أبحاث رائدة للحصول على أطفال أصحاء

عالم أميركي من أصول كازاخستانية يهز أميركا بأهدافه لإزالة التشوهات الوراثية

أبحاث رائدة للحصول على أطفال أصحاء
TT

أبحاث رائدة للحصول على أطفال أصحاء

أبحاث رائدة للحصول على أطفال أصحاء

لغالبية الناس فإن كلمة «ميتوكوندريا» «mitochondria»، أي الحبيبات الخيطية، أو «المتقدرات» لا تعني شيئا. وقد تجد الجواب في أحد صفوف علم الأحياء في مدرسة ثانوية. لكن بالنسبة إلى البروفيسور شهرت مطاليبوف فإن هذه المنتجات الغامضة للطاقة الموجودة داخل الخلية البشرية، هي هاجس يمتلك حياته.
وللعلم فإن المتقدرات تتوارث من الأم. ويقول مطاليبوف وهو يجلس على مكتبه المتواضع المرتب في جامعة أوريغون للصحة والعلوم في أميركا في حديث إلى سابرينا تافيرنايس من «نيويورك تايمز»: «رفاقي يقولون عني إنني مدمن (ميتوكوندريا)، ولا أرى شيئا غيرها، وقد يكونون على حق».

* نجاحات رائدة
هذا العالم الذي يبلغ من العمر 52 سنة، ولا تستطيع غالبية الأميركيين لفظ اسمه، الذي يشبه أحد أسماء الأشرار في أفلام جيمس بوند، تمكن من هز علم الوراثة عن طريق إتمام وإتقان نسخة من أصغر وأدق عملية جراحية في العالم، ألا وهي إزالة نواة من بويضة بشرية ووضعها في بويضة أخرى. وهو بعمله هذا أثار سخط المدافعين عن الأخلاقيات في المجالات الطبية، وموجة من التدقيق والتمحيص من قبل الهيئات التنظيمية التابعة للسلطات الاتحادية الأميركية.
والقصد من هذه العملية هو مساعدة النساء على ولادة أطفال من دون المرور بالعيوب الوراثية الموجودة في الـ«ميتوكوندريا» الخليوية التي نكرر أنها تتوارث من الأم. ومثل هذه التحويرات نادرة، لكن قد تنشأ عنها مصاعب ومشكلات كثيرة، بما فيها تلف الأعصاب، وقصور القلب، وفقدان النظر. ويولد طفل بين كل 4000 طفل في أميركا مصابا بأمراض «ميتوكوندريا» موروثة، إذ لا يوجد علاج لها، والقليل فقط من المصابين يعيشون حتى سن البلوغ.
وتملك «ميتوكوندريا» مجموعاتها الخاصة من المورثات الموروثة بدورها من الأم فقط. والأمهات اللواتي يحملن مثل هذه التحويرات والتغيرات يكن متشوقات بأن لا يمررنها إلى أطفالهن. ويكمن أسلوب مطاليبوف في إتاحة المجال لهؤلاء النسوة حمل أطفال عن طريق وضع النواة من بويضة الأم في بويضة المتبرعة التي انتزعت منها النواة، وبذلك تتخلف الـ«ميتوكوندريا» المعطوبة التي تعوم خارج النواة في حشوة (سيتوبلازم) البويضة هذه.
«لقد كان هذا اختراقا علميا كبيرا»، وفقا إلى دوغلاس والاس أستاذ علم الأوبئة والأمراض في جامعة بنسلفانيا الذي وصف مطاليبوف بـ«أنه شخص استثنائي وموهوب».

* طفل لأمّين
لكن الطفل الذي يولد نتيجة هذا الأسلوب سيكون حاملا مورثات من ثلاثة أشخاص، هم الأم والمرأة المتبرعة ببويضتها، والأب. وهذا ما يشجبه الأخلاقيون.
وقد أثارت هذه المسألة انتقادات واسعة من جميع إرجاء البلاد، عندما كان مطاليبوف في فندق في أطراف ولاية ماريلاند، حيث حاول هناك إقناع هيئة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية (إف دي إيه) بأن الأسلوب هذا الذي جرب أولا على القردة بات جاهزا لاختباره على البشر.
وكان البعض قد أبلغ المسؤولين في الإدارة هذه أن الأسلوب قد يدخل تشوهات وتمسخات وراثية جديدة في مجموعة المورثات البشرية، في حين حذر الآخرون من أنه قد يستخدم لاحقا ربما في أمور أخلاقية أكثر ضبابية، وفقا لمارسي دارنوفسكي المديرة التنفيذية لمركز «جينيتكس أند سوسياتي»، «بغية هندسة أطفال تكون لهم صفات ومميزات محددة».
وحال عودته إلى مكتبه رفض مطاليبوف هذه التحذيرات، لكون الحمض النووي الميتوكوندري مؤلفا من 37 جينا فقط تقوم بالإشراف على إنتاج الإنزيمات والجزيئات التي تحتاجها الخلية للطاقة، كما لاحظ. وهي ليست لها أي علاقة بالصفات، مثل لون العيون والشعر المشفرة رموزها في النواة. وتابع هذا العالم الذي ولد وترعرع فيما يسمى دولة كازاخستان حاليا، والذي أصبح اليوم مواطنا أميركيا، قائلا «هنالك دائما أشخاص يحاولون البلبلة وإثارة الأمور، والكثير منهم يحاولون بناء مستقبلهم عن طريق توجيه النقد لي».
والولايات المتحدة ليست الوحيدة التي تزن احتمالات تطبيق هذا الأسلوب، ففي بريطانيا أصدرت الحكومة مشروع مسودة لوائح وتنظيمات التي من شأنها أن تتحكم بالتجارب والاختبارات السريرية التي يخضع لها الأفراد، فإذا مر هذا المشروع في البرلمان وأصبح قانونا، أمكن الشروع بهذه الاختبارات شرط الحيازة على ترخيص رسمي.

* أبحاث معمقة
وكان العلماء قد أجروا اختبارات تناولت مادة وراثية مجمعة من ثلاثة أشخاص لتكوين طفل، فقد قام الباحثون في ولاية نيوجيرسي قبل 15 سنة بحقن جزء من سائل خلية من بويضات متبرعة في بويضات نساء كن يشكون من مشكلات في الخصوبة. وقد أثارت هذه الاختبارات التي أعقبت استنساخ النعجة دولي بوقت قصير، موجة من الصخب، مما دفع «إف دي إيه» إلى إبلاغ الباحثين بالتوقف عن اختباراتهم، ما لم يحصلوا على ترخيص خاص مسبق.
لكن مطاليبوف ثابر على تجاربه في المركز الوطني لأبحاث فصائل القردة العليا التابع لجامعة الصحة والعلوم في ولاية أوريغون، الذي هو واحد من ثمانية مراكز تعتني بهذا الشأن في البلاد، وأمضى سنوات في استكمال وإتقان أسلوب لإنتاج بويضات قرود بـ«ميتوكوندريا» جرى التبرع بها. وأقنع مطوري البرمجيات الكومبيوترية اعتماد برنامج يتيح مشاهدة العمليات الجراحية الدقيقة بالزمن الحقيقي.
كما جرى تطوير مجهر خاص يتيح للأيادي البشرية البليدة إجراء العملية عن طريق عصا قيادة.
وجاء النجاح في عام 2008 في غرفة مختبر مظلمة ساخنة. وفي 24 أبريل (نيسان) 2009 ولد قردان هما «ميتو» و«تراكر» عن طريق «ميتوكوندريا» مستبدلة. وقام مطاليبوف في وقت لاحق، مع بعض التعديلات، بتقليد الأسلوب، ولكن على بويضات بشرية، لكن لم يسمح لهذه البويضات أن تنضج نظرا لأن القوانين الاتحادية في أميركا تمنع استغلال مثل هذه الأمور الخاصة بالمورثات.
وقد أثار بحثه الكثير من الانتقادات أيضا، «لكن لو قدر لهذه الإجراءات أن تستمر وتنفذ، لكانت قد وصلت إلى نتيجة براقة»، وفقا إلى دارنوفسكي من مركز الأبحاث الوراثية. وأضافت أن الهدف الحالي، أي استبدال الـ«ميتوكوندريا» قد يكون إجراء ضيقا، لكن أساليب مطاليبوف الوراثية قد تؤدي إلى تطبيقات أوسع، وفي نهاية المطاف إلى وضع يستطيع فيه العلماء والحكومات التنافس لتعزيز قدرات الأجيال المقبلة، مثل إنتاج جنود لا يحتاجون إلى النوم مطلقا.



سابقة طبية... علاج جنين مصاب بورم وعائي نادر في رحم والدته بفرنسا

صورة تظهر الطفل عيسى البالغ من العمر 3 أشهر في قسم الأطفال بالمستشفى في 16 فبراير 2026 في مولوز شرق فرنسا (أ.ف.ب)
صورة تظهر الطفل عيسى البالغ من العمر 3 أشهر في قسم الأطفال بالمستشفى في 16 فبراير 2026 في مولوز شرق فرنسا (أ.ف.ب)
TT

سابقة طبية... علاج جنين مصاب بورم وعائي نادر في رحم والدته بفرنسا

صورة تظهر الطفل عيسى البالغ من العمر 3 أشهر في قسم الأطفال بالمستشفى في 16 فبراير 2026 في مولوز شرق فرنسا (أ.ف.ب)
صورة تظهر الطفل عيسى البالغ من العمر 3 أشهر في قسم الأطفال بالمستشفى في 16 فبراير 2026 في مولوز شرق فرنسا (أ.ف.ب)

عُولج جنين مصاب بورم وعائي نادر كان على وشك أن يموت في رحم والدته في مستشفى بفرنسا، في سابقة في العالم لهذا النوع من الأمراض، وفق ما أعلن الطاقم المشرف عليه.

وفي أواخر الشهر السابع من الحمل، شخّصت إصابة الجنين بمتلازمة «كاسباخ - ميريت» التي قد تؤدّي إلى الوفاة في مستشفى بمولوز في شرق فرنسا.

وكانت كتلة عند مستوى الرقبة «تعرقل تنفّس الجنين»، حسب ما قال الطبيب كريس مينيلا خلال مؤتمر صحافي، الاثنين، في مستشفى الأم والطفل في مولوز، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الورم ينمو بسرعة وصولاً إلى وجه الجنين.

فيفيان تحمّل ابنها عيسى البالغ من العمر 3 أشهر في قسم مستشفى الأطفال في 16 فبراير 2026 في مولوز شرق فرنسا (أ.ف.ب)

واقترح مركز متخصّص في هذه الأمراض النادرة في ليون اللجوء إلى علاج سابق للولادة يحدّ من تشكّل الأوعية الدموية الجديدة بواسطة دواء «سيروليموس» تحت إشراف البروفيسور لوران غيبو.

وأُعطي الدواء للوالدة عبر الفم واجتاز حاجز المشيمة وصولاً إلى الجنين، ما سمح بكبح نموّ الورم.

ووُلد عيسى في 14 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 إثر عملية قيصرية. وهو اليوم رضيع يقظ وبشوش في شهره الثالث. و«بالرغم من الورم، يأكل وينمو جيّداً»، حسب والدته فيفيان (34 عاماً).

ويخضع عيسى لمتابعة منتظمة في المستشفى وما زال يتلقى العلاج بـ«السيروليموس».


لماذا يحافظ بعض الناس على صفاء ذهني حتى الثمانينات؟

لماذا يحافظ بعض الناس على صفاء ذهني حتى الثمانينات؟
TT

لماذا يحافظ بعض الناس على صفاء ذهني حتى الثمانينات؟

لماذا يحافظ بعض الناس على صفاء ذهني حتى الثمانينات؟

تكشف دراستان علميتان واسعتا النطاق أن جيناً واحداً يُعرف باسم «APOE» يلعب دوراً حاسماً في تحديد ما إذا كان الدماغ سيشيخ وهو بصحة جيدة، أم سيتجه نحو التدهور والإصابة بمرض ألزهايمر. فقد أظهرت النتائج أن اختلاف نسخ هذا الجين يفسِّر إلى حد بعيد سبب احتفاظ بعض الأشخاص بذاكرة قوية وقدرات ذهنية عالية، حتى بعد سن الثمانين، في حين يواجه آخرون خطر الإصابة بالخرف في السن نفسها.

المعمِّرون المميَّزون

ويُطلق الباحثون على كبار السن الذين يحتفظون بذاكرة وأداء معرفي مميز اسم «المعمرين المميَّزين» (Super Agers) وهم أشخاص يبلغون 80 عاماً فأكثر؛ لكن قدراتهم الذهنية تضاهي من هم في الخمسينيات أو الستينيات. وكشفت دراسة واسعة قادها باحثون من المركز الطبي بجامعة فاندربيلت بالولايات المتحدة، ونُشرت في مجلة «Alzheimer’s & Dementia» بتاريخ 16 يناير (كانون الثاني) 2026، أن هؤلاء المعمرين يتمتعون بميزتين جينيتين واضحتين، تقللان بشكل كبير من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر.

جين واحد: بين الخطر والحماية

يحمل جين APOE ثلاث نسخ شائعة، تُعرف بالنسخة الثانية 2، والنسخة الثالثة 3، والنسخة الرابعة 4؛ إذ يرث كل إنسان نسختين من هذا الجين. ومنذ سنوات يعرف العلماء أن النسخة الرابعة تزيد خطر الإصابة بألزهايمر المتأخر، في حين تُعد النسخة الثانية عاملاً واقياً نسبياً.

وقد حللت دراسة جامعة فاندربيلت البيانات الجينية لأكثر من 18 ألف شخص مشارك، عبر 8 مجموعات من كبار السن. وهي أكبر مجموعة من كبار السن الذين تمت دراستهم حتى الآن. وكانت النتائج مذهلة. وأظهرت النتائج أن «المعمِّرين المميَّزين» كانوا الأقل بكثير في حمل النسخة الجينية المرتبطة بمرض ألزهايمر. فقد انخفض احتمال وجود هذه النسخة (النسخة الرابعة) لديهم بنحو 68 في المائة، مقارنة بمن أُصيبوا بالمرض بعد سن الثمانين. كما كانوا أقل بنسبة 19 في المائة في حمل هذه النسخة الخطِرة، مقارنة بأشخاص أصحاء معرفياً في السن نفسها، يتمتعون بصحة ذهنية طبيعية. وفي المقابل كان هؤلاء المعمِّرون أكثر حظاً في حمل النسخة الجينية الواقية (النسخة الثانية) إذ زادت فرص وجودها لديهم بنسبة 28 في المائة، مقارنة بأقرانهم الأصحاء، وبأكثر من الضعف مقارنة بالمصابين بألزهايمر في الفئة العمرية نفسها.

وقالت الدكتورة ليزلي غاينور، من قسم طب الشيخوخة بكلية الطب، مركز فاندربيلت للذاكرة ومرض ألزهايمر، بجامعة فاندربيلت، قائدة الدراسة، إن هؤلاء الأشخاص لا يشيخون بشكل جيد فحسب؛ بل يتمتعون أيضاً بانخفاض واضح في الخطر الجيني للإصابة بألزهايمر.

ومن اللافت أن الدراسة شملت مشاركين من خلفيات عرقية متعددة، ما يعزز أهمية النتائج على نطاق أوسع.

دور جيني أكبر مما كان يُعتقد

وتُعزِّز هذه النتائج دراسة أخرى قادها ديلان ويليامز من قسم الطب النفسي ووحدة الصحة مدى الحياة والشيخوخة، وباحثون آخرون من كلية لندن الجامعية بالمملكة المتحدة (UCL) ونُشرت في مجلة «npj Dementia» بتاريخ 9 يناير 2026، والتي حللت بيانات وراثية لأكثر من 450 ألف شخص، لتقدير حجم مساهمة جين APOE في ألزهايمر والخرف عموماً.

وتوصل الباحثون إلى أن ما بين 72 و93 في المائة من حالات ألزهايمر ترتبط بنسختي الجين الثالثة والرابعة. ونحو 45 في المائة من جميع حالات الخرف ما كانت لتحدث لولا تأثير هذا الجين. ومن المرجح أن يكون الجين نفسه مسؤولاً عن ثلاثة أرباع حالات ألزهايمر على الأقل.

وتُعد هذه التقديرات أعلى من دراسات سابقة؛ لأنها لا تركز فقط على النسخة الرابعة؛ بل تُظهر أن النسخة الشائعة -أي الثالثة التي اعتبرت سابقاً «محايدة»- تسهم أيضاً في زيادة الخطر، مقارنة بالنسخة الوقائية الثانية.

الجينات ليست قدراً محتوماً

ورغم التأثير القوي لجين APOE في خطر الإصابة بألزهايمر، فإن الدراستين تؤكدان أن الجينات لا تعمل بمعزل عن غيرها، ولا تمثل حكماً نهائياً. فحتى لدى الأشخاص الذين يحملون نسختين من المتغير عالي الخطورة، النسخة الرابعة (APOE-ε4) تبقى احتمالية الإصابة بالمرض أقل من 70 في المائة، ما يعني أن مسار المرض قابل للتعديل. وتشير هذه النتائج إلى أن تحسين عوامل نمط الحياة، مثل النشاط الذهني والبدني والصحة القلبية، والحد من التدخين والعزلة الاجتماعية، قد يسهم في تأخير ظهور المرض أو الوقاية منه، حتى لدى من يملكون استعداداً وراثياً مرتفعاً.

وتكشف هذه الدراسات مجتمعة أن فهم الجينات لم يعد هدفه التنبؤ بالمرض فقط؛ بل فتح الباب أمام الوقاية والتدخل المبكر. فمعرفة تأثير جين قوي مثل APOE لا تعني الاستسلام له؛ بل تتيح تحديد الفئات الأكثر عرضة للخطر، وتوجيه الجهود نحو حماية الدماغ قبل ظهور الأعراض.

ويؤكد الباحثون أن تبنِّي نمط حياة صحي قد يغيِّر مسار الشيخوخة المعرفية، ويؤخر المرض سنوات. وهكذا تنتقل رسالة العلم من «ما كُتب في الجينات» إلى «ما يمكن فعله لحماية الذاكرة» مانحةً الأمل، في شيخوخة أطول وأكثر صحة، وجودة حياة أفضل.


طرق علمية مبتكرة لإنتاج اللحوم المستزرعة

الأبحاث تركز على إنتاج لحوم مستزرعة في المختبر تشبه اللحوم التقليدية (جامعة كاليفورنيا)
الأبحاث تركز على إنتاج لحوم مستزرعة في المختبر تشبه اللحوم التقليدية (جامعة كاليفورنيا)
TT

طرق علمية مبتكرة لإنتاج اللحوم المستزرعة

الأبحاث تركز على إنتاج لحوم مستزرعة في المختبر تشبه اللحوم التقليدية (جامعة كاليفورنيا)
الأبحاث تركز على إنتاج لحوم مستزرعة في المختبر تشبه اللحوم التقليدية (جامعة كاليفورنيا)

شهدت السنوات الأخيرة اهتماماً متزايداً بإنتاج اللحوم المستزرعة في المختبر بوصفها بديلاً مستداماً للحوم التقليدية. وتعتمد هذه التقنية على زراعة خلايا حيوانية في بيئات مخبرية، على هياكل صالحة للأكل، بهدف إنتاج لحوم تُشبه منتجات المزارع التقليدية من حيث الملمس والطعم، من دون الحاجة إلى تربية الحيوانات كاملة.

وتركّز الأبحاث في هذا المجال على معالجة تحديات رئيسية عدة، من بينها: ارتفاع تكلفة الإنتاج، وتحسين نسيج اللحوم لمحاكاة تجربة المستهلك، وضمان الاستدامة البيئية، عبر تقليل استهلاك الموارد والحد من النفايات.

وفي هذا السياق، ابتكر فريق بحثي من «يونيفرسيتي كوليدج-لندن» في بريطانيا طريقة جديدة لاستخدام بقايا عملية تخمير الحبوب، وهي عملية تحويل السكريات الموجودة في الحبوب، خصوصاً الشعير، إلى كحول باستخدام الخميرة لإنتاج سليلوز بكتيري صالح للأكل، يمكن زراعة خلايا اللحوم عليه.

ولا يقتصر هذا النهج على خفض التكاليف فحسب، بل يستفيد أيضاً من مخلفات صناعية كانت تُهدر، ويوفّر بديلاً أكثر استدامة وكفاءة من حيث التكلفة لطرق إنتاج اللحوم الحالية، حسب دراسة نُشرت يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2026 بدورية «Frontiers in Nutrition».

إنتاج قطع دجاج مستزرعة في المختبر تحاكي اللحم الحقيقي في الشكل والقوام (جامعة طوكيو)

زراعة خلايا حيوانية

وتعتمد اللحوم المستزرعة بالمختبر على زراعة خلايا حيوانية في بيئات مهيّأة لنموها وتكاثرها، دون الحاجة إلى تربية الحيوانات كاملة. وتبدأ العملية بأخذ خلايا أولية من العضلات أو الأنسجة الدهنية، ثم زراعتها على هياكل داعمة صالحة للأكل تحاكي النسيج الطبيعي للحوم، وتدعم نمو الخلايا ثلاثي الأبعاد، مع تزويدها بالمواد الغذائية الضرورية، والتحكم بعوامل مثل درجة الحرارة ومستويات الأكسجين والضغط لتكوين ألياف عضلية مشابهة للحوم التقليدية.

ويُعد السليلوز البكتيري إحدى المواد الواعدة في هذا المجال، إذ يوفّر هيكلاً داعماً لنمو الخلايا، ويمكن استخدامه في إنتاج اللحوم المستزرعة. وقد استُخدم سابقاً في صناعة بعض أنواع الحلوى، لكنه أصبح مؤخراً يُوظّف في تطبيقات غذائية متنوعة، بما في ذلك الأطعمة النباتية، نظراً إلى قدرته على دعم نمو الخلايا وتحسين النسيج النهائي للمنتج الغذائي.

يقول أستاذ الطب التجديدي في الجامعة، الباحث الرئيسي في الدراسة، الدكتور ريتشارد داي، إن إنتاج اللحوم المستزرعة في المختبر يواجه تحدياً رئيسياً قبل وصوله إلى الأسواق، يتمثّل في تحقيق التكافؤ السعري مع اللحوم التقليدية، مضيفاً أن اللحوم الطبيعية تحتوي على مكونات هيكلية تمنحها ملمسها وتدعم نمو الخلايا، في حين أن الهياكل الداعمة المستخدمة حالياً لإنتاج اللحوم المستزرعة غالباً ما تكون باهظة الثمن، أو غير صالحة للأكل، أو غير مصنّفة بوصفها مادة غذائية.

وأوضح داي، لـ«الشرق الأوسط»، أن الابتكار الجديد الذي يعتمد على استخدام مخلفات تخمير الحبوب يوفّر حلاً عملياً لهذه المشكلة، إذ يتيح مواد منخفضة التكلفة وصالحة للأكل يمكن تحويلها إلى هياكل داعمة لنمو الخلايا. وأشار إلى أن هذه المواد متوفرة بكميات كبيرة عالمياً، ما يوفّر سلسلة توريد قابلة للتوسع، فضلاً عن خلق مصدر دخل ثانوي ودعم أهداف الاستدامة، وهو ما يعزّز الصورة الإيجابية لدى المستهلكين.

ولفت داي إلى أن الهياكل الداعمة الحالية مناسبة بدرجة أكبر لإنتاج اللحوم المفرومة ومنتجات مثل النقانق والبرغر، في حين أن إنتاج اللحوم الكاملة القطع، مثل شرائح اللحم أو صدور الدجاج، يظل أكثر تعقيداً، ويتطلّب تكرار البنية الطبيعية للحوم والألياف العضلية، مما قد يؤدي إلى ارتفاع التكلفة مقارنة بالمنتجات المفرومة.

ولإثبات الفكرة، استخدم الباحثون مخلفات خميرة البيرة المستهلكة لزراعة بكتيريا قادرة على إنتاج سليلوز عالي الجودة. وأظهرت الاختبارات، باستخدام ما يُعرف بـ«آلة المضغ» التي تقيس خصائص مثل القساوة والليونة واللزوجة، أن السليلوز الناتج كان أقرب في نسيجه إلى اللحوم الطبيعية وأكثر ملاءمة من السليلوز التقليدي، كما أظهر قدرة على دعم التصاق الخلايا الحيوانية ونموها، مما يؤكد إمكانية استخدامه في إنتاج اللحوم المستزرعة بالمختبر.

ويؤكد داي أن هذه التكنولوجيا يمكن أن تُسهم في تحسين الأمن الغذائي العالمي، إذ توفّر مادة خاماً رخيصة ومتاحة وصالحة للأكل، مما يجعل اللحوم المستزرعة أكثر جدوى اقتصادية، لا سيما في المناطق ذات الموارد المحدودة. كما أن قابلية التوسع في إنتاجها تساعد على انتقال هذه المنتجات من الأسواق المتخصصة إلى نظم الغذاء الرئيسية، مع تقليل الأثر البيئي لإنتاج اللحوم التقليدية من حيث استهلاك الأراضي والمياه، بما يتيح توجيه الأراضي الزراعية لزراعة محاصيل أخرى، وبهذا، يُسهم هذا الابتكار في دعم الإنتاج المستدام، والمساعدة في توفير الغذاء لسكان العالم المتزايدين.

انتشار محدود

وعلى الرغم من الموافقة على بيع عينات من اللحوم المستزرعة في بعض مناطق العالم، فإن انتشارها ما زال محدوداً جغرافياً ومن حيث حجم الإنتاج، إذ يتطلّب وصولها إلى شريحة أوسع من المستهلكين مزيداً من الموافقات التنظيمية (القانونية) وحلولاً لتحديات التصنيع على نطاق واسع، حسب معهد «The Good Food» البحثي في آسيا والمحيط الهادئ ومقره سنغافورة.

وحتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، سُمح بتداول هذه اللحوم في سنغافورة والولايات المتحدة وأستراليا، مع حصول شركات على موافقات لإنتاج أصناف تشمل الدجاج والسمان والسلمون، في حين تخضع منتجات أخرى للمراجعة التنظيمية في دول ومناطق عدة، من بينها الاتحاد الأوروبي، ونيوزيلندا، وسويسرا، والمملكة المتحدة، وتايلاند، وكوريا الجنوبية، كما تعمل دول أخرى على إعداد أطر تشريعية مماثلة.

وبالتوازي مع التطورات التنظيمية، تتضافر الجهود البحثية لتحسين تقنيات الإنتاج في بلدان، مثل: بريطانيا، واليابان، وأستراليا، والبرازيل، والولايات المتحدة. ففي عام 2025، أعلن فريق من جامعة طوكيو اليابانية إنتاج قطع دجاج مستزرعة في المختبر تحاكي اللحم الحقيقي في الشكل والقوام، باستخدام خلايا ليفية من الدجاج وجهاز يحاكي الدورة الدموية لتوصيل الأكسجين والمغذيات عبر ألياف مجوفة دقيقة، مما أتاح نمو أنسجة أكثر سماكة خلال تسعة أيام.

كما سبق ذلك في عام 2021 نجاح علماء من جامعة أوساكا اليابانية في إنتاج أول شريحة لحم من البقر الياباني «الواغيو» داخل المختبر باستخدام الطباعة الحيوية ثلاثية الأبعاد، عبر تنظيم العضلات والدهون والأوعية الدموية بطريقة تحاكي الملمس المميز لهذا النوع من اللحم. وتفتح هذه التقنيات المجال مستقبلاً لإنتاج لحوم مستزرعة ذات قوام ونكهة قابلة للتخصيص، وفق أذواق المستهلكين واحتياجاتهم الصحية.