تجمع مصري ـ ماليزي يدعو لضبط مفاهيم «إسلامية» لصد آراء الجماعات الإرهابية

بمشاركة 3 آلاف أكاديمي وداعية.. ومصدر: عناصر قتالية لـ«داعش» تخطط لعمليات في آسيا

جانب من التجمع الإسلامي المصري - الماليزي في العاصمة كوالا لمبور أمس («الشرق الأوسط»)
جانب من التجمع الإسلامي المصري - الماليزي في العاصمة كوالا لمبور أمس («الشرق الأوسط»)
TT

تجمع مصري ـ ماليزي يدعو لضبط مفاهيم «إسلامية» لصد آراء الجماعات الإرهابية

جانب من التجمع الإسلامي المصري - الماليزي في العاصمة كوالا لمبور أمس («الشرق الأوسط»)
جانب من التجمع الإسلامي المصري - الماليزي في العاصمة كوالا لمبور أمس («الشرق الأوسط»)

دعا تجمع إسلامي مصري - ماليزي عن التطرف، المجتمع الدولي لدرء شر التطرف وخطره بشكل عاجل، وضبط مفاهيم الجهاد والخلافة والتكفير للتصدي لفتاوى وآراء الجماعات المتطرفة، فضلا عن نشر صحيح الدعوة البعيدة عن الغلو والتطرف من خلال شبكات التواصل الاجتماعي.
وقال أحد المشاركين المصريين في فعاليات المؤتمر العالمي الذي اختتم فعالياته أمس في ماليزيا، إن «المتطرفين يحاولون أن يقدموا الدين الإسلامي على أنه نموذج للتخريب والهدم والتفريق والعداء المتواصل». مضيفا لـ«الشرق الأوسط» أن «المؤتمر أكد خطورة سعي (داعش) الإرهابي لاستقطاب الشباب في آسيا للانضمام للتنظيم، خاصة بعد تفشي ظاهرة الإرهاب هناك، وترهيب الأقليات العرقية الدينية».
بينما حذر مصدر مصري من توافد عناصر قتالية تابعة لتنظيم داعش ممن تمرسوا على القتال في سوريا والعراق وليبيا، كي يقوموا بإدارة عمليات وتفجيرات في آسيا، فضلا عن تجنيد وترتيب سفر الشباب الماليزيين إلى سوريا وأرض الخلافة المزعومة، لضمان استمرار وجود التنظيم في آسيا أطول فترة ممكنة، والتأكد من تكوين البؤر الإرهابية، بشكل عنقودي يصعب معه حصار التنظيم والقضاء عليه.
وترفع السلطات في ماليزيا حالة تأهب من انتشار تنظيم داعش في البلد الذي تسكنه أغلبية مسلمة لكن تعيش فيه أيضا أعراق متعددة، وسبق أن ألغت السلطات الماليزية مطلع أغسطس (آب) الحالي 68 جواز سفر لمواطنين، تردد أنهم سافروا للخارج لدعم تنظيم داعش المتطرف.
وحملت السلطات الماليزية «داعش» مسؤولية الهجوم بقنبلة على مركز ترفيهي في يوليو (تموز) الماضي. ويذكر أن الشرطة الماليزية ألقت القبض على أكثر من 200 ماليزي، للاشتباه في قيامهم بأنشطة ذات صلة بتنظيم داعش منذ مطلع عام 2013.
وطالب المشاركون في جلسات مؤتمر «تفعيل الوسطية في مواجهة التطرف بمقر الجامعة الإنسانية»، والذي عقده فرع الرابطة العالمية لخريجي الأزهر بولاية قدح في ماليزيا، بمشاركة الفرع الرئيسي للرابطة بالقاهرة، بمواجهة «مرض التطرف بطريقة علمية وبعمل متواصل، بهدف تفكيك أسباب الإرهاب جميعها وإيجاد حلول مناسبة».
وشاركت مصر في المؤتمر الدولي بوفد رفيع من الرابطة العالمية لخريجي الأزهر، وحضر المؤتمر من ماليزيا، أشرف وجدي دسوقي نائب وزير الشؤون الدينية بمجلس وزراء ماليزيا، ومحمد فخر الدين رئيس الجامعة الإنسانية ورئيس فرع الرابطة بماليزيا، وحاج يوسف بن دين رئيس مؤسسة الوسطية الماليزية، فضلا عما يقرب من 3 آلاف من الأكاديميين ورجال الدعوة بماليزيا.
وقال المشاركون في المؤتمر، إن البداية لمواجهة التطرف لا بد أن تكون بالعناية بالأسرة والأطفال للحرص على تربيتهم تربية تجمع بين العيش في عصرنا الحاضر والحفاظ على ديننا وقيمنا الأصيلة، فضلا عن الاعتناء بقضية المرأة بتعليمها وتثقيفها ومشاركتها الاجتماعية والسياسية.. فكم استغل المتطرفون هذا الفراغ ليعبثوا بعقول الأطفال والنساء ويدخلوا علينا من أبوابهم.
وأكد المشاركون أنه عندما ترك دعاة الوسطية المساجد، سرق المتطرفون عقول الناس وأفكارهم، فضلا عن التأكيد على مناهج التعليم، والإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني، والمؤسسات الأمنية في الدول.
وسبق أن نفذ تنظيم داعش عملية إرهابية في جاكرتا عبر سلسلة من التفجيرات في العاصمة الإندونيسية قرب مكتب الأمم المتحدة ومناطق أخرى، أسفرت عن مقتل نحو ثمانية أشخاص من بينهم خمسة من منفذي الهجوم.
من جانبه، أكد أسامة ياسين نائب رئيس الرابطة العالمية لخريجي الأزهر بمصر، أحد ممثلي القاهرة في المؤتمر، أن «ظاهرة التطرف في التاريخ الإنساني والفكر البشري هو الاستثناء وليس القاعدة ولا تختص بدين ولا ثقافة ولا شعب، وعلى الرغم من ذلك فهي ظاهرة معقدة لا نستطيع أن نردها لسبب واحد؛ بل لعدة أسباب، منها «النفسية والأخلاقية والتعليمية والفكرية والاجتماعية»، فضلا عن أن لمظاهر العولمة أثرها البالغ في نشر ألوان جديدة للتطرف، جعلت العالم أكثره في حالة من الاستقطاب الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، لافتا إلى أنها كلها أسباب مركبة تنبع من منابع مختلفة؛ لكنها تنتهي جميعا إلى مصب واحد وهو التطرف المؤسس للعنف والإرهاب.
السلطات الماليزية ذكرت في يوليو الماضي، أنها أحبطت هجوما بقنبلة على ضباط كبار في الشرطة، واعتقلت 14 يشتبه بأنهم من أعضاء «داعش» من بينهم عضو بارز في التنظيم، يعتقد أنه مسؤول عن تجنيد عبد الغني يعقوب، وهو ماليزي من مقاتلي التنظيم المتشدد، وقتل في سوريا في أبريل (نيسان) الماضي.
من جانبه، قال أسامة ياسين إن المؤتمر يأتي في وقت بالغ الأهمية والدقة والخطورة، مما يجعل مسؤوليتنا عظيمة وفاء بواجبنا الديني والوطني والإنساني لتصحيح الصورة الذهنية الخاطئة عن ديننا الحنيف، ورد شبهات المشككين فيه، والتي كان بعض المنتسبين له سببا فيها.
مضيفا أنه «في الوقت الذي نقدم فيه الدين للناس على أنه باب السعادة في الدنيا والآخرة، وأن أهدافه ومقاصده تتمثل في عبادة الله وتزكية النفس وعمارة الأرض، يحاول المتطرفون أن يقدموا الدين على أنه نموذج للتخريب والهدم والتفريق والعداء المتواصل». مؤكدا أن التطرف ظاهرة لا تختص بدين ولا ثقافة ولا شعب، وأن كثيرا من المتاجرين بالمبادئ يحاولون أن يلبسوه - زورا - ثوبا دينيا أو فلسفيا أو فكريا أو إصلاحيا.
بينما أكد المشاركون في فعاليات المؤتمر، ضرورة مواجهة مرض التطرف بطريقة علمية وبعمل متواصل، بهدف تفكيك أسبابه جميعا، ثم إيجاد حلول مناسبة، حتى لا يطغى جانب من جوانب الحل على جانب آخر؛ بل يجب تضافر جهود دعاة الاستقرار والسلام جميعها، لتقديم الحلول المتكاملة لهذه الظاهرة.
المشاركون في المؤتمر دعوا في ختام جلسات عملهم بالمؤتمر، إلى حماية الشباب من القيم الزائفة والمعاني العنيفة التي يبثها «داعش»، والتي تحفز على ممارسة العنف واستحسانه، وكذا الحث على متابعة التطبيقات والبرامج التي تقدم للشباب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لضمان عدم تعرضهم لهذه الدعاية الخبيثة، والأفكار التي تحض على العنف، والتي يسعى التنظيم إلى بثها في عقول الشباب، لتهيئتهم لتقبل مثل هذه الأفكار وممارسة أعمال العنف.
في ذات السياق، أوصى البيان الختامي للمؤتمر الذي اختتم أعماله أمس، بعد أن استمر لمدة يومين، بضرورة تعاون جميع المؤسسات الإسلامية الرسمية وغير الرسمية في مواجهة الفكر المتطرف، واستيعاب الشباب وتوجيه طاقاته في البناء والتنمية وتأصيل روح المواطنة، فضلا عن فتح أبواب الحوار مع الشباب في المدارس والجامعات والمعاهد لتصحيح ما علق بأذهانهم من أفكار مغلوطة، مطالبا بضبط مفاهيم الشريعة الإسلامية (الجهاد، والخلافة، والحاكمية، والولاء والبراء، والتكفير) للتصدي لفتاوى وآراء الجماعات الإرهابية، فضلا عن العمل على التوسع في إنشاء فروع أخرى للرابطة العالمية بمختلف أنحاء العالم خاصة في المناطق التي تشهد انتشارا للفكر المتشدد. معتبرين أن أهم أسباب انتشار الفكر المتطرف هو الجهل بمقاصد الشريعة الإسلامية، والتعصب المذهبي والطائفي، وضعف الأسرة في التنشئة الاجتماعية الصحيحة، واستغلال الدين في تحقيق المكاسب السياسية.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.