«نبوءة السقّا».. بطولة جماعية في مكانٍ افتراضي

الروائي السوداني حاد الناظر يكشف عن أكذوبة التفرقة العنصرية

الحدود الفاصلة بين السودان وأثيوبيا.. وفي الإطار غلاف الرواية
الحدود الفاصلة بين السودان وأثيوبيا.. وفي الإطار غلاف الرواية
TT

«نبوءة السقّا».. بطولة جماعية في مكانٍ افتراضي

الحدود الفاصلة بين السودان وأثيوبيا.. وفي الإطار غلاف الرواية
الحدود الفاصلة بين السودان وأثيوبيا.. وفي الإطار غلاف الرواية

اختار الروائي السوداني حامد الناظر مكانًا افتراضيًا لروايته الثانية «نبوءة السقّا» غير أن هذا المكان المتخيل يقع ضمن الحدود الإريترية، كما يتشظى بعض الأحداث ليمتدّ إلى أثيوبيا ولن تكون حصة السودان إلا قوافل من النازحين الإريتريين الذين فرّوا من قصف المدافع والطائرات الإثيوبية التي دكّت مدينة «عجايب» وأوشكت أن تمحوها من الوجود.
على الرغم من هيمنة الصراع الطبقي، وسطوة الحُب والحرب، وطغيان النبوءة والخرافة على المسارات السردية لهذه الرواية، فإن تيمتها الرئيسة بامتياز هي الانتهازية بكل معانيها السياسية والاجتماعية والأخلاقية. فلا غرابة أن يتكئ البناء المعماري على شخصيتين مُراوغتين جدًا وهما الناظر محمد، زعيم قبيلة «الأوتاد» وفرج السقّا، زعيم قبيلة «الأحفاد» المُسترَقّة منذ ألف عام. غير أن هذه الانتهازية لم تتكشّف إلا في الصفحات الأخيرة من هذه الرواية التي تراهن على عنصر الصدمة الذي يهزّ المتلقين في خاتمة المطاف.
لا شك في أن قبيلة «الأوتاد» تمثِّل السادة وأن «الأحفاد» يمثلون العبيد رغم أنهم لا يختلفون عنهم بشيء، بل إن بعضهم أكثر ذكاء ووسامة منهم. تُرى، مَنْ هم الأحفاد؟ ومن أين جاءوا؟ وكيف تكاثروا إلى هذا الحدّ؟ ولعل السؤال الأهم هو: كيف تزعّمهم فرج السقّا ليتلاعب بمصائرهم الجمعية وهم لا يعرفون أصله وفصله وكيف انحدر إليهم، واستقر في مضاربهم؟ وإمعانًا في التفرقة والتمييز فإن الذكور من «الأحفاد» يُختَمون بوشم دائري أخضر بين أكتافهم، بينما تُختَم الإناث بوشم بين النهود.
يخرج إسماعيل، أستاذ التاريخ واللغة العربية، من سجن الاحتلال الإثيوبي بعد أربع سنوات من الحبس الذي أحدث قطعًا مؤلمًا في حياته ليوصل ما انقطع من تاريخ «عجايب» وحياة أبنائها، فهو الشخص الأنسب لتأدية هذه المهمة التي أسندها لنفسه. وهو يمثل شخصية المثقف اليساري الإريتري المناهض للاحتلال الإثيوبي. وأكثر من ذلك فهو صديق محمود، المناضل الذي يقاتل جنود الاحتلال في جبهة التحرير الإريترية.
لم ترُق لحامد الناظر لعبة البطولة الفردية لذلك وزّع هذه البطولة على الجميع بدءًا بمحمود وعلاقته العاطفية مع فاطمة التي خُطبت له بكلمة شفهية منذ الصغر، مرورًا بإسماعيل وحبيبته فوزية، وانتهاء بالناظر محمد وفرج السقّا. فهؤلاء جميعًا يتقاسمون أدوار البطولة إلى أن تطوي الرواية صفحتها الأخيرة بعد كمٍ من المفاجآت والانعطافات الفنية المدروسة.
لم تنتبه فاطمة إلى جمالها الأخّاذ إلا بعد عشرين عامًا حينما لفتت نظرها الخيّاطة نورا قائلة لها: «كم أنتِ بلهاء يا فاطمة! والله لو أملكُ مثل جمالكِ وهذا الجسد لأوقفتُ البلد بإشارة، وحرّكتهُ بإشارة» (ص35). وعلى الرغم من انتمائها إلى طبقة «الأحفاد» الذين يعملون بأكل بطونهم عند أسيادهم «الأوتاد» إلا أن جمالها الأخّاذ ومواصفاتها الجسمانية المثيرة يغريان الناظر محمد، رمز السلطة الذي عيّنه الاحتلال، أن يطلب يدها للزواج رغم العهد الذي قطعه على خاله بألا يتزوج على ابنة خالة زوجة ثانية لكنه نكث بهذا الوعد بعد سنة من وفاة الخال وحدد موعدًا للزواج من فاطمة الجميلة التي لا يدانيها حُسنًا ونضارة سوى جمال فوزية التي أحبّت الأستاذ إسماعيل وقلبت له ظهر المجن، حينما اكتشفت إصراره على مزاولة مهنة التعليم فقط دون التفكير بمهنة أخرى تدرّ عليه مالاً وفيرا.
تهيمن نبوءة العرّافة «ريحانة» على مدار النص الروائي ولعله يتفكك من دونها فقد جاءت أحد الملوك بنبوءتها العجيبة التي تقول: «ستُقتلَون على يد جيشٍ جرّار يأتيكم من الحبشة ويستعبد أحفادكم من بعدكم ألف عام حتى يلدوا جوهرتين إحداهما أمَة والأخرى من سادتهم. الأولى تموت والأخرى تأتي من أرضٍ بعيدة سيخلصهم سلطان عادل ويجتمعون من كل مكان في وادي العجايب والذهب» (ص237).
عاد محمود من الجبهة بعد خمس سنوات رغم أن إشاعة موته قد سرت في «عجايب» سريان النار في الهشيم ودفعت بالجوهرة الأولى فاطمة للقبول بالزواج من الناظر محمد لكنها صُعقت حينما اكتشفت وجه الناظر بعينيه الدميمتين وساقه الاصطناعية اليمنى لذلك سارعت إلى اللقاء بمحمود، وحاولت أن تشرح موقفها لكنه زجرها بعنف الأمر الذي دفعها للانتحار، حيث شربت صبغة الشعر التي أهلكتها في الحال فقلبت بموتها الذي اختارته بنفسها كل النبوءات وكأنها تنتقم منهم جميعًا بهذا الموت التراجيدي.
أمّا محمود فقد قرّر أن يتزوج «قضيته» ويقفل راجعًا إلى الجبهة بعد أن قدّم مفاتيح بيته إلى صديقه إسماعيل الذي يدوّن أحداث «عجايب» ووقائعها. تأخرت فوزية في لقاء إسماعيل والترحيب به بعد خروجه من السجن وبدت له عميقة جدًا، وشاهقة أكثر مما تخيّل لكنها وخزته حينما قالت بأن «وظيفته النبيلة» كما كانت تسمّيها سابقًا «شيء غير مرغوب فيه الآن، وتعتبر مهنة غير قادرة على تلبية متطلبات الحياة، بل إنها الآن بلا قيمة» (226). غاب فرج السقّا من دون أن يعرف أحد وجهته، وأوغل العرّاف مرجان ابن العرّاف جابر سارداي في الحديث عن النبوءة الغامضة التي أودعها أبيه في صدور الناس قبل أن يمضي. وها هي الآن تتحقق بحذافيرها. ربما يكون مقتل هذه الرواية المحبوكة جيدًا أنها تراهن على الخرافة وتعتمد على ما يقوله البصّارون بعيدًا عن المنطق العقلاني الرصين، وكأنّ حامد الناظر يلمس في العرّافين سرّا لم نكتشفه نحن، بل هو يشدّد على أن العرافين ليسوا دجّالين ومخادعين كما يعتقد البعض من الناس. فها هي فوزية، الجوهرة الثانية التي لم يعرف إسماعيل أنها شقيقة فاطمة تأتي لكنه لم يلحظ الشبه الكبير بينهما. فلقد كان أبوهما هُمّد عاملاً عند آل عميراي وقد تعلقت به شقيقة أحمد عميراي ورفضت أن تتزوج غيره. وعلى الرغم من أن والدها زوّجها قسرًا من ابن عمها فإنها اختلت بهُمّد وحبلت منه بفوزية، هذه الجميلة الطامحة بالمال والسطوة وقد عرفت الطريق إليهما ووافقت أن تقترن بالناظر محمد رغم دمامته التي نفرت منها شقيقتها فاطمة.
سقط إسماعيل مغشيًا عليه وحينما استرجع وعيه قرر أن يتفرغ للكتابة ويجمع كل ما دوّنه في مفكرته الضخمة. قد تكون مفاجأة الرواية الكبرى أن إسماعيل شاهد إلى جانب الناظر محمد الذي دعاه إلى حفل زواجه من فوزية، فرج السقّا الذي عاد منتصرًا من دون سيوف أو دماء، وهما في طريقهما إلى أديس أبابا. لم تكن دهشة إسماعيل كبيرة حينما سمع من الراديو اسم الناظر محمد ضمن أسماء مجلس النواب الجدد، لكنه شعر بالذهول حينما سمع اسم فرج السقّا ضمن أسماء مجلس الشيوخ الذين تم انتخابهم لدورة جديدة. عندها فقط اتجه صوب أوراقه التي أنفق في كتابتها أكثر من عام ومزّقها، ثم نثرها على الأرض واستلقى إلى جوارها.
في تلك اللحظة التي كان فيها الإمبراطور هايلي سيلاسي يهنئ نوابه الجدد كانت المدفعية والطائرات الإثيوبية تدك «عجايب» التي لم يبق فيها سوى الأستاذ إسماعيل واضعًا يداه في جيبي بنطاله، بينما كانت قوافل النازحين تتجه صوب الحدود السودانية وتتلاشى هناك. الشيء الوحيد الذي عَلُق في ذاكرته هي أكذوبة التفرقة العنصرية فقد كان الأوتاد والأحفاد يؤازرون بعضهم بعضا في محنتهم الأخيرة وكأنهم منحدرون من صُلب واحد!



«ملتقى نالا للسرد» يحتفي برائد القصة السعودية محمد علي علوان

الأديب الراحل محمد علوان
الأديب الراحل محمد علوان
TT

«ملتقى نالا للسرد» يحتفي برائد القصة السعودية محمد علي علوان

الأديب الراحل محمد علوان
الأديب الراحل محمد علوان

تنطلق اليوم (الأربعاء) في الرياض الدورة الأولى من «ملتقى نالا للسرد»، بمشاركة عدد من الأدباء والنقاد والباحثين والمبدعين. وتنظّم جمعية آداب وفنون السرد «نالا» الملتقى على مدى يومين.

وتُخصَّص باكورة دورات الملتقى للقصة القصيرة، التي تحمل اسم «دورة القاص محمد علي علوان»، للاحتفاء بتجربة أحد رواد القصة السعودية، وما قدَّمه من منجز أدبي أسهم في إثراء المشهد السردي المحلي.

وقال يوسف المحيميد، رئيس مجلس إدارة الجمعية والمشرف العام على الملتقى، إن الدورة الأولى تجمع عدداً من الأدباء والأكاديميين والكتّاب والمهتمين بالسرد، مشيراً إلى أن اختيار تجربة القاص علوان يأتي وفاءً لمنجزه الإبداعي وإسهاماته في تطور القصة السعودية. وأكد أن الملتقى يسعى إلى فتح مساحات للحوار والنقد في التحولات التي يشهدها هذا الفن الأدبي، وقضاياه الفنية والجمالية.

ويحتفي الملتقى في برنامجه بالأديب السعودي محمد علي علوان، أحد أبرز كتّاب القصة القصيرة في السعودية، الذي توفي في أغسطس (آب) 2024 عن عمر ناهز 73 عاماً.

وُلد محمد علوان في أبها عام 1950، وحصل على درجة البكالوريوس في الأدب العربي من كلية الآداب بجامعة الملك سعود عام 1974. وعمل في وزارة الإعلام منذ تخرجه، وتولى الإشراف الثقافي في عدد من الصحف والمجلات، كما شغل منصب وكيل الوزارة لشؤون الإعلام الداخلي.

نشر الراحل 6 مجموعات قصصية، وأشرف على الصفحات الثقافية في كل من مجلة «اليمامة» وصحيفة «الرياض» لسنوات عدّة. كما شارك في أمسيات قصصية نظَّمتها الأندية الأدبية وجمعية الثقافة والفنون، وكان عضواً مؤسساً في «مؤسسة عسير للصحافة والنشر».

ويتضمن الملتقى عرضاً مرئياً يتناول جوانب من سيرة القاص الأدبية، إلى جانب تكريمه وتدشين أعماله الكاملة، بما يسهم في توثيق تجربته وإبراز أثرها في مسيرة القصة السعودية.

وإلى جانب الاحتفاء بمسيرة الأديب السعودي علوان، يشتمل البرنامج العلمي في يومه الأول على قراءات نقدية تتناول تجربته، وجلسات تبحث الخصائص الفنية للقصة المعاصرة والثيمات البارزة في القصة القصيرة، إضافة إلى تقديم عدد من الشهادات والتجارب الإبداعية في مجال الكتابة القصصية.

ويبحث المشاركون في اليوم الثاني أثر التحولات المجتمعية والثقافية في القصة القصيرة، وحضور المدينة في السرد القصصي السعودي المعاصر، من خلال أوراق ومداخلات يقدّمها عدد من النقاد والباحثين والمبدعين، بينما تُختتم أعمال الدورة بإعلان التوصيات.

وأنهت اللجان التنظيمية والفنية والإعلامية استعداداتها لانطلاق الملتقى واستقبال المشاركين والضيوف، في خطوة تسعى الجمعية من خلالها إلى ترسيخه منصةً للحوار في فنون السرد، ودعم حضور القصة السعودية ومبدعيها في المشهد الثقافي.


من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إلياس خوري
إلياس خوري
TT

من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إلياس خوري
إلياس خوري

إذا كان مقدّراً لكل جيل من الأجيال أن يواجه نصيبه من التحديات، وأن يحمل من السمات الثقافية والفكرية والاجتماعية، ما يمكن أن يصبح إنجازه الخاص وعلامته الفارقة، فإن الجيل الذي سمّي بجيل السبعينات في لبنان هو أحد أكثر الأجيال تميزاً في الدور، وثراءً في التجربة، وتمزقاً بين الخيارات.

على أن الطالع الدراماتيكي لأبناء ذلك الجيل، قد شاء لهم وهم في أوج التفتح أن يشهدوا بأمّ أعينهم هزيمة يونيو (حزيران) عام 1967، وقصف مطار بيروت بعدها بعام واحد، ومظاهرات أبريل (نيسان) الصاخبة بعدها بعامين، وأن يواكبوا في الآن ذاته صعود المقاومة الفلسطينية وحركة اليسار الجديد، بما جعلهم يقفون على التخوم الفاصلة بين لبنانين متبايني الهوية والدور، قبل أن يقضي الاثنان معاً على مذبح التناحر الأهلي.

عقل العويط

وحيث كان من الطبيعي أن تحتضن الجامعة اللبنانية في تلك الفترة الكثرة الكاثرة من أبناء الفقراء والبورجوازية الصغيرة، وفق التصنيف الماركسي التقليدي، وأن تتحول بالتالي إلى بؤرة للتغيير وحركات الاحتجاج على ما اعتُبر آنذاك فساد السلطة وخنوعها ومواقفها السياسية المتخاذلة، فإن كلية التربية بالذات كانت «درة» التاج الجامعي، وواسطة عقده الأثمن.

ولا يعني ذلك أن كل المنتسبين إلى الكلية، كانت لديهم الأهداف ذاتها والطموح إياه، حيث إن بعض الملتحقين بها لم يروا فيها سوى المحطة التي لا بد من اجتيازها، للالتحاق بسلك التعليم الثانوي، الذي يوفر لهم الحد المقبول من الاستقرار والأمن المعيشي. إلا أن البعض الآخر راهنوا من خلالها على ما يتعدى الجانب الدراسي التقليدي، مؤثرين تحويلها إلى واحة متنوعة للتحصيل المعرفي، وإلى مساحة لتلاقح الأفكار، وإلى حاضنة مثلى لمغامرة التجديد وتيارات الحداثة الوافدة.

علوية صبح

على أن الدور الذي أنيط بالكلية، لم يأت من الفراغ المحض ولم يكن وليد الصدفة المجردة، بل تضافرت على تحقيقه عوامل عدة، بينها الامتحانات الجدية والنزيهة، التي كان على الطلاب المتبارين خوضها، لكي يحظوا بفرصة الالتحاق بالكلية. وبينها أن المقبولين من الطلاب كانوا قادمين من كافة مدن البلاد وقراها، ومن مناطقها الزراعية وأطرافها النائية، بما حوّل الكلية إلى وطن مصغر، تتفاعل بين ظهرانيه صفوة منتقاة من الطلبة المتفوقين، وأصحاب المواهب الفتية، والمخيلات الباحثة عن التفتح.

كما أن المنحة المالية التي كان يتقاضاها الطلبة المنتسبون للكلية، قد لعبت دوراً غير قليل في جعلها تتبوأ دورها الريادي بين كليات الجامعة الأخرى. ليس فقط لأنها تمنح هؤلاء مكافأة مادية لا توفرها أي مؤسسة أكاديمية مماثلة، بل لأن إعفاء الطلاب من مشقة البحث عن وظيفة أو مهنة توفر لهم سبل العيش، هو ما أتاح لهم التفرغ الكلي للدراسة، بقدر ما أتاح للكلية أن تتحول إلى ورشة دائمة للتفاعل الثقافي والفكري بين مكوناتها المختلفة.

حسن داود

لم تعد الكلية بهذا المعنى مجرد مؤسسة رسمية لتدريب الطلاب وتهيئتهم لمهنة التعليم، وهي التي حملت عند تأسيسها عام 1951 اسم «دار المعلمين العليا»، بل تمكنت بعد ذلك بسنوات من أن تتجاوز دورها الأساسي، لتتحول إلى منارة ثقافية حقيقية، وإلى مشروع فريد للتغيير وصناعة المستقبل. اللافت بهذا الخصوص أن ما حدث في بيروت الستينات والسبعينات، قد حدث ما يشبهه تماماً في بغداد الأربعينات، إذ كانت دار مماثلة لإعداد المعلمين، تضم بين جنباتها كلاً من بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ولميعة عباس عمارة، وتهيئ لهم الفرصة النموذجية والنادرة لإطلاق مشروع الحداثة الرائد، الذي لم يشهد الشعر العربي مثيلاً له عبر تاريخه.

ومع أن الفضل في ما أصبحت عليه الكلية، بنسختها اللبنانية، كان عائداً من بعض وجوهه إلى النخبة المنتقاة من أساتذتها، بينهم أدونيس وخليل حاوي وخالدة سعيد وأنطون غطاس كرم وأنيس فريحة والمطران جورج خضر ويمنى العيد وعلي شلق وريمون جبارة وميشال عاصي وغيرهم، فإنه كان عائداً من وجوه أخرى لنضالات الحركة الطلابية اللبنانية، كما للصفوة المختارة من الطلاب، الذين كان كلٌّ منهم يرسم للكلية دوراً يتجاوز دورها الأكاديمي، ويجعل منها صورة مصغرة عن الوطن الآخر، الذي كان يطمح لبنائه على مقاس أحلامه. ولن يعود من المستغرب تبعاً لذلك، أن يعمد العديد من الطلاب الناشطين والقياديين إلى الامتناع عن المشاركة في امتحانات نهاية العام، بهدف تمديد سنوات الدراسة لأقصى مدة ممكنة.

بول شاؤول

على أن سحر كلية التربية الفريد لم يكن متأتياً من قاعاتها الدراسية فحسب، بل كان منبثقاً بشكل خاص من ردهة الكافتيريا الواسعة، والواقعة أسفل المبنى الغربي، التي شهدت طاولاتها ومقاعدها أعمق النقاشات الفكرية والسياسية، وشهدت زواياها النائية ولادة الكثير من القصائد والنصوص النثرية، فيما شكلت من ناحية أخرى مسرحاً مناسباً لنشوء الصداقات وقصص الحب. اللافت في تلك الحقبة أن النجاح أو الفشل في نسج العلاقات العاطفية بين الطلاب والطالبات لم تكن معاييره متصلة بمنسوب الوسامة أو الثروة أو توفر السيارة والشقة السكنية، بل كان الطالب الأكثر صلة بالقراءة، والأكثراكتنازاً بالمعرفة، هو الأقدر من سواه على الفوز بقلوب الفتيات.

أما المهرجان الشعري السنوي الذي كان ينظمه ويشرف عليه بول شاوول، وآثر إعطاءه شكل المباراة بين الشعراء الشبان، فقد تحول من خلال مستوى المشاركين فيه، ولجنته التحكيمية المؤلفة من كبار الشعراء والنقاد اللبنانيين، إلى مناسبة دورية استثنائية، ينتظر انعقادها الكثيرون، ويقطع الفائز بجائزتها الخطوة الأولى على طريق الكتابة الشائك.

كلية التربية التي أُفرغت من الجدوى وتحولت إلى أطلال ما كانته قبل 50 عاماً لم تكن سوى صورة مصغرة عن الحلم الذي أضعناه

وإلى الشعراء والروائيين والمسرحيين والرسامين، كان ثمة نخبة واعدة موازية من القادة الطلابيين والمفكرين السياسيين والمناضلين من أجل التغيير. وإذا لم يكن بالمستطاع تسمية كل أولئك الذين تضافرت جهودهم لتضييق المسافة بين واقع وطنهم المتردي، وصورته المقابلة في نصوصهم ومخيلاتهم، والذين ما زال بعضهم يتصدر المشهدين الثقافي والسياسي في لبنان حتى يومنا هذا، يمكنني أن أسمي من بينهم، على سبيل المثال لا الحصر، عصام خليفة وأنور الفطايري وأنطوان سيف وبول شاوول ونصير الأسعد وإلياس عطالله وغسان شربل وجورج سمعان وإلياس خوري ورشيد الضعيف ومحمد العبدالله وعقل العويط وهاشم الأيوبي وحمزة عبود وعلوية صبح وهدى بركات وجودت فخر الدين وحسن داود وشربل داغر.

ولن تفوتني الإشارة في هذا الصدد إلى أن دور الكلية الثقافي لم يقتصر على الأنشطة الخاصة بأساتذتها وطلابها وحدهم، بل هي تعدت ذلك الدور لتجعل من قاعاتها المختلفة مساحة للثقافة والتنوير، يقف على منصاتها عشرات المبدعين اللبنانيين والعرب. وإذا كان البعض قد رأوا في وقفتهم تلك جواز مرورهم باتجاه التكريس، كما اعترف شاعر المحكية أسعد جوان، فقد استضافت الكلية سعيد عقل ومحمد الفيتوري وموريس عواد، إضافة إلى محمود درويش، الذي لم يتوان عن القول في الأمسية التي دعي لإقامتها، بأنه يشعر بالرهبة والخوف، لأنه يقف على المنبر الأكثر اتصالاً بمغامرة التجديد، معتبراً أن الأمسية تلك هي الامتحان الشعري الأصعب الذي يخوضه في حياته.

على أن ذلك الحلم الوردي لم يدم طويلاً، ليس فقط لأن الحرب الأهلية وما تلاها من كوارث قد أطاحت بجزء كبير منه، بل لأن السلطات المتعاقبة لم تستطع ابتلاع تلك الجرعة الفائضة من الحرية، وذلك المناخ غير المسبوق من الاندماج الوطني، فعملت على إجهاض التجربة من أساسها، لتقتصر مهمتها على تهيئة القادمين من الكليات الأخرى، للانخراط في مهنة التعليم، ولسنة واحدة لا أكثر، وليتوزع ما تبقى من المبنيين اللذين تشغلهما الكلية على مؤسسات جامعية أخرى. ومع ذلك فقد يبدو الأمر من بعض وجوهه، كما لو أن كلية التربية، التي أُفرغت من الجدوى، وتحولت إلى أطلال ما كانته قبل خمسين عاماً، لم تكن سوى صورة مصغرة عن الحلم الذي أضعناه، وعن الكيان الواعد الذي تعامل معه القائمون على مقدراته كغنيمة حرب، ولم يترددوا بعد ذلك في تحويله إلى حطام.


3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
TT

3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا

تبنّى الأمويون فن النحت، واعتمدوه بشكل خاص في ميدان العمارة المدنية، كما تشهد مجموعة من القطع الأثرية، أهمّها تلك التي خرجت من بين أطلال قصر يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة. بدأ استكشاف هذا الموقع في نهاية القرن التاسع عشر، وجرت أعمال المسح فيه خلال ثلاثينات القرن الماضي، وتبيّن أنه بُني في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. أسفرت أعمال التنقيب عن العثور على عدد كبير من التماثيل المتنوّعة، منها 3 قطع يمثل كلّ منها رجلاً مدرعاً. ويوحي هذا الزي المشترك بأن هذه الأنصاب تجسّد قامات متنوّعة من العسكر، أي من «مجتمع الجيش» كما جاء في تعريف «لسان العرب».

لم يصل أيٌّ من هذه التماثيل الثلاثة بشكل كامل للأسف، غير أن ما تبقّى منها يسمح بتحديد تكوينها الأول، واللافت أنها تمثّل اختلافاً كبيراً في بنيتها كما في أسلوبها الفني. تحضر إحدى هذه القطع على شكل قامة منتصبة فقدت رأسها. وتقابلها قامة أخرى فقدت كذلك رأسها، وبقيت منها كتلتان مهشّمتان. تمثّل القطعة الثالثة نموذجاً مغايراً، وهي على شكل تمثال نصفي يضمّ الرأس والصدر. تحاكي هذه المجسّمات من حيث الحجم المقياس الطبيعي للإنسان، ويتبنّى كلٌّ منها طرازاً فنياً خاصاً يتجلّى في الشكل الخارجي كما في الصياغة المتبعة في النقش والنحت. تتميّز القطعة الأولى بقامتها المنتصبة، وتتبنّى الطراز الكلاسيكي الروماني بشكل لا لبس فيه، ويتجلّى هذا الطراز في البنية التشريحية الخاصة بها، كما في زيّها التقليدي.

تمثّل هذه القامة رجلاً يقف بثبات، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، شاهراً بيده سيفاً سقط القسم الأعلى منه وضاع. تتدلّى الذراع اليسرى وتبدو ملتصقة بالصدر، وتمسك اليد بترس دائري زُيّن بشبكة من النقوش الزخرفية، تتكوّن من سلسلة دوائر ملتفة حول ذاتها، أكبرها شريط مزيّن بالزخارف اللولبية، يليه شريطان نحيلان مجرّدان. وتحضر في الوسط كتلة ناتئة على شكل قبّة، تعلوها سلسلة من الخطوط العمودية المرصوصة على شكل أسنان المشط. يرتدي هذا العسكري اللباس الروماني التقليدي، ومقوّماته سترة مدرّعة تنسدل وتحجب أعلى الساقين، مع حزام معقود حول الخصر. تزيّن هذه السترة 4 سلاسل من المساحات البيضاوية المرصوصة، تحاكي ما يُعرف بـ«لبوس الحديد» في «لسان العرب»، وتعلو هذه اللبوس منصات الكتف التقليدية المزيّنة بمساحات مماثلة، تنعقد على شكل سوارين عريضين حول أعلى الذراعين. يبدو هذا التمثال رومانياً من حيث الأسلوب، ويعكس نموذجاً شاع في تدمر كما في البتراء خلال القرون التي سبقت ظهور الإسلام.

اتخذ هذا النمط طابعاً محلياً نتيجة لهذا الانتشار، ويحفل الميراث الأدبي بالشواهد التي تؤكّد ذلك، منها قول أبو الأخزر الحماني: «مقلصاً بالدرع ذي التغضن/ يمشي العرضنى في الحديد المتقن». وقول عمرو بن معديكرب الزبيدي: «إن تلقَ عمراً فقد لاقيت مدرعاً/ وليس من همه إبل ولا شاء».

تأتي القطعة الثانية على شكل كتلتين منفصلتين لم يتمّ جمعهما كما يبدو. تمثّل إحدى هاتين الكتلتين الصدر، وتمثّل الأخرى الساقين، وفيهما يبدو اللباس على شكل عباءة تمتدّ حتى حدود الركبتين، كاشفة عن سروال فضفاض. يتبنّى هذا اللباس الطراز الساساني، ويعلوه شريط مضفور بسلسلة من الدوائر ينسدل حول العنق، وحزام مماثل ينعقد حول الخصر. تزين السروال شبكة متجانسة من المربّعات الملتوية تُعرف باسم «المُعين»، وتزيّن العباءة سلسلة تحاكي التعزيزات القشرية، ممّا يجعل منها قميصاً مدرّعاً، أي «قميص من حديد يلبس وقاية من السلاح»، كما يقول «لسان العرب».

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو كما أشرنا على شكل تمثال نصفي، يجسّد كما يبدو جندياً مدرّعاً يعتمر خوذة عريضة تعلوها قبة مزيّنة بشبكة من الخطوط العمودية. فقد هذا الجندي ذراعه اليمنى، وبدت ذراعه اليسرى مرفوعة في اتجاه صدره، غير أن يده تساقطت وبات من الصعب تحديد حركتها الأصلية. الوجه دائري ومكتنز، مع شاربين مقوّسين ولحية قصيرة تلتف حول ذقنه. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان، والعينان شاخصتان، وهما لوزيتان، ويتوسّط كلاً منهما بؤبؤ دائري عريض، يعلوه ثقب دائري غائر. الأنف قصير وناتئ، والثغر صغير، مع شق أفقي بسيط يفصل بين شفتيه. يماثل هذا الوجه في تكوينه الوجوه العديدة التي خرجت من قصر هشام في خربة المفجر، ويعكس نسقاً محلياً طبع النتاج الفني الأموي الخاص بميدان النحت.

تؤلّف هذه القطع المنحوتة مجموعة صغيرة تعكس صورة مختزلة لـ«مجتمع الجيش» في العالم الأموي، وتقابلها صورتان تفصيليتان من جداريات قصير عمرة في الأردن، تظهر في كلّ منها صورة عسكري يعتمر كذلك خوذة عريضة مقبّبة. يتكرّر هذا النموذج في لوح مستطيل منجز بتقنية الجص الجيري المنحوت، مصدره موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية في البادية السورية. تعلو هذا اللوح صورة فارس يظهر معتمراً خوذة مشابهة، ملتحفاً لباساً مدرّعاً، تعلوه شبكة من التعزيزات القشرية.

من ناحية أخرى، تشكّل هذه المجموعة الصغيرة رافداً من مجموعة كبيرة من الصور المنحوتة خرجت من موقع خربة المفجر في البادية الفلسطينية، وتقابل هذه المجموعة أخرى مشابهة خرجت من قصر الحير الغربي في البادية السورية. تشكل هذه الصور المنحوتة دليلاً حياً على استمرارية هذا الفن في بلاد الشام في ظل الحكم الأموي، بعد تراجعه في العهد البيزنطي، كما تؤكّد تبنّي السلطة الحاكمة لهذا التقليد في ميدان العمارة المدنية تحديداً.