الرئيس التركي يوقف «تجمعات حراسة الديمقراطية» مؤقتًا

سعودي شارك فيها يوميا وقدم 10 ذبائح حبًا في إردوغان

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يلقي كلمة أمام الجماهير المشاركة في التجمع الأخير لـ«حراسة الديمقراطية» بالقرب من القصر الجمهوري بالعاصمة أنقرة أول من أمس (رويترز)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يلقي كلمة أمام الجماهير المشاركة في التجمع الأخير لـ«حراسة الديمقراطية» بالقرب من القصر الجمهوري بالعاصمة أنقرة أول من أمس (رويترز)
TT

الرئيس التركي يوقف «تجمعات حراسة الديمقراطية» مؤقتًا

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يلقي كلمة أمام الجماهير المشاركة في التجمع الأخير لـ«حراسة الديمقراطية» بالقرب من القصر الجمهوري بالعاصمة أنقرة أول من أمس (رويترز)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يلقي كلمة أمام الجماهير المشاركة في التجمع الأخير لـ«حراسة الديمقراطية» بالقرب من القصر الجمهوري بالعاصمة أنقرة أول من أمس (رويترز)

دعا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الشعب إلى وقف مؤقت لتجمعات «حراسة الديمقراطية» التي بدأت منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف يوليو (تموز) الماضي واستمرت كل مساء في ميادين مختلفة في أنحاء تركيا استجابة لدعوة من إردوغان لمواجهة أي خطر محتمل من جانب الانقلابيين. وقال إردوغان في كلمة وجهها، بعد أن تحولت أيام تجمعات «حراسة الديمقراطية» إلى حشد جماهيري تركي بالقرب من القصر الرئاسي في أنقرة: «سنوقف (تجمعات حراسة الديمقراطية) مؤقتا، وسندافع عن ديمقراطيتنا وحريتنا ودولتنا ومستقبلنا داخل منازلنا وأماكن عملنا وفي كل مكان».
ولم يكن الأتراك هم الوحيدون الذين وقفوا ضد محاولة الانقلاب الفاشلة، التي شهدتها بلادهم، بل شاركهم في ذلك مواطنون من دول مختلفة حول العالم، وتحديدًا من العالمين العربي والإسلامي. وممن حرصوا على الوجود في هذه التجمعات رجل الأعمال السعودي خالد الشريف، الذي ترك أعماله في جدة وجاء إلى إسطنبول التركية، ليشارك آلاف الأتراك في ميادين وشوارع المدينة مظاهراتهم المنددة بالانقلاب الفاشل، والمؤيدة للحكومة المنتخبة. وتحدث الشريف، البالغ من العمر 68 عامًا مع وكالة أنباء «الأناضول»، قائلا إنه سمع بمحاولة الانقلاب بتركيا عبر التلفزيون، وقدم إلى تركيا مصطحبًا زوجته وأبناءه الخمسة، للتعبير عن رأيه الرافض للانقلاب، ودعم رئيس البلاد رجب طيب إردوغان الذي يُكنُّ له «المحبة». وأضاف: «أتابع الأحداث في تركيا، البلد المسلم، على الدوام.. ومنذ 16 يوليو الماضي وأنا في ميادين وشوارع إسطنبول أشارك كل ليلة في (مظاهرات حراسة الديمقراطية) رافعًا بيدي العلم التركي». وأشار رجل الأعمال السعودي إلى أهمية دعم البلدان الإسلامية بعضها لبعض، مضيفًا: «في اللحظات التي وطأت فيها قدماي تركيا، سألت عن حال إردوغان الذي أحبه كثيرًا، وارتحت عندما علمت بأنه بصحة جيدة». وأردف قائلاً: «رغم أن آخر زيارتي لتركيا كانت قبل 42 عامًا، فإنني أتابع التطورات الاقتصادية والاجتماعية فيها عن قرب، وأود أن أعرب عن احترامي الكبير لشخص الرئيس إردوغان لمساعيه الحثيثة في الجزيرة العربية وتركيا من أجل الإسلام». ومضى الشريف قائلاً: «إن إردوغان قائد كبير، وهو رجل ينبغي تقديم الدعم له من قبل جميع مسلمي العالم، ومن أجل هذا تركت جميع أشغالي وأعمالي ببلادي وأتيت مع أسرتي إلى هنا». وأعرب الشريف عن اعتزازه الكبير بمشاركته في المظاهرات وارتدائه قميصًا نُقش عليه العلم التركي، مضيفًا: «صدّ الشعب التركي ورئيسه محاولة الانقلاب، مثال يحتذى عند جميع دول المنطقة، كما أننا، نحن الشعب في المملكة العربية السعودية، نؤكد دعمنا لتركيا».
ولفت إلى أنه شارك في مظاهرة «تجمع الديمقراطية والشهداء» في ميدان يني كابي بإسطنبول، الأحد الماضي، الذي شهد أكبر مظاهرة منددة بالانقلاب الفاشل في تركيا، بحضور رئيس البلاد رجب طيب إردوغان والحكومة والأحزاب الثلاثة الكبرى بالبرلمان التركي، لافتًا إلى أنه قدم 10 ذبائح شكرًا لله بسبب فشل الانقلاب في تركيا.
وأضاف: «منظر المتظاهرين كان في غاية الروعة، وسالت الدموع من عيني أمام هذا المشهد، وسط قرابة 5 ملايين متظاهر، كانت رسالة مهمة حول استقرار البلاد، وأنا سعيد جدًّا لمشاركتي في تلك التظاهرة».
كما أظهر صمود المرأة التركية خلال المحاولة الانقلابية الفاشلة التي شهدتها تركيا مدى الشجاعة وحب الوطن.
وعقب ورود أول الأنباء عن شروع مجموعة من الجيش التركي في تنفيذ محاولة انقلاب على الحكومة المنتخبة ديمقراطيا بالبلاد، تكاتفت السيدات مع الرجال والشباب، صانعين تكتلات منيعة حالت دون نجاح الانقلاب، لا سيما بعد دعوة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ملايين الأتراك إلى النزول إلى الميادين وحماية بلدهم من قبضة الانقلابيين.
وسرعان ما ملأت النساء الشوارع والميادين، في مختلف المدن بالبلاد، في ظاهرة فريدة من نوعها، أحيت في العقول نماذج مشابهة على مر التاريخ التركي.
وتوجه كثير من السيدات للوقوف أمام الدبابات والعربات المصفحة، للحيلولة دون السيطرة على مؤسسات حيوية بالدولة، فيما توجهت أخريات إلى الجنود والضباط المسلحين، لإقناعهم بالتخلي عن هذه التصرفات، والوقوف في صف الشعب، وهن على ثقة كاملة بأنهم لن يطلقوا عليهن النيران، إيمانا بأنهم أبناء هذا الوطن.
ومن هؤلاء النساء تركان تكين، ربة منزل (52 عاما)، ضربت مثلا في التضحية من أجل وطنها، عند تلقيها خبر توجه إحدى الدبابات بمنطقة آسانلر بمدينة إسطنبول، صوب مطار أتاتورك الدولي للسيطرة عليه، فتقدمت وسط الحشود ودفعت بنفسها أمام الدبابة، لمنعها من تحقيق هدفها، ما أسفر عن استشهادها، بعد نقلها إلى المستشفى، تاركة وراءها زوجها وثلاثة أبناء. وتُعد عائشة أيكاج، 44 عاما، من أبرز النماذج النسائية التي لمع اسمها في هذا اليوم، فعقب سماعها دعوة الرئيس إردوغان بالخروج إلى الميادين، توضأت وصلت، وودعت أبناءها، وخرجت مع زوجها، صوب جسر «شهداء 15 يوليو» (البوسفور سابقا)، الذي كان تحت سيطرة الانقلابيين حينها، وعند تقدمها نحوهم، استشهدت عقب إطلاق النار عليها، مُخلفة وراءها 4 أطفال.
عائلة شوكاتلي أوغلو أيضا لم تكن تضحياتها من أجل بلدها أقل، فخرج الزوج «شفيق» وزوجته «وحيدة»، من منطقة آسانلر للمشاركة في الدروع البشرية التي كانت تحمي المطار حينئذ، في انتظار وصول الرئيس إردوغان، لكن تقدمت نحوهما دبابة بسرعة كبيرة، ساحقة تحتها عددا من المواطنين، ما أسفر عن استشهاد زوجها وإصابتها بجروح بالغة، نُقلت على أثرها إلى المستشفى.
ولا يزال الأطباء في مستشفى إسطنبول الجامعي، يواصلون محاولاتهم الحثيثة لإنقاذ القدم اليسرى الباقية لها، بعد أن أجبروا على بتر القدم اليمنى، عقب 9 عمليات من أجل إبقائها على قيد الحياة.
وعلى جسر «شهداء 15 يوليو» أيضا، تقدمت صفية بايات، 34 عاما، نحو الجسر، عقب خروجها من بيتها بعد منتصف ليل 15 يوليو، وعقب سيرها قرابة 45 دقيقة، وصلت للجسر، إلا أنها لم تعبأ بتحذيرات أفراد الشرطة المتمركزة هناك من الأخطار، التي قد تتعرض لها نتيجة شجاعتها الكبيرة، وتقدمت مباشرة صوب الجنود، وهي على ثقة بأنهم لن يمسوا النساء بسوء.
أخذت صفية بثقة تامة وشجاعة لا مثيل لها، تقنع الجنود والضباط بمدى الأخطاء التي ارتكبوها، راجية إياهم بالتراجع والانسحاب، ما دفعهم في النهاية إلى إطلاق أعيرة نارية في الهواء لإخافتها وإبعادها.
وأثناء مساعدتها أحد المصابين على الجسر، أصيبت بطلق ناري في ساقها، نُقلت على أثرها إلى المستشفى.
وقالت صفية لوكالة أنباء «الأناضول» عقب تعافيها نسبيا بعد حقن ساقها بالبلاتين: «لست مدركة حتى الآن كيف توجهت بهذه الشجاعة نحو قوات الجيش»، مشيرة إلى أنها تحولت إلى إنسانة أخرى وتغير الدم في عروقها عندما سمعت كلمة «الوطن».
وتعد شريفة بوظ، من أشهر النماذج النسائية التي صمدت أمام المحاولة الانقلابية الفاشلة، حيث لم تكتف بالمشاركة في الحشود المتظاهرة في ميدان «تقسيم» وسط مدينة إسطنبول، بل ركبت سيارة نقل كانت مركونة أمام بيتها في حي «ليفنت» دون تردد أو خوف، وشرعت في نقل المتظاهرين من أماكن مختلفة إلى مناطق تجمع الحشود، على الرغم من عدم امتلاكها رخصة قيادة.
ولقيت شجاعة وصمود شريفة إعجابا كبيرا في قطاعات كبيرة من الشعب التركي وعلى رأسها رئيس الوزراء بن علي يلدريم وانتشرت صورها عبر قنوات التلفزيون والصحف ومواقع الإنترنت.
ولم تمنع السن المتقدمة فكرية تمال، 75 عاما، من الخروج بعصاها الخشبية، مع ابنتها نعمة، لمواجهة الانقلابيين على جسر «شهداء 15 يوليو»، مما أكسبها شهرة كبيرة عقب انتشار صور لها وهي رافعة عصاها أمام الانقلابيين على مواقع التواصل الاجتماعي.
ووصفت فكرية هذه الحادثة قائلة: «لم أشعر بالخوف قط، ولو عاد بي الزمن لكررت ما قمت به» مضيفة: «شعرت بقوة لا توصف لدرجة أنني ظننت عصاي الخشبية بندقية آلية».
ومن الحوادث الطريفة التي حدثت بعد انقلاب 15 يوليو، والتي تدل على هلع المواطنين الأتراك من تكرار محاولة الانقلاب، أن هرع مواطنون أتراك في ولاية سييرت، جنوب شرقي تركيا، إلى مبنى الولاية وتجمعوا أمامه فيما اتصل آخرون بالشرطة، لاعتقادهم بوقوع محاولة انقلاب جديدة في البلاد بعد أن رفع أحد الأئمة أذان الفجر قبل موعده بساعة. وأثار رفع الأذان في غير موعده قلق سكان حي بهشلي إيفلار في سييرت، لا سيما أن مكبرات الصوت في المساجد رفعت الأذان ليلة محاولة الانقلاب ودعا الأئمة الناس للخروج إلى الشوارع.
واتصل بعض المواطنين بالشرطة للاستفسار عن وجود أي محاولة جديدة للانقلاب أو اضطرابات تستدعي خروجهم إلى الشوارع والميادين، وقال أحد المواطنين إنه خرج من منزله أثناء الأذان لقلقه من وقوع انقلاب جديد، مشيرا إلى أنه اتصل بأصدقائه أيضا لاستطلاع الأمر.
وأضاف: «بعض المواطنين أظهروا حساسية عالية واتصلوا بالشرطة، فيما خرج كثيرون إلى الشارع، وتجمع البعض أمام مبنى الولاية».
وقالت رئيسة التنظيم النسائي في حزب العدالة والتنمية الحاكم في سييرت، تورتان تيميز، إنهم سمعوا صوت الأذان أثناء مواصلتهم التظاهر في الميدان (مظاهرات حراسة الديمقراطية)، مشيرة إلى أنهم استغربوا ذلك جدا. وأشارت إلى تنفسهم الصعداء عقب معرفتهم بأن الأذان رفع قبل موعده بساعة عن طريق الخطأ، لافتة إلى أن المواطنين الذين سمعوا صوت الأذان أتوا إلى أمام مبنى الولاية في حالة قلق.



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.