ليبيا.. محاولة جديدة لرأب الصدع

الخصوم يعودون إلى الحوار.. وبند «الجيش» يفرض نفسه

ليبيا.. محاولة جديدة لرأب الصدع
TT

ليبيا.. محاولة جديدة لرأب الصدع

ليبيا.. محاولة جديدة لرأب الصدع

خلال سيارة «الليموزين» خرجت من مطار القاهرة الدولي، متوجهة إلى فندق في وسط العاصمة المصرية. وبينما كان ضجيج شارع «صلاح سالم» يحيط بأحد ممثلي المجلس الرئاسي الليبي، الذي وصل حديثا إلى هنا، انبعث من مسجل السيارة صوت شاعر ليبيا الشعبي، سليمان الشرِّيمة، وهو يلقي قصيدة عن الحاجة إلى تقسيم بلاده إلى ثلاث دول. يقول الدكتور محمد الزبيدي، الرئيس السابق للجنة القانونية لمؤتمر القبائل الليبية، لـ«الشرق الأوسط»: هناك مؤشرات تدل على أن استمرار ليبيا دولة موحدة في خطر.
وتبدو مسألة التقسيم ذات حساسية لدول الجوار خصوصا مصر وتونس. ما بين مطار القاهرة ومقار فنادق العاصمة، حيث الشوارع مزدحمة، والرحلة بالسيارة تستغرق أحيانا أكثر من 90 دقيقة، يحرص كثيرٌ من القادة الليبيين على تزجية الوقت باصطحاب أسطوانات الشعراء الشعبيين ممن عبَّروا في قصائدهم عن صدمتهم من هول الفوضى بعد «ثورات الربيع العربي». يشير الشرِّيمة في مقطوعته، التي يلقيها بطريقة تشبه النّواح، إلى أن ليبيا، حين تتعرض لانتكاسة، فإنه من الحلال تقسيمها إلى ثلاثة أقاليم.
هذا بالطبع مستوحى من الفترة التي أعقبت استقلال بلاده في مطلع الخمسينات، وذلك حين كان التقسيم الإداري للمملكة الليبية يتكون من الأقاليم الثلاثة؛ طرابلس غربا وبرقة شرقا وفزان جنوبا. ويقول الدكتور الزبيدي إن استمرار الفوضى في ليبيا، في الفترة الأخيرة، ساعد على إيقاظ أصوات تدعو إلى تقسيم البلاد وإلى نظام الفيدرالية، بعد أن كانت قد تراجعت في الشهور الماضية.
اليوم تعود أطراف النزاع الليبي إلى طاولة الحوار مجددا. هذه محاولة أخرى لرأب الصدع الذي يهدد «المجلس الرئاسي» المقترح من الأمم المتحدة، في دولة لم تعد متماسكة، وتعاني من مشكلات أمنية تؤثر بالسلب على دول الجوار. احتضنت تونس جانبا من أحدث مفاوضات الخصوم، خلال الأسبوع الماضي.. أعقبتها لقاءات في القاهرة جرت قبل يومين وشارك فيها قادة كبار من الأفرقاء، من بينهم رئيس البرلمان عقيلة صالح (عن الشرق)، ورئيس المجلس الرئاسي فايز السراج (عن الغرب).
يأتي هذا وسط جدل يدور في خلفية الأحداث بشأن الفيدرالية، بوصفها حلا للخلافات التي راح ضحيتها، منذ 2011، عشرات الألوف من القتلى. الشاعر «الشرِّيمة» توفي أواخر العام الماضي، بعد أن استعرض شعره الحزين، ذا الطابع السياسي، في مناسبات ليبية عدة. قصيدته مستلهمة من حياة رعي الأغنام في هذا البلد الصحراوي المجدب رغم ثرواته النفطية. تقول القصيدة نصا باللهجة المحلية: «تقسيمة الضأن ثلاث.. حلال لأجل هذاك الجدب».
معنى القصيدة يشير إلى أنه حين يقل المطر ويحل القحط يكون المَخرج تقسيم الضأن إلى ثلاث مجموعات، كل مجموعة ترعى في مكان حتى يمكنها أن تجد ما يكفيها من الكلأ، لكي تعيش إلى أن تنتهي محنة الجفاف. حين ظهر الفيدراليون في بنغازي وإجدابيا، قبل عامين، كان الهاجس يدور حول الأحقية في عائدات النفط. يوجد نحو 60 في المائة من النفط في المنطقة الشرقية التي عانت من الشح في عهد القذافي. وباقي حصص البترول والغاز موزعة بين إقليمي الغرب والجنوب.
منذ بداية الانسداد السياسي في 2013، ظهرت قيادات قبلية وعسكرية تبنت فكرة «التقسيم في أوان الجدب هذا»، والدعوة للحكم الفيدرالي، خصوصا في المنطقة الشرقية، لكن جرى التقليل من شأن هذا الاقتراح من جانب قادة آخرين في المنطقة نفسها. وحين تمكن الفريق أول خليفة حفتر من جمع شتات الجيش الليبي في 2014، تراجعت الفكرة إلى حد كبير.
اعتقد البعض أن فكرة الفيدرالية طواها النسيان. يوضح الزبيدي قائلا عن الأرضية التي أعادت الحديث عن هذا الموضوع مجددا، إن «الإخوة الأمازيغ والتبو والطوارق، قاطعوا لجنة صياغة الدستور (معظم هذه القبائل تتركز في الجنوب والغرب).. أما في المنطقة الشرقية، فيسود شعور لدى أبنائها بأن منطقتهم تتعرض لهجمات متكررة من الميليشيات القادمة من المنطقة الغربية». ويضيف: لهذا «تعالت أصوات تدعو إلى حماية برقة أو خروجها من المشهد الليبي».
تبدو ورقة انفصال الشرق ورقة قوية للتفاوض السياسي. غالبية الليبيين، بمن فيهم أبناء الشرق، ضد التقسيم ومع دولة موحدة. ومع ذلك فـ«الورقة موجودة تحت الطاولة». بيد أن الجميع عاد إلى المربع صفر خلال اجتماعات تونس والقاهرة، قبل أيام. جرى طرح أسئلة مكررة لم تكن تجد إجابة قاطعة في الشهور الماضية. ولم يُحسم الأمر.
لهذا جاء أحد قادة المجلس الرئاسي إلى مصر، وأقام ليومين في فندق بوسط القاهرة، وغادر بعد أن قابل أطرافا ليبية ومصرية. كان يمهد للقاء الذي جرى لاحقا في العاصمة المصرية بين قادة من الشرق ومن الغرب. وقال لـ«الشرق الأوسط»: نحاول تقريب المسافات وإبعاد شبح تفتت الدولة.
وفي اليوم التالي ظهرت في القاهرة زعامات على رأسها عقيلة صالح. يعد كثيرٌ من هؤلاء خصوما لحكومة المجلس الرئاسي المقترحة. ثم جاء السراج نفسه. أهم أسئلة عالقة هي تلك التي تراوح مكانها على طاولة ممتدة من تونس إلى مصر، منذ توقيع اتفاق الصخيرات حتى الآن: «مستقبل الجيش بقيادة حفتر»، و«مستقبل الميليشيات» التي تقودها شخصيات جهوية ومذهبية. يقول أحد نواب البرلمان الليبي: يظل شبح الفيدراليات، في الخلفية، بوصفه حلا يمكن اللجوء إليه إذا تعقدت الأمور أكثر مما هي عليه.
الحرب في الصحراء الليبية لم تعد تجري، كما يقول أحد العسكريين، بين ليبيين وليبيين فقط. هذا كان يحدث بين الإخوة الأعداء منذ الانشقاق الكبير الذي تسبب في حرق مطار طرابلس الدولي في 2014، «كانت، وقتها، حربا تبدو محلية صرفة». لكن اليوم أصبحت هناك «عقول أجنبية» متخصصة تشارك في إدارة آلة الصراع وتزيد الانقسام. احتراب لا ينتهي.. سفك دماء.. تبديد ثروات. ومن بين حطام المدن ومرافئ النفط، يلتقط سياسيون وزعماء أوراقا للضغط يستمر مفعولها عدة أيام، ليبدأ البحث عن أوراق جديدة، باستثناء ورقة الانفصال باعتبارها الأقوى، إلى الآن.
آخر ورقة «هشة» يجري استخدامها بين الخصوم لكسب نقاط رابحة، هي ورقة «الجنود الفرنسيين». لقد ظهر وجود عدة خبراء أجانب على الأراضي الليبية، معظمهم من دول غربية.. بعضهم يرسم الخطط ويشارك في إدارة عمليات عسكرية في شرق البلاد، من أجل تعضيد الجيش الوطني الذي يقوده حفتر. هذه الورقة ظهرت قبل أسبوع، حين اعترف الرئيس الفرنسي بمقتل ثلاثة جنود فرنسيين كانوا في مهمة على جبهة القتال في غرب بنغازي.
يقول أحد القادة العسكريين في مقر قيادة الجيش الليبي جنوب شرقي بنغازي، ممن يتابع محاولات رأب الصدع بين الليبيين عبر تونس والقاهرة، إن «خصومنا، سواء في المجلس الرئاسي أو في ميليشيات طرابلس، حاولوا استخدام ورقة الجنود الفرنسيين لاستفزاز قادة الشرق، لكن لا أعتقد أنها ورقة رابحة. ضخموا الموضوع لكنه عاد إلى حجمه»، مشيرا إلى أن كثيرا من قوات الميليشيات في الغرب الليبي «تستعين هي الأخرى بخبراء أجانب، منهم عسكريون ورجال استخبارات».
ويعتقد عدد من نواب البرلمان، من بينهم رئيس لجنة العدل والمصالحة وخريطة الطريق، إبراهيم عميش، أن أحد أهداف التدخل الدولي في الشأن المحلي هو الحرص على استمرار الفوضى، لإضعاف الدولة وإنهاك الشعب، وذلك لوضع البلاد أمام أحد خيارين، إما الرضوخ لحكومة المجلس الرئاسي، وإما الدخول في نفق مظلم قد يفضي إلى تقسيم ليبيا. ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «الخيارات سيئة. الحل الوحيد يكمن في حوار داخلي بين الليبيين. الوضع لم يعد يحتمل».
يبدو أن حوارات الليبيين الجديدة، وفقا لأطراف شاركت فيها، واجَهت المعضلة نفسها المتعلقة بوضع الجيش ومستقبل الميليشيات. لا يبدو أن هناك تعويلا كبيرا، حتى الآن، عما يمكن أن يستجد في حال لم تنجح لقاءات الخصوم في القاهرة. يضيف القائد العسكري المشار إليه: «أوراق الضغط، هذه الأيام، تبدو متعادلة»، مشيرا إلى أنه، في الداخل الليبي، يزداد الوضع تعقيدا، وهو ما ينعكس على أحوال المواطنين في الشرق والغرب، من شُّح وغياب للأمن، و«لهذا تعود الأفكار الخاصة بالحكم الفيدرالي إلى الواجهة، ويجري استخدامها للضغط، لأن المجلس الرئاسي نفسه لا يحبذ هذه الفكرة».
مع ذلك تستمر مقترحات من هذا النوع. إنها تطل برأسها من جديد. ثلاثة أقاليم، كما كان الحال قبل تولي القذافي الحكم. ظهر ذلك قبل أيام في أروقة اجتماع تونس. لكن المقترح تغير إلى أفكار ترى أنه يمكن الاكتفاء بتقسيم الجيش نفسه إلى ثلاثة جيوش على الأقاليم المذكورة. وبحسب ما رشح من الاجتماع، رفض المبعوث الأممي، مارتن كوبلر، فكرة التقسيم برمتها. ووفقا لقيادات ليبية شاركت في حوار القاهرة، فإن «خيار الفيدرالية ليس وحده الذي ما زال مطروحا لدى البعض»، لكن ظهرت معه أيضا «أفكار عن العودة للعمل بالدستور الملكي». ويقول عميش إن مسألة العودة إلى دستور 1951 جرى التحدث عنها بالفعل، منذ البداية.
أيا ما كان الأمر، فإن النيات وحدها لا تكفي. كل يوم يسقط قتلى وجرحى من شباب العائلات. حروب بلا أفق داخل المدن وفي الصحراء. سعر الدولار أمام العملة المحلية ارتفع إلى مستويات قياسية. تسلم رواتب الموظفين يتأخر عن موعده. إذا أرادت أسرة أن تسافر من مدينة إلى مدينة فإنها تنتظر لأسابيع، أملا في خلو الطريق من نقاط تفتيش جهوية ومذهبية يغلب عليها طابع «الانتقام على الهوية». معتقلون وأسرى يجري استخدامهم دروعا بشرية أثناء الاقتتال.
يحدث هذا رغم أن الأمم المتحدة، حاولت عن طريق كوبلر، وعن طريق توقيع «اتفاق الصخيرات»، وضع حد للفوضى التي تضرب الأعمدة الرئيسية للدولة، أي: الأمن والاقتصاد والعدالة. لكن الآن، وبعد نحو مائتي يوم من توقيع «اتفاق الصخيرات»، وبعد نحو مائة يوم من دخول السراج ومجلسه الرئاسي إلى طرابلس، عادت النقطة الأساسية في الاتفاق، والتي تخص بند «الجيش»، لتفرض نفسها، وتعرقل التوافق السياسي، إلى جانب بنود أخرى غير مكتوبة، لها علاقة بالقوى القبلية وأنصار النظام السابق ممن لم يشملهم الحوار منذ البداية. ويقول الزبيدي: هناك أخطاء صغيرة تتراكم، وتتحول، في النهاية، إلى كارثة.
كثيرٌ من الليبيين كان يتوقع تعثر مجلس السراج منذ البداية. فالبرلمان الذي يضطر، منذ انتخابه في 2014، إلى عقد جلساته في مدينة طبرق، غير قادر على عقد جلسة لمنح الثقة للحكومة المقترحة. يقول عميش إن نوابا داخل البرلمان ممن يوالون رئيس المجلس الرئاسي هم من يعرقلون انعقاد الجلسة، ليستمر الجمود السياسي، دون أفق، بينما يرد الطرف الآخر بالقول إن قيادات في الشرق اختطفت البرلمان وترفض الإقرار بكامل مخرجات الصخيرات وتلوح بخيار التقسيم.
وفي إفادة بالبريد الإلكتروني قالت وزارة الخارجية المصرية إن استضافة القاهرة لاجتماعات ضمت «صالح» و«السراج»، على مدار يومين، تأتي في إطار المساعي المصرية لتعزيز الاستقرار في ليبيا ودعم الحلول السياسية على الساحة الليبية، وأن سلسلة الاجتماعات هذه تعد «بداية لاتصالات ولقاءات تهدف إلى دخول الليبيين في مرحلة جديدة من الوئام السياسي بين أبناء الوطن الواحد».
أما في تونس - كما يقول المصدر الذي كان في زيارة للعاصمة المصرية ضمن الوفد الليبي - فقد تطرقت أطرافٌ في الحوار عن إمكانية اللجوء إلى الخيار الذي يبدو سهلا، وهو، على الأقل، تقسيم الجيش، بحيث يظل حفتر بقواته في الشرق، وتستمر سلطة الميليشيات في الغرب، على أن يتم التوصل إلى شكل القوة في جنوب البلاد.
ويضيف المصدر أن هذا الطرح لم يناقشه أحد في لقاءات القاهرة، رغم أنه حين جرى فتحه في أروقة اجتماعات تونس قبلها بأيام، كان يبدو منطقيا لدى البعض، في هذه المرحلة، على أن يتم توحيد الجيش مستقبلا. لكن مصادر أخرى كانت قريبة من اجتماع تونس أيضا، قالت في المقابل إن «كوبلر لم يتطرق إلى مثل هذه الحلول التي من شأنها أن تزيد المسألة تعقيدا بين القوى الليبية. كما أن مصر تقف ضد فكرة التقسيم».
وأضاف أن كلا من القاهرة ورئيس البعثة الأممية لدى ليبيا، ليسا مع تقسيم الجيش الليبي على الأقاليم الثلاثة، بل إن كوبلر لديه رؤية تقول إن إنهاء المعضلة الليبية تتطلب وجود جيش موحد «تحت قيادة المجلس الرئاسي». وهنا يعود السؤال مجددا عن الكيفية التي يمكن بها تحقيق هذا «الأمل الكوبلري». أي «جيش موحد تحت قيادة المجلس الرئاسي»، فرغم لقاء السراج وحفتر قبل نحو خمسة أشهر، وجهود القاهرة لحلحلة هذه النقطة لاحقا، إلا أن فكرة أن يعمل حفتر تحت سلطة المجلس الرئاسي، لا تبدو مقبولة في المنطقة الشرقية وفي بعض المناطق الأخرى.
ظهر ذلك من نواب في البرلمان، حين أعلنوا رغبتهم في تعديل المادة الثامنة في «اتفاق الصخيرات». المعضلة تكمن هنا.. أي في «المادة الثامنة» التي تعطي لرئيس المجلس الرئاسي اتخاذ ما يراه من قرارات تخص الجيش والأمن. يقول الإعلان الدستوري الذي يجري العمل بناء عليه منذ سقوط نظام القذافي، إن رئيس مجلس النواب (البرلمان) - وهو (صالح) - يمثل أعلى سلطة في البلاد، أي بمثابة رئيس للدولة، وهو يتولى موقع القائد الأعلى للقوات المسلحة.
وبينما كان البرلمان يسعى لعقد جلسة لتعديل المادة الثامنة، أعلن السراج نفسه قائدا أعلى للقوات المسلحة. وسارع المبعوث الأممي بتأييد هذه الخطوة. ويقول عميش إن «كوبلر منحاز إلى طرف على حساب الآخر».
بمجرد دخول السراج إلى طرابلس بدأت ميليشيات رئيسية في الغرب الليبي، في مساندته، والرضوخ لتوجيهاته بخصوص محاربة تنظيم داعش في مدينة سرت، في مايو (أيار) الماضي. حينذاك أعلن السراج، في ضربة استباقية، أنه، وليس أي أحد آخر في ليبيا، هو القائد الأعلى للجيش الليبي. ويقول الدكتور الزبيدي إن خطوات مثل هذه تتسبب في «صبّ الزيت على النار».
رغم كل شيء تحاول مصر تحقيق التوفيق بين «المجلس الرئاسي» والسلطات الشرعية ممثلة في البرلمان. يقول عميش إنه من دون منح البرلمان الثقة لحكومة السراج، فإنها تظل حبرا على ورق. بينما ترى وجهة النظر الأخرى الموالية للسراج، أن منح الثقة للحكومة، بالطريقة التي يريدها البرلمان، ومنها قضية «المادة الثامنة» الخاصة بالجيش، من شأنها أن تقلم أظافر المجلس الرئاسي ومخرجات حوار الصخيرات برمته.
هكذا يستمر الجدل السياسي بين الشد والجذب.. ما بين اجتماعات في تونس والقاهرة. في الخلفية تبدو العمليات العسكرية على الأرض، القادرة على التأثير على أي تسوية في المستقبل. تلعب «أوراق الضغط» السياسية والإعلامية دورا أيضا وإن كان ضعيفا. الضغط على «الشرق» لا يقتصر على موضوع اكتشاف وجود مقاتلين أجانب مع حفتر، ولكن يتجاوز ذلك إلى التلويح بإقدام المجلس الرئاسي على تصدير النفط من المرافئ الواقعة غرب بنغازي.
في المقابل، وأثناء بحث محاولات التوافق، أخرجت قيادات عسكرية تعمل مع حفتر، أوراقا مضادة. قدمت على الطاولة ما قالت: إنها أدلة على وجود خبراء عسكريين أجانب يقدمون مساعدات للميليشيات التي يعتمد عليها السراج. ولوحت هذه القيادات العسكرية بقدرتها على إغلاق حقول النفط التي تسيطر عليها بالفعل في الجنوب، قائلة إنه إذا حدث تصدير للنفط فسيكون ذلك من المخزون الموجود سلفا في مرافئ «السدرة» و«راس لانوف» و«البريقة»، وبالتالي لن تتمكن حكومة السراج من الوفاء بتوفير كل ما قد تتفق على بيعه من النفط الليبي للشركات الدولية.
من بين الاتهامات الجديدة التي أججت الخصومة بين الليبيين خلال الأيام القليلة الماضية، وقوف قادة في الغرب الليبي وراء القوات التي ظهرت فجأة على تخوم بنغازي، وتحمل اسم «سرايا الدفاع عن بنغازي». ويعتقد أنها السبب وراء إسقاط المروحية التي قُتل فيها الفرنسيون الثلاثة. يقول قائد عسكري ليبي إن المعلومات المتوفرة لدى الجيش عن قوات «سرايا الدفاع عن بنغازي»، أنها خرجت في الأساس من طرابلس، وتتكون من نحو 300 مقاتل، وكان معها أكثر من 50 سيارة دفع رباعي، وقطعت رحلة طويلة، نحو 900 كيلومتر، عبر الصحراء الجنوبية، للتمويه، حيث ظهرت قرب بنغازي، لمواجهة الجيش هناك، ولتخفيف الضغط عن المجموعات المتطرفة التي يحاربها داخل المدينة.
تشير تحقيقات أمنية في الواقعة إلى أن صاروخًا «أرض - جو» تابعا لـ«سرايا الدفاع عن بنغازي» هو الذي أسقط المروحية. ويتهم قادة قبائل وعسكريون في المنطقة الشرقية، خصوم حفتر في المنطقة الغربية، بمن في ذلك ميليشيات تدعم السراج، بالوقوف وراء قوات «سرايا الدفاع عن بنغازي»، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. هذا أمر من شأنه أن يزيد الأمور تعقيدا ويدفع بالقيادات في المنطقة الشرقية للتعامل بتوجس أكبر من السابق مع قيادات المنطقة الغربية، رغم المحاولات المصرية لتخفيف حدة التوتر بينهما.
يقول أحد العسكريين المقربين من حفتر، إن التشدد لدى قادة الغرب الليبي أصبح يؤجج مشاعر الخوف ويدفع إلى تفكير قيادات بالمنطقة الشرقية في الدفاع عن أنفسهم كـ«منطقة جغرافية وسكانية مهددة.. هذا يعيد أصحاب الدعوة للحكم الفيدرالي إلى الواجهة، ويحول الموضوع من ورقة ضغط إلى واقع. هذا خيار قد يبدو أنه لا بد منه، لكنه خيار سيئ»، أو كما قال الشاعر الشعبي الليبي: خيار يرتبط بوقت الجدب.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.