الصين هي الأحدث في تكنولوجيا الهواتف.. وليس وادي السيليكون

مقولة إنها تنسخ كل ما هو تقني من الولايات المتحدة لم تكن صحيحة عبر سنوات

الصين قد تحظى بالكلمة الأولى في صناعة التكنولوجيا العالمية («الشرق الأوسط»)
الصين قد تحظى بالكلمة الأولى في صناعة التكنولوجيا العالمية («الشرق الأوسط»)
TT

الصين هي الأحدث في تكنولوجيا الهواتف.. وليس وادي السيليكون

الصين قد تحظى بالكلمة الأولى في صناعة التكنولوجيا العالمية («الشرق الأوسط»)
الصين قد تحظى بالكلمة الأولى في صناعة التكنولوجيا العالمية («الشرق الأوسط»)

تستخدم تطبيقات الرسائل سنابشات وكيك الأرقام الكودية التي تبدو شرائط سوداء على أرضية بيضاء ليتواصل الناس بعضهم مع بعض ويتبادلوا المعلومات مع لقطات سريعة من كاميرات الهواتف الذكية، ويعمل موقع «فيسبوك» حاليا على إضافة المقدرة على تأجير خدمات السيارات وسداد المدفوعات عبر تطبيق الرسائل النصية لديه، وبدأت شركتي «فيسبوك» و«تويتر» إطلاق خدمات بث مقاطع الفيديو المباشرة.
في كل هذه التطورات هناك شيء واحد مشترك أن التكنولوجيا حظيت بشعبيتها الأولى والكبيرة في الصين.
كانت تطبيقات «وي تشات» و«علي بابا» الصينية قد استخدمت ومنذ فترة طويلة رموزا شبيهة بالأرقام الكودية تسمى رموز الاستجابة السريعة؛ لتسمح للناس بسداد المدفوعات ونقل الأموال، وكلا التطبيقين يسمحان للناس بتأجير السيارات أو طلب البيتزا دون الانتقال إلى تطبيق آخر منفرد، وخدمات بث الفيديو المباشر (واي واي) خلقت من الشباب الصيني نجوما على صفحات الإنترنت، حيث يتبادل الناس المدونات والدردشة والغناء أمام كاميرات الفيديو في المنزل.
ظل وادي السيليكون ولفترة طويلة للغاية عاصمة التكنولوجيا في العالم، حيث شهد ولادة شركات التواصل الاجتماعي وصناعة هاتف الآي فون، وانتشرت تلك المنتجات التكنولوجية في جميع أنحاء العالم، وكان العيب الذي يلاحق الصين دائما أنها دوما ما تأتي متخلفة خطوة أو خطوتين بعد الخطوات الواسعة التي يقطعها وادي السيليكون الأميركي، حيث تقمع الرقابة الحكومية في الصين من صعود النسخ المحلية الصينية من مواقع شهيرة، مثل «غوغل» و«يوتيوب» و«تويتر».
لكنَّ صناعة التكنولوجيا في الصين - ولا سيما شركات خدمات الهواتف المحمولة - تمكنت بطرق ما من التقدم بخطوة على الولايات المتحدة الأميركية، فبعض شركات التكنولوجيا الأميركية، حتى العملاقة منها، بدأت تيمم شطر الشركات الصينية بحثا عن الأفكار الجديدة.
يقول تيد ليفينغستون، مؤسس خدمة كيك، التي تتخذ من أونتاريو الكندية مقرا لها: «إننا نرى الصين تتقدم في ذلك المجال».
ويشير التحول المشار إليه إلى أن الصين قد تحظى بالكلمة الأولى في اتجاه صناعة التكنولوجيا العالمية، وبالفعل في الصين، يستخدم المزيد من الناس الأجهزة المحمولة في سداد الفواتير، وطلب الخدمات، ومشاهدة الفيديوهات، والعثور على شريك الحياة بأكثر مما يجري في أي مكان آخر في العالم، فلقد تجاوزت المدفوعات عبر الأجهزة المحمولة في الصين خلال العام الماضي مثيلتها في الولايات المتحدة الأميركية، ووفقا لبعض التقديرات، فإن القروض من نوع جديد من البنوك غير الرسمية على الإنترنت والمعروفة باسم «قروض الند للند» فاقت مثيلاتها في الولايات المتحدة كذلك.
وشركات الإنترنت الصينية الكبرى هي الوحيدة في العالم التي تنافس نظيرتها الأميركية من حيث الحجم، وشراء شركة «أوبر الصين» بواسطة شركة «ديدي تشوزينغ» الصينية بعد منافسة مطولة يعكس أنه وعلى المستوى المحلي على أقل تقدير، بات بإمكان اللاعبين الصينيين الاستحواذ على أكثر الشركات الناشئة تعقيدا، والمقبلة من الولايات المتحدة.
ويمكن متابعة مستقبل المدفوعات والتعاقدات على الإنترنت لدى متجر ليو زينغ للباستا في وسط بكين، حيث علمت ليو زيو (60 عاما) وجارتها زانغ ليشين (55 عاما) عن وجود متجر الباستا عن طريق تطبيق «وي تشات» الصيني، ثم قامتا بطلب الباستا من المتجر عبر الإنترنت وسددتا ثمن وجبتي الغذاء واتخذا صورا ذاتية خارج المتجر باستخدام التطبيق نفسه.
أما ليو زينغ، وهو لا يمت للأولى بصلة، يقول: «إن خدمات الطلبات والمدفوعات الآلية تعني أنه يمكنه تخفيض أجور النُدل لديه»، وأضاف قائلا: «في المستقبل، سوف نكون في حاجة إلى نادل واحد فقط للعمل في المطعم وآخر للمساعدة عند الموائد».

سباق بين التطبيقات الصينية والأميركية

ويشير قادة هذه الصناعة إلى أن هناك عددا كبيرا من المجالات التي حازت الصين السبق فيها، فقبل شيوع تطبيق «تيندر» للمواعدات الشخصية، كان الناس في الصين يستخدمون تطبيقا آخر يدعى «مومو» للمواعدة مع الجنس الآخر. وقبل أن يناقش جيق بيزوس، الرئيس التنفيذي لشركة أمازون، مسألة استخدام الطائرات من دون طيار الصغيرة في توصيل المنتجات إلى المستهلكين، أعلنت وسائل الإعلام الصينية أن هناك شركة محلية لتوصيل الطلبات تسمى «إس. إف. إكسبريس» كانت تجري الاختبارات حول الفكرة نفسها في الصين، ويوفر تطبيق «وي تشات» الصيني خدمة المقالات الإخبارية المدمجة ضمن التطبيق قبل فترة طويلة من إعلان «فيسبوك» عن الخدمة نفسها، وتمكنت الشركة الصينية ذاتها من تطوير تطبيق للمحادثات الشخصية قبل شيوع تطبيق «واتساب»، واستخدمت رموز الاستجابة السريعة على نطاق واسع قبل ظهور تطبيق «سنابشات» الأميركي.
وقبل أن يتحول تطبيق «فينمو» إلى تطبيق الألفية الجديدة في مجال تحويل ونقل الأموال في الولايات المتحدة، كان الصغار والكبار في الصين يستثمرون، وينقلون الأموال إلى بعضهم البعض، ويسددون الفواتير، ويبتاعون المنتجات من مختلف المتاجر باستخدام المحافظ الإلكترونية عبر الهواتف الذكية. يقول بن تومبسون، مؤسس شركة ستراتشيري لأبحاث التكنولوجيا: «بكل صراحة، إن مقولة إن الصين تنسخ كل ما هو تقني من الولايات المتحدة لم تكن مقولة صحيحة عبر سنوات، بالنسبة إلى تطبيق (الماسنجر) على (فيسبوك)، على سبيل المثال، فإن أفضل وسيلة لتفهم خريطة الطريق في مثل هذه التطبيقات هي من خلال النظر إلى تطبيق (وي تشات) الصيني».
ولقد رفض المتحدث الرسمي باسم شركة «فيسبوك» التعليق على الأمر، كما لم يستجب الناطق باسم شركة «تينسينت» لطلبات الحصول على تعليق حول الأمر كذلك.
يحاول المديرون التنفيذيون من شركات مثل «فيسبوك» ومنافسون أصغر حجما مثل كيك، تكرار ما حدث في الصين؛ الهيمنة على منصات الإنترنت حيث يقضي المستخدمون أغلب أوقاتهم، ويتمحور أغلب هذا التركيز على مجال المحادثات.
يقول السيد ليفينغستون حول ذلك: «الشيء اللطيف في المحادثات أنه أصبح مثل نظام التشغيل لحياتك اليومية، حيث يمكن للمحادثات تمكين وتفعيل الذهاب إلى ماكينة البيع، وطلب الطعام، والحصول على سيارة أجرة، وهذا ما نراه يحدث بالفعل من خلال تطبيق (وي تشات) الصيني».

الصين لا تزال متأخرة في بعض المجالات المهمة

لكنَّ الصين لا تزال متأخرة في بعض المجالات المهمة، حيث تعتمد أقوى الخوادم لديها والكومبيوترات الفائقة في غالب الأمر على التكنولوجيا الأميركية، كما أن شركات الواقع الافتراضي الصينية الناشئة تتبع آثار أقدام نظيرتها الأجنبية، ويتقدم «غوغل» بخطى كبيرة على موقع «بايدو» في تكنولوجيا السيارات ذاتية القيادة، كما أن كثيرا من المنتجات الصينية تفتقر إلى الجاذبية الأخاذة التي تشتهر بها المنتجات الأميركية.
والميزة الكبرى في صناعة التكنولوجيا الصينية، وفقا لكثير من المحللين، هي أنها حظيت بالمقدرة على سد الفجوة الكبيرة التي نشأت بعد ما تمكنت البلاد من إحياء اقتصادها من الصفر بعد انتهاء الثورة الثقافية في عام 1976، وعلى العكس من الولايات المتحدة، التي تملك البنوك وشركات التجزئة فيها قاعدة كبيرة وراسخة من العملاء، فإن شريحة المُقرضين التابعين للحكومة الصينية لا تتميز بالكفاءة، ولا تعمل شركات التجزئة أبدا على التوسع بدرجة كافية لخدمة الطبقة المتوسطة سريعة النمو. ولم يقم الكثير من الصينيين أيضا بشراء جهاز كومبيوتر شخصي حتى الآن، مما يعني أن الهواتف الذكية هي الأساس لديهم - وتأتي في المقدمة غالبا - من حيث الاهتمام بأجهزة الحوسبة لما يزيد على 600 مليون مواطن ممن يمتلكون هذه الأجهزة في الصين.
يقول السيد تومبسون: «كانت الولايات المتحدة الدولة الأولى عالميا في مجال بطاقات الائتمان، حيث كان الجميع يستخدمون هواتفهم المحمولة طوال الوقت، وهي المتقدمة حاليا في مجال التجارة والمدفوعات الإلكترونية بفضل التطورات الكبيرة في مجال الحواسيب الشخصية والبطاقات الائتمانية».
تقترب الشركات الصينية من مجال الإنترنت بشتى الطرق والوسائل أيضا، ففي الولايات المتحدة تركز شركات التكنولوجيا على البساطة في التطبيقات، ولكن في الصين يختلف الوضع، فإن الشركات الثلاثة العملاقة في مجال الإنترنت - «علي بابا»، و«بايدو»، وشركة «تينسينت» المطورة لتطبيق «وي تشات» - تتنافس من أجل تطوير تطبيق واحد مفعم بالكثير والكثير من الوظائف.
على تطبيق «تاوباو» للتسوق الإلكتروني الخاص بشركة «علي بابا»، يمكن للناس شراء البقالة، وشراء النقاط الائتمانية للألعاب على الإنترنت، وسحب الكوبونات على كاميرا الهواتف، والعثور على أفضل الصفقات في أقرب المتاجر من منازلهم، ويسمح تطبيق الخرائط لشركة «بايدو» بطلب سيارة أجرة عبر خدمات «أوبر»، وحجز طاولة في أحد المطاعم أو غرفة في أحد الفنادق، وطلب الطعام إلى الغرفة، وشراء تذاكر أفلام السينما والعثور على أي المتاجر القريبة من المنزل.
فتحت شركة «تينسينت» تطبيق «وي تشات» لشركات أخرى، حيث يسمح لهم بتطوير التطبيقات داخل شركة «إيباويانغ» ضمن التطبيق، وهي من الشركات الناشئة التي تمكن الناس من طلب خدمة تموين سياراتهم مباشرة عبر الهاتف الذكي، وكانت من أولى الشركات المعتمدة بالكامل على تطبيق «وي تشات» في التسويق لخدماتها، ويقول غاو فينغ، أحد مؤسسي شركة «إيباويانغ»، إن الشركة لا تزال تعتمد على التطبيق بنسبة 50 في المائة من مدفوعاتها و20 في المائة من العملاء الجدد.
وأضاف السيد فينغ قائلا: «بدأنا من تطبيق (وي تشات)، وبالتالي فهو أول خياراتنا، والمصدر الأساسي للحصول على العملاء».
وما بين الرسوم لقاء خدماته والنقود التي يحققها من خلال الألعاب على الإنترنت، فإن تطبيق «وي تشات» تمكن من تحقيق 7 دولارات من الأرباح عن كل عميل من العملاء سنويا، وفاق لشركة «نومورا» البحثية، ويستحوذ التطبيق على ما يقرب من 700 مليون مستخدم، وأكثر من إجمالي عدد المستخدمين للهواتف الذكية في الصين، ويرجع ذلك في جزء منه إلى بعض المستخدمين للتطبيق خارج البلاد، وفي جزء آخر إلى الأشخاص ذوي الحسابات المتعددة على التطبيق نفسه.
ولا يرجع الفضل في كثير من ذلك إلى الإعلانات، كما يحدث في الولايات المتحدة، ولكن من الإنفاق على تطوير الألعاب، والخدمات، والمنتجات التي تُباع عبر التطبيق، وتلك النماذج قد لا تترجم على الفور من سوق لأخرى، ولكن كلتا السوقين يمكنهما الاقتراض من بعضهما البعض، كما تقول كارمن تشانغ، الشريكة في مؤسسة «نيو إنتربرايز» وشركاه.
وأضافت السيدة تشانغ، التي تقسم وقتها بين الصين ومينلو بارك في كاليفورنيا: «تمكنت الصين من تطوير الكثير من نماذج الأعمال الناجحة، التي ظهرت في نوع مختلف من الاقتصاد، وسواء كنا نعترف بذلك أم لا في وادي السيليكون، فتأثير تلك النجاحات ظاهر فينا وفي تفكيرنا».



تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.