في حديثه عن انتقاله من بطل فرنسا، باريس سان جيرمان إلى مانشستر يونايتد في يونيو (حزيران)، لخص زلاتان إبراهيموفيتش الفترة التي قضاها في العاصمة الفرنسية بعباراته المعتادة التي تنم عن تواضع كبير. قال: «وصلت ملكا ورحلت أسطورة». وكما وصف في سيرته الذاتية التي تحدث فيها من دون أي تحفظ، «أنا زلاتان إبراهيموفيتش»، تربى لاعب كرة القدم السويدي على اتخاذ أسطورة الملاكمة محمد علي مثلا أعلى له، فشأن علي، لم يكن هو فقط أكبر محفز لنفسه، بل هو لا يعشق أي شيء بقدر تأييد كلامه بالنتائج.
لغة زلاتان ومورينهو
والآن، وقد بلغ عامه الـ34، قاد إبراهيموفيتش النادي الفرنسي إلى رابع لقب له على التوالي في بطولة الدوري العام الماضي، حيث أحرز 38 هدفًا في الدوري. كما وخلق معجمًا خاصًا به تمامًا. احتفى كتاب صدر في فرنسا، بعنوان Ainsi parler Zlatan!، (دعونا نتحدث لغة زلاتان!)، بدلالات هذا المصطلح، الذي غالبا ما يتم استخدامه في المقابلات التي تعقب انتهاء المباريات. وهذا القاموس الغريب الذي يحوي كل الأشياء الإبراهيموفيتشية، يسرد عالم إبراهيموفيتش، من الألف إلى الياء، من «إير زلاتان»: التي تعني أن زلاتان لا يطير على متن درجة أولى أو درجة رجال الأعمال، وإنما فقط على درجة زلاتان، إلى الفعل «زَلتَنَ الشيء»: أي يسحق ويهشم ويمزق منافسا. (أصبح هذا تعريفا مدرجا بالفعل في النسخة السويدية من قاموس أكسفورد).
وليس من قبيل المفاجأة في هذا الإطار أن جوزيه مورينهو، مدرب مانشستر يونايتد الجديد، جعل إبراهيموفيتش أولى صفقاته الجديدة؛ يتحدث الرجلان اللغة نفسها تمامًا، مزيج محسوب من الزهو والغضب والإثارة. من غير إبراهيموفيتش يمكن أن تسمعه يقول، على سبيل المثال: «إذا لم أكن معتدا بنفسي سأكون لاعبا عاديا، ولا أريد لنفسي أن أكون لاعبا عاديا». أو تسمع قوله: «أحيانا لا أملك إلا أن أضحك على مدى الكمال الذي أنا عليه».
كذلك فإن لدى مورينهو وزلاتان عمل لم يتم الانتهاء منه بعد. تشاطر الثنائي عامًا - ربما كان أكثر الأعوام التي شعرا فيها بالرضا في محطات مسيرتيهما مع أندية النخبة في أوروبا - وذلك في عام 2009، عندما عملا معا على مدار 12 شهرا، مع العملاق الإيطالي، إنترميلان. فاز الإنتر بلقب الدوري في ذلك العام بفارق كبير، وفاز زلاتان، الذي كان في أوج قوته، بلقب هداف الدوري بطريقة دراماتيكية، بهدف خلفي بالكعب ماركة زلاتان، في الدقائق الأخيرة من الموسم.
ويتذكر أنه انتظر طيلة ذلك العام لينتزع رد فعل معلنًا من «الاستثنائي» صاحب الوجه الحجري، على خط التماس وبالفعل نال جائزته على هذه اللمسة الأخيرة: ظل مورينهو يقفز كتلميذ منبهر. كان كل واحد من الرجلين يكن للآخر احتراما كبيرا. قال زلاتان غير مرة في مذكراته: «كنت مستعدا لأن أقتل من أجل مورينهو»، ولعل المرء يقترب من تصديق هذا، في حين رد البرتغالي بأن «لاعبًا أعطاني الكثير مثل زلاتان سيظل دائما في قلبي». إن هذه الثقة تتأتي من اعتراف بالعامل المشترك لدوافعهما. لقد حقق كلا الرجلين نجاحًا واضحًا، ولطالما كان الفوز يبدو هدفا ثانويا للهدف الأول، وهو تصفية الحسابات ورد الإهانات، وجعل العالم ينظر إليهما في كل لحظة بما يستحقان من احترام.
إبراهيموفيتش وغوارديولا
ولقد لعب إبراهيموفيتش لكثير من أعظم أندية كرة القدم في أوروبا (أياكس، برشلونة، والناديين الكبيرين في ميلانو، واليوفنتوس)، وأدى بقوة بدنية وسحر متفجر كأنه جاء من عالم آخر. فاز بـ10 ألقاب للدوري خلال السنوات الـ11 الماضية، واعتاد أن يهيمن على الأندية بقوة شخصيته، وطوله الفارع الذي يبلغ 6 أقدام و5 بوصات، وكثير من لحظات العبقرية الارتجالية. ومع هذا، فثمة دلالة كبيرة لاختياره أن يبدأ سيرته الذاتية، ليس بأي مشهد من مشاهد الانتصار، بل بكواليس أحد النزاعات التي كان طرفًا فيها، والذي لا يبدو أبدًا أنه خارج تفكيره.
كان هذا الخلاف مع جوسيب غوارديولا، مدرب برشلونة آنذاك، الذي يعتبر على نطاق واسع أبرع وأكثر المدربين الملهمين في جيله. استقدم غوارديولا إبراهيموفيتش إلى برشلونة مقابل 70 مليون يورو من إنترميلان الذي كان يقوده مورينهو في ذلك الوقت، وبدا غوارديولا عازمًا في ذلك الوقت على أن يجعل منه شيئًا ما كان ليقبل به أبدًا: أن يكون لاعب بالفريق يسخِّر أداءه لخدمة ليونيل ميسي. بدأ صدامهما بسيارة. حضر إبراهيموفيتش إلى التدريب بسيارته «فيراري». قال له غوارديولا إنه هذا لا يتلاءم مع أسلوب برشلونة، حيث كان يتوقع من اللاعبين قيادة سيارات النادي الأكثر تواضعًا من طراز «أودي» بما يتفق مع ارتباطات النادي التجارية. شعر إبراهيموفيتش بأنه يتعرض لعملية إخضاع وأعقب هذا مواجهة بين الاثنين انتهت بتجميد المدرب للاعبه السويدي.
ورغم عدد من العروض الممتازة في موسم آخر فاز فيه الفريق بلقب الدوري، فإن إبراهيموفيتش لم يتحمل أن «يتحول لشيء آخر غير زلاتان».
اضطر في النهاية إلى الرحيل عن برشلونة، لكن ليس قبل أن يركن سيارته الخارقة التي يصل سعرها لـ400 ألف جنيه إسترليني خارج مكتب المدرب، وتوجه لغوارديولا وهو مستعد للعراك، وموجها له عبارات تصفه بأنه «جبان وضعيف ورجل تنقصه الرجولة!»، وما هو أسوأ من هذا بكثير. ما زال هذا الغضب مستعرًا بداخله على ما يبدو. يرفض إبراهيموفيتش أن ينطق اسم غوارديولا، مفضلاً وصفه باستهجان واحتقار بـ«الفيلسوف». ويبدو أن كثيرًا من سيرته الذاتية موجه إلى مدربه السابق، ليس أقل ذلك تلك العبارة التي تقول: «إذا أضاء غوارديولا غرفة، يتوارى غوارديولا خجلا». ومع تعيين خصمه (وخصم مورينهو) الآن مدربًا لمانشستر سيتي، كيف يمكن لزلاتان أن يقاوم فرصة الدخول في عراك أخير؟
طفولة مشتتة
إن إثبات خطأ المشككين في قدراته أمر يجري في عروق إبراهيموفيتش. لقد نشأ في شقة في أحد المنازل المخصصة للإسكان الاجتماعي في أفقر أحياء مدينة مالمو السويدية، وابن لمهاجرين من يوغوسلافيا. كان والده مسلمًا تعرضت قريته البوسنية إلى عملية تطهير عرقي، فيما كانت والدته كرواتية كاثوليكية. كان زواجهما زواجًا متقلبًا قائمًا على المصلحة، وانتهى عندما كان زلاتان في الثانية من عمره. كانت طفولته مشتتة بين نوبات غضب والدته وإفراط الأب في شرب الخمور. يتذكر زلاتان نفسه «ولدًا صغيرًا بأنف كبير ولثغة في لسانه». اكتسب بعض المكانة وسط أقرانه كشقي متمرس على شجار الشوارع، ولص دراجات قبل أن يكتشف قدمه الزئبقية كلاعب كرة قدم. عندما طُلب من ناظرة مدرسته أخيرًا أن تحكي ما تذكره عنه، قالت: «لقد عملت بهذه المدرسة 33 عاما. وزلاتان يعتبر بسهولة واحدا من 5 تلاميذ عرفناهم باعتبارهم الأكثر جموحا على الإطلاق».
كان الولد الشقي رقم 1، وهو نموذج للطفل الذي ينتهي به المطاف في مأزق خطير. يميل إبراهيموفيتش إلى المصادقة على هذا الكلام. عندما سئل عن العمل الذي كان سيقوم به لو لم يكن يتحصل على 250 ألف جنيه في الأسبوع، كان أول ما خطر له هو أن يكون «مجرما». ونجاته من هذا المصير تعد بمثابة قصة جديرة بالاهتمام والتأمل عن التحول في الشخصية. لم يصل زلاتان إلى وسط مدينة مالمو قبل أن يبلغ عامه الـ17. وعندما حصل على مكان في فريق الشباب بناديه المحلي الاحترافي، تقدم آباء الأولاد الآخرين بالتماس للمطالبة باستبعاده بعد أن تعدى بالضرب على زميل بالفريق. قال: «لم تأتِ الأندية الكبرى لتدق الباب. كان الأمر أقرب إلى أن تقول: من سمح بدخول الولد الملون؟ بعد موسم أول لافت للأنظار مع الفريق الأول في مالمو، تلقى دعوة لخوض تجربة مع آرسنال لكنه رفض طلب أرسين فينغر أن يلعب مباراة لاختباره. «زلاتان لا يجري اختبارات»، هكذا قال لفينغر، وعمره 19 عامًا، متحدثا عن نفسه بالفعل بصيغة المفرد الغائب.
نجم شباك
يحمل بعض آثار شغفه وغضبه على جذعه، فكل بوصة مربعة عليها كتابات كما لو كان طاولة مدرسية قديمة. أما رحلته الكبيرة اللاحقة في أوروبا فقد كانت مزيجًا غير متوقع من إحساسات الفرح والمرارة. كانت هناك لحظات من الإعجاز الحقيقي، نجح إبراهيموفيتش، الذي لطالما كان محاطًا بالشكوك في بريطانيا على مدى سنوات، في قطع ألسنة منتقديه من خلال إحرازه كل الأهداف الأربعة التي هزمت بها السويد إنجلترا في 2012، وكان الهدف الأخير، من ركلة خلفية مزدوجة من الوضع طائرا ومن مسافة 40 ياردة، ويعتبر واحدا من أكثر الأهداف براعة وتفردا على الإطلاق.
يدرك إبراهيموفيتش جيدا قيمته كنجم شباك. ولم ينسَ قط إحساسه بالضيم، لأنه تعرض لبخس حقه في عقده الأول مع أياكس. يقول: «لم يكن المال مهمًا بالنسبة لي قط، لكن أن تنظر إلى كصبي ساذج تستطيع خداعه وكسب الأموال من ورائه - هذا ما أثار حنقي». يزعم أن نفسه صارت أكثر هدوءا بفضل زوجته السويدية، هيلينا، وابنيهما، لكن هذا التغيير نسبي. ما زالت الهزيمة تجعله عنيفا وشديد الغضب. فيلمه المفضل هو «المصارع»، وعبارته المفضلة في هذا الفيلم هي: «اسمي ماكسيموس ديسيموس ميريديوس.. ولسوف أثأر لنفسي، في هذه الحياة أو الآخرة».
وفي هذا السياق، فإن إبراهيموفيتش على موعد مع صناعة الدراما الأخيرة في مسيرته مع مانشستر يونايتد، مع محاولة النادي إحياء الروح القتالية التي ميزة الفريق في سنوات مدربه السابق أليكس فيرغسون. وليس هناك لاعب يشبه إريك كانتونا، الأسطورة المهيمنة على فرق فيرغسون، قدر إبراهيموفيتش. رحب الفرنسي بزلاتان في ناديه القديم، بإنذار مفاده أن «ليس هناك سوى ملك واحد لمانشستر» - كانتونا بالطبع. لكن إبراهيموفيتش، كما هو متوقع، زاد الرهان، برده: «سأكون إله مانشستر». غير أن قدرة إبراهيموفيتش على إضفاء مسحة من الإلهام وهو يقترب من عامه الـ35، تظل أمرًا بانتظار البرهان. لكن عندما مشي على أرض ويمبلي بقميص يونايتد للمرة الأولى للمشاركة في مباراة درع الاتحاد الإنجليزي الخيرية، دخل تعريف جديد من كتيب «دعونا نتحدث لغة زلاتان»: «الشك - شعور مجهول».
أول الألقاب
وأحرز إبراهيموفيتش هدفًا بضربة رأس قرب النهاية ليقود مانشستر يونايتد للفوز 2 - 1 على ليستر سيتي بطل الدوري، وإحراز لقب درع المجتمع في افتتاح الموسم الإنجليزي الأحد الماضي. ومنح إبراهيموفيتش الانتصار لمدربه مورينهو في مباراته الرسمية الأولى بالموسم بعدما ارتقى أعلى من ويس مورغان قائد ليستر، وقابل كرة عرضية من أنطونيو فالنسيا ووضعها برأسه في الدقيقة 83 ليحرز يونايتد لقبه 21 في المسابقة وهو رقم قياسي. وكان جيسي لينغارد تقدم بهدف ليونايتد بعد مجهود فردي رائع، بينما أدرك جيمي فاردي التعادل بعدما انفرد بالمرمى بسبب تمريرة خاطئة من مروان فيلايني في الدقيقة 52. وقال مورينهو: «هذا فوز مهم لكن يبقى أمامنا الكثير من العمل. لن أتحلى بالطموح إذا قلت إن الأداء كان رائعا. الأمر لم يكن كذلك. من المهم جدا بدء الموسم بلقب».
وبدأ يونايتد المباراة بقوة بفضل التعاون بين ثنائي الهجوم وين روني وإبراهيموفيتش. وقال إبراهيموفيتش: «ينتابني شعور جيد. هذه أول مباراة رسمية ولعبنا من أجل اللقب وحققنا الفوز»، وأضاف مهاجم يوفنتوس وإنترناسيونالي وبرشلونة وباريس سان جيرمان السابق: «هذا اللقب الحادي والثلاثون في مسيرتي. أنا سعيد جدا وأتمنى أن أفوز بمزيد من الألقاب».
إبراهيموفيتش قال في وقت سابق إنه متحمس لفكرة اللعب بجانب روني في هجوم مانشستر يونايتد ووصف زميله في فريقه الجديد بأنه «الشريك المثالي» لأي مهاجم. وقد يبدأ الثنائي التعاون سويا في استاد أولد ترافورد عند مواجهة إيفرتون، اليوم (الأربعاء)، في لقاء ودي وذلك بعد ترك انطباع جيد خلال الفوز 5 - 2 على غلطة سراي يوم السبت الماضي.
وأضاف إبراهيموفيتش: «قلتُ قبل عدة سنوات إن وين روني هو الشريك المثالي في الهجوم»، وأضاف: «لا يجتهد فقط لمصلحته بل يساعد زميله وكل أفراد الفريق. أنا سعيد بالتأكيد على اللعب بجواره»، وأشاد إبراهيموفيتش بالعطاء طويل المدى لروني في يونايتد ووافقه الرأي المدرب السابق أليكس فيرغسون. ولا يزال غير معروف الدور الذي سيلعبه روني تحت قيادة المدرب الجديد جوزيه مورينهو في الموسم الجديد، بعدما شارك في وسط الملعب لفترة طويلة مع المدرب السابق لويس فان غال. وتابع إبراهيموفيتش: «أعتقد أن أي لاعب كبير يمكنه التأقلم مع لاعبين كبار. القرار للمدرب لكنه معه لا أرى أي مشكلة بل أرى نجاحا فقط».



