«نبوءة السقّا».. بطولة جماعية في مكانٍ افتراضي

الروائي السوداني حاد الناظر يكشف عن أكذوبة التفرقة العنصرية

الحدود الفاصلة بين السودان وأثيوبيا.. وفي الإطار غلاف الرواية
الحدود الفاصلة بين السودان وأثيوبيا.. وفي الإطار غلاف الرواية
TT

«نبوءة السقّا».. بطولة جماعية في مكانٍ افتراضي

الحدود الفاصلة بين السودان وأثيوبيا.. وفي الإطار غلاف الرواية
الحدود الفاصلة بين السودان وأثيوبيا.. وفي الإطار غلاف الرواية

اختار الروائي السوداني حامد الناظر مكانًا افتراضيًا لروايته الثانية «نبوءة السقّا» غير أن هذا المكان المتخيل يقع ضمن الحدود الإريترية، كما يتشظى بعض الأحداث ليمتدّ إلى أثيوبيا ولن تكون حصة السودان إلا قوافل من النازحين الإريتريين الذين فرّوا من قصف المدافع والطائرات الإثيوبية التي دكّت مدينة «عجايب» وأوشكت أن تمحوها من الوجود.
على الرغم من هيمنة الصراع الطبقي، وسطوة الحُب والحرب، وطغيان النبوءة والخرافة على المسارات السردية لهذه الرواية، فإن تيمتها الرئيسة بامتياز هي الانتهازية بكل معانيها السياسية والاجتماعية والأخلاقية. فلا غرابة أن يتكئ البناء المعماري على شخصيتين مُراوغتين جدًا وهما الناظر محمد، زعيم قبيلة «الأوتاد» وفرج السقّا، زعيم قبيلة «الأحفاد» المُسترَقّة منذ ألف عام. غير أن هذه الانتهازية لم تتكشّف إلا في الصفحات الأخيرة من هذه الرواية التي تراهن على عنصر الصدمة الذي يهزّ المتلقين في خاتمة المطاف.
لا شك في أن قبيلة «الأوتاد» تمثِّل السادة وأن «الأحفاد» يمثلون العبيد رغم أنهم لا يختلفون عنهم بشيء، بل إن بعضهم أكثر ذكاء ووسامة منهم. تُرى، مَنْ هم الأحفاد؟ ومن أين جاءوا؟ وكيف تكاثروا إلى هذا الحدّ؟ ولعل السؤال الأهم هو: كيف تزعّمهم فرج السقّا ليتلاعب بمصائرهم الجمعية وهم لا يعرفون أصله وفصله وكيف انحدر إليهم، واستقر في مضاربهم؟ وإمعانًا في التفرقة والتمييز فإن الذكور من «الأحفاد» يُختَمون بوشم دائري أخضر بين أكتافهم، بينما تُختَم الإناث بوشم بين النهود.
يخرج إسماعيل، أستاذ التاريخ واللغة العربية، من سجن الاحتلال الإثيوبي بعد أربع سنوات من الحبس الذي أحدث قطعًا مؤلمًا في حياته ليوصل ما انقطع من تاريخ «عجايب» وحياة أبنائها، فهو الشخص الأنسب لتأدية هذه المهمة التي أسندها لنفسه. وهو يمثل شخصية المثقف اليساري الإريتري المناهض للاحتلال الإثيوبي. وأكثر من ذلك فهو صديق محمود، المناضل الذي يقاتل جنود الاحتلال في جبهة التحرير الإريترية.
لم ترُق لحامد الناظر لعبة البطولة الفردية لذلك وزّع هذه البطولة على الجميع بدءًا بمحمود وعلاقته العاطفية مع فاطمة التي خُطبت له بكلمة شفهية منذ الصغر، مرورًا بإسماعيل وحبيبته فوزية، وانتهاء بالناظر محمد وفرج السقّا. فهؤلاء جميعًا يتقاسمون أدوار البطولة إلى أن تطوي الرواية صفحتها الأخيرة بعد كمٍ من المفاجآت والانعطافات الفنية المدروسة.
لم تنتبه فاطمة إلى جمالها الأخّاذ إلا بعد عشرين عامًا حينما لفتت نظرها الخيّاطة نورا قائلة لها: «كم أنتِ بلهاء يا فاطمة! والله لو أملكُ مثل جمالكِ وهذا الجسد لأوقفتُ البلد بإشارة، وحرّكتهُ بإشارة» (ص35). وعلى الرغم من انتمائها إلى طبقة «الأحفاد» الذين يعملون بأكل بطونهم عند أسيادهم «الأوتاد» إلا أن جمالها الأخّاذ ومواصفاتها الجسمانية المثيرة يغريان الناظر محمد، رمز السلطة الذي عيّنه الاحتلال، أن يطلب يدها للزواج رغم العهد الذي قطعه على خاله بألا يتزوج على ابنة خالة زوجة ثانية لكنه نكث بهذا الوعد بعد سنة من وفاة الخال وحدد موعدًا للزواج من فاطمة الجميلة التي لا يدانيها حُسنًا ونضارة سوى جمال فوزية التي أحبّت الأستاذ إسماعيل وقلبت له ظهر المجن، حينما اكتشفت إصراره على مزاولة مهنة التعليم فقط دون التفكير بمهنة أخرى تدرّ عليه مالاً وفيرا.
تهيمن نبوءة العرّافة «ريحانة» على مدار النص الروائي ولعله يتفكك من دونها فقد جاءت أحد الملوك بنبوءتها العجيبة التي تقول: «ستُقتلَون على يد جيشٍ جرّار يأتيكم من الحبشة ويستعبد أحفادكم من بعدكم ألف عام حتى يلدوا جوهرتين إحداهما أمَة والأخرى من سادتهم. الأولى تموت والأخرى تأتي من أرضٍ بعيدة سيخلصهم سلطان عادل ويجتمعون من كل مكان في وادي العجايب والذهب» (ص237).
عاد محمود من الجبهة بعد خمس سنوات رغم أن إشاعة موته قد سرت في «عجايب» سريان النار في الهشيم ودفعت بالجوهرة الأولى فاطمة للقبول بالزواج من الناظر محمد لكنها صُعقت حينما اكتشفت وجه الناظر بعينيه الدميمتين وساقه الاصطناعية اليمنى لذلك سارعت إلى اللقاء بمحمود، وحاولت أن تشرح موقفها لكنه زجرها بعنف الأمر الذي دفعها للانتحار، حيث شربت صبغة الشعر التي أهلكتها في الحال فقلبت بموتها الذي اختارته بنفسها كل النبوءات وكأنها تنتقم منهم جميعًا بهذا الموت التراجيدي.
أمّا محمود فقد قرّر أن يتزوج «قضيته» ويقفل راجعًا إلى الجبهة بعد أن قدّم مفاتيح بيته إلى صديقه إسماعيل الذي يدوّن أحداث «عجايب» ووقائعها. تأخرت فوزية في لقاء إسماعيل والترحيب به بعد خروجه من السجن وبدت له عميقة جدًا، وشاهقة أكثر مما تخيّل لكنها وخزته حينما قالت بأن «وظيفته النبيلة» كما كانت تسمّيها سابقًا «شيء غير مرغوب فيه الآن، وتعتبر مهنة غير قادرة على تلبية متطلبات الحياة، بل إنها الآن بلا قيمة» (226). غاب فرج السقّا من دون أن يعرف أحد وجهته، وأوغل العرّاف مرجان ابن العرّاف جابر سارداي في الحديث عن النبوءة الغامضة التي أودعها أبيه في صدور الناس قبل أن يمضي. وها هي الآن تتحقق بحذافيرها. ربما يكون مقتل هذه الرواية المحبوكة جيدًا أنها تراهن على الخرافة وتعتمد على ما يقوله البصّارون بعيدًا عن المنطق العقلاني الرصين، وكأنّ حامد الناظر يلمس في العرّافين سرّا لم نكتشفه نحن، بل هو يشدّد على أن العرافين ليسوا دجّالين ومخادعين كما يعتقد البعض من الناس. فها هي فوزية، الجوهرة الثانية التي لم يعرف إسماعيل أنها شقيقة فاطمة تأتي لكنه لم يلحظ الشبه الكبير بينهما. فلقد كان أبوهما هُمّد عاملاً عند آل عميراي وقد تعلقت به شقيقة أحمد عميراي ورفضت أن تتزوج غيره. وعلى الرغم من أن والدها زوّجها قسرًا من ابن عمها فإنها اختلت بهُمّد وحبلت منه بفوزية، هذه الجميلة الطامحة بالمال والسطوة وقد عرفت الطريق إليهما ووافقت أن تقترن بالناظر محمد رغم دمامته التي نفرت منها شقيقتها فاطمة.
سقط إسماعيل مغشيًا عليه وحينما استرجع وعيه قرر أن يتفرغ للكتابة ويجمع كل ما دوّنه في مفكرته الضخمة. قد تكون مفاجأة الرواية الكبرى أن إسماعيل شاهد إلى جانب الناظر محمد الذي دعاه إلى حفل زواجه من فوزية، فرج السقّا الذي عاد منتصرًا من دون سيوف أو دماء، وهما في طريقهما إلى أديس أبابا. لم تكن دهشة إسماعيل كبيرة حينما سمع من الراديو اسم الناظر محمد ضمن أسماء مجلس النواب الجدد، لكنه شعر بالذهول حينما سمع اسم فرج السقّا ضمن أسماء مجلس الشيوخ الذين تم انتخابهم لدورة جديدة. عندها فقط اتجه صوب أوراقه التي أنفق في كتابتها أكثر من عام ومزّقها، ثم نثرها على الأرض واستلقى إلى جوارها.
في تلك اللحظة التي كان فيها الإمبراطور هايلي سيلاسي يهنئ نوابه الجدد كانت المدفعية والطائرات الإثيوبية تدك «عجايب» التي لم يبق فيها سوى الأستاذ إسماعيل واضعًا يداه في جيبي بنطاله، بينما كانت قوافل النازحين تتجه صوب الحدود السودانية وتتلاشى هناك. الشيء الوحيد الذي عَلُق في ذاكرته هي أكذوبة التفرقة العنصرية فقد كان الأوتاد والأحفاد يؤازرون بعضهم بعضا في محنتهم الأخيرة وكأنهم منحدرون من صُلب واحد!



«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية
TT

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام العالمية بالنمو التكنولوجي الهائل للعملاق الصيني ومعدلات نموه القياسية، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» للصيني «هو أنيان» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية. الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية لعامل بسيط قضى عقدين من الزمن، وهو في صراع من أجل لقمة العيش، بل هو صرخة الأيادي العاملة الصغيرة ضد قسوة النظام العالمي.

يستعرض الكاتب بأسلوب واقعي، يمزج بين الدقة السردية والعمق الفلسفي، تجربته كعامل توصيل للطرود، عانى من ظروف عمل قاسية، قبل أن يصبح كاتباً مشهوراً بعد نشر كتاباته على منصّات صينية، حيث وصل حجم مبيعات الكتاب في الصين إلى 3 ملايين نسخة، وهو ما يفسر وصوله إلى أرفف المكتبات العالمية، حيث طُرحت الترجمة الفرنسية للكتاب في الأسواق الفرنسية في 7 يناير (كانون الثاني) الحالي عن دار «أوترومون» في 320 صفحة، وكانت مسبوقة بالنسخة الإنجليزية التي نشرت في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، كما تم الإعلان عن صدور قريب للنسخة الألمانية.

«حياتي كعامل توصيل في بكين» توثّق بدقة ظروف العمل القاسية التي مّر بها هو أنيان كعامل توصيل للطرود، واصفاً تلك الفترة بأنها «استنزاف للروح قبل الجسد»، حيث يجد الإنسان نفسه مجرداً من هويته، لا ينظر إليه إلا كـ«رقم تتبع» في تطبيق إلكتروني. الكاتب وصف الدوام الذي يمتد لـ12 ساعة متتالية، والفترات التجريبية بلا أجر، والبرد القارس والحرارة الخانقة والضغط المتواصل لإتمام مهام توصيل الطرود، كما وصف أيضاً كيف يعيش عمال التوصيل في غرف مقسمة إلى حجرات بلا نوافذ، أو في «بيوت القواقع»، وهي وحدات محمولة لا تتجاوز حجم السرير. الكتاب قُسم لفصول قدمت كـ«يوميات معركة»، ففي الفصل الأول «سباق ضد الزمن» يستعرض هو أنيان الضغط النفسي الهائل الذي تفرضه الشركات لتوصيل الطرود في مدة زمنية مستحيلة، وكيف تتحول الشوارع إلى حلبة صراع للبقاء. ثم يتعرض في الفصل الثاني «المدينة غير المرئية» إلى علاقة العامل بالمدينة، كيف يراها خلف الأبواب المغلقة وفي الممرات الخلفية، وكيف يشعر بالغربة رغم كونه المحرك الأساسي لحياة سكانها. وفي الفصل الثالث الذي يحمل عنوان «فلسفة الطرود»، ينتقل الكاتب من الرصد الواقعي إلى التأمل الفلسفي، متسائلاً عن قيمة العمل والكرامة الإنسانية في عصر يتم فيه تشييء البشر.

في واحد من أكثر المقاطع تأثيراً، يكتب أنيان ما يلي: «لم أكن أقود دراجتي، كنت أقود قدري المترنح بين زحام السيارات. في عيون الزبائن، أنا لست بشراً، أنا مجرد مهمة يجب أن تنتهي بسرعة. ولكن في أعماقي، كنت أخزّن كل نظرة ازدراء لأصنع منها درعاً من الكلمات». وفي مقطع آخر، يحلّل الكاتب علاقته بالخوارزمية التي تتحكم في جهده وفي أنفاسه. فيكتب: «الخوارزمية لا تعرف التعب، ولا تعرف أنني أب أو أنني مريض. إنها تطلب مزيداً من السرعة مقابل سنتات قليلة. لقد اكتشفت أن الحرية في بكين هي المسافة القصيرة بين طردين».

يتجاوز الكتاب حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً ضد توحش اقتصاد العمل الحر

صحيفة «لوموند»

حظي الكتاب بترحيب نقدي واسع في الدوائر الإعلامية الأنجلوسكسونية والفرنسية، حيث وُصف «هو أنيان» بأنه أحد أبرز المواهب الأدبية الصينية الجديدة من قبل صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية. وقد اختار ثلاث من أبرز المنابر الثقافية: «الغارديان»، و«صنداي تايمز»، و«الإيكونوميست»، «حياتي كعامل توصيل في بكين» ضمن أفضل كتب عام 2025. في صحيفة «الغارديان» أشارت الناقدة ريبيكا ليو إلى أن الكتاب يتناول موضوع الطبقة الاجتماعية، وتحديداً القوة العاملة منخفضة الأجر التي لا تحظى بالاعتراف، والتي تتعرض للاستغلال، والتي كانت وقود الطفرة الاقتصادية في الصين، بل العالم أجمع، في ظل العولمة. وفي مراجعتها بصحيفة «نيويورك تايمز»، اعتبرت الناقدة ليا غرينبلات أن الكتاب يقدم شهادة حية من خطوط المواجهة الأمامية لاقتصاد العمل الحر، وأن رحلة الكاتب من عامل متنقل بين الوظائف منخفضة الأجر إلى مؤلف مشهور عالمياً تحمل طابعاً استثنائياً.

أما صحيفة «لوموند» فقد خصّصت لمراجعة هذا العمل مساحة مطوّلة، واصفة إياه بأنه «مرآة كاشفة للاغتراب المعاصر»، حيث رأى نقّادها أن قوة «هو أنيان» لا تكمن في كونه ضحية لنظام اقتصادي جائر فقط، بل في امتلاكه تلك «النظرة السوسيولوجية» الثاقبة التي تحلل الطبقة الاجتماعية الصينية الجديدة. واعتبرت الصحيفة أن الكتاب يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً أو «مانيفستو» ضد توحش اقتصاد العمل الحر، مشيدةً بقدرة الكاتب على وصف «استنزاف الروح» الذي يسبق انهيار الجسد، وكيف يتحول الفرد في شوارع بكين إلى مجرد «رقم» في عالم افتراضي لا يعترف بالبشر. أما صحيفة «لفيغارو»، فقد ركّزت في قراءتها على الجانب الجمالي والأخلاقي للنصّ، واصفة أسلوب «أنيان» بـ«الواقعية العارية» التي لا تهدف إلى استدرار العطف، بل إلى إثارة التأمل الفلسفي حول قيمة الكرامة الإنسانية. وأشارت الصحيفة إلى أن الرحلة الاستثنائية للكاتب، من العيش في «بيوت القواقع» ووحدات الحاويات الضيقة إلى منصات التوقيع في كبرى دور النشر العالمية، تمثل انتصاراً للوعي على المادة. وذهبت «لفيغارو» إلى أن «أنيان» نجح في فضح زيف «الحرية» في المدن الكبرى، تلك الحرية التي اختزلها الكاتب ببراعة في «المسافة القصيرة بين طردين».


نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد
TT

نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي، ثم ظهرت إلى جانبه محاولات نقدية مشكلة وإياه نواة منظورة لحركة النقد الأدبي العراقي متمثلة بتجارب الأستاذ الناقد الموسوعي باسم حمودي وعبد الجبار البصري، لكن الطاهر كان الأبرز تمثيلاً لها والأوضح تحفيزاً لفرسان النقد العراقي الذين بدأت مشاريعهم النقدية أواخر ستينات القرن الماضي؛ عبد الجبار عباس، وشجاع مسلم العاني، وفاضل ثامر، وياسين النصير الذين شيّدوا متناً نقدياً عراقياً نهض كل منهم في صياغة جانب منه؛ لتنطلق حركة نقدية جادة قوية التأثير في العمل الإبداعي العراقي؛ شعرياً وسردياً، آتت أكلها في إغنائه بكشوفات نقدية تنهل من حركة النقد عربياً وعالمياً بالانفتاح على مناهج ومدارس وتجارب نقدية وفكرية فيها... موضوعات ومفاهيم ومصطلحات. ولن تفوتنا إسهامات عبد الرحمن طهمازي لكن صوته الشعري كان الأطغى والأعلى نبرة في مسيرته الإبداعية.

وخلال عقد السبعينات ظهرت أسماء جديدة لشبان واعدين مثل محمد جبير وعبد الرحمن عناد ومؤيد الطلال وعبد الكاظم عيسى وسليم عبد القادر.

خلال الثمانينات ولدت تجربتان نقديتان مهمتان مثلتهما كتابات الدكتورين مالك المطلبي وحاتم الصكر؛ الأولى اقتفت أثر المدرسة الفرنسية في تمظهراتها البنيوية. أما الثانية، أي تجربة الصكر النقدية، فبرعت في النهل من المنهج القرائي وتعدد مستويات قراءاته، وإلى جوار هاتين التجربتين المهمتين اللتين أثرتا تأثيراً كبيراً في فحص الإبداع العراقي وأضافتا لبنات واضحة في مدماك النقد التطبيقي وفي ظلهما بدأت تجارب لافتة للنظر تتلفع بالأكاديمية التي كانوا يدشنونها آنذاك؛ صالح هويدي وعبد الله إبراهيم وباقر جاسم ومحمد صابر عبيد.

خلال العقدين المنصرمين بزغ في المشهد النقدي العراقي اسم نسوي لا ذكوري. إنه اسم الناقدة الدكتورة نادية هناوي؛ اسم اعتلى عتبات النقد الأدبي وطرق أبوابه بقوة وجرأة واضحتين لفتتا انتباه المبدعين الكبار عراقياً وعربياً؛ بجهدها المثابر واجتهادها الفريد؛ ليشغل عطاؤها مساحات واسعة من الصحف من خلال مقالات وكتب قيمة أصدرتها دور نشر محترمة، فاستقبل مشروعها النقدي بالإعجاب والثناء والتقدير. وكان أول المرحبين والمبشرين به الناقد الكبير فاضل ثامر الذي وصفها براهبة النقد، وتتبع عطاءها بالبحث المعمق وبانبهار وخلص إلى القول «يحق لنا أن نحتفي بولادة منظرة أدب عربية». ووصفها الناقد شجاع مسلم العاني بكونها ناقدة «قادرة على خرق المسلمات النقدية العراقية والإتيان بما هو جديد ومختلف... إنها ناقدة كبيرة وموهبة نقدية كبيرة».

ومن خارج دائرة النقد العراقي، عربياً، تواتر الإقرار بمشروعها النقدي.

ومرد ذلك متانة ورصانة مشروعها النقدي وأهميته وفاعليته النظرية والإجرائية. ومن التوصيفات الدقيقة لهذا المشروع، ما أكدته الباحثتان الدكتورة رواء الخزاعي ومها فاروق الهنداوي والدكتور عزيز الموسوي في الندوة التي عقدها اتحاد الأدباء تحت عنوان «استراتيجيات القراءة لدى الناقدة نادية هناوي»، إذ أكدوا، وهم باحثون أكاديميون وأساتذة متخصصون في السرديات بكبرى الجامعات العراقية، أن «الناقدة الكبيرة نادية هناوي ذات مشروع ريادي ليس بمعزل عما بعد الحداثة، وأنه مشروع بنيوي معرفي شهد تحولات مهمة وشكَّل مرحلة مفصلية في النقدية العراقية والعربية، بالأخص في كتاباتها عن السرد والتاريخ»؛ ولاحظوا أن التحول من نصاني إلى معرفي فلسفي والنفس للحداثة واضح فيه، إذ لم تتعامل هناوي بالمصطلح كما هو قار في المدونة الغربية، بل تحاوره وتسائله وتنتزع مصطلحاً ينتمي إلى فضائها، كما هو الحال في اجتراحها مصطلح «رواية التاريخ» بعد مساءلة فكرية فلسفية مفندة مصطلح المتخيل التاريخي الذي ذهب إليه بعض النقاد. فالتاريخ لديها ليس استحضاراً، بل استدعاء للمساءلة، والاستدعاء كسر لسلطة التاريخ.

لقد أجمعت بحوث الندوة أن «هناوي امتلكت أدوات الناقد النظرية والإجرائية والملكة النقدية، وأن مشروعها الكبير شكلته عدة روافد، منها المدونات الغربية غير أنها لم تكن ناقلة لها، بل فاحصة ومحاورة ومجترحة داخلة نظرية المعرفة بشجاعة عالية ولم تكن بمعزل عن الموروث العربي، لكنها لم تستدعه للمباهاة أو المباهلة، بل لإثبات التلاقح الفكري والإبداعي، وأنها تُغني قارئها بقراءاتها الموسوعية الاستقصائية، وقد تجاوزت الكتابة في التخصص الدقيق مخاطرة عن وعي منتقلة من النظرية السردية إلى علم السرد والسرد ما بعد الكلاسيكي».

ويأتي الكتاب الأربعون «أقلمة سرديات الرحلة عربياً وأجنبياً»، الصادر مؤخراً عن دار «أبجد»، في الوقت الذي تصارع فيه ناقدتنا الكبيرة وحشية المرض اللعين.

والكتاب ضمن سلسلة أبحاثها التي محورها أقلمة السرد العربي مستندة على أصول ومتون في مصادر ومظان ترود فيها بفرادتها وغزارتها منذ سنوات عدة.

ويتمحور الكتاب على السرد (الرحلي) من ناحيتي التأصيل النظري والنمذجة الإجرائية عبر فصوله الثمانية؛ إذ يهتم الفصل الأول باستقصاء القاعدة التي قامت عليها الأصول وتمخضت التقاليد الأدبية فتشكلت الأجناس، وبذلك تأصلت الرحلة كنوع سردي.

بينما يركز الفصل الثاني على دور رحلة غلغامش في نشأة التقاليد موضوعياً وفنياً كونها - أي الرحلة الغلغامشية - مصدراً أصلياً ساهم في البناء الشعري الملحمي، أولاً، والتدوين والنسخ، ثانياً، في ترسيخ أصالة هذا المصدر الذي تمظهرت أقلمته بأشكال مختلفة لا في مرويات الرحلات العربية فقط بل قبل ذلك في المرويات الصينية ذات التاريخ العريق - إلى عصور ما قبل الميلاد - وفيها شكلت الرحلة موضوعاً رئيسياً.

وتنتقل د. هناوي في الفصل الثالث إلى أقلمة الرحلة العربية والأجنبية في ضوء علم السرد غير الطبيعي باحثة في دور المؤلف وأهمية المكان في السرد الرحلي عبر ضمير المتكلم على مستويي الإنشاء النصي وموثوقية التوصيل القرائي، ثم تعرج على مركزية الهوية في تأليف الرحلة العربية التي تراها الأكثر تمثيلاً لموضوعة الذات والآخر والهوية من خلال المحاور التالية: 1- موقع المؤلف هامشاً في الثقافات الأجنبية، 2 - موقع المؤلف مركزاً في الثقافات الأحادية، 3 - أساليب أقلمة السرد الرحلي عامة ورحلة ابن فضلان خاصة (أقلمة كتاب الرحالة الحسن بن محمد الوزان؛ وصف أفريقيا).

يذكر أن هذه الرحلة كانت مدار رواية الكاتب أمين المعلوف «ليون الأفريقي»، وكتاب «وصف أفريقيا» الذي تراه هناوي نصاً مصدراً تمت أقلمته تاريخياً، وقد تمت أقلمة الكتاب نقدياً أيضاً من قبل محمد مهدي الحجوي بعنوان «حياة الوزان الفاسي وآثاره»، ودراسة أخرى بعنوان «ليون الأفريقي» للمستشرق كراتشوفسكي في مؤلفه «تاريخ الأدب الجغرافي العربي». وفي دراسة أساليب النصوص الرحلية المؤقلمة تقف عند رحلة الوزان عبر النص الروائي لأمين معلوف.

ولا يفوتها إجراء مفاضلة بين الأنا والآخر في الرحلة المتخيلة روائياً، أسلوباً ونمذجةً، ومدى درجة تقاربها والرحلة الفعلية، وآفاق بناء المتخيل السردي وتغيراتها تاريخياً متخذة من روايتي «الخميائي» لباولو كويلو ورحلة «ابن فطومة» لنجيب محفوظ مثالاً. وفي الفصل الأخير تعرج الباحثة على دراسة إقلمة سردية الرحلة الأجنبية من وجهة نظر الدراسات الثقافية على قلة ما يتعلق منها بأدب الرحلات ومؤلفة حديثاً ككتاب «نظرات إمبريالية: كتابة الرحلة والعبور الثقافي» و«مفردات مفتاحية في دراسة أدب الرحلات... مسرد نقدي».


بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»
TT

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

«لدى التصدي لتحقيق مخطوطات تنتمي لعالم الثقافة الشعبية المتسع والمراوغ، يكون الاختلاف المنهجي ضرورة يضطر إليها المحقق اضطراراً، فنحن في واقع الحال نكون أمام ثقافة موازية لما تعلمناه في قاعات الدرس، وهي ثقافة مختلفة إلى حد بعيد، كما أن هذه المخطوطات دائماً ما تثير قضايا خلافية وتدفع إلى بلورة أفكار جديدة، سواء على مستوى الموضوعات أو القضايا المنهجية. فاختلاف طبيعة المخطوط ومضمونه يحتّمان بلا شك طبيعة الإجراءات والأدوات الناجعة في التعامل معه».

بهذه النبذة يقدم د. هشام عبد العزيز كتابه «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي... حدود المصطلح والإجراءات المنهجية»، الذي جاء في مقدمة وأربعة فصول، والذي يستعرض مفهوم علم التحقيق وحدود المنهجية، وتحقيق التراث الشعبي بشكل خاص، كما يتعرض في أحد الفصول للاختلاف في بنية المفاهيم والمصطلحات في علم التحقيق بين النص الرسمي والنص الشعبي. لكن من أهم الفصول الذي أفرد له المؤلف مساحة وافية هو الفصل الأخير الذي يتناول النماذج التطبيقية التي تحدث فيها عن تجاربه في تحقيق مخطوطات التراث الشعبي. يرى عبد العزيز أن تحقيق التراث الشعبي يختلف بشكل يكاد يكون كلياً عن تحقيق التراث المعروف، ليس من حيث مادته فحسب، بل من حيث فلسفة العمل ومنهجه وبنية المفاهيم الحاكمة لعمل المحقق.

وفي هذا الإطار، يؤكد المؤلف حاجة تحقيق مخطوطات التراث الشعبي إلى ما يسميه «المحقق المتخصص»، فمثل هذا المحقق وحده الذي يستطيع استنطاق المخطوط «الشعبي» بمعارف حقيقية وآمنة، ومن دونه سيكون العمل أشبه بفوضى لا تقدم جديداً. وقد ضرب المؤلف، في هذا السياق، أمثلة كثيرة لأعمال محققة بالفعل، من بينها أعمال حصلت على جوائز، لكنها في حقيقة الحال لا تقدم شيئاً، بل إنها تحتوي على «تدليس علمي»، حسب ما يقول. ويرى أن «كل مخطوط جديد يحمل خبرة جديدة وتجربة علمية وتعليمية تعزّ عن الوصف... بعد هذا المشوار الطويل الذي أكمل ثلاثة عقود، أستطيع أن أقول بكل ثقة إن تحقيق التراث بشكل عام أكثر من مجرد علم وأوسع بكثير من قاعات الدرس». إنه، كما يضيف، «عملية تعليمية فيها جانب يشبه إلى حد بعيد تعليم الحرف الشعبية التي تقتضي المعايشة اليومية والمشكلات المتجددة مع كل عمل جديد... وكذلك كل مخطوط جديد يحتاج خبرة جديدة بهذا المخطوط تحديداً، وبمؤلفه، وبزمن تأليفه، وبزمن نسخه. ثم وهو الأهم: بالمجال المعرفي الذي ينتمي إليه هذا المخطوط. وكل عنصر مما سبق يحتاج إلى خبرات محددة وعميقة للتعامل معه بالكيفية التي تنتج معرفة حقيقية نافعة».

وسبق للمؤلف أن أصدر في مجال تحقيق مخطوطات التراث الشعبي خاصة عدة كتب، منها: «ألف ليلة وليلة... حكايات أخرى»، و«معجم التحفة الوفائية في العامية المصرية»، و«المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغة العرب»، كما صدرت له عدة مؤلفات في مجال الثقافة الشعبية، منها: «فضل الخرافة»، و«معجم النيل»، و«السيرة الشعبية... جدل النوع وجغرافيا التداول».