تركيا تنشئ أول صندوق سيادي للمشروعات الاستراتيجية

خفض سعر الفائدة على المساكن.. وجدولة ديون الفلاحين

خطوات واسعة تتخذها الحكومة التركية لتنشيط الاقتصاد وتحظى بقبول شعبي واسع (رويترز)
خطوات واسعة تتخذها الحكومة التركية لتنشيط الاقتصاد وتحظى بقبول شعبي واسع (رويترز)
TT

تركيا تنشئ أول صندوق سيادي للمشروعات الاستراتيجية

خطوات واسعة تتخذها الحكومة التركية لتنشيط الاقتصاد وتحظى بقبول شعبي واسع (رويترز)
خطوات واسعة تتخذها الحكومة التركية لتنشيط الاقتصاد وتحظى بقبول شعبي واسع (رويترز)

بدأت الحكومة التركية الإعداد لإنشاء أول صندوق سيادي في تاريخ تركيا لدعم مشاريعها الاستراتيجية والتنموية طويلة الأمد بتمويل منخفض التكاليف، على أن يتبع الصندوق الجديد مباشرة مكتب رئيس مجلس الوزراء.
وقدمت الحكومة إلى البرلمان التركي الأسبوع الماضي مشروع قانون أدرج على مناقشات البرلمان، ينص على إنشاء شركة مساهمة تدير صندوقا سياديا وتكون تابعة مباشرة لرئاسة الوزراء وتدار وفقًا لمبادئ الإدارة المهنية والأحكام القانونية الخاصة. وتضمن مشروع القانون إنشاء صناديق استثمارية أخرى تكون تابعة للصندوق السيادي، وفقًا لحاجة البلاد.
وارتفعت وتيرة التطور في الصناديق السيادية حول العالم، بقيام عشرات الدول بإنشاء صناديق سيادية منذ 2005. وأظهر تقرير صادر عن معهد صناديق الثروة السيادية، وهي منظمة دولية تدرس صناديق الثروة السيادية حول العالم، في أبريل (نيسان) الماضي، أن 4 صناديق سيادية توجد في منطقة الخليج العربي من ضمن أكبر 10 صناديق حول العالم، مقرها السعودية والكويت وقطر والإمارات.
والصناديق السيادية، هي كيانات استثمارية تقدر بتريليونات الدولارات، مهمتها إدارة الثروات والاحتياطيات المالية للدول، وتتكون من أصول متنوعة، مثل العقارات والأسهم والسندات وغيرها من الاستثمارات.
وتهدف الحكومة التركية من وراء مشروع القانون، إلى دخول تركيا نادي العمالقة المالكين لصناديق سيادية، وهي الدولة الوحيدة بين دول مجموعة العشرين (G20)، التي لم تكن تمتلك صندوقًا سياديا.
ويبلغ مجموع قيمة أصول أكبر 15 صندوقًا سياديا في العالم، 10 تريليونات و793.5 مليار دولار، استنادا إلى معطيات معهد صناديق الثروات السيادية.
وتتصدر الولايات المتحدة عبر صناديقها السيادية الدولية لائتمان الضمان الاجتماعي (Social Security Trust Funds)، بقيمة أصول تبلغ تريليونين و813 مليار دولار، تليها اليابان بصندوق المعاشات الحكومية الاستثماري (Government Pension Invesment Fund) بقيمة تريليون و918 مليار دولار. ويأتي الصندوق السيادي النرويجي الحكومي للتقاعد (Government Pension Fund Global) ثالثًا، بقيمة 846.7 مليار دولار، والصين بقيمة 813.8 مليار دولار، والإمارات العربية المتحدة 792 مليار دولار، والكويت 592 مليار دولار، والسعودية 582.4 مليار دولار.
وتوقع وزير الاقتصاد التركي نهاد زيبكجي أن تبلغ قيمة أصول الصندوق السيادي التركي المقترح مائتي مليار دولار، وإن طبقت تقديرات الوزير زيبكجي، تكون تركيا قد امتلكت واحدًا من أكبر 20 صندوقا سياديا حول العالم.
ويقول أرجون جودك الإداري في مصرف «دنيز بانك» في تركيا، الذي تمتلك روسيا غالبية أسهمه، إن مبادرة أنقرة لإنشاء صندوق سيادي «تأخرت»، وذلك بحكم موقعها كعضو في مجموعة العشرين. لافتا إلى تسابق الدول في إنشاء صناديق سيادية.
وأضاف أن «قيمة أصول الصناديق السيادية ارتفعت بأكثر من 3 تريليونات دولار في الفترة بين 2008 و2015.. والنفط والغاز الطبيعي يشكلان أكثر من 4 تريليونات دولار من مجموع أصول الصناديق السيادية في العالم».
* إجراءات لتعزيز الاستثمار:
وأعلن رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، الثلاثاء، أن البنك المركزي سيضخ 90 مليون دولار في الأسواق «قريبا» لتعزيز الاستثمارات، كما سيتم وضع قواعد جديدة لتعزيز نظام التضامن الاجتماعي وضمانات للقروض في القطاع الزراعي.
وأضاف أن الحكومة ستعيد جدولة ديون الفلاحين، البالغة 215 مليون دولار، وتمديد فترة السماح بالسداد إلى خمس سنوات مع إعفائهم من بعض أعباء هذه الديون.
وأشار يلدريم، في كلمة أمام الاجتماع الأسبوعي للكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية الحاكم بالبرلمان التركي، إلى أنه سيتم تعيين 15 ألف معلم جديد بدلا عن المعلمين الذين ألغيت تراخيص عملهم بعد محاولة الانقلاب الفاشلة منتصف يوليو (تموز) الماضي، كما سيتم تعيين 10 آلاف شرطي داعيا الشباب للتقدم إلى هذه الوظائف.
على صعيد آخر، أعلن البنك الزراعي التركي وبنك الاقتصاد التركي أمس الأربعاء خفض سعر الفائدة الشهري على قروض الإسكان، بعد أن دعا الرئيس رجب طيب إردوغان البنوك في الأسبوع الماضي لخفض تكاليف الإقراض من أجل دعم مبيعات المساكن.
وذكر البنك الزراعي في بيان أن العمل بأسعار الفائدة الجديدة، التي لم يذكرها البيان، يبدأ اعتبارا من أمس. وكان سعر الفائدة الشهري على قروض المساكن يبلغ 1.2 في المائة، وأصبح بعد التخفيض الجديد 0.9 في المائة.
* نمو صناعي:
في الوقت نفسه، كشف وزير العلوم والصناعة والتكنولوجيا التركي فاروق أوزلو، أن قطاع الصناعة في البلاد سجل نموًا بنسبة 4.3 في المائة خلال النصف الأول من العام الحالي.
وقال الوزير التركي في بيان حول مؤشرات الإنتاج الصناعي لشهر يونيو (حزيران) الماضي، المعلنة من قبل هيئة الإحصاء التركية، إن الإنتاج الصناعي ارتفع في يونيو بنسبة 1.1 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وأشار إلى أن الإنتاج الصناعي واصل ارتفاعه حتى وإن كان تحت التوقعات بفارق ضئيل.
وأكد أوزلو أن الإنتاج الصناعي يعد مؤشرًا لنمو البلد، والقوة المحركة له، معتبرًا أن نموه في الأشهر الستة الأولى من العام الحالي؛ رغم الغموض في الأسواق الخارجية، والاضطرابات في محيط تركيا، مؤشر على نمو البلد السريع.
وشدد الوزير على أن الحكومة اتخذت خطوات جديدة من أجل فتح الطريق أمام الصناعيين، وزيادة الإنتاج رغم التطورات الاستثنائية التي شهدتها البلاد جراء محاولة الانقلاب الفاشلة.

الميزان التجاري
وفي سياق ذي صلة، شهدت صادرات تركيا إلى بريطانيا خلال النصف الأول من العام الحالي ارتفاعا بنسبة 17 في المائة، مقارنة مع النصف الأول من العام الماضي، لتصبح 6 مليارات و302 مليون و514 ألف دولار أميركي.
ووفقا لبيانات هيئة الإحصاء التركية، شهدت صادرات تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، خلال النصف الأول من العام الحالي، ارتفاعا بنسبة 10.4 في المائة، لتصبح 34 مليارا و369 مليونا و32 ألف دولار، في حين أن الواردات انخفضت بنسبة 2.8 في المائة خلال الفترة المذكورة، لتصبح 38 مليارا و876 مليونا و129 ألف دولار.
وانخفضت واردات تركيا من الاتحاد الأوروبي، خلال السنوات الخمس الأخيرة بنسبة 9.4 في المائة لتصبح 38 مليارا و876 مليونا و129 ألف دولار، بعد أن كانت 42 مليارا و930 مليونا و622 ألف دولار.
واحتلت ألمانيا المركز الأول بين بلدان الاتحاد الأوروبي من حيث الصادرات والواردات التركية، إذ بلغ حجم الصادرات التركية إليها، نحو 6 مليارات و994 مليونا و425 ألف دولار، بينما الواردات بلغت 10 مليارات و899 مليونا و25 ألف دولار.
وشهدت صادرات تركيا إلى بريطانيا ارتفاعا بنسبة 53 في المائة، خلال السنوات الخمس الأخيرة، بعد أن كان حجم الصادرات التركية إلى بريطانيا خلال النصف الأول من عام 2012. نحو 4 مليارات و124 مليونا و778 ألف دولار.
وأظهرت البيانات أن واردات تركيا من بريطانيا، خلال النصف الأول من العام الحالي، انخفضت بنسبة 4.6 في المائة لتصبح مليارين و629 مليون دولار، بينما انخفضت الواردات بنسبة 2.85 في المائة، خلال السنوات الخمس الأخيرة.
* عثرات لنمو طموح:
واستهلت تركيا العام الحالي بتوقعات تشير إلى أن الأداء الاقتصادي للبلاد سيتحسن متأثرا بخطط مالية تعزز الاعتماد على السوق المحلية وتخفض من مستوى الاستيراد، إضافة للتفاؤل بتجاوز الأزمات الداخلية والخارجية التي واجهتها تركيا العام الماضي.
وأعلنت تركيا أن معدل النمو المتوقع خلال العام الحالي يبلغ 5 في المائة، بعد معدل العام الماضي الذي كان في حدود 3.4 في المائة في ظل عقبات واجهها الاقتصاد التركي، مع توقعات بتراجع البطالة إلى 10 في المائة.
لكن الحوادث الإرهابية المتعاقبة ومحاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في منتصف يوليو الماضي، دعت إلى نوع من الحذر في التقديرات.
وبعد أسبوع واحد من محاولة الانقلاب، خفضت وكالة ستاندرد آند بورز التصنيف الائتماني لتركيا إلى دون الدرجة الاستثمارية، موضحة أن محاولة الانقلاب التي شهدتها البلاد أضعفت البيئة الاقتصادية والاستثمارية.
وأشارت إلى أن الانقسام السياسي الحاد والمتزايد في تركيا، إضافة إلى تآكل الضوابط والتوازنات المؤسسية، أثرّا سلبا على البيئة الاستثمارية في البلاد.
كما رفعت الوكالة في مطلع أغسطس (آب) الحالي تقييمها لمخاطر تركيا إلى «عالي المخاطر» من «عالي المخاطر باعتدال» وذلك إثر المحاولة الانقلابية الفاشلة.
وتأتي الخطوة بعـد أن خفضـت الوكالـة في الشهـر المـاضي تصنيفهـا للـديـون السيـادية لتركيا إلى نطاق «عديمـة القيمة» وغيـرت نظرتها المستقبلية لها إلى «سلبية»، قائلة إن الانقسام السياسي تفاقم منذ المحاولة الانقلابية التي قام بها فصيل داخل الجيش.
وكانت أوساط اقتصادية عالمية كثيرة قد حذرت من مخاطر حملة التطهير والاجتثاث الواسعة في مؤسسات الدولة التركية منذ الانقلاب، وقالت إنه سيكون لها تداعيات على العلاقات الاقتصادية وحركة الاستثمارات. وقد ظهر تأثيرها بشكل كبير على حركة السياحة في البلاد.
وأظهرت بيانات وزارة السياحة التركية حدوث انهيار كبير في عدد السياح، قبل الانقلاب الفاشل وما تبعه من عمليات تطهير في مؤسسات الدولة، أدت إلى زعزعة ثقة السياح والمستثمرين في مستقبل البلاد.
وأعلنت وزارة السياحة التركية بيانات أظهرت تراجع عدد السياح الأجانب بنسبة تقارب 41 في المائة في شهر يونيو مقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي، ما يشكل أدنى مستوى له لهذا العام بسبب تزايد الاعتداءات الإرهابية والخلاف مع روسيا، الذي أدى إلى عزوف سياحها عن زيارة البلاد.
ويرجح المراقبون أن تظهر البيانات في المستقبل انهيارا أوسع في النشاط السياحي تغطي فترة ما بعد الانقلاب.
وتسعى الخطط الحكومية متوسطة المدى إلى خفض نسبة التضخم من 8.8 في المائة العام الماضي إلى 7 في المائة مع نهاية العام الحالي، وإلى 6 في المائة العام المقبل، و5 في المائة في عام 2018.
وكان الاقتصاد التركي قد سجل نموا بلغ 2.9 في المائة عام 2014. في حين بلغت القيمة الإجمالية للناتج المحلي 798 مليارا و400 مليون دولار.



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.