أثرياء جمهوريون يحشدون الدعم لهيلاري كلينتون

«مؤسسة كلينتون» سلاح حملة ترامب ضد المرشحة الديمقراطية

أثرياء جمهوريون يحشدون الدعم لهيلاري كلينتون
TT

أثرياء جمهوريون يحشدون الدعم لهيلاري كلينتون

أثرياء جمهوريون يحشدون الدعم لهيلاري كلينتون

اتسعت فجوة الاختلافات بين القيادات الجمهورية بعد مؤتمر الحزب الأسبوع الماضي، رغم مساعيه لتوحيد الصفوف وحشد الدعم للمرشح للرئاسة دونالد ترامب. وفي حين أفاد بعض الناخبين أنهم لن يشاركوا في الانتخابات الرئاسية بأصواتهم، فضّل آخرون غاضبون من تصريحات مرشح حزبهم المثير للجدل تمويل حملة المنافسة الديمقراطية هيلاري كلينتون.
وقال أعضاء جمهوريون لوكالة «رويترز» إن عددا من أثرياء الجمهوريين الغاضبين من دونالد ترامب يسعون سرا لكسب تأييد نظرائهم للمرشحة الديمقراطية في السباق إلى البيت الأبيض. وأضاف الأعضاء أن مجموعة الأثرياء تسعى إلى جمع الأموال وكسب تأييد الجمهوريين الذين يشعرون بخيبة الأمل تجاه ترامب، مرشح حزبهم لخوض الانتخابات المقررة في الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وأشاروا إلى أن عددا من هؤلاء تلقوا تشجيعا من جانب كلينتون وأعضاء بحملتها الانتخابية لمواصلة جهودهم.
وقال دان ويب، المدعي الاتحادي السابق الذي يصف نفسه بأنه «جمهوري منذ عقود»، والذي يسعى لكسب دعم كبار رجال الأعمال الجمهوريين في شيكاغو: «اتخذت قرارا بأنني لن أتمكن من النظر في عيون أحفادي إذا ما صوتّ لصالح ترامب».
وأثار ترامب، الملياردير النيويوركي الذي يترشح للمرة الأولى لمنصب عام، انزعاج المتبرعين الجمهوريين بسبب التصريحات المثيرة للجدل التي أدلى بها حول النساء والمكسيكيين والمسلمين وقدامى المحاربين وغيرهم.
وقد يُحدث دعم كبار المتبرعين في «وول ستريت» فارقا مؤثرا بالنسبة لكلينتون، من خلال ضخ مبالغ طائلة في حملتها الانتخابية والتأثير على الجمهوريين المعتدلين لتغيير رأيهم. كما أن دعمهم كلينتون يدحض حجة ترامب بأن نجاحه في عالم الأعمال يجعله مرشحا أفضل لتولي الرئاسة.
وما زالت جهود جمع الأموال لكلينتون بين الجمهوريين في مراحل مبكرة، حيث لم يمض وقت طويل على انتهاء المؤتمرات الحزبية. وامتنعت المتحدثة باسم ترامب التعليق على هذا التقرير، في حين قال المتحدث باسم كلينتون، جيسي فيرغسون، إن رجال الأعمال يدعمون كلينتون بسبب خطتها الاقتصادية، ولأن ترامب «ليس أهلا للثقة».
من جانبه، أعلن الملياردير، سيث كلارمان، مدير صندوق التحوط، أول من أمس الأربعاء، أنه سيعمل من أجل انتخاب كلينتون لأن تصريحات ترامب «غير مقبولة.. ومثيرة للصدمة». ويشارك في قيادة جهود كلينتون لكسب دعم الجمهوريين في «وول ستريت» الخبير الاستراتيجي الديمقراطي، ليزلي داش، وهو مدير تنفيذي سابق في «وولمارت» ومساعد لبيل كلينتون، وفق مصادر مقربة من حملة المرشحة الرئاسية الديمقراطية.
وقالت مصادر مطلعة على جهود كلينتون في هذا الإطار إنها تحدثت بنفسها إلى رجال أعمال جمهوريين، بينهم ميج ويتمان إحدى كبار المديرين التنفيذيين في «هوليت بلاكارد إنتربرايز» التي أعلنت دعمها المرشحة الديمقراطية يوم الثلاثاء.
كما تواصل مساعدو كلينتون مع مايكل بلومبرغ، رئيس بلدية مدينة نيويورك السابق، قبيل الخطاب الحماسي الذي ألقاه في الشهر الماضي في المؤتمر العام للحزب الديمقراطي، وحث فيه «وول ستريت» على دعم كلينتون.
وفي حين يغلب التردد في دعم ترامب على عدد من كبار المتبرعين، تمكّن المرشح الجمهوري خلال الشهر الماضي من جمع ملايين الدولارات من تبرعات صغيرة أوصلت المبلغ الإجمالي للتبرعات لحملته الانتخابية والحزب الجمهوري إلى أكثر من 80 مليون دولار في مقابل 90 مليونا لكلينتون والحزب الديمقراطي خلال الفترة نفسها.
من جهة أخرى، تثير «مؤسسة كلينتون» المنظمة الخيرية، التي تدّعي أنها تسعى إلى تحسين حياة «الملايين من الناس»، شكوكًا قوية في احتمال وجود تضارب مصالح مع توق المرشحة الديمقراطية للوصول إلى البيت الأبيض.
فقبل 3 أشهر من الانتخابات الرئاسية، يستخدم معارضو هيلاري كلينتون كل أوراقهم السياسية ويتهمونها، بشكل شبه يومي، بأنها استخدمت نفوذها عندما كانت وزيرة للخارجية الأميركية (2009 - 2013) لصالح مؤسسة كلينتون التي أنشأها زوجها الرئيس السابق بيل كلينتون عام 2001.
وغرد منافسها الجمهوري في السباق إلى البيت الأبيض دونالد ترامب على «تويتر» في الآونة الأخيرة، متسائلاً: «متى سنرى تقارير عبر (سي إن إن) حول فساد مؤسسة كلينتون؟». وطالب كلينتون التي وصفها بـ«المخادعة» بإعادة ملايين الدولارات من التبرعات لمؤسسة كلينتون.
وفي منتصف يوليو (تموز) ، حضّ أكثر من 60 عضوًا جمهوريًا في الكونغرس كلا من مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) ومصلحة الضرائب، على فتح تحقيق لتسليط الضوء على مؤسسة «خارجة عن القانون»، تعتبر في صلب «قضايا فساد عام كبيرة» حسبما كتبوا في رسالتهم التي حصلت عليها وكالة الصحافة الفرنسية.
من جهتها، دافعت كلينتون عن نفسها، وقالت في أواخر يوليو لشبكة «فوكس نيوز»: «ليس هناك أي صلة بين مؤسسة كلينتون وعملي وزيرة للخارجية». ومن دون أن تثير أي استغراب، ركزت الحملات ضد كلينتون على التمويل الذي تحصل عليه مؤسستها الناشطة في حقلي التعليم والصحة، وذلك بعد أن ارتفعت مواردها المالية بنحو 475 في المائة في 10 سنوات لتتجاوز 337 مليون دولار، وفق ما أظهرت عمليات التدقيق الداخلية في المؤسسة.
وما أثار الفضائح هي التبرعات السخية من الجهات المانحة (217 مليون دولار في عام 2014)، ولا سيما تبرعات الحكومات الأجنبية. كذلك قدمت شركات متعددة الجنسيات (كوكاكولا، باركليز، جنرال إلكتريك، وغيرها) دعمًا ماليًا أيضًا لمشروعات هذه المؤسسة التي تدّعي أنها ساهمت في تسهيل حصول 11.5 مليون شخص على علاجات لفيروس نقص المناعة البشرية المكتسبة.
وهذه التبرعات التي لم تحدد مؤسسة كلينتون تاريخ تسلمها، لا تعتبر غير قانونية، غير أن البعض يدافع عن فرضية أنها منحت إلى المؤسسة مقابل الحصول على امتيازات من السلطات الأميركية. وأشارت صحيفة «نيويورك تايمز»، في مقال نشر عام 2015، إلى أن وزارة الخارجية الأميركية التي كانت تقودها هيلاري كلينتون في ذلك الوقت أعطت، إلى جانب وزارات أخرى، موافقتها على أن تقوم شركة «روزاتوم» الروسية بشراء شركة «يورانيوم وان» الكندية، التي كان بعض المساهمين فيها من المانحين الرئيسيين لمؤسسة كلينتون. غير أن أوساط كلينتون نددوا وقتذاك بـ«اتهامات لا أساس لها».
لكن هذه القضية كشفت حقيقة مزعجة، تتمثل في أن بعضًا من التبرعات المقدمة إلى المؤسسة لم يتم الكشف عنها علنًا، خلافا للالتزامات التي قطعتها كلينتون قبل وصولها إلى وزارة الخارجية في أوائل عام 2009.
وأجبرت مذكرة صادرة في عام 2008، مؤسسة كلينتون على كشف اسم المانحين الجدد، والحصول على الضوء الأخضر من وزارة الخارجية تجنّبًا لحصول أي تضارب في المصالح. غير أن هذه القواعد تم تجاهلها فيما يتعلق بمساهمة قيمتها 500 ألف دولار قدمتها الجزائر في عام 2010. حسبما كشفت صحيفة «واشنطن بوست» في فبراير (شباط) 2015.
وفي السنة نفسها، أقرت المؤسسة بـ«أخطاء» في تصريحاتها الضريبية، مما غذى من جديد وابلاً من الشكوك السريالية أحيانًا. واتهم فريق حملة ترامب، الاثنين الماضي، مؤسسة كلينتون بأنها قبلت تبرعًا من مؤسسة «لديها صلات بتنظيم داعش»، هي تحديدا مجموعة «لافارج» الفرنسية التي تنشط، بحسب صحيفة «لوموند»، في أراض يسيطر عليها التنظيم.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.