينة إلى منازلهم. لا بد من وضع تلك الخطط في أقرب وقت ممكن».
* خدمة: «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



فهمي: أي شخص يمس السيادة العربية «عدو» ولن نقف على الحياد

نبيل فهمي في أول مؤتمر صحافي له عقب تعيينه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية (الشرق الأوسط)
نبيل فهمي في أول مؤتمر صحافي له عقب تعيينه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية (الشرق الأوسط)
TT

فهمي: أي شخص يمس السيادة العربية «عدو» ولن نقف على الحياد

نبيل فهمي في أول مؤتمر صحافي له عقب تعيينه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية (الشرق الأوسط)
نبيل فهمي في أول مؤتمر صحافي له عقب تعيينه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية (الشرق الأوسط)

أكد الأمين العام الجديد لجامعة الدولة العربية نبيل فهمي أن سيادة الدول العربية «خط فيصلي» لا يُسمح بالمساس به، مؤكداً عزمه التصدي لكل «الأعداء» وما يهدد الأمن والمصالح العربية، والعمل على تبنِّي نهج لصيانة الأمن القومي العربي عبر 3 آليات.

وأوضح فهمي، في مؤتمر صحافي بمقر الجامعة في القاهرة، الاثنين، الآليات الثلاث وهي: «الأولى آلية للإنذار المبكر، والتي ستكون عيناً عربية ترصد الأزمات قبل وقوعها، والثانية خلية لإدارة الأزمات؛ تتحرك ساعة وقوعها، والثالثة مجلس للحكماء من قامات العرب؛ يسند القرار بخبرة وحكمة».

وقال فهمي، في المؤتمر الصحافي الأول له منذ توليه مهام منصبه في الأول من يوليو (تموز) الحالي، إن «الآليات الثلاث هي أمثلة غير حصرية لأدوات ضمن نهج استباقي، عنوانه أن يكون للأمن القومي العربي أدوات تأثير حقيقية».

ولتحقيق هذا النهج الاستباقي طرح فهمي 5 مسارات هي: مسار دبلوماسية عربية أكثر استباقية، تقرأ المتغيرات وتبادر بحل الأزمات، ومسار ترسيخ ثقافة المتابعة والتنفيذ، ومسار إعادة هيكلة الأمانة العامة وتحديث أدواتها، ومسار الاستثمار في الإنسان العربي والتكنولوجيا، أما المسار الخامس فيتعلق بوصل السياسة بالتنمية، وتوسيع دائرة المشاركة.

نبيل فهمي يؤكد عزم الجامعة على التصدي لكل «الأعداء» وما يهدد الأمن والمصالح العربية (الشرق الأوسط)

وقال الأمين العام إن «الاقتصاد ليس بمعزل عن الأمن، في ظل تحول الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة إلى ساحات صراع»، متعهداً البناء على «ما تنهض به الجامعة من عمل اقتصادي واجتماعي واسع، يكون له مردود على البشر»، مؤكداً أن «العالم العربي اليوم أمام تحديات تمس أمنه ومستقبله، ولا سبيل إلى تجاوزها إلا بعمل عربي جاد ومنهج واضح».

وأضاف: «الأمن القومي العربي بناء واحد على 3 ركائز؛ ركيزة سياسية تصون السيادة وتعلي الحق، وركيزة أمنية تحمي الدول من التهديد والاعتداء؛ وركيزة اقتصادية تجعل من التكامل العربي درعاً للاستقرار».

وجدد الأمين العام التأكيد مراراً خلال المؤتمر على أن «سيادة الدول العربية خط فيصلي لن يُسمح بالمساس به»، مشيراً إلى «الانتهاكات الإيرانية للأراضي السعودية والإماراتية والأردنية والكويتية والبحرينية، ومؤكداً أن «ما يمس أمن أي دولة عربية يمس أمن جميع الدول العربية». وقال إنه «سيتصدى لكل الأعداء، ولن يترك أي عدو؛ فما يمس السيادة العربية، ويحتل أرضاً عربية، ويظلم أي طرف عربي فهو عدو»، موضحاً أن تعريفه للعدو هو «أي شخص أو كيان يمس السيادة العربية».

الإطار الجامع

وأكد أن «الأمن القومي لا يقتصر على حدود السلاح؛ فالبحر الأحمر والخليج العربي، وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد موصول باستقرار المنطقة والعالم». وشدد على أن «جامعة الدول العربية تظل الإطار الجامع، والبيت الذي تلتقي فيه إرادة الدول العربية، حين تدرك أن مصالحها الوطنية تزداد قوة بعمل عربي أكثر تماسكاً».

وأضاف: «استمرار الاحتلال، وحرمان الشعب الفلسطيني من حقّه في تقرير مصيره، يستوجبان موقفاً عربياً ثابتاً، وتحركاً يرتقي إلى حجم المسؤولية»، مشيراً إلى ما تواجهه المنطقة من أزمات ممتدة في السودان، واليمن، والصومال. وأضاف: «موقفنا واحد: حلول سياسية ودبلوماسية؛ ووقف للاقتتال؛ وتوسيع للمساعدات الإنسانية؛ وصون لوحدة الدول؛ وعودة آمنة كريمة للنازحين واللاجئين»، مستطرداً: «تبقى الدولة الوطنية، بمؤسساتها ووحدتها وسيادتها، خط الدفاع الأول عن استقرار محيطنا العربي». وتابع: «إن صون سيادة الدول العربيّة مبدأ ثابت لا يقبل المساومة».

وأشار فهمي إلى أن «المرحلة المقبلة ستشهد تحركاً أكثر فاعلية للأمانة العامة في مختلف الملفات العربية، يرتكز على إصلاح وتطوير منظومة العمل العربي المشترك، وتعزيز التعاون الاقتصادي، والتعامل الاستباقي مع الأزمات الإقليمية»، مشدداً على أن «القضية الفلسطينية ستظل في مقدمة أولويات الجامعة، وأنها لن تقف على الحياد إزاء أي اعتداء يستهدف دولة عربية، أو يمس سيادتها».

الأمين العام لجامعة الدولة العربية يرد على أسئلة الصحافيين (الشرق الأوسط)

ورداً على سؤال لـ«الشرق الأوسط» بشأن تعزيز التعاون العربي في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، قال فهمي: «لا تأمين للأمن العربي دون الجانبين الاقتصادي والاجتماعي»، مشيراً إلى أن «تعزيز التعاون الاقتصادي سيزيد ثقة الرأي العام والحكومات في العمل العربي المشترك، بما ينعكس أيضاً على العمل السياسي العربي»، وقال إن «المصلحة المشتركة هي أساس نجاح أي عمل عربي جماعي».

وأشار إلى أن «هناك الكثير من جوانب العمل العربي لا يتم التركيز عليها من بينها جوانب التعاون الاقتصادي والاجتماعي وهو ما سيعكف عليه في الفترة المقبلة»

وتناول فهمي تطورات الأزمة مع إيران، مؤكداً أنه يجري اتصالات مستمرة مع وزراء خارجية الدول العربية المعنية بالملف الإيراني أو التي تعرضت لاعتداءات من جانب إيران، مؤكداً أن «موقف الجامعة العربية واضح، ويتمثل في دعم المصالح العربية، ورفض أي اعتداء على أي دولة عربية».

القمة في موعدها

وبشأن إمكانية التوسط بين إيران والولايات المتحدة قال فهمي إنه «سيفاجأ لو طلب منه الوساطة في الملف»، موضحاً أن «الجامعة لن تكون طرفاً محايداً في قضية يوجد فيها طرف عربي تعرض للاعتداء». وأضاف أن «قيام الجامعة بأي دور وساطة يستوجب طلباً من جميع الأطراف، ووجود تكليف عربي واضح يحقق المصلحة العربية».

وتابع: «الاتفاق المتعلق بإيران لا يزال هشاً، والاعتداءات لم تتوقف؛ ما يستوجب التعامل مع التطورات بعقلانية مع الحفاظ على ثوابت الأمن القومي العربي».

ورداً على سؤال بشأن عدم انعقاد القمة العربية الدورية في موعدها، قال فهمي: «المنطقة تمر بظروف وأزمات معقدة تجعل حركة بعض القادة والمسؤولين صعبة في الوقت الراهن»، مشدداً على «أهمية عقد القمة العربية في موعدها، والإعداد الجيد لها».


تلويح عسكري يمني وتحرك دبلوماسي ضد إيران

صورة متداولة لطائرة إيرانية في مطار صنعاء (إكس)
صورة متداولة لطائرة إيرانية في مطار صنعاء (إكس)
TT

تلويح عسكري يمني وتحرك دبلوماسي ضد إيران

صورة متداولة لطائرة إيرانية في مطار صنعاء (إكس)
صورة متداولة لطائرة إيرانية في مطار صنعاء (إكس)

رفعت الحكومة اليمنية سقف مواجهتها مع إيران على خلفية تسيير رحلة جوية إلى مطار صنعاء الخاضع لسيطرة الجماعة الحوثية، ملوحة لأول مرة بخيارات عسكرية للتعامل مع أي اختراق جديد للأجواء اليمنية، بالتزامن مع تحرك دبلوماسي يقوده رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي مع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، قبيل الجلسة الطارئة التي طلبتها الحكومة لمناقشة ما تصفه بانتهاك السيادة اليمنية.

وأعلن وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي أن القوات المسلحة ستتعامل مع أي طيران وصفه بـ«المعادي» ينتهك الأجواء اليمنية «بجميع الوسائل المتاحة»، مؤكداً أن الحكومة استنفدت الوسائل القانونية والدبلوماسية لإقناع إيران والحوثيين بعدم تسيير رحلات خارج الأطر المعتمدة، إلا أن الرحلة الأخيرة مثلت، حسب تعبيره، «تحدياً للشرعية الدولية».

وقال العقيلي، في بيان وجّهه إلى القوات المسلحة والشعب اليمني، إن الحكومة، بالتعاون مع المجتمعين الإقليمي والدولي، حاولت بكل الوسائل القانونية والدبلوماسية ثني طهران والجماعة الحوثية عن اختراق الأجواء اليمنية، عادّاً أن الاختراق الأخير يختلف عن سابقاته لأنه يمثل تحدياً مباشراً للشرعية الدولية.

وأضاف أن «الصبر نفد»، وأن القوات المسلحة «ستقوم بالرد المناسب على هذا العمل الغاشم، والتصدي للطيران المعادي المنتهك للأجواء والسيادة اليمنية بجميع الوسائل المتاحة حتى نلقن العدو درساً»، محملاً النظام الإيراني المسؤولية القانونية والأخلاقية عن أي تصعيد قد تشهده المرحلة المقبلة.

ويأتي هذا التصعيد العسكري بالتزامن مع تحركات سياسية مكثفة يقودها رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، الذي عقد، الأحد، لقاءين منفصلين مع القائم بأعمال السفارة الصينية في اليمن تشاو تشنغ، وسفير روسيا الاتحادية لدى اليمن يفغيني كودروف، في إطار المشاورات التي تجريها الحكومة مع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن قبل الجلسة الطارئة المقررة، الاثنين.

تحرك دبلوماسي

وحسب الرئاسة اليمنية، ركزت مباحثات العليمي مع المسؤولين الصيني والروسي على العلاقات الثنائية، إلى جانب التطورات المرتبطة بالرحلة الإيرانية إلى مطار صنعاء، وما تعده الحكومة اليمنية انتهاكاً لاختصاصاتها السيادية.

وأكد العليمي أن الحكومة اليمنية وحدها هي السلطة المختصة قانوناً بمنح تصاريح تشغيل الرحلات الدولية إلى الأراضي اليمنية، مشدداً على أن أي جماعة مسلحة، مهما كانت سيطرتها على الأرض، لا تمتلك حق ممارسة الاختصاصات السيادية أو إقامة علاقات خارجية باسم الدولة.

العليمي مجتمعاً مع السفير الروسي لدى اليمن (سبأ)

وحذّر من أن أي تعامل مباشر مع الجماعة الحوثية في هذا الملف يقوض قرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القراران (2140) و(2216)، ويمنح سلطات الأمر الواقع صلاحيات لا يعترف بها القانون الدولي.

كما أبلغ الرئيس اليمني المسؤولين الصيني والروسي أن تكرار تسيير رحلات إيرانية إلى صنعاء خارج موافقة الحكومة الشرعية سيشكل تصعيداً خطيراً، واختباراً جديداً لمدى التزام المجتمع الدولي بحماية المبادئ التي قام عليها النظام الدولي منذ تأسيس الأمم المتحدة.

رسائل إلى بكين وموسكو

وخلال لقائه القائم بأعمال السفارة الصينية، جدد العليمي اعتزاز اليمن بعلاقاته التاريخية مع بكين، مشيداً بدورها في دعم التنمية والاستقرار، ومعرباً عن تطلعه إلى الارتقاء بالعلاقات الثنائية بما يخدم مصالح البلدين.

كما أشاد بالموقف الصيني القائم على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها ورفض التدخل في شؤونها الداخلية، معرباً عن أمله في أن ينعكس هذا المبدأ على الموقف من القضية اليمنية، بوصفها اختباراً عملياً لاحترام سيادة الدول.

العليمي مجتمعاً مع القائم بأعمال السفير الصيني في اليمن (سبأ)

وجدّد العليمي، في المقابل، التزام بلاده الثابت بمبدأ «الصين الواحدة»، ورفضها أي خطوات تمس وحدة الأراضي الصينية أو سيادتها، معرباً عن تقدير حكومته للدعم الصيني المستمر لوحدة اليمن وسلامة أراضيه.

وفي لقائه السفير الروسي، أشاد العليمي بالعلاقات التاريخية بين البلدين، وبالدور الذي اضطلعت به موسكو في بناء مؤسسات الدولة اليمنية، مؤكداً أهمية مواصلة تطوير الشراكة بين الجانبين.

عرض بديل وطني للرحلات

وأوضح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني للمسؤولين الروس أن الحكومة لم تكن تعارض تشغيل مطار صنعاء لأغراض مدنية، وإنما ترفض توظيفه في أنشطة تخالف الأطر القانونية أو استخدامه لأغراض عسكرية.

وأشار إلى أن الحكومة قدمت مبادرة تقضي باستمرار الرحلات عبر شركة الخطوط الجوية اليمنية إلى أي وجهة يتم الاتفاق عليها، مع توفير الضمانات اللازمة لتأمين الرحلات والطواقم الجوية، إضافة إلى إمكانية استئجار طائرة لنقل عناصر الجماعة الحوثية من طهران وفق الإجراءات القانونية.

وفد حوثي وصل إلى طهران عبر طائرة انتهكت الأجواء اليمنية (إكس)

وعدّ أن رفض هذه المبادرة كشف أن القضية لم تكن ذات طابع إنساني كما تروج الجماعة الحوثية، وإنما محاولة لإحلال الرحلات الإيرانية محل الناقل الوطني، وهو ما قال إنه لا يمكن لأي حكومة مسؤولة القبول به.

وأكد العليمي أن إدارة المجال الجوي والموافقة على الرحلات الدولية اختصاص سيادي خالص للدولة اليمنية، محذراً من أن أي تجاوز لهذا المبدأ لن يقتصر أثره على اليمن، بل سيؤسس لسابقة قد تستغلها جماعات مسلحة في مناطق أخرى من العالم لممارسة وظائف سيادية وإقامة علاقات دولية خارج إطار الدول المعترف بها.

واختتم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني لقاءاته بالتأكيد على حرص بلاده على إقامة علاقات متوازنة مع مختلف الدول، معرباً عن تطلعه إلى موقف دولي منسجم مع مبادئ الأمم المتحدة يحمي سيادة الدول ويمنع أي محاولات للمساس بمؤسساتها الشرعية.


تدهور صحة قيادي نقابي معتقل لدى الحوثيين

عناصر حوثيون خلال تجمع لهم في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون خلال تجمع لهم في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (إ.ب.أ)
TT

تدهور صحة قيادي نقابي معتقل لدى الحوثيين

عناصر حوثيون خلال تجمع لهم في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون خلال تجمع لهم في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (إ.ب.أ)

أبدت نقابة الصحافيين اليمنيين قلقاً بالغاً إزاء التدهور الخطير في الحالة الصحية لنائب رئيس فرعها بمحافظة الحديدة (غرب)، وليد علي غالب، والمعتقل لدى الجماعة الحوثية منذ أكثر من عام، محملة الجماعة مسؤولية سلامته في ظل استمرار حرمانه من الرعاية الطبية اللازمة، ومنع وصول الأدوية إليه رغم معاناته من أمراض مزمنة.

ويأتي ذلك في وقت تتصاعد فيه القيود والإجراءات القمعية التي تفرضها الجماعة الحوثية على الصحافيين، والعاملين في قطاع الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي، وسط استمرار احتجاز عشرة صحافيين، وإعلاميين، بعضهم مضى على اعتقاله أكثر من 11 عاماً، وفقاً لنقابة الصحافيين اليمنيين.

وكانت الجماعة قد أفرجت أخيراً عن الناشط الإعلامي خالد الأنس في مدينة إب، بعد أربعة أيام من اعتقاله على خلفية منشور في مواقع التواصل الاجتماعي، كما أطلقت سراح نائب رئيس فرع اتحاد الأدباء والكتاب في المحافظة أحمد خرصان بعد احتجازه للأسباب ذاتها، فيما لا يزال عدد من الصحافيين رهن الاحتجاز في ظروف صحية وإنسانية صعبة.

وقالت نقابة الصحافيين اليمنيين، في بيان، إن وليد علي غالب، المحتجز لدى مخابرات الحوثيين منذ أكثر من عام، يعاني من مرض السكري، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض مزمنة أخرى، وإن حالته الصحية شهدت تدهوراً خطيراً نتيجة استمرار حرمانه من العلاج، والرعاية الطبية.

منع الحوثيون الأدوية عن القيادي في نقابة الصحافيين وليد علي غالب (إعلام محلي)

وأكدت النقابة أن استمرار احتجاز غالب ومنعه من الحصول على الأدوية اللازمة يمثلان انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان، والقوانين الوطنية، والمواثيق الدولية، محذرة من أن حياته باتت معرضة لخطر حقيقي، وحمّلت الجماعة الحوثية المسؤولية الكاملة عن أي تداعيات صحية قد تترتب على استمرار احتجازه.

وطالبت النقابة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن غالب، وجميع الصحافيين المعتقلين بسبب عملهم المهني، داعية إلى وقف استهداف العاملين في المجال الإعلامي، وعدم استخدام الاعتقال والتضييق الأمني وسيلة لمعاقبة الصحافيين على آرائهم، أو نشاطهم المهني.

كما دعت الاتحاد الدولي للصحافيين واتحاد الصحافيين العرب والمنظمات الدولية المعنية بحرية الصحافة وحقوق الإنسان إلى التحرك العاجل، والضغط من أجل ضمان سلامة الصحافيين المعتقلين، وتمكينهم من الحصول على الرعاية الصحية، والعمل على إطلاق سراحهم.

أوضاع صحية مقلقة

وأعادت النقابة اليمنية التأكيد على قلقها إزاء أوضاع جميع الصحافيين والإعلاميين المحتجزين، مشيرة إلى ورود معلومات متكررة عن تدهور أوضاعهم الصحية، واستمرار حرمان بعضهم من العلاج، والزيارات، ما يزيد من معاناة المعتقلين وأسرهم التي تنتظر منذ سنوات انفراج قضيتهم.

وذكرت النقابة أن عشرة صحافيين لا يزالون رهن الاحتجاز، بينهم وحيد الصوفي المخفي قسراً منذ أبريل (نيسان) 2015، ونبيل السداوي المعتقل منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2015، ووليد علي غالب نائب رئيس فرع النقابة في الحديدة، إضافة إلى عبد العزيز النوم، وعبد الجبار زياد، وحسن زياد، وعبد المجيد الزيلعي، وعاصم محمد.

صحافيون من دول مختلفة يتضامنون مع الصحافيين اليمنيين المعتقلين (إعلام محلي)

كما أشارت إلى استمرار احتجاز الصحافي ناصح شاكر منذ 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 لدى عناصر تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، مطالبة جميع الأطراف بالإفراج عن الصحافيين المحتجزين، واحترام حرية العمل الإعلامي.

ويعود اعتقال غالب إلى حملة أمنية شنتها الجماعة الحوثية في محافظة الحديدة في مايو (أيار) 2025، واستهدفت ستة صحافيين وإعلاميين، بينهم قياديون وناشطون في المجال الإعلامي، وهم حسن زياد، والمصوران عبد الجبار زياد، وعبد العزيز النوم، إلى جانب الناشطين عاصم محمد، وعبد المجيد الزيلعي.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أفرجت الجماعة عن الصحافي هيثم داود، والإعلامي قيس الشدادي بعد نحو عشرة أشهر من الاحتجاز، بينما أبقت آخرين رهن الاعتقال، وسط مطالبات حقوقية متواصلة بإنهاء استهداف الصحافيين.

تضييق ممنهج على الإعلام

ومنذ سيطرتها على العاصمة اليمنية صنعاء، فرضت الجماعة الحوثية قيوداً واسعة على العمل الصحافي، شملت إغلاق صحف معارضة، ومستقلة، وإنهاء نشاط مكاتب وسائل إعلام عربية ودولية كانت تعمل في اليمن لعقود.

كما فرضت على الصحافيين المتبقين في مناطق سيطرتها إجراءات مشددة، من بينها الحصول على تصاريح مسبقة لكل مهمة صحافية، ووجود مرافقين أمنيين خلال تنفيذ بعض التغطيات، إضافة إلى فرض مواد إعلامية معدة مسبقاً عبر الأجهزة التابعة للجماعة بما يتوافق مع توجهاتها السياسية.

اتهامات للحوثيين بالضلوع في التضييق على الصحافيين في مناطق سيطرتهم (إعلام محلي)

ودفعت هذه القيود نقابة الصحافيين اليمنيين إلى نقل جزء كبير من أنشطتها إلى مناطق سيطرة الحكومة اليمنية، في ظل صعوبة ممارسة دورها داخل المناطق الخاضعة للحوثيين، واستمرار تعرض الصحافيين والناشطين للملاحقة، والاحتجاز.

وترى أوساط حقوقية أن استمرار احتجاز الصحافيين، ومنعهم من العلاج أو التواصل مع أسرهم، يعكسان تصاعد الضغوط على حرية الصحافة في اليمن، في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية لحماية العاملين في المجال الإعلامي، وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب بحق المعتدين عليهم.