أنقرة تبدو واثقة من استعادة غولن من واشنطن: «انتهى دوره»

استمرار الاعتقالات وسحب جوازات سفر الصحافيين «احترازيًا»

رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم يتحدث امس امام أعضاء البرلمان من حزب العدالة والتنمية الحاكم في انقرة أمس «ا ف ب}
رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم يتحدث امس امام أعضاء البرلمان من حزب العدالة والتنمية الحاكم في انقرة أمس «ا ف ب}
TT

أنقرة تبدو واثقة من استعادة غولن من واشنطن: «انتهى دوره»

رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم يتحدث امس امام أعضاء البرلمان من حزب العدالة والتنمية الحاكم في انقرة أمس «ا ف ب}
رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم يتحدث امس امام أعضاء البرلمان من حزب العدالة والتنمية الحاكم في انقرة أمس «ا ف ب}

بدت أنقرة أكثر ثقة في إنهاء ملف الداعية التركي فتح الله غولن المقيم في أميركا، الذي تتهمه بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا منتصف يوليو (تموز) الماضي وقيام واشنطن بتسليمه ليحاكم في تركيا.
وقال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، إن تركيا ستحضر فتح الله غولن، وستحاسبه أشد حساب على إصداره الأوامر بتنفيذ محاولة الانقلاب الفاشلة وقصف البرلمان.
وأضاف يلدريم في كلمة أمام اجتماع الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية بالبرلمان أمس (الثلاثاء): «لا تشكوا وكونوا على ثقة من أنه سيتم إحضار هذا (الزعيم الإرهابي) ومحاسبته على كل ما فعل»، على حد قوله.
وأشار إلى أن التجمع المليوني في يني كابي في إسطنبول الأحد الماضي، كان أبلغ رد على من يوجهون الانتقادات لتركيا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، ومن يوجهون الانتقادات لرئيسها رجب طيب إردوغان، حيث قدم الأتراك رسالة وحدة وتضامن تؤكد وقوفهم صفًا واحدًا ضد كل من يحاول العبث بتركيا، وأن شعبها قادر على دحر كل المخططات التي تسعى للنيل من وحدتها واستقرارها.
وحضر اجتماع الكتلة البرلمانية للعدالة والتنمية مجموعات من أعضاء الحزب من تنظيمات الشباب والمرأة، رددوا هتافات أثناء كلمة بن على يلدريم، حيث هتفوا باسم الرئيس إردوغان، كما حضر بعض المفتيين من دول البلقان.
وشبه يلدريم ما قام به الأتراك ليلة محاولة الانقلاب والتصدي للدبابات بما فعله المسلمون في غزوة بدر، وما فعله الأتراك في حرب الاستقلال في جناق قلعة. ووجه رسالة، بلهجة التهديد، إلى أنصار فتح الله غولن قائلاً: «انتظروا يوم الرابع عشر من أغسطس (آب)، ذكرى تأسيس حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، لتروا بأنفسكم رد الشعب عليكم».
في الوقت نفسه، حذرت أنقرة، الولايات المتحدة، من التضحية بالعلاقات الثنائية بينهما، إذا لم تسلم واشنطن الداعية فتح الله غولن. وقال وزير العدل التركي بكير بوزداغ في تصريحات بثها التلفزيون التركي أمس: «إذا لم تسلم الولايات المتحدة غولن، فإنها ستضحي بعلاقاتها مع تركيا من أجل (إرهابي)»، على حد قوله. واعتبر بوزداغ أن المشاعر المعادية لأميركا بين الشعب التركي بلغت ذروتها، بسبب الخلاف بين الدولتين بشأن تسليم خصم الرئيس رجب طيب إردوغان.
وكانت واشنطن أعلنت أنها تحتاج لأدلة واضحة على تورط غولن في محاولة الانقلاب، وأنه يجب السماح لعملية التسليم العادية أن تأخذ مجراها.
ونفى غولن، الذي يعيش في منفى اختياري بولاية بنسلفانيا منذ عام 1999، تورطه في محاولة الانقلاب التي أسفرت عن مقتل 237 شخصًا.
وقال بوزداغ إن غولن فقد صفته كأداة بالنسبة للولايات المتحدة، وغيرها من الدول وافتضح أمر «منظمة فتح الله غولن»، وسلسلة المدارس الاستخباراتية (في إشارة لمدارس حركة الخدمة التابعة لغولن التي تسميها الحكومة منظمة فتح الله غولن الإرهابية أو الكيان الموازي)، في تركيا وغيرها من الدول، «لذا ليس من الصواب لأي دولة عاقلة أن تستثمر فيها».
وتابع أن «الولايات المتحدة دولة كبيرة، وستتصرف في النهاية وفق متطلبات ذلك، وأعتقد بأنها ستعيد (الإرهابي فتح الله غولن) إلى تركيا».
ولفت بوزداغ إلى أن السلطات التركية اعتقلت أكثر من 26 ألف شخص إجمالاً فيما يتصل بمحاولة الانقلاب الفاشلة.
في السياق نفسه، قال المتحدث باسم الحكومة التركية نعمان كورتولموش، إن المسؤولين الأميركيين بدأوا جديًا بالتردد حيال مسألة «إبقاء وحماية» فتح الله غولن في بلادهم، عقب التجمع المليوني في إسطنبول الأحد.
وأضاف كورتولموش في مؤتمر صحافي مساء الاثنين عقب اجتماع مجلس الوزراء: «إسطنبول شهدت أمس حشدًا جماهيريًا بعنوان تجمع (الديمقراطية والشهداء)، شارك فيه 5 ملايين شخص، فيما شهدت باقي الولايات تجمعات متزامنة، ليرتفع العدد الإجمالي إلى قرابة 10 ملايين». وشدد على أن «موقف الشعب التركي الرافض لمنظمة فتح الله غولن الإرهابية، الذي ظهر جليًا خلال التجمعات الجماهيرية سيدفع دون شك المسؤولين الأميركيين لإعادة النظر في موقفهم فيما يتعلق بتسليم غولن إلى تركيا». وأوضح أن «25 مليون مواطن شاركوا حتى اليوم في مظاهرات (حراسة الديمقراطية) في عموم البلاد، بحسب إحصائيات الأمن». وحول متابعة وملاحقة عناصر «منظمة غولن»، قال كورتولموش، إن إجمالي عدد العسكريين الانقلابيين الفارين بلغ 216 شخصًا بينهم 9 جنرالات، كما اتخذت السلطات التركية إجراءات قانونية بحق 10 من الرعايا الأجانب لارتباطهم بالمنظمة. وحول ادعاءات فرار عسكريين انقلابيين تابعين لمنظمة غولن إلى جبال قنديل شمال العراق، معقل منظمة حزب العمال الكردستاني، قال كورتولموش: «مصادرنا الرسمية لم تؤكد أبدًا صحة معلومات حول كون الفارين بيد منظمة في شمال العراق أم لا. وهذه الأنباء مجرد شائعات بالنسبة لنا في الوقت الراهن».
وأكد كورتولموش في رسالة إلى الشعب التركي أن «منظمة غولن» لن تتمكن مرة أخرى من القيام بمحاولة انقلاب عسكري، متوقعًا أن تشهد البلاد خلال الفترة المقبلة، زيارات لعدد كبير من الوفود من الخارج لتقديم الدعم الجاد للديمقراطية التركية.
في السياق نفسه، أعلنت رئاسة الأركان العامة للجيش التركي، أن الأنباء التي تحدثت عن فرار عسكريين انقلابيين، ينتمون لـ«منظمة فتح الله غولن» الإرهابية إلى جبال قنديل شمال العراق، أنباء لا تمت إلى الحقيقة بصلة.
وذكر بيان صادر عن دائرة الإعلام والعلاقات العامة بالأركان العامة، أن «وسائل إعلام تناقلت أنباء مفادها أن 57 عسكريًا و3 جنرالات انقلابيين وصلوا إلى بلدة سيلوبي بمحافظة شيرناق، جنوب شرقي تركيا بواسطة مروحية، في 16 يوليو الماضي، ثم انتقلوا منها إلى جبال قنديل، معقل منظمة حزب العمال الكردستاني الانفصالية في شمال العراق».
وأوضح البيان أن «هذه الأنباء لا تعكس الواقع، لأن سيلوبي كانت تحت السيطرة التامة صبيحة 16 يوليو الماضي، ولم تشهد مطلقًا أي تحركات للطائرات».
على صعيد آخر، فتحت السلطات التركية تحقيقًا مع المسؤولين في صحيفة «سوزجو»، بسبب نشرها خبرًا بعنوان «سوزجو عثرت على إردوغان» قبل ساعات من وقوع محاولة الانقلاب الفاشلة.
ووجهت النيابة إلى الصحيفة تهمة «فتح الطريق أمام العصيان المسلح ضد الجمهورية التركية وتنفيذ هجوم ضد رئيس الجمهورية وتسهيل هذا الجرم قبل محاولة الهجوم».
في الوقت نفسه، أصدرت السلطات التركية قرارًا باعتقال 77 أكاديميًا وإداريًا في جامعة دجلة، في إطار تحقيقات محاولة الانقلاب الفاشلة.
وكان قد تم توقيف رئيسة الجامعة السابقة الدكتورة عائشة جول جالا ساراش و9 آخرين، في وقت سابق في إطار التحقيقات نفسها.
وفي ظل استمرار عمليات الاعتقالات وإغلاق الجامعات والمؤسسات التعليمية والجمعيات الخيرية، طرحت الحكومة مشروع قرار جديدًا على البرلمان يمنح القائمين على هذه العمليات حصانة قانونية.
وتضمن مشروع القرار حظر رفع قضايا تعويضات ضد مسؤولي الدولة وعناصر التفتيش والتدقيق، الذين يتولون التحقيق مع مؤسسات وأفراد معروفين بقربهم لحركة غولن (الكيان الموازي).
وفي خطوة تمثل اعتراضًا على حملات الاعتقالات والإقالات الموسعة، قال الرئيس العام لاتحاد صناديق موظفي القطاع العام التركي، إسماعيل كونجوك، في رسالة إلى مجلس الوزراء، إن هناك ظلمًا يقع في حملات الإقالة، موضحًا أن السلطات المدنية تضغط على رؤساء الأقسام لإيجاد أشخاص ينتمون لحركة الخدمة (الكيان الموازي كما تسميه الحكومة)، من أجل طردهم من وظائفهم. وأضاف كونجوك أن البلديات تُجبر العاملين ممن يزعم انتماؤهم إلى حركة الخدمة على الاستقالة من وظائفهم، ويتم تهديد من يمتنع عن تقديم طلب الاستقالة. وتمت إقالة نحو 70 ألف موظف من القطاع العام في أعقاب محاولة انقلاب الخامس عشر من يوليو، من بينهم كثير من أعضاء الصناديق المختلفة بالقطاع العام. وأشار كونجوك أيضًا إلى أنه يتم تصنيف موظفي الحكومة كمقربين من حركة الخدمة (الكيان الموازي)، لمجرد امتلاكهم حسابات في بنك آسيا، الذي تمت مصادرته، كدليل لإدانتهم. وأفاد كونجوك بأن المنشورات التي تتم مشاركتها على مواقع التواصل الاجتماعي للموظفين والمدرسين المقربين من الحركة التي يضعها أطفال الموظف، باتت أيضًا تُستخدم حجة لإقالته وإبعاده عن العمل. وفيما يتعلق بقرار الحكومة بسحب جوازات سفر الصحافيين، قالت نائبة حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض عن مدينة إسطنبول، سلينا دوغان، إن مسؤولي الأمن أبلغوها بأن سحب جوازات سفر كثير من الصحافيين عقب الخامس عشر من يوليو، هو إجراء احترازي.
والتقت النائبة مسؤولين أمنيين على خلفية الاستيلاء على جواز سفر الصحافي التركي من أصل أرميني، هايكو بغداد، وسألت النائبة عن سبب إلغاء جواز سفره، وأخبرها أحد المسؤولين من الأمن بأن الحكومة قامت بإلغاء جوازات سفر كثير من الصحافيين إجراء احترازيًا في ظل حالة الطوارئ. وكان أمن مطار أتاتورك تحفظ السبت الماضي على جواز سفر الصحافي بجريدة «ديكان» الإلكترونية، هايكو بغداد، بعد وصوله إلى تركيا قادمًا من اليونان. وأوضح بغداد في بيان على موقع الصحيفة، أن دوغان ونائب حزب الشعوب الديمقراطي جارو بايلان سيطرحان الموضوع على البرلمان، قائلاً: «سيسألون وزير الداخلية أفكان آلا عن الصحافيين الذين تم اتخاذ إجراءات كهذه في حقهم، والصحافيين الذين تم اعتقالهم، والآخرين الذين تم الاستيلاء على جوازات سفرهم. هذه ليست مشكلتي أنا فقط، حيث يدور الحديث عن اتخاذ مثل هذه القرارات بحق آلاف الصحافيين». وذكر بغداد على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي «تويتر» أن المعلومات الصادرة عن مديرية الأمن تشير إلى إلغاء جوازات سفر جميع الصحافيين إجراء احترازيًا في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة، وأن الحكومة ستقوم بإعادة جوازات السفر لبعض الصحافيين في الفترة المقبلة، «وذلك حسب المعلومات التي وصلت إلي في هذا الصدد».



الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.