البقرة «المقدسة».. لاعب في السياسة الهندية

قد توحد «المنبوذين» والمسلمين ضد حزب مودي الحاكم

البقرة «المقدسة».. لاعب في السياسة الهندية
TT

البقرة «المقدسة».. لاعب في السياسة الهندية

البقرة «المقدسة».. لاعب في السياسة الهندية

تسببت البقرة «المقدسة» في إثارة مشكلات سياسية ضخمة لحزب بهارتيا جاناتا اليميني الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء ناريندرا مودي، وذلك جراء الفوضى التي أثارها حماة الأبقار بأجزاء مختلفة من الهند، مع إقدامهم على مهاجمة، بل وأحيانا قتل رعاة الأبقار ومن يشتبه في تناولهم لحوم البقر.
السياسات المرتبطة بالأبقار، التي تعد مقدسة عند طائفة الهندوس، عصفت بالهند لسنوات. وأخيرا، تفاقم الوضع مع إقدام بعض الهنود على قتل أو إذلال إخوانهم من الهنود لمجرد الاشتباه في أنهم قتلوا أبقارًا أو تناولوا لحومها.
ووقعت آخر هذه الحوادث عندما تعرض أربعة رجال شباب من طبقة «داليت» المعروفة بطبقة «المنبوذين»، التي تعد طبقة دنيا في الهيكل الاجتماعي بالبلاد، للجلد بالسياط بقسوة من جانب مجموعة من حماة الأبقار داخل ولاية كوجارات التي ينتمي إليها رئيس الوزراء ناريندرا مودي.
الشباب تعرضوا لتجريدهم من ملابسهم وتقييدهم إلى إحدى السيارات، ثم جرى سحلهم بالطرقات وضربهم على مدار قرابة خمس ساعات. وأثار الحادث موجة غضب وانقسامات سياسية واجتماعية عبر الهند. الملاحظ أنه منذ فوز حزب بهارتيا جاناتا الهندوسي الشوفيني في الانتخابات عام 2014، اجتاحت البلاد موجة من المشاعر الدينية القوية، وحملت معها قوانين جديدة لحماية الأبقار، ومطالب محمومة بتطبيقها بصرامة.
كثير من الهندوس المتدينين، خصوصًا في الولايات الهندية الشمالية، يعبدون البقرة باعتبارها «أم الجميع» التي توفر التغذية، عبر حليبها، وليس لحومها. وفوز بهارتيا جاناتا في الانتخابات عام 2014، جرى النظر إليه من قبل هؤلاء الهندوس المتدينين باعتباره حدث يعزز المصالح الهندوسية، مثل حماية الأبقار. واللافت أنه سعيًا لإحداث حالة من الاستقطاب في صفوف الناخبين خلال الفترة السابقة لانتخابات أشار كبار قيادات حزب بهارتيا جاناتا مرارًا إلى «الثورة الوردية»، التي زعموا أن حزب المؤتمر سيعمل على تيسيرها حال انتخابه مجددًا.
وكان المقصود من اختيار اللون الوردي في عبارة «الثورة الوردية» الإشارة إلى الذبح الجماعي للأبقار للحصول على لحومها. وبالفعل، شهدت الفترة التي أعقبت فوز بهارتيا جاناتا إحياء جمعيات حماية الأبقار وتناميًا كبيرًا في نشاطاتهم في ظل حكومة مودي. ومن المعتقد أن حزب بهارتيا جاناتا يمثل الأب الروحي لفكرة فرق حماية الأبقار.
وعلى مدار العامين الماضيين، مررت كثير من الولايات الهندية قوانين تحظر ذبح الأبقار، بل وحظرت بعضها حيازة واستهلاك لحوم الأبقار تمامًا.
لعبت البقرة والثور دورًا مهمًا في المشهد السياسي الهندي في الماضي أيضًا. على سبيل المثال، استعان حزب المؤتمر، الذي يمثل المعارضة الآن، بصورة زوج من العجول كشعار انتخابي له في وقت مضى. وفي وقت لاحق، استعانت رئيسة الوزراء السابقة التابعة لحزب المؤتمر، أنديرا غاندي، بصورة بقرة ترضع صغيرها كرمز للحزب.
من ناحية أخرى، وعلى الرغم من أن التمييز بين الطبقات جرى حظره في أعقاب نيل الهند استقلالها عن بريطانيا عام 1947، فإن هذه الممارسة لا تزال قائمة. وقد حددت الحكومات المتعاقبة حصصًا من الوظائف والمناصب الجامعية بهدف الحد من السلبيات التي تعانيها الطبقات الأدنى، لكن ثبت أن ثمة صعوبة كبرى وراء تغيير التوجهات الاجتماعية. وينظر الكثيرون من أبناء الفئات الهندية «المحظور لمسها» إلى حزب بهارتيا جاناتا، الذي يشن منذ أمد بعيد حملة ضد ذبح الأبقار، باعتباره غير متعاطف مع قضيتهم ومتحيزًا تجاه الهندوس المنتمين إلى الفئات العليا، وهذا ما ينفيه الحزب من جانبه. أيضًا، يقول المسلمون الذين يتناول الكثيرون منهم لحوم الأبقار إن بعض الجماعات الهندوسية تستهدفهم بذريعة حماية الأبقار.
شهدت الأسابيع القليلة الماضية حالة كبيرة من الصخب داخل البرلمان وفي وسائل الإعلام حول أعمال القتل التي ارتكبت باسم «حماية الأبقار». ووجه برلمانيون من المعارضة اتهامات لحكومة مودي وحزبه بهارتيا جاناتا بالفشل في حماية «المنبوذين» والمسلمين.
يذكر أنه من المقرر عقد انتخابات على درجة كبيرة من الأهمية بثلاث ولايات هندية العام المقبل. وفي الوقت الذي لا يعول بهارتيا جاناتا على أي دعم من المسلمين، فإنه يسعى بالفعل لاجتذاب أصوات «المنبوذين»، وتشير التقديرات إلى أن «المنبوذين» والمسلمين يشكلان معًا قرابة 35 ٍٍفي المائة من سكان الهند، مما يجعلهم قوة يُحسب لها ألف حساب.
وعليه، يخالج بهارتيا جاناتا شعور بالتوتر خوفًا من تأثير غضب «المنبوذين» سلبًا على إمكانات نجاح الحزب داخل ولايات البنجاب وأوتار براديش وكوجارات. في أوتار براديش، حيث يشكل المنبوذون 21 في المائة من السكان، يسعى الحزب بدأب للوصول إلى السلطة. وعليه، ليس أمام مودي سوى الاعتماد على قاعدته من ناخبي «المنبوذين»، الذين سبق أن دعموه بدرجة كبيرة أثناء الانتخابات البرلمانية عام 2014. وعليه، فإن أي تراجع في هذا الدعم ووقوف «المنبوذين» والمسلمين صفًا واحدًا سيؤتي بنتائج كارثية على الحزب.
من جانبهم، شعر خصوم حكومة ناريندرا مودي بفرح شديد حيال الرفض الشعبي والتعبئة المضادة التي قامت بها منظمات ممثلة لـ«المنبوذين»، مما أدى إلى تجميد خطة بهارتيا جاناتا الطموحة بحشد أصوات «المنبوذين» خلف الحزب.
وفي ظل هذه الظروف، ما من سبيل أمام رئيس الوزراء سوى محاولة تناول مظالم «المنبوذين». جدير بالذكر أن رئيس الوزراء عادة ما يتحاشى التعليق على التطورات السياسية الداخلية، ويحاول العمل بجد على بناء نموذج للتواصل يبدو في إطاره بمنأى عن التشاحنات السياسية اليومية.
وبالفعل، خرج مودي أخيرًا عن صمته، وحذر المواطنين بضرورة الحذر ممن يحاولون الظهور بمظهر حماة الأبقار بينما يحاولون حقيقة الأمر إشعال فتيل التوترات الاجتماعية. وأعلن أنه «على جميع الولايات اتخاذ إجراءات صارمة ضد أمثال هؤلاء».
وأضاف: «إنهم حفنة من الأشخاص يسعون لتدمير نسيجنا الاجتماعي وخلق الفوضى وضرب وحدة الهند وتأجيج التوترات باسم حماية الأبقار».
والمؤكد أن إثارة سخط «المنبوذين» آخر ما يرغب فيه بهارتيا جاناتا في وقت تبدو الساحة السياسية متخمة بمشكلات أخرى.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended