تدخل فنزويلا مرحلة جديدة من الغموض، مع تطور الأحداث السياسية فيها، والتي قد تنزلق باقتصاد البلاد إلى مستويات أكثر خطورة مما هي عليه الآن.
وأدى انخفاض أسعار النفط إلى انهيار اقتصاد فنزويلا التي تستورد كل ما تستهلكه تقريبًا؛ الأمر الذي تبعه إجراءات حكومية مؤلمة من شأنها القضاء على مناخ الاستثمار في البلاد، كان أخرها تأميم شركة أميركية كانت قد توقفت عن الإنتاج نتيجة الظروف الراهنة.
ولم تعد فنزويلا تملك الموارد المالية الكافية لتغطية مصاريفها، كما اختفت نحو 80 في المائة من المواد الأولية بشكل شبه تام من الأسواق، نتيجة الحرب السياسية التي تشهدها البلاد بين السلطة التنفيذية والمعارضة التي تريد إجراء استفتاء من أجل رحيل الرئيس نيكولاس مادورو عن السلطة قبل انتهاء ولايته.
وفي محاولة منها لتفادي الأزمة الاقتصادية، وقعت الحكومة الفنزويلية يوم الجمعة الماضي، اتفاقات لاستثمار مناجم مع ثماني شركات بينها الكندية «كاناديان غولد ريزرف»، تبلغ قيمتها 4.5 مليارات دولار، في وقت يشهد اقتصاد البلاد انهيارا مع انخفاض أسعار النفط.
وقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال توقيع هذه الاتفاقات مع مجموعات فنزويلية وأجنبية بينها الكندية «اينيرغولد»: «نوقع عقودًا بقيمة 4.5 مليارات دولار تمتد لبقية عام 2016 وعام 2017». وتقع المشاريع في منطقة أورينوكو المنجمية التي تضم احتياطات كبيرة من الذهب والألماس والحديد والنحاس.
وقال وزير تطوير المناجم روبرتو ميرابال إن العقد المبرم مع الكندية «غولد ريزرف» يتعلق باستثمار الذهب والنحاس في إطار مشروع لاس بريزاس الذي يمتد 27 عاما وتتوقع الدولة أرباحًا منه تبلغ 14 مليار دولار. وفي إطار هذه العقود الجديدة ستحصل الحكومة الفنزويلية على 55 في المائة من العائدات إلى جانب الضرائب والرسوم.
ويأتي توقيع هذه العقود بينما تشهد فنزويلا انكماشا عميقا منذ سنتين على الأقل بسبب انخفاض أسعار النفط المصدر الأساسي لوارداتها.
من جانبها حققت المعارضة الفنزويلية فوزًا تاريخيًا في ديسمبر (كانون الأول) في الانتخابات التشريعية، لكن نتيجة ذلك النجاح تبدو شبه معدومة مع برلمان معطل ومهدد بالحل تلغى قوانينه بصورة متكررة. فقد لجأ الرئيس الاشتراكي نيكولاس مادورو في آخر هجوم له إلى محكمة الحسابات ومحكمة العدل العليا لوقف تمويل الجمعية الوطنية بعد أن هدد قبل بضعة أشهر بأن يقطع عنها الكهرباء.
وقال مادورو مساء الثلاثاء: «بما أن هذه الجمعية الوطنية خارجة عن القانون، وبصفتي مسؤول الخزانة العامة الوطنية، لا يمكنني أن أقدم موارد إلى جمعية وطنية غير موجودة». وهذا التهديد الجديد من رئيس الدولة جاء ردًا على قرار البرلمان إعادة أهلية ثلاثة نواب علقت محكمة العدل العليا انتخابهم بشبهة التزوير.
وفي وقت يغرق فيه هذا البلد الغني بالنفط في أزمة اقتصادية مستفحلة جراء تدهور أسعار النفط، ما يزيد من تراجع شعبية الرئيس، فإن تغيير النهج السياسي في البرلمان أدى إلى المأزق المؤسساتي.
وتضع الأزمة الحالية نحو 2.5 مليون برميل يوميًا من النفط في فنزويلا في مهب الريح، نظرًا لارتفاع مخاطر توقف الإنتاج نتيجة الاضطرابات، واشتداد الأزمة الاقتصادية.
وتمتلك فنزويلا أكبر احتياطي مؤكد في العالم بنحو 300 مليار برميل، وتراجع إنتاجها تدريجيًا من 3.22 مليون برميل يوميًا منذ عام 2010، إلى 2.5 مليون برميل يوميًا حتى العام الماضي، وتنتج حاليًا أقل من مليوني برميل يوميًا.
ويتداول برميل النفط حاليًا دون 45 دولارًا للبرميل، وسط توقعات بارتفاعات قوية حال طالت الأزمة في فنزويلا إنتاج النفط.
وألقت الأزمة السياسية بظلالها على الوضع الاقتصادي في البلاد، حيث تأثرت الواردات بشكل كبير، مما أدى إلى نقص في الأغذية والمشروبات والأدوية، وزاد ذلك من احتقان المعارضين للرئيس مادورو الذي تراجعت شعبيته منذ أشهر، في حين تسعى المعارضة بعد هيمنتها على البرلمان، لإقالته من منصبه قبل انتهاء ولايته.
وبحسب أرقام اتحاد «فيديكاماراس» لأصحاب المؤسسات الخاصة الذي يضم أغلبية الشركات الخاصة في البلاد، فإن 85 في المائة من الجهاز الصناعي الفنزويلي مشلول بسبب الحكومة التي لا تقدم سيولة كافية للشركات.
وتعتمد فنزويلا، الدولة الأميركية الجنوبية العضو في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، بشكل كبير على احتياطاتها من النفط والغاز اللذين يشكلان 96 في المائة من صادرات البلاد.
وترددت أنباء مؤخرًا عن طلب فنزويلا لاجتماع مع أوبك لمناقشة أسعار النفط، ووضع حد للهبوط الحالي، الذي يؤثر بالكاد على اقتصادها مباشرة، إلا أن متحدثة باسم وزارة الطاقة الروسية قالت يوم الجمعة الماضي، إن روسيا لم تتلق أي طلبات رسمية من منظمة أوبك أو فنزويلا بشأن اجتماع جديد بين دول أوبك والمنتجين غير الأعضاء.
كان وزير النفط الفنزويلي ايولوخيو ديلبينو تحدث إلى محمد باركيندو الأمين العام لأوبك في خطوة لترتيب اجتماع جديد بين المنتجين من أوبك وخارجها بما في ذلك روسيا على أمل تعزيز أسعار النفط العالمية.
وعلى صعيد متصل بالأزمة الفنزويلية، أصبح تجمع «ميركسور» (السوق المشتركة لدول أميركا الجنوبية) من دون قيادة مؤقتا منذ يوم الجمعة قبل الماضي، بسبب مخاوف بشأن الأزمة الاقتصادية الحالية في فنزويلا.
وكانت أوروغواي قد أنهت رئاستها للتجمع بعد انتهاء فترة التناوب المعتادة التي تستمر ستة أشهر. وعادة ما يتم نقل القيادة، حسب الترتيب الأبجدي، وهو ما يعني أن فنزويلا كانت من المقرر أن تتولى القيادة حتى نهاية العام الحالي، غير أنه لم يتم نقل القيادة نظرًا لأنه لم يتم عقد الاجتماع المعتاد لوزراء الخارجية بعد أن رفضت باراغواي والبرازيل الحضور.
وقالت باراغواي إن فنزويلا لا تنعم باستقرار داخلي ولا تحترم بشكل لائق حقوق الإنسان، وهما أمران ضروريان لتولي قيادة تجمع «ميركسور». وقال وزير الصناعة والتجارة الفنزويلي ميجل بيريز في تغريدة له على موقع التواصل الاجتماعي (تويتر) إن حكومته ستتولى القيادة.
وتجمع «ميركسور» مؤلف من البرازيل والأرجنتين وأوروغواي وباراغواي وفنزويلا. ويتفاوض التجمع حاليًا لإبرام اتفاق تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي.
يشار إلى أن عدة شركات دولية عاملة في فنزويلا كانت قد علقت أنشطتها في الفترة الأخيرة، لأجل قصير أو غير مسمى. وأمر الرئيس الفنزويلي الحكومة الفنزويلية منذ أيام، بوضع اليد على مصنع شركة «كيمبرلي – كلارك» الأميركية في البلاد، منفذًا تهديده بالتدخل إزاء المصانع التي توقف أنشطتها بسبب الأزمة الاقتصادية.
فنزويلا.. من مرحلة الخطر إلى «الغموض»
السوق المشتركة لدول أميركا الجنوبية بلا قائد
فنزويليون في صفوف طويلة بأحد المتاجر الحكومية بالعاصمة كاراكاس أملا في الحصول على حصة من السلع الرئيسية (رويترز)
فنزويلا.. من مرحلة الخطر إلى «الغموض»
فنزويليون في صفوف طويلة بأحد المتاجر الحكومية بالعاصمة كاراكاس أملا في الحصول على حصة من السلع الرئيسية (رويترز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


