احتفت خيمة الإبداع، في دورتها الخامسة، ضمن فعاليات الدورة الثامنة والثلاثين لمنتدى أصيلة الثقافي الدولي بالشاعر المغربي محمد بنيس، أحد أهم شعراء الحداثة في العالم العربي، وأبرزت من خلال ثلة من الشعراء والروائيين والنقاد الذين عايشوا تجربته، مساره الإبداعي.
وقال محمد بن عيسى أمين عام مؤسسة منتدى أصيلة ووزير خارجية المغرب الأسبق، إن بنيس ليس غريبا ولا جديدًا على المشهد الإبداعي والثقافي المغربي، معتبرا إنتاج بنيس «المشهود له بالتميز والتجديد، إحدى أدوات التعريف بالثقافة المغربية الحديثة خارج حدود الوطن».
ووجه بن عيسى عبارات التقدير إلى بنيس قائلاً: «أحيي وأقدر في الصديق محمد بنيس، شمائله الإنسانية وروح الديمقراطية التي تسكنه، كان صريحًا وجريئًا في انتقاداته غير مجامل ومن دون تحامل في مواقفه التي تفهمناها في حينها».
وزاد بن عيسى قائلا: «إن هذا التكريم المستحق يعني بالنسبة لي جملة أشياء، أهمها أن النخب المغربية وصلت إلى مستوى من النضج الفكري والسمو الأخلاقي فأصبحت تضع خطًا فاصلاً بين مواقف المثقف والعلاقات الإنسانية التي يفترض أن تحكم روابطنا باعتبارها الترجمة الموضوعية لما أصبح متداولاً في المحافل والمنتديات الفكرية ونقصد به «الحق في الاختلاف».
واختار محمد حقي صوتشين، الكاتب والأكاديمي التركي، تقديم تجربته الشخصية في ترجمة «كتاب الحب» للشاعر والناقد بنيس، وتحدث بخطوط عريضة عن الخصائص التي يتسم بها الكتاب من ناحيتي الشكل والمضمون ومدى نقلها إلى اللغة التركية.
وأضاف أن «الاهتمام بالترجمة من العربية يعود إلى ماض سحيق، ولاعتناق الأتراك الدين الإسلامي دور كبير في هذا الأمر»، مضيفا أن الترجمة إلى العربية دخلت إلى المجتمع التركي بعد أسلمته فدخل القرآن الكريم والحديث الشريف والفقه إضافة إلى أعمال في الفلسفة والتاريخ والجغرافيا والطب.
وأوضح صوتشين أن «كتاب الحب» لمحمد بنيس من الأعمال التي خاطبت ذوقه عندما قرر ترجمته سنة 2008، وزاد قائلاً: «يخلق بنيس نصوصًا متعددة الأصوات، يستمتع القارئ من قراءتها بقدر ثقافته وحصيلته وإلمامه بنصوص أحاله بنيس القارئ إليها».
وقدم عز الدين الشنتوف الباحث والناقد الأدبي المغربي بعض الاعتبارات المنهجية التي تسيج الوضع الإبستيمولوجي في صيغة الكتابة والتاريخ لدى محمد بنيس، معتبرًا أن الكتابة في شعرية المحتفى به لا تنظر إلى تاريخها بل إلى المعرفة التأصيلية وتترك المعرفة التحصيلية به، وبهذا تكون الكتابة نفيًا لأي سلطة كيفما كانت، يقول الشنتوف.
وتطرق الروائي المغربي أحمد المديني إلى الدور الذي لعبه الشاعر محمد بنيس في إخراج النص الشعري في المغرب من طابعه التقليدي، المحكوم بنمطية الصياغة والموضوع، ليفتح أمامه آفاقًا أخرى تبحث في مكونات الذات وأشواقها التواقة للحرية والثورة على المألوف العادي، ساعية لفهم أسباب الحداثة المعطلة، وتجاوز لحظة الكبوة العربية، واستعادة المبادرة التاريخية لا في ميادين السياسة والاقتصاد فقط، بل مجلات الثقافة والمعرفة والإبداع.
بدوره، قال الشاعر الألماني جوهاشيم سارتوريوس إنه إن كان هناك تجديد في ألمانيا واهتمام بالشعر العربي فالفضل يعود إلى الثلاثي محمد درويش أدونيس ومحمد بنيس، وقال إن محمد بنيس «يحتل مكانة خاصة في تعريف الشعر العربي في ألمانيا، كلمات شعره التي تتراوح بين تجريدية عالية وأوصاف حسية، هي بحث عن الصمت، عن الفراغ، عن الأرض المجهولة».
ودعا جوهاشيم الشعراء الشباب الألمان «المهووسين» بتسجيل وقائع الحياة اليومية، إلى أن يتعلموا من محمد بنيس، موضحا أن على الشعر أن لا يتردد في مواجهة أعالي اللغة.
من جهتها، قالت حورية الخميليشي الكاتبة المغربية المتخصصة في الشعر إن هناك أشياء قد لا يدركها إلا من خبر تجربة بنيس عن قرب، مضيفة أن طلبة من جنسيات مختلفة رافقوا مسيرته العلمية في التساؤل والمعرفة واقتحام الأسئلة الكبرى، مبرزة أن بنيس مثل مدرسة أدبية فريدة ومتميزة في كل العالم العربي.
وأبرز الناقد المغربي المحجوب الشوني إسهامات بنيس اللافتة في حركية المشهد الثقافي المغربي والعربي منذ ثمانينات القرن الماضي، موضحًا أن اهتمامه انصب على إعادة الاعتبار إلى اللغة العربية كعامل لفظي يصوغ به الشاعر أحاسيسه ويشكل من خلاله رؤيته للواقع.
وقال الشوني إن بنيس ورغم الأهمية التي يوليها للعربية، فإنه حرص من خلال نصوصه الشعرية على تحريرها من شوائب تراثها، والنأي بها عن كل معتقد آيديولوجي، في محاولة لتحديث اللغة الشعرية دون انضباطها لنظام أو بنية محددة، تسمح للقصيدة بحرية أوسع وللقارئ بأفق أرحب.
وتحدث الشاعر البحريني قاسم حداد عن تجربة المحتفى به وأبرز أهميتها في سؤال الشعر العربي المعاصر، إذ يبقى لتجربة الفعل الثقافي الذي حققه بنيس أهمية تستكمل قصيدته وربما ضاهتها، يقول حداد.
وأوضح الشاعر البحريني أن للصداقة دورًا فعالاً في تأسيس المشروع الثقافي الجديد وتكريسه ومن ثم العمل على بلورته بالنهج الجماعي المنسجم، وهنا - يقول حداد - فإن علاقات بنيس المتنوعة والبعيدة المدى أتاحت له وضع مشروعه في مهب أكثر من التطلعات حيوية.
وبخصوص صداقته مع بنيس قال حداد: «أزعم أن صداقتي الشخصية مع بنيس والموضوعية مع مشاريع الثلاثة، قد صقلتا إدراكاتي لما أحب أن أسميه «المبدع العام، كما أسهمت هذه الصداقة، بدفع تجربتي في العمل الثقافي العام».
وفي ختام الحفل التكريمي خاطب بنيس المشاركين فيه بالقول: «جلسات هذا اللقاء ومجموع الكلمات والأعمال، جعلتني أحس بأنني أسمع وأرى جوانب كانت محجوبة عني من قبل في كتابات لي وفي أعمالي، ذلك شأن العمل الشعري الذي يقضي الشاعر عمرًا طويلا لكي يتعلم كيف تكون مغامرة بنائه وحدود معناه قائمة على المجهول، أي على النهائي في القراءة».
وعرف الحفل قصائد شعرية لكل من الشاعر الإسباني فديريكو أربوس والشاعرة الإيطالية فرنشيسكا ماريا كوراو بوبيو والشاعر الأميركي بيير جوريس، وشاعر الهايكو الياباني بانيا ناتسويشي، كما تخلل الحفل معزوفات على آلة العود للفنان المغربي عمر المتيوي.
تجدر الإشارة إلى أن بنيس حصد عددًا من الجوائز الأدبية اعترافا بعطائه الشعري، وإسهاماته في تحديث الشعر العربي، من بينها الجائزة المغاربية للثقافة بتونس، وجائزة عويس بالإمارات العربية المتحدة، وجائزة تيسبو العالمية للأدب بإيطاليا، كما تم تكريمه في فرنسا بمنحه وسام فارس الفنون والأدب عام 2002، فيما توج السنة الحالية بجائزة «ماكس جاكوب» الفرنسية، عن ديوانه الذي صدر أخيرا «المكان الوثني» الذي تمت ترجمته للفرنسية.
ولد بنيس عام 1948 بمدينة فاس المغربية التي تابع فيها دراسته، ونال بجامعتها البكالوريوس عام 1972، وانتقل بعدها إلى العاصمة الرباط، حيث حصل على شهادة الدكتوراه حول «الشعر العربي المعاصر» عام 1988، إلا أن علاقته بالشعر بدأت منذ وقت مبكرة، حيث كان قد نشر عددا من أعماله الشعرية بجريدة «العلم» المغربية عام 1968، وأصدر أول ديوان شعري له عام 1969 تحت عنوان «ما قبل الكلام».
منتدى أصيلة الدولي يحتفي بالشاعر محمد بنيس في «خيمة الإبداع»
شعراء وأدباء تحدثوا عن سيرته الأدبية والإنسانية
جانب من خيمة الإبداع في تكريم بنيس
منتدى أصيلة الدولي يحتفي بالشاعر محمد بنيس في «خيمة الإبداع»
جانب من خيمة الإبداع في تكريم بنيس
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

