حمة الهمامي لـ «الشرق الأوسط» : لم نرفض المشاركة في مشاورات تشكيل حكومة الوحدة الوطنية

الناطق باسم الجبهة الشعبية التونسية المعارضة قال إن حكومة الحبيب الصيد فاشلة

حمة الهمامي
حمة الهمامي
TT

حمة الهمامي لـ «الشرق الأوسط» : لم نرفض المشاركة في مشاورات تشكيل حكومة الوحدة الوطنية

حمة الهمامي
حمة الهمامي

قال حمة الهمامي، الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية المعارضة في تونس، إن مبادرة الرئيس الباجي قائد السبسي بالدعوة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تهدف إلى التغطية على أزمة «نداء تونس»، الذي يشهد انشقاقات وصراعات داخلية منذ فترة، وإلى تعديل موازين القوى داخل الائتلاف الحاكم؛ وأساسا بين حزبي «النهضة» و«نداء تونس»، وقال إن رفض الجبهة الشعبية المشاركة في مشاورات تشكيل حكومة الوحدة الوطنية ليس بسبب مشاركة حركة النهضة فيها، بل لأنها ترفض أن تكون شاهدة زور على مهزلة.
وأوضح حمّة الهمامي في حوار خص به «الشرق الأوسط» أن تحالف حركتي النهضة ونداء تونس تحكمه المصالح الحزبية، وهو نتيجة لضغوط داخلية وخارجية، مؤكدا أن المعارضة لا تزال ضعيفة عدديا، لكنها تمكنت من تحقيق عدة انتصارات داخل البرلمان، وفرض تغيير وتعديل عدة فصول قانونية وإسقاط فصول أخرى.
وأضاف الهمامي أن المشكلة الرئيسية في تونس ليست تغطية العجز الاقتصادي، بل القدرة على إدارة البلاد وإيجاد الحلول المناسبة للأزمة، وقال إن رئاسة الجمهورية قدمت في مبادرتها الأخيرة شعارات وليس حلولا لمشكلات البلاد المعقدة، وإن رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي يريد توسيع صلاحياته والرجوع إلى النظام الرئاسي الذي يكرس الاستبداد، معتبرا أن الجبهة الشعبية تدعو إلى المصالحة الوطنية في إطار العدالة الانتقالية، وخلق هيئة خاصة بالجرائم الاقتصادية. وفي ما يلي النّص الكامل للحوار:
* ما موقفكم من مبادرة الرئيس قائد السبسي بالدعوة إلى تكوين حكومة وحدة وطنية، ولماذا انسحبت الجبهة الشعبية من المشاورات الجارية لتشكيل هذه الحكومة؟
- كلمة «أزمة» أصبحت متداولة في وسائل الإعلام وفي أوساط المجتمع المدني والمنظمات الاجتماعية، لذلك، فالحديث عن «أزمة» ليس جديدا، ولم تكن السلطة تعترف بوجود الأزمة وخطورتها إلى أن خرجت تصريحات رئيس الجمهورية التي اعترف فيها بوجود أزمة وبفشل الائتلاف الحاكم، وطرح مبادرة حكومة الوحدة الوطنية. ونحن في الجبهة الشعبية نعتبر أن الإقرار بالأزمة أو بالفشل لا يكفي؛ إذ لا بد من الحديث عن الأسباب، التي تكمن، حسب رأينا، في الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والسياسية. اليوم ثمة تعطيل في المسار الدستوري، وتكريس الدستور في المؤسسات، وآفة الإرهاب التي تهدد البلاد باستمرار بعمليات خطيرة، وهناك عدم إصلاح في الإدارة والأمن والجيش والقضاء، وفشل في التنمية وإغراق للبلاد في الديون، وتضخم مالي وانهيار لقيمة الدينار وفساد مستشر، والمسؤول عن كل هذا الأغلبية الحاكمة، التي لم تقم بالإصلاحات الضرورية من أجل إنقاذ البلاد.
أصحاب مبادرة حكومة الوحدة الوطنية ليس هدفهم حل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية بما يخدم تونس والتونسيين، بل تغيير الحكومة والأشخاص، وحل أزمة «نداء تونس» وتعديل موازين القوى داخل الائتلاف الحاكم، خصوصا بين «النداء» و«النهضة». لذا، رفضنا الدخول في مشاورات تشكيل حكومة الوحدة الوطنية حتى لا نكون شهود زور على مهزلة، فالبلاد بحاجة إلى إنقاذ، ولكن ليس بالطريقة الواردة في مبادرة رئيس الجمهورية.
* ما مؤاخذاتكم على محتوى الوثيقة التأليفية التي عرضتها رئاسة الجمهورية على الأحزاب المشاركة في الحوار حول برنامج الحكومة المقبلة؟
- أغلب ما في هذه الوثيقة كلام إنشائي وشعارات عامة تتعلق بالفساد والتهرب الجبائي والتهريب ومقاومة الإرهاب، وهي مشكلات يعرفها الجميع، والآن لا وجود لخطط عمل تتعلق بهذه المشكلات، بل مجرد شعارات عامة، ولا حديث عن حلول عملية وإجراءات جديّة لمقاومة الفساد مثلا.
الخطير في الوثيقة المقدمة أنها استعملت لتمرير ما يراد تمريره مثل «هدنة اجتماعية بعامين»، أي عامين من دون احتجاجات واضطرابات، ولكن مقابل ذلك لا حديث عن تجميد الأسعار، والتشغيل.. وغيرهما. وهذا ما جعلنا نعتبر أن هناك تسرعا ومضامين هزيلة لا تحمل حلولا جدية لهذه الأزمة. ونحن في الجبهة الشعبية قدمنا مبادرة الإنقاذ والبناء قبل شهر من طرح الرئيس الباجي قائد السبسي لمبادرته، ثم أعدنا طرح مبادرتنا على كل الأطراف.
* لماذا تصر الجبهة الشعبية على البقاء في المعارضة وخارج دائرة التوافق والعمل المشترك بين أغلب وأكبر مكوّنات الساحة السياسية؟
- هذا ليس صحيحا، فالجبهة شاركت في الحوار الوطني وكانت من الداعين إليه، وشاركت في الحوار الاقتصادي كذلك، لكننا نشترط دائما الجدية في الحوار، وعدم مغالطة الرأي العام، وهذه المرة لم نشارك في الحوار حول تشكيل حكومة وحدة وطنية لأننا كنا مقتنعين أننا أمام مهزلة، هدفها حل أزمة الحزب الحاكم (نداء تونس) وأزمة الائتلاف الحاكم المكون من أربعة أحزاب، وبهذا الشكل، فإننا نوهم الشعب أننا اجتمعنا لنناقش القضايا الكبرى والمصيرية للبلاد، والحال أن الأمر يتعلق بصراع على الكراسي وعلى المواقع والنقاشات الجارية بين أحزاب الائتلاف حول الحقائب الوزارية، ونصيب كل حزب، وحول الأسماء، ولذلك رفضنا المشاركة.
* هل صحيح أنكم تريدون حكومة وحدة وطنية لا تشارك فيها حركة النهضة؟
- نحن لم نطرح هذا مطلقا، وسمعنا مرارا أننا نرفض المؤتمر الوطني حول مقاومة الإرهاب لأننا لا نريد مشاركة حركة النهضة فيه، ولكن على العكس من ذلك، نحن نصر على مشاركة النهضة في هذا المؤتمر، ليكون هناك نقاش جدي حول ظاهرة الإرهاب. والمسؤول عن تأخير المؤتمر الوطني حول مقاومة الإرهاب هو الائتلاف الحاكم. واليوم نؤكد أنه ليس صحيحا أن الجبهة رفضت المشاركة في المشاورات حول تشكيل حكومة الوحدة الوطنية بسبب مشاركة النهضة فيها، لأننا جلسنا مع هذه الأخيرة في الحوار الوطني والحوار الاقتصادي.. صحيح أن لنا خلافات جوهرية معها حول الرؤى وملف الاغتيالات السياسية، ولكن هذه المرة طلبنا مناقشة برنامج الإنقاذ الوطني، وليس مهمًا بعد ذلك من سيكون ضمن الفريق الحكومي الذي سينفذ هذا البرنامج، المهم هو البرنامج، وطلبنا تجنب البدء بتوزيع المناصب والحقائب الوزارية، ثم ضبط البرنامج.. شرطنا هو حوار جدي حول برنامج إنقاذ، بصرف النظر عمّن يشارك في هذا الحوار.
* لماذا لم تحضر مؤتمر حركة النهضة الأخير، وما تعليقك على نتائج هذا المؤتمر؟
- لم نحضر لأننا ضد المشاركة لمجرد التقاط الصور، ولأن خلافاتنا مع النهضة خلافات كبيرة، فقد كانت في الحكم وتتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية عما حدث من اغتيالات في عهدها، ونخص بالذكر اغتيال زعيمين كبيرين في الجبهة الشعبية هما شكري بلعيد ومحمد البراهمي، و«النهضة» لا تريد نقد ذاتها ارتباطا بهذا الملف، وحضورنا المؤتمر كان سيحدث كثيرا من اللغط في الساحة السياسية، وعدم حضورنا هو تعبير عن موقف سياسي.
أما عن نتائج المؤتمر، فهي هزيلة مقارنة بالبهرج الذي صرف عليه من أموال كثيرة لتلميع الصورة.
* ما موقفكم من المصالحة الوطنية المطروحة الآن، وكيف تكون، وما شروط نجاحها؟
- أعيد هذه الأيام ملف المصالحة الاقتصادية إلى طاولة الجدل والنقاش، وقدم إلى البرلمان لمناقشته، وقدمت الجبهة الشعبية مشروعا للمصالحة، ولكن الفرق بين مشروعنا ومشروع رئاسة الجمهورية هو أن مشروعهم يريد حسم المسألة خارج العدالة الانتقالية، أي خارج الدستور وخارج ما اتفق عليه. وهذا يبين أن رئاسة الجمهورية تريد تعطيل مسار العدالة الانتقالية ولا تريد أن يتقدم، وتقودها في ذلك خلفية سياسية، حيث تريد مصالحة مع رموز الفساد في النظام السابق بعد الدور الذي قاموا به لفائدة «نداء تونس» في انتخابات 2014، وهذا ما رفضناه.
* ما تعليقك على عودة بعض رموز النظام السابق للظهور في المشهد السياسي؟
- لاحظنا في الفترة الأخيرة أن هؤلاء أصبحوا يتسابقون لكسب ود أحزاب الائتلاف الحاكم، وأساسا «نداء تونس» و«حركة النهضة»، ولاحظنا أن «نداء تونس» الذي يعيش أزمة، وعوض أن يتجه إلى الشباب والكفاءات ويلتصق بالواقع اليومي، قياداته يحنون إلى الماضي لأنهم لم يتغيروا، وكذلك العقليات التي لا تزال تنظر لتجربة حكم بن علي كأنها تجربة ناجحة، والحال أنها لم تنجح إلا في القمع والاستبداد، وهم يريدون اليوم الاستعانة برموز نظام بن علي للتحكم في الشعب.
* هل أنت راض عن مسار العدالة الانتقالية، وهل تثق في هيئة الحقيقة والكرامة؟
- هذا المسار معطل، والائتلاف الحاكم هو المسؤول، وليست هناك رغبة في تسريع نسق الاشتغال، فـ«نداء تونس» مرتبط بالنظام السابق، وتخيفه العدالة الانتقالية لأنها تشمل بعض قياداته والناشطين فيه، و«حركة النهضة» أيضا تشمل العدالة الانتقالية فترة حكمها، وهناك مسؤولون من «حركة النهضة» زمن الترويكا قد تطالهم المساءلة. أما بخصوص «هيئة الحقيقة والكرامة»، فإن الجبهة لم تقبل تركيبتها في البداية، لأنها لم تتشكل على أساس الكفاءة، بل على أساس المحاصصة الحزبية، وبالتالي نجد بعض الأعضاء في هذه الهيئة لا علاقة لهم بالعدالة الانتقالية، ولا كفاءة لهم، والحل هو في تسريع مسار العدالة الانتقالية، وإن لزم الأمر تغيير تركيبة «هيئة الحقيقة والكرامة» بطرح المسألة على البرلمان الذي ينتخب أعضاء هذه الهيئة.
* وما حقيقة ما يروج عن وجود خلافات بين قيادات الأحزاب المكونة للجبهة الشعبية وصراعات على الزعامة، وما مدى إمكانية انضمام أحزاب أخرى إليها؟
- لقد كذبت الندوة الوطنية الأخيرة للجبهة الشعبية كل ما يروج عن حرب زعامات داخل الجبهة، وكانت هذه الندوة خطوة كبيرة نحو التوحيد السياسي للجبهة، وهذا ما نراه اليوم من موقف موحد تجاه مبادرة تكوين حكومة وحدة وطنية، دون أن ينفي ذلك وجود نقاشات معمقة، ولكن ليست هناك خلافات كبرى بين الأحزاب المكونة للجبهة.
أما بخصوص توسيع الجبهة بضم أحزاب أخرى، فان الندوة الوطنية اتخذت قرارا في هذا الاتجاه، سواء بضم قوى منظمة أخرى (أحزاب) أو شخصيات مستقلة، والشرط الوحيد هو الاتفاق على أرضية الجبهة ونظامها الداخلي.
* هل يمكن القول إن المعارضة في تونس ضعيفة، بينما البلاد تحتاج إلى معارضة فاعلة وقوية؟
- هذا صحيح المعارضة ضعيفة، ذلك أن عدد نوابها في البرلمان لا يتجاوز 35 نائبا من جملة 217 نائبا، ولكن هذا الضعف العددي تقابله فاعلية ونجاعة نوعية، وقد تمكنا في البرلمان من تعطيل عدة مشاريع قوانين وتعديل بعض الفصول في بعض القوانين، ونجحنا ثلاث مرات بالبرلمان في الطعن في مدى ملاءمة بعض الفصول القانونية للدستور، سواء في ميزانية الدولة أو مشاريع القوانين.. صحيح أننا لا نملك الحجم الكافي لفرض اختيارات كبرى، ولكن ما يطمئننا نسبيا هو أن قطاعات واسعة من الشعب التونسي تقترب من الجبهة الشعبية.
* تستعد البلاد لتنظيم انتخابات محلية لتجديد الهيئات البلدية في مارس (آذار) المقبل، فماذا أعددتم لخوض هذه الانتخابات؟
- نحن واعون بأهمية هذه الانتخابات، لأنها ستنعكس إلى حد ما على نتائج الانتخابات التشريعية المقبلة (2019) وستؤثر فيها، ونرى أن في الانتخابات البلدية المقبلة معركتين؛ معركة القانون خصوصا قانون الجماعات المحلية، وقضية التوزيع الجديد للبلديات، حيث لاحظنا أن هناك سعيا لخلق بلديات جديدة لإضعاف حظوظ هذا الحزب أو ذاك. والجبهة الآن تستعد لتكوين ائتلاف مدني واسع لخوض هذه الانتخابات، وهي تمد يدها إلى كل القوى الديمقراطية والتقدمية من أجل تشكيل ائتلاف مدني مواطني واسع لخوض هذه الانتخابات.
* كيف تحكم على تحالف حركتي «النهضة» و«نداء تونس»، هل يحمل مقومات استمراره، أم هو تحالف هش ومهدد بالتفكك؟
- لا أعتقد أن هذا التحالف سيستمر طويلا، فـ«النهضة» و«النداء» تجمعهما، خصوصا، الاختيارات الاقتصادية، وهي اختيارات ليبرالية متوحشة، وهو تحالف تشكل بضغوط من قوى داخلية وأخرى خارجية، وتحكمه عدة مصالح، ولكن هناك صراعات وخلافات بين هذين الحزبين، محورها: من يسيطر على الدولة وعلى المجتمع.
* كيف تقيم أداء الرئيس قائد السبسي؟
- قلت أكثر من مرة إن الفشل هو فشل رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية والأغلبية الحاكمة في البرلمان، وقد طالب رئيس الجمهورية في وقت ما بصلاحيات أكثر يخولها له الدستور، فقلت إن عليه أولا أن يقوم بما هو مطلوب منه وفق الدستور، ثم يبحث عن صلاحيات أكثر وأوسع.
* كيف تقيم أداء الحبيب الصيد رئيس الحكومة؟
- نحن نعتبر أن حكومة الحبيب الصيد قد فشلت، والأرقام أقوى دليل؛ فنسبة النمو لا تتجاوز 0.6، وبالتالي، فهي حكومة فاشلة وغير قادرة على مواجهة مشكلات البلاد، ونحن نريد تغييرها بحكومة أفضل منها وقادرة على النجاح، وحكومة لها برنامج، أما تغيير حكومة الحبيب الصيد لترضية هذا أو ذاك، أو ترضية طرف محدد، فهذا أمر نرفضه. ونحن نرى أن القول بوجود أزمة، وإن الحل في تغيير الحكومة، كلام حق يراد به باطل، ونعتقد أن الاعتراف بالأزمة هو لتنصيب وزراء من هذا الحزب أو ذاك، أو من هذا الشق أو ذاك، لتصفية حسابات داخل حركة «نداء تونس»، أو لخلق موازين قوى جديدة داخل الائتلاف الحاكم. «النداء» يريد رئيس الحكومة الجديد من بين أبنائه ومناضليه، و«النهضة» تريد تشكيل الحكومة حسب نتائج الانتخابات الأخيرة.
* كيف ترى مستقبل تونس؟
- بصراحة؛ رغم أن الوضع صعب وقاتم في كثير من جوانبه، إنني متفائل، لأن الشعب يتمتع بروح وطنية عالية، ولا يستنجد بالأجنبي لحلّ مشكلاته، وعندما يختلف التونسيون فيما بينهم ويتدخل الأجنبي، فإنهم يتحالفون ضدّه.



اتهامات للحوثيين بعرقلة مساعدات الفقراء

الجماعة الحوثية متهمة باستقطاع أجزاء من مبالغ مخصصة للفقراء (فيسبوك)
الجماعة الحوثية متهمة باستقطاع أجزاء من مبالغ مخصصة للفقراء (فيسبوك)
TT

اتهامات للحوثيين بعرقلة مساعدات الفقراء

الجماعة الحوثية متهمة باستقطاع أجزاء من مبالغ مخصصة للفقراء (فيسبوك)
الجماعة الحوثية متهمة باستقطاع أجزاء من مبالغ مخصصة للفقراء (فيسبوك)

أوقفت الجماعة الحوثية، خلال الأيام القليلة الماضية، صرف المساعدات النقدية المخصصة للحالات الأشد فقراً في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى تحت سيطرتها، في ظل اتهامات لها باستقطاع مبالغ مالية من المساعدات التي تُخصصها المنظمات الأممية والدولية لمصلحة الفقراء في اليمن.

وذكرت مصادر مطلعة في العاصمة صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تعمدت وضع صعوبات وعراقيل عدة، لمنع صرف المساعدات النقدية للمستحقين في نحو 35 مركزاً خاصاً في 6 محافظات يمنية تحت سيطرتها، وهي صنعاء، وإب، والمحويت، وذمار، وريمة، وعمران، من خلال ما سمته «المرحلة الـ18 لمشروع الحوالات النقدية للمستفيدين من صندوق الرعاية الاجتماعية».

إشراف عناصر حوثية على عملية صرف مساعدات نقدية طارئة في محافظة إب (إعلام حوثي)

ويستهدف مشروع الحوالات النقدية المموَّل من البنك الدولي ومنظمة الأمم المتحدة للأمومة والطفولة (اليونيسيف)، في هذه المرحلة، ما يزيد على مليون ونصف المليون أسرة، تضم نحو 10 ملايين شخص في صنعاء وبقية المحافظات، بينما يبلغ إجمالي المبلغ المخصص بوصفه معونات نقدية في هذه المرحلة أكثر من 63 مليون دولار.

واشتكى مستفيدون من تلك الحوالات في صنعاء ومدن أخرى لـ«الشرق الأوسط»، من عراقيل وصعوبات مستمرة تتعمد الجماعة وضعها، وتؤدي لإيقاف عملية صرف المساعدات النقدية ساعات وأحياناً أياماً، في مراكز عدة؛ الأمر الذي يزيد من معاناتهم ومتاعبهم نتيجة الوقوف ساعات طويلة أمام تلك المراكز.

وتتم عملية الصرف التي يُشرِف عليها عناصر يتبعون ما يسمى «المجلس الأعلى لإدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية»، وهو هيئة مخابراتية شكَّلتها الجماعة للرقابة على أنشطة الإغاثة والمنظمات الدولية والمحلية، إضافة إلى موظفين في بنك الأمل وصندوق التنمية الاجتماعي، عبر أكثر من 2500 مركز صرف تنتشر في نحو 40 ألف قرية.

جانب من عملية صرف مساعدات نقدية للفقراء في إحدى مناطق سيطرة الجماعة الحوثية (فيسبوك)

ويبرر هؤلاء المشرفون إيقاف عمليات الصرف في تلك المراكز وحرمان المستفيدين من الحصول على مستحقاتهم المالية الزهيدة، بزعم عدم انتظام المستفيدين في طوابير خاصة بعملية التسلُّم، وعدم تجهيز كشوفات أسماء بعض المستفيدين، إضافة إلى التحجج بوجود أعطال فنية في المراكز.

استقطاع متكرر

كشف مستفيدون آخرون من تلك الحوالات في قرى عدة في مديريات العدين وحبيش ومذيخرة في محافظة إب، ومديريات الجبين والجعفرية في محافظة ريمة، والرجم وحفاش في المحويت، وعتمة في ذمار، والعشة في عمران، ومناطق أخرى في صنعاء، عن وجود استقطاعات حوثية حالية من مستحقاتهم الزهيدة لدعم جبهات القتال.

ولفت المستفيدون إلى أن تلك الاستقطاعات يسبقها في كل مرة عمليات إيقاف متعمدة للصرف ساعات طويلة، دون إبداء الأسباب.

الجوع والفقر يدفعان يمنيين في صنعاء للتسول (الشرق الأوسط)

وبيَّن (أمين ع.)، وهو أحد المقربين من أحد المستفيدين من الضمان الاجتماعي في إب لـ«الشرق الأوسط»، أن قريبه لم يتسلم هذه المرة سوى مبلغ يساوي 15 دولاراً أميركياً تقريباً (8 آلاف ريال يمني)، وتفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي (536 ريالاً) كمساعدة نقدية مخصصة له، وذلك بعد عناء وجهد من أحد مراكز الصرف في ضواحي مدينة العدين.

وأوضح أن قريبه سبق له أن تَسَلَّمَ في المرحلة السابقة مبلغ 22 دولاراً (12 ألف ريال)، أي أنه تم استقطاع ثلث مستحقاته هذه المرة.

واتُّهم أمين الجماعة باستهداف الفقراء بشكل متكرر، ونهب كل مدخرات وموارد برامج الحماية الاجتماعية (شبكات الضمان الاجتماعي)، ما أدى إلى تعميق الفقر وارتفاع نسبته، وفقدان اليمنيين في عموم مناطق سيطرتها للحماية.

تدمير شبكة الضمان

ليست المرة الأولى التي تعرقل فيها الجماعة الحوثية صرف المساعدات العينية أو النقدية لصالح الفقراء والنازحين؛ إذ سبق أن اشتكى مستفيدون في مدن تحت سيطرتها مرات عدة من عمليات نهب واستقطاع مستحقاتهم.

وكشفت مصادر حقوقية في يونيو (حزيران) من العام قبل الماضي عن استقطاع قيادات انقلابية تدير مكاتب الشؤون الاجتماعية في المحافظات التي تحت سيطرتها، مبالغ من مستحقات الفقراء المستفيدين من مشروع الضمان الاجتماعي، تراوحت في حينها بين 6 و12 دولاراً (3 آلاف و7 آلاف ريال) عن كل حالة.

أسر يمنية في صنعاء تلجأ للحصول على وجبات طعام من مخلفات القمامة (الشرق الأوسط)

كما اتهمت المصادر الجماعة حينها بعدم مراعاة معاناة آلاف الأسر المعوزة المستفيدة من تلك المبالغ، وقد باتت مُعظمها لا تملك أي مصادر دخل غير تلك المستحقات الزهيدة التي تُصْرف لها كل 3 أشهر بعد انقطاع دام أعواماً، بفعل سطو قادة الجماعة على أرصدة صندوق الضمان الاجتماعي.

وأظهرت تقارير محلية وأخرى دولية تعرُّض عدد من الصناديق الإيرادية بما فيها «صناديق التقاعد» في مناطق سيطرة الجماعة لعمليات سطو منظمة، من بينها صندوق الضمان الاجتماعي، وصندوق النشء والشباب، وصندوق مؤسسة التأمينات الاجتماعية.

وعمدت الجماعة عقب انقلابها، وفق التقارير، إلى نهب أموال صناديق التقاعد، وأوقفت في المقابل مشاريع البنية التحتية، كما أحجمت عن تسديد ديونها للبنوك ومؤسسات التمويل الأصغر، ما قاد هذه المكونات التي تقدم العون والمساعدة لشريحة كبيرة من اليمنيين، إلى التوقف عن العمل.