بعد الانتهاء من الجيش.. تركيا تتجه إلى هيكلة المخابرات

هيئة الشؤون الدينية تطالب بالانضمام للرئاسة

أعضاء من حزب الوطن يرفعون أعلام بلادهم أمام السفارة الأميركية قبل ساعات من لقاء رئيس الأركان الأميركي جوزيف دانفورد برئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم أمس (أ.ف.ب)
أعضاء من حزب الوطن يرفعون أعلام بلادهم أمام السفارة الأميركية قبل ساعات من لقاء رئيس الأركان الأميركي جوزيف دانفورد برئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم أمس (أ.ف.ب)
TT

بعد الانتهاء من الجيش.. تركيا تتجه إلى هيكلة المخابرات

أعضاء من حزب الوطن يرفعون أعلام بلادهم أمام السفارة الأميركية قبل ساعات من لقاء رئيس الأركان الأميركي جوزيف دانفورد برئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم أمس (أ.ف.ب)
أعضاء من حزب الوطن يرفعون أعلام بلادهم أمام السفارة الأميركية قبل ساعات من لقاء رئيس الأركان الأميركي جوزيف دانفورد برئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم أمس (أ.ف.ب)

أعلنت الحكومة التركية أن جهاز المخابرات الوطنية التركي ستعاد هيكلته، وذلك في خطوة تأتي بعد أن أعيدت هيكلة الجيش، ووضعه تحت السيطرة المدنية. وقال نائب رئيس الوزراء التركي المتحدث باسم الحكومة نعمان كورتولموش، في مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس الوزراء الأسبوعي، أمس (الاثنين): «إعادة هيكلة المخابرات الوطنية مطروحة على أجندة الحكومة مثلما حدث مع الجيش».
وتأتي هذه التصريحات بعد أن سرحت تركيا نحو 1400 فرد من قواتها المسلحة، وضمت وزراء بالحكومة إلى مجلس الشورى العسكري الأعلى، ونقلت تبعية قادة القوات المسلحة إلى وزارة الدفاع، ومستشفياتها إلى وزارة الصحة، كما أغلقت جميع المدارس العسكرية، وقررت إنشاء جامعة للدفاع الوطني يعين رئيسها من قبل رئيس الجمهورية، وأعطت رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء صلاحية إعطاء أوامر مباشرة للقادة العسكريين، في إجراءات لإحكام السيطرة على الجيش، في إطار حالة الطوارئ بعد محاولة الانقلاب.
وأعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، في مقابلة تلفزيونية مساء السبت، أنه يريد وضع الجيش التركي وجهاز المخابرات تحت سلطة رئاسة الجمهورية. وفي سياق مواز، قال رئيس هيئة الشؤون الدينية محمد جورماز إنه يجب إلحاق رئاسة هيئة الشؤون الدينية برئاسة الجمهورية، أسوة بما سيحدث مع رئاسة هيئة أركان الجيش. ولفت جورماز، في تصريحات صحافية، إلى أن رئاسة هيئة الأركان العامة للجيش ووزارة الشؤون الدينية تأسستا بالقانون نفسه بتاريخ 4 مارس (آذار) 1924، فيجب تطبيق القرار المطبق على رئاسة الأركان العامة للجيش، وإلحاق هيئة الشؤون الدينية (وزارة الشؤون الدينية سابقا) برئاسة الجمهورية. وكان قد تم إلحاق هيئة الشؤون الدينية برئاسة مجلس الوزراء، في فترة رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو.
وعلى صعيد آخر، قال وزير الخارجية التركي مولود تشاوويش أوغلو إن أنقرة طلبت من واشنطن، بشكل مبدئي، احتجاز فتح الله غولن، الذي تتهمه السلطات التركية بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو (تموز) الماضي.
وأضاف تشاوويش أوغلو، في لقاء مع صحيفة فرانكفورتر الألمانية: «ليس لدي أدنى شك في وقوف (منظمة فتح الله غولن) وراء محاولة الانقلاب. لقد وجدنا قوائم بأسماء الأشخاص الذين كانوا سيتولون مناصبنا في حال نجح الانقلاب، وهؤلاء على ارتباط بمنظمة غولن، وسنشارك الولايات المتحدة كل هذه المعلومات، لكننا طلبنا مبدئيا من الولايات المتحدة احتجاز غولن مؤقتا، ويجب على الأميركيين منع فرار غولن إلى دولة أخرى». ولفت جاويش أوغلو إلى أن الشخص الذي احتجز رئيس أركان الجيش التركي، خلوصي أكار، أراد أن يجري لقاءً بين الأخير وغولن، مضيفا: «حددنا ارتباط الانقلابيين مع المنظمة، ولدينا اعترافاتهم، كما شارك في محاولة الانقلاب بعض عناصر الشرطة السابقين الذين تم إبعادهم من وظائفهم لارتباطهم بالمنظمة المذكورة، وتم إلقاء القبض على أحدهم ليلة الانقلاب داخل إحدى الدبابات»، في إشارة إلى مدير أمن إسطنبول السابق مدحت أيناجي.
وردا على سؤال حول علم أجهزة الاستخبارات الأميركية مسبقا بمحاولة الانقلاب الفاشلة، أوضح تشاوويش أوغلو أنه من الخطأ استخلاص علم أجهزة استخبارات بالولايات المتحدة أو دول أخرى بالتحضير للانقلاب، وعدم مشاركة تلك المعلومات مع تركيا، قبل امتلاك أدلة قاطعة وكافية.
وأضاف: «في الحالات العادية، تشارك الدول الصديقة معلوماتها الاستخباراتية مع بعضها البعض، ورغم أن محاولة الانقلاب نفذتها مجموعة صغيرة داخل القوات المسلحة التركية، إلا أن عدم علم أجهزة الاستخبارات بالتحضير لمحاولة الانقلاب مسبقا، يظهر وجود ضعف استخباراتي كبير في تركيا».
وعن الاعتقالات وحالة الطوارئ، قال: «نحن مستعدون للحوار مع أوروبا والمجتمع الدولي، وسنستمر في التواصل معهم، والإجابة على كل أسئلتهم واستفساراتهم، لأننا نهدف لتعاون وثيق، لكن يجب أن لا تكن لدى الأوروبيين أحكام مسبقة، ويجب عليهم أن يبتعدوا عن شرعنة الانقلابيين بطريقة غير مباشرة، أو إظهارهم على أنهم أبرياء». وعما إذا كانت محاكمة الانقلابيين ستكون علنية أم مغلقة، قال تشاوويش أوغلو: «كوزارة العدل ووزارة الخارجية، سنبذل قصارى جهدنا من أجل أن تكون عملية المحاكمة شفافة».
وفي سياق آخر، قال تشاوويش أوغلو إن أنقرة ستضطر للتراجع عن اتفاقها مع الاتحاد الأوروبي بشأن وقف تدفق المهاجرين إلى دوله، إذا لم يمنح الاتحاد المواطنين الأتراك حق السفر إليها دون تأشيرة.
وتعرض السماح بدخول الأتراك إلى دول الاتحاد دون تأشيرة إلى التأجيل أكثر من مرة بسبب خلاف بشأن تشريع تركي لمكافحة الإرهاب، وحملة أنقرة ضد المعارضين في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة.
وقال تشاوويش أوغلو إن الاتفاق بشأن وقف تدفق اللاجئين كان فعالا بسبب «إجراءات مهمة للغاية» اتخذتها أنقرة.
وأضاف: «لكن كل ذلك يعتمد على إلغاء شرط التأشيرة لمواطنينا الذي هو أحد بنود اتفاق 18 مارس الماضي بشأن اللاجئين، وأن الحكومة التركية بانتظار تحديد موعد دقيق لإلغاء شرط التأشيرة.. قد يكون ذلك في أوائل أكتوبر (تشرين الأول) أو منتصفه، لكننا بانتظار موعد محدد». وفي وقت سابق، قال جونتر أوتينجر، مفوض الاتحاد الأوروبي، إنه لا يرى أن يمنح الاتحاد الأوروبي الأتراك حق السفر دون تأشيرة هذا العام بسبب حملة أنقرة التي تلت المحاولة الانقلابية. وفيما تبذل أنقرة جهودا كبيرة لملاحقة غولن، أعلنت كازاخستان أنها لن تغلق المدارس التركية - الكازاخستانية الموجودة داخل أراضيها، لتنضم بذلك إلى الولايات المتحدة وألمانيا والسنغال وإندونيسيا وقيرغيزستان التي رفضت طلب السلطات التركية إغلاق مدارس حركة «خدمة» التابعة للداعية فتح الله غولن، الذي يتهمه إردوغان بتدبير محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في تركيا منتصف يوليو الماضي.
وكان سفير تركيا لدى كازاخستان نوزات أويانك قد أعلن، في مؤتمر صحافي، الخميس الماضي، أن المدارس التركية – الكازاخستانية الموجودة داخل كازاخستان لا علاقة لها بتركيا، ليعقب هذه التصريحات بيانا من وزارة التعليم الكازاخستانية، أمس، وجهت فيه سؤالا إلى السلطات التركية، قائلة: «إذا كانت هذه المدارس لا علاقة لها بتركيا، فلماذا تطالب السلطات التركية بإغلاقها؟»، مشددة على أن المدارس ستواصل عملها.
كما طالبت الوزارة، في بيانها، طلاب المؤسسات التعليمية التابعة لها، وأولياء أمورهم، بعدم القلق، قائلة: «ستواصل هذه المدارس عملها بالطريقة نفسها التي اتبعتها حتى هذه اللحظة، ولا داعي لأن يقلق الطلاب وأولياء أمورهم، ولا تبحثوا عن مدارس أخرى». وذكرت الوزارة في بيانها أن هذه المدارس تابعة لوزارة التعليم الكازاخستانية، وتعمل وفقا للمعايير الدولية.
وقالت الوزارة في بيانها إن 91.7 في المائة من موظفي هذه المدارس هم مواطنون كازاخستانيون، وإن 8.9 في المائة فقط مواطنون أتراك، مشيرة إلى أن التعليم داخل هذه المدارس يتم باللغة الكازاخستانية، وأن هذه المدارس ضمن أفضل 100 مدرسة في امتحانات القبول بالجامعات. وأفادت الوزارة، في ختام بيانها، بأن المدارس التركية - الكازاختسانيية تتمتع بمكانة خاصة في المجتمع الكازاخستاني، وأنه من الخطأ ربطها بأي أحداث سياسية في تركيا، مؤكدة أنه ليس من حق أحد الضغط على كازاخستان لإغلاق هذه المدارس، وأن هذه المدارس ملك لكازاخستان وشعبها. في الوقت نفسه، قال نائب رئيس الوزراء المتحدث باسم الحكومة التركية نعمان كورتولموش إن حزب العدالة والتنمية الحاكم قد يتضمن في صفوفه بعض المنتمين إلى ما يسمى بـ «منظمة فتح الله غولن» أو (الكيان الموازي) المتهمة في محاولة الانقلاب في تركيا.
وأضاف أنه إذا ثبتت صلة هؤلاء بمنظمة غولن، فإنه سيتم التعامل معهم مثلما تم التعامل مع جميع المنتمين، أو من تربطهم صلة بها، وسيتم فصلهم من الحزب. وبدوره، كشف رئيس بلدية أنقرة مليح جوكتشيك عن أن المرحلة القادمة قد تشهد محاولات لاغتيال مسؤولين كبار في تركيا، قائلا إن «منظمة غولن» أعادت تركيا إلى ما قبل حقبة رئيس الوزراء بولنت أجاويد، في سبعينات القرن الماضي، من خلال محاولة الانقلاب الفاشلة، التي يتهم غولن بالوقوف وراءها.



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.