التطرف في بريطانيا الحلقة (2): قصة شابة باكستانية مسلمة في صراعها مع هويتها.. ومحاولة فهمها للتطرف في بريطانيا

زيبا مالك تروي لـ «الشرق الأوسط» تجربتها وتدعو الباكستانيين إلى التفرق «لأن حاجة التجمع انتفت»

التطرف في بريطانيا الحلقة (2): قصة شابة باكستانية مسلمة في صراعها مع هويتها.. ومحاولة فهمها للتطرف في بريطانيا
TT

التطرف في بريطانيا الحلقة (2): قصة شابة باكستانية مسلمة في صراعها مع هويتها.. ومحاولة فهمها للتطرف في بريطانيا

التطرف في بريطانيا الحلقة (2): قصة شابة باكستانية مسلمة في صراعها مع هويتها.. ومحاولة فهمها للتطرف في بريطانيا

«لم يكن يمر يوم واحد من دون أن أتعرض للإهانة أو السباب أو الرشق»، تقول زيبا وهي تتذكر تجربتها في صيف عام 2001، وتضيف: «خلال هذه الفترة، صورنا الشاب الذي رمى البيض على نافذتي، والسائق الذي ألقى بحجر على الواجهة.. والصبي الذي قال لي إنه لا يمانع السود، ولكن الباكيز (وصف عنصري للباكستانيين) تبا لهم! طالبو لجوء قذرون.. والآخرين الذي شتموني وطلبوا مني العودة إلى باكستان..». لم تكن تتجرأ حتى على الخروج إلى الشارع، على الرغم من أن حارسا شخصيا كان بجانبها طوال الوقت. تقول: «شعرت خلال هذه الفترة بأنني لست جزءا من هذا البلد، على الرغم من أنني ولدت هنا وتعلمت هنا». كانت التجربة قاسية ومؤلمة لدرجة وضعتها طريحة الفراش، وجعلتها تكره البيض لفترة من الزمن. الأمر الوحيد الذي تشكر الله عليه في هذه التجربة، هو مغادرتها المكان قبل أسابيع قليلة من اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول). بعد مرور 10 سنوات على تجربتها تلك، وجدت زيبا نفسها تعيش في منطقة تشيزيك الرقية في لندن، وذات أغلبية بيضاء. تعترف وهي تنقل ناظريها بين رواد المقهى الأنيق، وسط تشيزيك، وهي تتحدث لـ«الشرق الأوسط» بأنها تشتاق للوجوه الآسيوية هنا. ولكنها تضيف: «أنا اليوم فخورة بأن أقول إنني بريطانية. أشعر بأن هذا البلد قدم لي الكثير، وأنا قدمت له الكثير أيضا من خلال كتاباتي.. وبصراحة ليس هناك مكان آخر في العالم أريد أن أعيش فيه». ولكن بين التاريخين صراع طويل عاشته زيبا، قبل أن تتصالح مع نفسها. صراع حول هويتها وانتمائها، ربما لا يزال مستمرا. ولكن الأكيد أن هذا الصراع لا يقتصر على زيبا وحدها، بل يعيشه آلاف البريطانيين من أصول آسيوية مسلمة. هنا، تحاول زيبا من خلال روايتها لتجربتها، أن تفسر حالة الانفصام التي يعيشها البريطانيون الباكستانيون، والتي قد تكون أحد أبرز الأسباب التي تدفع بالكثير من الشبان المسلمين في بريطانيا من أصول آسيوية، إلى السير نحو التطرف. * «كبرت وأنا أعي كم نحن مختلفون»، تقول زيبا وهي تتحدث عن طفولتها في برادفورد، وهي مدينة تقع في منطقة يوركشير شمال بريطانيا، ونحو 25 في المائة من سكانها من أصول آسيوية، معظمهم مسلمون. تروي زيبا في كتاب مذكراتها «نحن مسلم.. رجاء»، وهو عنوان يحمل أخطاء نحوية عن قصد، لأنه مقتبس من جملة كانت تستعملها والدتها التي بالكاد تتكلم بعض الإنجليزية، كيف كبرت في بيت باكستاني تقليدي، وسط بلدة إنجليزية تقليدية تحولت رويدا رويدا إلى بلدة باكستانية؟ تقول: «عرفت أنني مسلمة طويلا قبل أن أعرف أنني بريطانية، وعرفت أنني باكستانية طويلا قبل أن أعرف أنني إنجليزية. هذا الأمر بالكاد مستغرب. فأمي كانت تجعلني أردد من حين لآخر منذ أن كان عمري 4 سنوات: نحن باكستانيون، الأطفال الباكستانيون أطفال جيدون، نحن مسلمون، الأطفال المسلمون أطفال جيدون». عائلتها انتقلت إلى بريطانيا في الستينات بحثا عن وظائف، وكان والدها يعمل بمعدل عشر ساعات يوميا في معمل للمنسوجات، بينما تفرغت والدتها لتربية أولادها الأربعة (بنتان وولدان). شيئا فشيئا تحولت برادفورد إلى مكان مليء بالعائلات المقبلة من باكستان. ظل المجتمع الباكستاني يتوسع في برادفورد، في ظل استمرار تكاثر الطلب على اليد العاملة، حتى استحقت المدينة تسمية «برادستان». وكان المقبلون يحملون معهم عاداتهم وثقافاتهم من باكستان. ففي منزل زيبا مثلا، كان الجميع يتحدث البنجابية. الجميع حتى الأطفال، كانوا يرتدون اللباس الباكستاني التقليدي. الطعام كان دائما يعد من وصفات الكاري الباكستانية. ديكور المنزل الذي قد يبدو من الخارج منزلا قديما يعود للعصر الفيكتوري، مليء من الداخل بزخرفات إسلامية، ومفروش على طريقة بيوت البنجاب. ومع تمركز الباكستانيين في مجتمعاتهم الجديدة، بدأت مطاعم الكاري وملاحم الحلال وغيرها تفتح في المنطقة لتلبي حاجات السكان. تكتب زيبا عن ذلك: «طعامنا كان طعمه ورائحته مختلفين جدا عن طعام الشعب الإنجليزي، كنا نأكل بأيدينا بينما هم يأكلون بالشوكة والسكينة. حتى الأماكن حيث كنا نتبضع كانت مختلفة؛ لم نكن نذهب إلى السوبر ماركت، بل إلى اللحام الحلال.. ». ولكن الحياة لم تكن بهذا البساطة؛ ففي وقت كانت تقضي فيه النساء أوقاتهن بالتسوق والعمل داخل المنزل وتمرير الوقت برفقة بعضهن، والرجال منشغلون بين العمل والصلاة في الجامع، كان على الأولاد الذين بدأوا يرتادون المدارس، أن يتأقلموا مع العيش بين البريطانيين البيض على الرغم من جهلهم بهم. كانت زيبا من الفتيات المحظوظات في برادفورد، لأن والدها قرر إرسالها إلى المدرسة هي وشقيقتها، ولم يتمسك فقط بتعليم ولديه، كما كان سائدا. تقول اليوم وهي تتذكر: «كان هناك قليلون جدا في برادفورد من مجتمعاتنا يرسلون بناتهم للدراسة، وهذا ما أحترمه كثيرا في والدي، لم يميز بين الأولاد والبنات، وهذا كان فريدا في ذلك الحين». وتضيف: «والدي علم نفسه اللغة الإنجليزية، ولذلك كان يفهم قيمة العلم. كان يقول إنه هنا لا يمكن أن نحقق شيئا من دون شهادة». والداها أراداها أن تصبح محامية، وهي من المهن «المحترمة» في المجتمع الباكستاني. وعلى الرغم من أنها درست الحقوق في الجامعة، فإنها لم تمارسها، بل تحولت إلى العمل الصحافي. تقول: «أحيانا أشعر بأنني خيبت ظن والدي؛ لأنه أرادني أن أصبح محامية.. عندما قلت له أريد أن أصبح صحافية، لم يتكلم معي لأكثر من عام. وظل يقول لأصدقائه إنني محامية، حتى عندما كنت على التلفزيون على الـ(بي بي سي) والقناة الرابعة». وتروي زيبا في كتابها كيف كانت تعيش انفصاما بين حياتين؛ الأولى في المنزل والثانية في المدرسة. في الأولى، كان تصلي وتعيش حياة المسلم الورع، وتتحدث اللغة البنجابية.. وفي الثانية، كانت تتحدث الإنجليزية وكان عليها أن تختلط برفيقاتها في مدرسة، كان كل الطلاب فيها باستثنائها وحدها، من البيض. كانت مختلفة، ولم تتمكن من تخطي اختلافها. تروي كيف كان والدها يجبرها على ارتداء البنطال الباكستاني التقليدي الملون تحت تنورة المدرسة. وكيف صارت تختبئ خلف شجرة خارج المدرسة لانتزاعه قبل دخولها الصف، بعد أن تعبت من الرد على الأسئلة عن سبب ارتدائها البنطال تحت التنورة. حتى إن والدها كتب لمديرة المدرس يطلب إليها أن تعفي ابنته من حضور دروس الصلوات الدينية المسيحية لأنها مسلمة. وكتب إليها أيضا يطلب منها أن تسمح لابنتها بأن تغيب عن الصفوف أيام عيدي الأضحى والفطر. وتتذكر كيف كانت الفتيات يأتين إلى المدرسة بعد العطل الصيفية مع قصص مغامراتهن وسفراتهن إلى الخارج، بينما هي لم يكن لديها أي مغامرات. عائلتها لم تكن تملك الكثير من المال، وكانت تقضي معظم وقتها داخل المنزل أو في زيارات لمن تدعوهم العمات والأعمام، أي أصدقاء والديها من الباكستانيين. وصل بها الأمر في النهاية إلى بدء اختراع قصص و«فبركة» رحلات خيالية إلى الولايات المتحدة أو بلدان أوروبية مع عائلتها، في محاولة للمشاركة بالحديث. ولكن هذه الخدعة لم تكن تنجح. كان دائما يتم اكتشاف كذبتها. ومما تكتبه زيبا عن أيامها في المدرسة: «بدأت مرحلة الدراسة الثانوية في مدرسة برادفورد للبنات، وأنا أحمل آمالا كبيرة للمستقبل. أردت أن أصبح طبيبة.. ولكن في الواقع لم يتحقق ذلك. لم أصبح أبدا جراحة، لأن اندماجي بين الطلاب كان أهم من جمع العلامات الجيدة.. كنت أحاول أن أوازي بين حياتي في البيت وحياتي في المدرسة. وفي الوقت نفسه كنت في عمر أحاول فيه أن أتوصل إلى من أنا، إلى جانب كوني طالبة مدرسة باكستانية مسلمة.. لم يكن الأمر سهلا». أصبحت الموازاة بين الحياتين معقدة لدرجة توقفت زيبا في يوم من الأيام فجأة عن الكلام. وبقيت صامتة لمدة عام من الزمن عندما كانت في الخامسة عشرة من العمر. وتكتب عن ذلك: «في خريف عام 1984، كنت على وشك أن أكمل الـ15 عاما، توقفت عن الكلام. لم أخطط لذلك. ولم أقصد ذلك. فقد حدث الأمر، وكلما طال توقفي عن الكلام، كان من الصعب أن أتكلم من جديد.. بعد عطلة الصيف الطويلة التي استمرت 6 أسابيع عدت إلى المدرسة لأستمع إلى ما فعله الجميع في العطلة؛ سافروا حول أوروبا، اشتروا فرسا جديدا، أقاموا علاقة عاطفية قصيرة.. عطلتي لم تكن أبدا شبيهة بأي من عطلات الفتيات، في الواقع بالكاد غادرت شارع منزلي طوال الصيف، وفي الوقت الذي عدت فيه إلى المدرسة كنت قد اكتشفت أمرا عظميا. أدركت أن روديارد كيبلينغ كان محقا: (الشرق هو الشرق والغرب هو الغرب، ولن يلتقي الاثنان أبدا). وهكذا بدأت عام الصمت». ولكن المؤسف أكثر من صمتها، كان عدم إدراك أحد في المدرسة أنها نذرت الصمت، تقول: «كان الأمر سهلا في المدرسة لأن معظم الطلاب تجاهلوني أصلا، وأنا كنت هادئة جدا لدرجة لم يتنبه الأساتذة إلى أنني نذرت الصمت. ولكن في المنزل، بعد أسابيع قليلة، تسبب الأمر في كثير من الأسى لعائلتي المسكينة». ولكن الأسوأ في عام الصمت، تروي زيبا، «لم يكن عدم الكلام، بل كان شعوري الرهيب بأنني لا أنتمي لأمي وأبي». وبهذا، بدأت تتحول الأمور بالنسبة للباكستانيين في بريطانيا. الستينات والسبعينات، كانت الفترة التي شهدت انتقال الباكستانيين إلى هنا بحثا عن الوظائف. ولذلك كان همهم العمل ولا شيء آخر. ولكن الأمر بدا يختلف مع أولادهم الذين ولدوا في بريطانيا، وهم من حاملي الجنسية البريطانية، لغتهم الأم باتت الإنجليزية، وليس لغة أهاليهم. وبدأ الشعور بالاستياء يكبر من ظروف معيشتهم والتمييز الذين يشعرون به. تقول زيبا عن ذلك: «كان كل همّ والدي، ومعظم الذين قدموا في الستينات بحثا عن العمل، كسب لقمة العيش من دون التسبب في مشكلات.. صحيح أن الحكومة البريطانية كانت تشجع الآسيويين للقدوم إلى هنا والعمل، ولكن عندها كانوا يظنون أن الأمر مؤقت، ولكن تبين أن الأمر غير ذلك. قدمت زوجاتهن، وأصبح لهن أولاد، ولم يعد هناك سبيل للعودة، لأن ذلك يعني انتزاع الأولاد من المدرسة والعودة إلى أين؟ إلى قرية في باكستان؟ كان لدينا خدمات الصحة المجانية وتعليم للأولاد». تكتب وهي تحاول شرح أول مرحلة من تحول المجمعات الباكستانية من جماعات سلمية إلى «مشاغبة»: «أصبحنا بريطانيين. نحمل جوازات بريطانية. جئنا لنبقى. وبدأنا نفكر لماذا علينا أن نتحمل كل ذلك؟ المسيرات اليمينية المتطرفة، والاعتداءات العنصرية، المعاشات المنخفضة، ظروف السكن السيئة، دائرة الهجرة، وحشية الشرطة. ندفع ضرائب كبيرة ومع ذلك لا يزالون يضايقوننا. حان الوقت للتصرف. حان الوقت للتنظيم. لا وقت للكسل»، وهكذا بدأت المجتمعات الآسيوية تنظم نفسها في ظل حركات اجتماعية أشبه بحزبية، ورفعت شعارات، مثل: «نحن هنا لنبقى. نحن هنا لنقاتل». وانتهت فترة وجودهم السلمية. تقول في محاولة لتفسير توجه مسلمي بريطانيا إلى التطرف: «المجتمعات أحيانا تعزل نفسها. ولكن أيضا، أغلبية المجتمع البريطاني لم تبذل جهدا لكي تعرف الكثير عن المسلمين»، وتضيف: «هناك عدة نظريات حول أسباب التطرف، منها اجتماعية واقتصادية حيث يتوجه من هم في وضع اقتصادي واجتماعي سيئ إلى التطرف، ولكن لا أوافق على ذلك، لأن معظم الذين ارتكبوا تفجيرات لندن كانت أوضاعهم جيدة». ولكن انطلاقا من تجربتها، تقول إن عدم قدرة المرء على الاندماج في مجتمعه «صعب». وتضيف: «عدم القدرة على الاندماج يبعدك عن أهلك، لأنهم من جيل مختلف ولا يعرفون ما الذي تمر به، كما تبعدك عن زملائك في المدرسة لأنهم مختلفون. وهنا أعتقد أنه من السهل أن يتم جذبك إلى محيط آخر حيث يتم غسل الدماغ، وحيث يتم إعادة تفسير القرآن بطريقة خاطئة ومختلفة، أكثر عنفا وأكثر عزلا. ولذلك عموما يتم استهداف من هم في عمر الشباب لغسل أدمغتهم لأنهم في عمر حساس». قد لا تكون هناك إجابة بسيطة أو واضحة لمعالجة هذا الصراع في الانتماء، ولكن زيبا تقترح على البريطانيين الباكستانيين أن يبدأوا بالخروج من تجمعاتهم والاختلاط أكثر بالبريطانيين البيض. وعلى الرغم من أنها لا تنتقد تجمعهم في برادفورد في كتابها، فإنها تقول إن الأمور تغيرت اليوم. تقول: «أفهم أنه من الطبيعي للناس أن يتجمعوا بهذه الطريقة لأسباب تتعلق بالسلامة. عندما لا تتحدث والدتك الإنجليزية ماذا ستفعل؟ تريد أن تتمكن من أن تتكلم مع الطبيب بلغتها أو سائق الحافلة بلغتها لتحصل على إرشادات». ولكنها ترى أنه لم يعد هناك أسباب اليوم للتجمع كما كان في الماضي. تقول زيبا التي كانت من القلائل الذين غادروا برادفورد للعيش في مكان آخر: «ليس هناك من يريد أذيتنا ولا من يهددنا. نحن بحاجة إلى التفرق، ليس فقط في برادفورد، بل في كل المناطق حيث هناك تجمعات كهذه». تروي كيف ذهبت مرة إلى جزء من آيرلندا الجنوبية، وكان السكان يتجمعون نحوها للمس بشرتها، لأنهم لم يروا شخصا داكن اللون من قبل. تقول: «لا تزال هناك مناطق كهذه هنا. وإذا لم نتواصل مع السكان، فكيف نتوقع منهم أن يفهمونا وأن نفهمهم؟ أعتقد أن أكثر ما هو مفيد التواصل». تتحدث زيبا بشغف اليوم عن ديانتها، على الرغم من أنها توقفت عن ممارستها لعدة سنوات عندما كانت في المدرسة وأيام الجامعة. ولكنها تفسر ذلك بأنها كانت تواجه معركة يومية، ولم يكن من السهل عليها ممارسة دينها في مجتمع علماني. تقول: «حين كنت في المدرسة كنت أدفع باتجاه أن أكون شخصا، وفي المنزل كنت أدفع بالاتجاه المعاكس لأكون شخصا آخر. عندما تكبرين في مجتمع علماني، فمن الصعب أن تمارسي دينك بالشكل الكامل، خصوصا أن الإسلام يتطلب ممارسة واضحة، صلاة (5 مرات) وصياما، كان من الصعب علي أن أقوم بذلك، لذلك وضعت ديني جانبا لبعض الوقت لكي أتأقلم مع المجتمع». ولكنها اليوم استردت تعلقها بالإسلام «الدين المتسامح المسالم كما علمني والدي». وتؤكد أن هدف كتابها هو تفسير حالة المسلمين الآسيويين في بريطانيا، أكثر من إيجاد الحلول، لأن الحلول تأتي بعد فهم الأوضاع. تقول: «أردت أن يرى الناس ديانتي كما أراها أنا، بشكل إيجابي، في وقت تصور اليوم بشكل سلبي. حصلت إساءات كثيرة لديانتي التي بات يُنظر إليها على أنها عنيفة وضد النساء وكل ذلك، وهذا غير صحيح فأنا أعرف عمق ديانتي»، وتضيف: «كمواطنة في هذا البلد، أشعر بأن لدي واجبات علي أن أمارسها. عندما يأتي المسلمون ليعيشوا هنا، يقول الإسلام إن عليهم واجب أن يصبحوا مواطنين في هذا البلد. وهذا لا يعني بالنسبة لي فقط احترام قوانين البلد، بل يعني التواصل مع شعب البلد واحترام عاداته وثقافته، كما أتوقع منهم أن يحترموا ثقافتي». تعترف بأنه لطالما كان هناك نوع من العزلة لدى المجتمعات الباكستانية هنا، ولكنها تصر على ضرورة بذل جهد لاحترام المكان والشعب، عبر الاختلاط والحوار، من دون التخلي عن الجذور. تقول: «استغرقني وقت طويل لكي أتوقف عن تحديد نفسي بهوية واحدة، باكستانية أو مسلمة أو بريطانية، أشعر بأنني مباركة لأن لدي الكثير من الهويات. يجب أن نبدأ بالنظر إلى قضية الهويات بصورة إيجابية». على الرغم من أن تجربتها كبائعة في متجر وسط بلدة معروفة بيمينها المتطرف، كانت صعبة ومؤلمة، فإنها تصر أنها تعلمت منها الكثير. تقول: «كان يأتي إلي أشخاص ويقولون: لم أدرك أبدا أن امرأة باكستانية يمكنها أن تكون مثلك، أن تشارك في أحاديث وتسأل كيف حالك وما إلى ذلك. هذه الأمور الصغيرة التي يمكن القيام بها تساعد الكثير. على المجتمعات أن تكون أكثر انفتاحا».



«البنتاغون» يبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» يبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في «البنتاغون».

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك، فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة بعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم «البنتاغون» كينغسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.

وقال مسؤول في حلف شمال الأطلسي، رداً على سؤال عما إذا كان من الممكن تعليق عضوية دولة في الحلف: «معاهدة تأسيس حلف شمال الأطلسي لا تنص على أي بند بشأن تعليق العضوية في الحلف».

«تقليل الشعور بالاستحقاق»

وقالت بريطانيا وفرنسا ودول أخرى إن الانضمام إلى الحصار البحري ​الأميركي سيعني دخولها في الحرب، لكنها ستكون على استعداد للمساعدة في إبقاء المضيق ‌مفتوحاً بمجرد التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار أو انتهاء الحرب.

لكن مسؤولي إدارة ترمب شدَّدوا على أن حلف شمال الأطلسي لا يمكن أن يكون طريقاً من ‌اتجاه واحد. وعبَّروا عن خيبة الأمل من إسبانيا، التي قالت حكومتها التي يقودها حزب العمال الاشتراكي إنها لن تسمح باستخدام قواعدها أو مجالها الجوي لمهاجمة إيران. ولدى الولايات المتحدة قاعدتان عسكريتان مهمتان في إسبانيا، هما قاعدة روتا البحرية وقاعدة مورون الجوية.

قال المسؤول، مٌلخصاً محتوى رسالة البريد الإلكتروني، إن الخيارات السياسية الموضحة في الرسالة تهدف إلى إرسال إشارة قوية إلى أعضاء حلف شمال الأطلسي بهدف «تقليل الشعور بالاستحقاق لدى الأوروبيين».

وأوضح أن الرسالة تشير إلى أن خيار تعليق عضوية إسبانيا في الحلف سيكون له تأثير محدود على العمليات العسكرية الأميركية، لكنه سيكون له تأثير رمزي كبير.

ولم يكشف المسؤول ‌عن السبل التي ربما تتبعها الولايات المتحدة لتعليق عضوية إسبانيا في الحلف.

وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، رداً على سؤال حول التقرير قبيل اجتماع لقادة الاتحاد الأوروبي في قبرص لمناقشة قضايا، من بينها بند المساعدة المتبادلة في حلف شمال الأطلسي: «لا نتحرك بناءً على رسائل إلكترونية. نحن نتحرك بناءً على وثائق رسمية ومواقف حكومية، وفي هذه الحالة عن مواقف الولايات المتحدة».

جزر فوكلاند

تتضمن المذكرة أيضاً خياراً للنظر في تقييم الدعم الدبلوماسي الأميركي لما يعرف باسم «الممتلكات الإمبراطورية» الأوروبية القديمة، مثل جزر فوكلاند بالقرب من الأرجنتين.

ويذكر موقع وزارة الخارجية الأميركية أن الجزر تخضع لإدارة بريطانيا، لكن الأرجنتين لا تزال تطالب بالسيادة عليها. ورئيس الأرجنتين خافيير ميلي من حلفاء ترمب.

وتحمس ميلي لهذه الاحتمالات. وقال في مقابلة مع محطة إذاعية نشرها على حسابه على «إكس»، الجمعة: «نفعل كل ما في مقدور البشر لنستعيد كل جزر مالفيناس الأرجنتينية، الجزر، لأيدي الأرجنتين... نحرز تقدماً كما لم يحدث من قبل» وهو الاسم الذي تطلقه الأرجنتين على جزر فوكلاند.

وخاضت بريطانيا والأرجنتين حرباً قصيرة في 1982 بشأن الجزر بعد محاولة أرجنتينية فاشلة للسيطرة عليها. وقتل نحو 650 جندياً أرجنتينياً و255 عسكرياً بريطانياً قبل أن تستسلم الأرجنتين.

وأكد متحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الجمعة، أن بريطانيا لها السيادة على جزر فوكلاند. وقال للصحافيين: «موقف بريطانيا بشأن جزر فوكلاند واضح تماماً. إنه موقف راسخ لم يتغير».

وأساء ترمب مراراً إلى ستارمر، ووصفه بأنه جبان بسبب عدم رغبته في الانضمام إلى حرب الولايات المتحدة مع إيران، ووصف ترمب حاملات الطائرات البريطانية بأنها «دُمى». وقال إن ستارمر «ليس ونستون تشرشل»، مقارناً إياه برئيس الوزراء البريطاني الراحل.

ولم توافق بريطانيا في البداية على طلب الولايات المتحدة السماح للطائرات الأميركية بمهاجمة إيران من قاعدتين بريطانيتين، لكنها وافقت لاحقاً على السماح بمهام دفاعية تهدف إلى حماية سكان المنطقة، بما في ذلك المواطنون البريطانيون، ​وسط الرد الإيراني.

وفي تعليقات للصحافيين في «البنتاغون» في وقت سابق من ​هذا الشهر، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث إن «الكثير قد انكشف» من خلال الحرب على إيران، مشيراً إلى أن صواريخ إيران بعيدة المدى لا يمكنها ضرب الولايات المتحدة، لكنها تستطيع الوصول إلى أوروبا.

وقال هيغسيث: «نواجه أسئلة، أو عراقيل، أو تردداً... وليس لدينا في الحقيقة الكثير من مقومات التحالف إذا كانت هناك دول غير مستعدة للوقوف إلى جانبنا عندما نحتاج إليها».


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».