المطبخ الحلبي.. معشوق المغرمين بالطعام

«قانون الشبعان» و«أربعين لقمة».. قانون حلب للأطباق الشهية

المطبخ الحلبي.. معشوق المغرمين بالطعام
TT

المطبخ الحلبي.. معشوق المغرمين بالطعام

المطبخ الحلبي.. معشوق المغرمين بالطعام

تغنى الكثير من الناس والشعراء والسفراء بمدينة حلب وجمالها، وأثنى الكثير منهم على مناخها وطبيعتها، والأهم من ذلك مطبخها الذي يشتاق إليه كل محب ومغرم بالطعام؛ إذ يمكن القول: إن المطبخ الحلبي ليس مطبخا عربيا أو سوريًا محليا فحسب، بل مطبخ عالمي من الدرجة الأولى لا يضاهيه أي مطبخ عربي آخر. فمدن العالم التي لها طابعها الموسيقي والمطبخي الخاص بها مدن قليلة حول العالم، وحلب على رأس هذه المدن. وتقول عبير حيدر في هذا المضمار: إن «حلب مدينة الطرب والعشق والموسيقى... مدينة الملذات والحواس».
يذكر أن أبا الفرج الأصبهاني أهدى كتابه «الأغاني» إلى حلب، وأن الفارابي دخل إليها من باب الموسيقى لا الفلسفة، وأن أرسطو حين أراد أن يستجم أرسله الإسكندر الكبير إلى حلب احتفاءً به. فأهل حلب لم يشتهروا بذوقهم الخاص في الموسيقى وحسب، بل تميزوا أيضًا بمطبخهم الغني والشهي وكرمهم الجميل. فحين يدعوك حلبي إلى الطعام يُصر ألا تقوم عن المائدة إلا بعد أن تلتزم بالقانون الحلبي لملذات الأكل: «قانون الشبعان، أربعين لقمة».
ويقال: إن المتنبي مدحها قائلا:
«كلما رحبت بنا الروض قلنا
حلب قصدنا وأنت السبيل
فيك مرعى جيادنا والمطايا
وإليها وجيفنا والذميل»
وقال الشيخ سعد الدين محمد ابن الشيخ محيي الدين بن العربي:
«حلب تفوق بمائها وهوائها
وبنائها والزّهر من أبنائها
ظلّت نجوم النصر من أبراجها
فبروجها تحكي بروج سمائها
والسّور، باطنه ففيه رحمة
وعذاب ظاهره على أعدائها
بلد يظلّ بها الغريب كأنه
في أهله فاسمع جميل ثنائها».
وذكر المعري في رسالة الغفران «أنه عند التحضير لإقامة مأدبة في الجنة بحث عن مهرة الطباخين في حلب لبراعتهم في فن الطبخ». كما تغزل ابن الرومي بزلابية المدينة وسبل تحضيرها التي أحبها كل من زارها ومكث بها.
و«كثيرا ما يروي الحلبيون أسطورة تناقلوها عبر الأجيال تفيد بأن سيدنا إبراهيم الخليل لدى مكوثه في حلب في طريقه من أور العراقية التي نزح عنها متوجها إلى بلاد كنعان (فلسطين) استقر في أحد مرتفعات المدينة (القلعة حاليا) وكان لديه بقرة شهباء اللون يحلبها كل صباح ليطعم الأهلين الذين يستبشرون بأنه (حلب الشهباء)، وبعد ذلك قامت المدينة التي حملت الاسم».
وجاء ذكر المدينة العظيمة منذ الألف الثالثة قبل الميلاد، ووردت في «الوثائق الحثية والفرعونية والأكادية والكلدانية».
هناك عوامل كثيرة ساهمت في إيجاد المطبخ الحلبي، ويصعب فهم كيفية تكونه من دون إلقاء نظرة مفصلة على تاريخ المدينة الطويل والعريق؛ فهي بشكل عام من أقدم مدن الشرق والعالم وبسبب موقعها الجغرافي الفريد كانت ولا تزال ملتقى حضارات شتى، ولهذا عاش فيها خليط لا يستهان به من مختلف الإثنيات والجنسيات عبر التاريخ. ومن شأن هذه العوامل الهام بلورة واحد من أعرق المطابخ وأشهاها في العالم.
ويقول موقع «حلب أصل حضارة» في هذا المضمار: إنه «على ضفة نهر كان يضج بالحركة والحيوية ويتدفق خصبا وخيرا، وفي عهد مغرق في القدم، اختارت جماعة ساميّة موقعا لسكنها، وفي هذا الموقع بدأت الحياة.... بدأت الزراعة في الأرض الخصبة، وقام السكان بحفر كهوف في مرتفعات الموقع الطباشيرية الكلسية لتشكل هذه الكهوف أول تجمع سكاني إنساني في الجنوب الغربي من مدينة حلب الحالية».
ومن المعروف أن حلب تتمتع بمناخ متوسطي معتدل ذي شتاء بارد ورطب وقصير وصيف حار، جاف وطويل؛ ونظرا لبعد المدينة عن الساحل و«اتساع الفروق الحرارية بين الليل والنهار وبين الصيف والشتاء» فإنها «تتمتع بصفات المناخ القاري أيضا».
ولا عجب إذن أن حاز المطبخ الحلبي في عام 2007 على جائزة الطهي والتذوق من الأكاديمية العالمية للطهي في فرنسا «The International Academy of Gastronomy in France» في عام 2007.
وتحت رعاية الأكاديمية العالمية للذواقة والأكاديمية السورية للذواقة، تم إصدار كتاب رائع قبل سنوات لمارلين مطر بعنوان «مائدة مارلين من حلب» يضم ما لا يقل عن 217 وصفة من المطبخ الحلبي مرفوقة بمئات الصور الملونة لأطباق مختلفة. ويعتبر الكتاب أول كتاب شامل وموثق عن المطبخ الحلبي الرائع.. وقد جمعت مطر في «كتابها هذا باقة من تراث المائدة الحلبية الشهيرة ووضعتها في إطار جميل من الصور والوصف الدقيق والشامل، فالمحاشي والكبب اللتان تشتهر بهما حلب تأخذان حيزا من الكتاب، وهناك المقبلات والحساء والأطباق النباتية وغيرها، كما الوصفات الرئيسية لكيفية تحضير دبس الرمان ودبس الفليفلة ودبس الطماطم واستعمالها بتوازن دقيق مع السماق والتمر الهندي والتوابل الحلبية».
وفي مقدمة الكتاب، يقول رجا جورج مطر: إن حلب لعبت ومنذ «أكثر من 3000 سنة وخلال العصور دورا مهما في تاريخ المنطقة كأهم ممر لتقاطع الطرق التجارية والحضارية بين الصين ووسط آسيا عبر ما كان يعرف بطريق الحرير. وكانت الحراير والبهارات والعطورات وسلع مختلفة أخرى تصل إلى حلب التي كانت المركز الرئيس لتوزيع هذه السلع، ومنها إلى جميع المناطق المجاورة، توسعت هذه التجارة بعد ذلك لتشمل أوروبا فأسفرت عن تأسيس 75 قنصلية وملاحق تجارية».
وقد أدى «موقع حلب وأهميتها بوصفها مركزا محوريا لتجارة في نطاقها المحلي والخارجي، وإلى الاختلاط بين سكان حلب الأتراك والأرمن واليونانيين والأوروبيين والفرس المقيمين في حلب والمارين بها، إلى تبادل وإغناء الثقافات. وكان المطبخ الحلبي متأثرا بها ومتفاعلا معها. ولكن التأثير الأكبر والأهم كان المطبخ الفارسي كما المطبخ التركي والأرمني»، على ما يقول رجا مطر.
فقد حمل هؤلاء معهم من كل حدب وصوب ما لذ وطاب من الأطباق، ومنحوا المطبخ الحلبي المحلي تنوعه الغزير، وساعد ذلك مراعي ولاية حلب الغنية وأراضيها الطيبة وترابها الخصب، كما سبق وذكرنا.
ويضيف رجا مطر قائلا: «وانعكس كل هذا بشكل ملموس على المطبخ الحلبي؛ فسميت بعض الأطباق الحلبية بمكان منشئها. «برزولات ملفوفة» مثلا مأخوذة من الإيطالية «بيزاولا» ، وتحضر «المورتاديلا» «مع بعض التغيير في المقادير وطريقة التحضير. أما «الهيطلية» فهي من أصول صينية، وقد انتقل هذا النوع من الحلوى عبر قوافل طريق الحرير، ولا تزال تقدم إلى اليوم بأكواب وملاعق صينية. كما أن بعض الأطباق التي تستعمل فيها الفاكهة وذات نكهة حلوة وحامضة كالطبق الشهير «كباب كرز» وطبق «كبة سفرجلية» فهما صينيا المنشأ، حيث اشتهر الصينيون بإضافة السكر والفواكه إلى أطعمتهن. تقدم حلب أيضا الكثير من الأطباق ذات الأصول التركية والأرمنية واليونانية والفارسية، وقد قاربها المطبخ الحلبي باستعمال ثمار حلب وموادها الأولية.
ويشير كاتب المقدمة إلى نقطة أساسية في ماهية المطبخ الحلبي، وهي أن الحلبيين يهتمون بـ«بنكهة المادة الأساسية في طعامهم ويستعملون التوابل لإذكائها، ولا يحبذون أن تخفي الأعشاب العطرية، مثل الكزبرة الخضراء والكرفس والطرخون هذا الطعم، فلديهم مجموعتهم الخاصة من التوابل تسمى (الدقة) وبالعامية (بهار) التي يتنافسون في صنعها وتحضير أفضلها». ولا يزال الكثير من الناس والكثير من مطابخ سوريا وفلسطين ولبنان تستخدم كلمة الدقة لتوصيف خلطات البهارات والأعشاب حتى الآن.
وفي مجال التفنن والتميز والخاصية، يصعب تجاهل «دبس الفليفلة الذي يضفي على الأطباق ذلك الطعم المميز واللون الأرجواني الجميل» وهناك أيضا «الفليفلة الحمراء المطحونة» التي «تتفوق بمراحل على البابريكا من حيث اللون والطعم والشذا والملمس» ويحبذ استعمالها في الكثير من الأطباق للنكهة وللتزيين. والأهم من هذا «دبس الرمان، ذلك السائل الكثيف بلون العقيق» الذي يختص به أهل حلب الكرماء.
ويقول محمد غريب على موقع «فوود» إن من أطباق المطبخ الحلبي المعروفة والمشهورة جدا، هي: «الملوخية، اللحم بالعجين، عش البلبل، شيخ المحشي، فتة اللسانات، فتة المقادم، القباوات، اليالانجي، مكمور الكوسا، مكمور الباذنجان، الأرز بالكماية، الأرمان، الخروف المحشي، سندوانات، أقراص النعناع، الشيشبرك، السمبوسة (السمبوسك)، الأرضي شوكي وغيرها». والأهم من هذا أن حلب هي الأشهر في العالم في مجالي المحاشي والكبب.
وعلى صعيد ذكر المحاشي، هناك لائحة رائعة وطويلة من الأطباق، وعلى رأسها كما جاء في كتاب مارلين مطر:
- عجور محشي: ويحشى العجور باللحم المفروم والأرز والبهات أحيانا بالربرغل والفريك (البرغل المصنوع من القمح القاسي). والعجور هو خضراوات يقع بين فصيلتي الكوسا والخيار، كما هو الحال مع رائحته، وهو من الأطباق المحبوبة في حلب، وهناك أمثال فيه يتبادلها الناس كـ«قلبي من العجور منجور» و«العجورة بالجورة (أي أن كل شيء جيد إذا كان العجور في القدر)».
- باذنجان بالبرغل: وهذا الطبق من أجمل وأروع أطباق حلب، وهو طبق كردي الأصل، وعادة ما يحشى الباذنجان بالبرغل والخضراوات واللحم المفروم وصلصات الليمون والطماطم والرومان، ويمكن إضافة الحمص المسلوق إلى الحشوة مع تخفيف كمية الخضراوات.
- باذنجان بمسقعة البندور: مع اللحم المفروم والبندورة، ويمكن تقديمه إلى جانب الرز بصفته طبقا رئيسيا.
- باذنجان محشي: مع لحم العجل أو الضأن المفروم الخشن والرز.
- جزر محشي: ويستخدم الجزر الأسود، وهو أيضا طبق مطبوخ بحشوة الرز باللحم والبهارات وصلصات الطماطم والرمان والنعناع وغيره.
- حب العب: هذا الطبق يشمل نوعين من الخضراوات اللوبياء والكوسا للتعبير عن الرابط القوي بين محبين. أنها قصة حب محرم بين شاب وفتاة يلتقون في الحقول في الخفاء، حيث يتظاهر واحدهم بقطف اللوبياء، والآخر بقطف الكوسا، وفي أحد الأيام اختفى الحبيبان ولم يجد أهل الضيعة أي إثر لهما، بل وجد ثيابهما في الحقل في لفتين من الصرر واحدة تحتوي على اللوبياء والأخرى على الكوسا. ولا يزال اختفاء الحبيبين دون حل إلى وقتنا هذا، ولا يزال أهل حلب على خلاف ما إذا كان إحدى الصرر تحتوي على الكوسا أم الباذنجان.
- كارنياك: واسم هذا الطبق المشابه لطبق الموساكا اليوناني المعروف، هو كلمة تركية تعني البطن المشقوق أو المفلوق، إشارة إلى الباذنجان الذي يشق لتحضير هذا الطبق المؤلف من الباذنجان بحشوة الأرز واللحم المخبوز بالفرن بصلصة الطماطم.
وأضف إلى ذلك أطباق: كوسا محشي - كوسا شيخ المحشي (حشوة لحم من دون رز - محشي مشكل - ملفوف محشي - قرع محشي - سلق محشي - سندمانات أو ايبيوات (الفوارغ - أمعاء الخروف المحشية باللحم والأرز) - اليبرق أو ورق العريش أو ورق العنب الذي يوصف أحيانا بأصابع الجنة تيمنا بأصابع البقلاوة. ويسميه البعض عصى المحكمة - طبق بندورة محشية بالفرن - باذنجان محشي - جزر محشي.
. ومن أطباق الكبة هناك نوعان: الكبة المشوية أو المخبوزة أو المقلية أو المسلوقة أو النية، ومنها، كبة على السيخ، كبة بالفرن، كبة الدراويش، كبة مبرومة، كبة نية، والكبة بالمرق ككبة بهميس وكبة لبنية وكبة سفرجلية وكبة الكشك وكبة رمانية.
ويضم المطبخ الحلبي لائحة رائعة من اليخاني والمقبلات الباردة، أطباق اللحوم، الأطباق النباتية، الحلويات، الزعتر، والصلصات التي يصعب حصرها في مقال واحد.



مبانٍ تاريخية تتحوّل إلى مطاعم وفنادق فاخرة في لندن

غرفة الطعام الخاصة للمزيد من الخصوصية (الشرق الأوسط)
غرفة الطعام الخاصة للمزيد من الخصوصية (الشرق الأوسط)
TT

مبانٍ تاريخية تتحوّل إلى مطاعم وفنادق فاخرة في لندن

غرفة الطعام الخاصة للمزيد من الخصوصية (الشرق الأوسط)
غرفة الطعام الخاصة للمزيد من الخصوصية (الشرق الأوسط)

شهدت لندن في السنوات الأخيرة موجة لافتة من إعادة توظيف المباني التاريخية، حيث تحوّلت مساحات كانت مخصّصة لأغراض مالية أو دينية أو سكنية إلى مطاعم راقية وتجارب طعام فاخرة، تجمع بين عبق الماضي وأناقة الحاضر.

من أبرز الأمثلة على ذلك تحويل مبانٍ تاريخية قديمة إلى فنادق ومطاعم فخمة، مبنى في منطقة «كوفنت غاردن» كان يستخدم قسم منه مركزاً للشرطة، والقسم الآخر كان محكمة للجنايات، واليوم تحول إلى فندق «نوماد»، ونفس الشيء حصل مع «ذا نيد» الذي احتفظ بالعناصر المعمارية الأصلية لمبناه مثل الأعمدة الضخمة والجدران العالية، بينما أُعيد توظيف المساحات لتضم مطاعم متعددة وراقية. هذا النوع من التحويل يعكس توجهاً واسعاً في المدينة للحفاظ على التراث المعماري بدل هدمه، ومنح الزائر تجربة تجمع بين التاريخ والثقافة والمذاق في آنٍ واحد.

من صالة مصرفية الى مطعم ياباني في قلب لندن (الشرق الأوسط)

كما شملت هذه الظاهرة المباني الدينية أيضاً، إذ تم تحويل بعض الكنائس أو أجزاء منها إلى مطاعم، ومن أبرزها مقهى يقع داخل كنيسة «سانت مارتن إن ذا فيلدز» بالقرب من ميدان ترافالغار حيث يجلس الزوار لتناول الطعام وسط أجواء معمارية تعود لقرون مضت، و«ميركاتو مايفير» المبنى الذي يضم عدة مطاعم، وكان في الماضي كنيسة شهيرة في المنطقة ولا تزال تحتفظ بديكوراتها الداخلية الأصلية بما فيها المذبح الذي بقي على ما كان عليه.

وأجدد مثال على هذه الطفرة التحويلية في استخدام المباني التاريخية، افتتاح مطعم «أكي» (Aki London) في منطقة مارليبون، وتحديداً في ساحة كافنديش، فخلف أبواب ضخمة أنيقة تختبئ قصة مبنى عريق كان في السابق فرعاً لمصرف «ناتويست»، أحد البنوك البريطانية التقليدية التي شكلت جزءاً من الحياة المالية للمدينة لعقود طويلة.

مجموعة من الاطباق المعروفة في "أكي" (الشرق الأوسط)

اليوم، وبعد عملية ترميم وتحويل دقيقة، تحوّل هذا المبنى إلى مساحة فاخرة تحمل طابعاً يابانياً معاصراً، حيث تمتزج التفاصيل المعمارية الأصلية، مثل الأسقف العالية والزخارف التاريخية، مع تصميم داخلي حديث يوازن بين الفخامة والهدوء. وهكذا، لم يعد المكان مجرد مبنى مصرفي قديم، بل أصبح وجهة طعام تعكس كيف يمكن للتراث المعماري أن يُعاد إحياؤه بروح جديدة تماماً. أول ما تشاهده عند دخولك إلى المطعم الخزنة المصرفية التي تستخدم اليوم كحاوية للمشروب، وتحولت القاعة المصرفية إلى واحة من الأرائك المخملية الخضراء التي تتناغم مع لون الجدران الداكن.

افتتح «أكي» في سبتمبر (أيلول) 2025، ويقدم أطباقاً يابانية مع لمسة من الدفء المتوسطي، ويعتمد في مطبخه على مفهوم «من المزرعة إلى المائدة»، تصميمه يمزج ما بين الأسلوبين الأوروبي والياباني، وهو يحمل توقيع المصمم العالمي فرانسيس سولتانا.

أطباق أكي يابانية ممزوجة بقالب من العصرية (الشرق الأوسط)

الطابق العلوي من المطعم كان في الماضي الصرح الرئيس للمصرف، وتمت عملية التحويل بطريقة حافظت على عظمة المبنى التاريخية، وكلفت 15 مليون إسترليني، وتمت إضافة لمسات فنية مستوحاة من اليابان. واستلهم سولتانا تصميمه من معرض الشاشات اليابانية في متحف المتروبوليتان في نيويورك ليخلق مساحة تلتقي فيها الأناقة الأوروبية بالحرفية اليابانية.

ميزة المطعم أسقفه العالية والإنارة الموزعة عليها مع لوحات فنية عملاقة وجميلة مع استخدام أقمشة الكيمونو التراثية التي تضيف عمقاً بصرياً. يمكن الاختيار بين تناول الطعام في قاعة الطعام في الطابق العلوي أو في الطابق السفلي الذي يضم غرفة طعام خاصة للذين يفضلون الأكل في خصوصية تامة.

طريقة تقديم عصرية وأنيقة (الشرق الأوسط)

وتضم قائمة الطعام الساشيمي، والنيغيري، ولفائف السوشي، والتيمبورا، وأطباق الروباتا، والواجيو، والأرز، والحلويات.

بدأنا بطبق إديمامي مع ملح الكمأة، ومن ثم تناولنا تارتار تونة التشو تورو مع كافيار الياسمين والأرز البني الذي يضيف إليه النادل أمامك صلصة صويا خاصة بالساشيمي معتّقة لمدة 50 عاماً فوق الطبق، بالإضافة إلى جيوزا لحم الواجيو مع ميسو البصل والكمأة. كما كانت قطع لحم الضأن «لومينا» من الأطباق اللذيذة جداً، بفضل طراوتها وتتبيلتها بالكيمتشي التي منحتها نكهة مالحة وحارة. في حين كان طبق سي باس التشيلي غنياً بالنكهة.

أما بالنسية للحلويات فجرّبنا «ميلك تشوكلايت ناميلاكا» الذي يستغرق تحضيره 8 ساعات، وتستخدم فيه الشوكولاتة الداكنة المستوحاة من حضارة المايا.


أسبوع المطبخ التركي 2026 يحتفي بتاريخ الطهي

دولما تركية (الشرق الأوسط)
دولما تركية (الشرق الأوسط)
TT

أسبوع المطبخ التركي 2026 يحتفي بتاريخ الطهي

دولما تركية (الشرق الأوسط)
دولما تركية (الشرق الأوسط)

بين عبق التوابل العثمانية، ودفء الموائد العائلية الممتدة عبر قرون، تعود تركيا هذا العام للاحتفاء بتراثها الغذائي من خلال الدورة الخامسة لأسبوع المطبخ التركي 2026، الذي يُقام تحت شعار «مائدة التراث» ويبدأ في 21 مايو (أيار) حتى 27 من الشهر نفسه في تركيا وحول العالم. وفي مبادرة تجمع بين الثقافة وفنون الطهي، تسعى الفعاليات إلى تقديم المطبخ التركي بوصفه سجلاً حياً للذاكرة الجماعية، ولغة إنسانية تتجاوز الحدود، حيث تتحول الأطباق التقليدية إلى حكايات عن الهوية والهجرة والتقاليد المتوارثة عبر الأجيال.

"كشكيك" على الطريقة التركية (الشرق الأوسط)

أعلنت وزارة الثقافة والسياحة في تركيا عن انطلاق هذه الفعالية التي تحمل اسم «مائدة التراث» (بير سوفرادا ميراس) التي ستقام في مختلف أنحاء تركيا، إلى جانب البعثات الدبلوماسية والمراكز الثقافية التركية حول العالم، بهدف تسليط الضوء على العمق التاريخي والاجتماعي للمائدة التركية، وما تحمله من قصص وذكريات وتقاليد متوارثة عبر الأجيال.

ويأتي اختيار شعار «مائدة التراث» هذا العام ليعكس رؤية، تُقدّم المطبخ التركي باعتباره مساحة مشتركة تجمع بين الثقافة والهوية والتجارب الإنسانية، حيث تشكّل الأطباق التقليدية امتداداً لتاريخ طويل من الهجرات والتنوع الثقافي والطقوس الاجتماعية التي ساهمت في تشكيل هوية الطهي التركي عبر القرون.

البقلاوة التركية (الشرق الأوسط)

كما يركّز الحدث على إبراز أهمية المائدة كرمز للتواصل، ودورها في الحفاظ على التراث الثقافي وتعزيز الروابط الاجتماعية، إلى جانب تعريف عشاق الطعام حول العرالم بثراء المطبخ التركي وتنوّعه الإقليمي.

وترتكز رسالة الحدث هذا العام على مفهوم أن «المائدة هي أقدم لغة للتواصل والترابط»، في تأكيد على قدرة الطعام على جمع الناس وربطهم عبر الزمن والثقافات المختلفة. ويستند شعار «مائدة التراث» إلى 3 مفاهيم رئيسية تتمثل في الحوار، باعتبار المائدة مساحة تتقاطع فيها الحضارات والعصور لصناعة معنى مشترك، والتحول الذي يعكس انتقال ذاكرة الطهي من وصفة إلى أخرى ومن جيل إلى جيل، إضافة إلى مفهوم الأرشيف الذي يقدّم المطبخ بوصفه سجلاً حياً للتاريخ غير المكتوب والمتجدد يومياً عبر الموائد.

الدولما من أقدم الأطباق التركية (الشرق الأوسط)

وستشهد الفعاليات سلسلة من الأنشطة والتجارب التفاعلية داخل تركيا وخارجها، من بينها موائد عشاء جماعية تقام على طاولات طويلة احتفاءً بفكرة اللقاء والمشاركة، إلى جانب ورش عمل متخصصة تستعرض تقنيات الطهي التراثية التقليدية، مثل فرد عجينة «اليوفكا»، والطهي البطيء لإعداد أطباق «الكشكيك» و«التندير»، فضلاً عن أساليب الشواء على الفحم.

كما تتضمن الفعاليات تجربة «أرشيف التذوق»، وهي مساحة تفاعلية مؤقتة تستعرض وصفات وتقنيات تاريخية بإشراف خبراء في فنون التذوق والطهي، بحضور إعلاميين وشخصيات ثقافية ومهتمين بفنون الطهي، إضافة إلى إعداد أرشيف ميداني يوثّق الوصفات الحية والأطباق التي تأثرت بحركات الهجرة والاستقرار، بما يعكس التنوع الإقليمي للمطبخ التركي في الوقت الراهن.

طبق "مانتي" المؤلف من عجين وزبادي (الشرق الأوسط)

وتحضر خلال الحدث مجموعة من الأطباق، التي تمثل رموزاً للهوية الثقافية التركية، من أبرزها طبق «الكشكيك» المدرج ضمن قوائم اليونسكو للتراث الثقافي، الذي يجسّد قيم الاحتفال الجماعي والعمل المشترك، فيما تعبّر «البقلاوة» عن الحرفية العالية وتوارث التقاليد، بينما تعكس «المانتي» (قطع من العجين صغيرة الحجم مع الزبادي) أو الزلابية التركية تأثيرات الهجرة والسفر. كما تبرز «الدولما» بوصفها مثالاً على التنوع ضمن لغة طهي مشتركة، في حين ترمز أصناف الحلوى التقليدية إلى مفاهيم التضامن والذاكرة الاجتماعية.


البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة

البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة
TT

البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة

البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة

البراعم الخضراء... اتجاه جديد ينعش المائدة ويمنح الأطباق أناقة خاصة، بعدما شقت طريقها إلى المطابخ الحديثة بوصفها إضافة حقيقية للوصفات الصحية.

فلم تعد البراعم النباتية كما كانت في السابق مجرد لمسة خضراء تزين أطباق السلطة، بل أصبحت من أبرز الاتجاهات الحديثة في عالم الطهي، مع ازدياد الاهتمام بالأطعمة الطازجة والمكونات التي تجمع بين الفائدة الصحية والمذاق المميز والشكل الأنيق. وخلال السنوات الأخيرة، بدأت هذه النباتات الصغيرة تنتقل من المطابخ العالمية إلى الموائد العربية، لتقدم حضوراً مختلفاً يثري الأطباق اليومية ويمنحها روحاً جديدة.

والبراعم هي المرحلة الأولى من نمو البذور، حيث تنبت في ظروف رطبة ونظيفة خلال أيام قليلة، ثم تخرج السيقان الدقيقة والأوراق الصغيرة الغنية بالعناصر الغذائية.

لفائف سوشي السلمون اللذيذة مع البراعم

ويشير خبراء التغذية إلى أن هذه المرحلة تشهد نشاطاً طبيعياً داخل البذرة؛ ما يجعل بعض مكوناتها أسهل في الهضم، مع ارتفاع نسبي في مستويات بعض الفيتامينات ومضادات الأكسدة.

كما تعد البراعم مصدراً جيداً للألياف والفيتامينات والمعادن، مع انخفاض نسبي في السعرات الحرارية، وهو ما يجعلها خياراً مناسباً للراغبين في تحسين نمطهم الغذائي أو تنويع وجباتهم اليومية بطريقة صحية وخفيفة.

يرى الشيف أحمد نبيل في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن البراعم من المكونات التي لفتت الانتباه بقوة خلال الفترة الأخيرة؛ لأنها تمنح قيمة غذائية مرتفعة في حجم صغير، كما أنها سهلة الاستخدام ويمكن إدخالها في عدد كبير من الوصفات من دون تعقيد.

ويقول إن «ما يميز البراعم قدرتها على تحويل طبق بسيط إلى وجبة أكثر أناقة وتوازناً، سواء من حيث اللون أو القوام أو النكهة، مشيراً إلى أن سر نجاحها في المطبخ يكمن في بساطتها؛ فهي لا تحتاج إلى مهارة خاصة ولا إلى تكلفة مرتفعة، لكنها تحدث فرقاً واضحاً في الطبق».

السلطات من أهم الأطباق التي تستخدم فيها البراعم لكنها لم تعد الوحيدة

براعم لكل مذاق

تتنوع البراعم الصالحة للأكل، ولكل نوع منها مذاقه واستخداماته الخاصة، ومن أبرز الأنواع الشائعة براعم الفاصوليا، والبروكلي، والعدس، والفجل، والبازلاء، ودوار الشمس، والجرجير، والحلبة.

ويشرح نبيل أن براعم الجرجير تتميز بنكهة عشبية خفيفة ولمسة منعشة؛ ما يجعلها مناسبة للسندويتشات والسلطات. أما براعم الفاصوليا فتشتهر بقوامها المقرمش وعصارتها الواضحة؛ ولذلك تُستخدم في الأطباق السريعة والشوربات وطواجن الخضراوات.

ويضيف أن براعم البروكلي تحظى بإقبال كبير؛ لما تحتويه من مركبات نافعة، إلى جانب مذاقها الخفيف المائل إلى الحدة الرقيقة.

في حين تعد براعم العدس خياراً مناسباً للمطبخ المصري والعربي؛ لأنها مألوفة في النكهة وغنية بالبروتين النباتي، ويمكن إضافتها إلى السلطات أو تقديمها مع الحبوب أو استخدامها في حشوات الفطائر.

أما براعم الفجل فتمنح الأطباق نكهة حارة ومنعشة تناسب محبي المذاقات القوية، بينما تضيف براعم دوار الشمس طعماً قريباً من المكسرات؛ وهو ما يجعلها مناسبة مع الجبن والخبز المحمص.

ولا تتوقف جاذبية البراعم عند حدود الفائدة الغذائية، بل تمتد إلى أثرها البصري في تقديم الطعام؛ فالألوان الخضراء الزاهية، والخيوط الدقيقة، والأوراق الصغيرة، تمنح الأطباق مظهراً أكثر حيوية وحداثة، وتجعل الوجبة تبدو أكثر عناية وتنسيقاً.

طريقة استخدامها

يقول الشيف أحمد نبيل إن الطاهي الذكي يمكنه استخدام البراعم بالطريقة نفسها التي يستخدم بها الأعشاب الطازجة أو اللمسات النهائية، أي بكميات محسوبة، تضيف نكهة ولمسة جمالية من دون أن تطغى على المكونات الأساسية.

كما تناسب البراعم نمط الحياة السريع؛ إذ لا تحتاج إلى وقت طويل في التحضير، ويمكن إضافتها نيئة إلى السلطات والسندويتشات، أو إدخالها في الطهي الخفيف خلال الدقائق الأخيرة حتى تحتفظ بقوامها ونضارتها. كذلك يمكن استخدامها فوق أطباق الشوربة الساخنة عند التقديم، أو إضافتها إلى البيض المخفوق، أو مزجها مع الأرز والخضراوات.

الشيف المصري أحمد نبيل (الشرق الأوسط)

وصفات سهلة وشهية

وفي المطبخ المصري يمكن إدخال البراعم بسهولة ومن دون خروج عن المألوف؛ فإضافتها على سبيل المثال إلى طبق الفول يمنح الوجبة نكهة طازجة وتوازناً مع القوام الكريمي. كما يمكن وضعها داخل ساندويتشات الجبن القريش مع شرائح الطماطم والخيار، أو إضافتها إلى الطعمية مع السلطة.

وتصلح أيضاً بجوار الكفتة المشوية أو شرائح اللحم البقري أو الدجاج؛ حيث تضيف خفة وانتعاشاً يوازنان النكهات المشوية والدسمة.

ومن الوصفات التي يقترحها نبيل سلطة مصرية بالبراعم، تتكون من الطماطم المقطعة والخيار والبصل الأحمر الرقيق وبراعم الفجل، مع عصير الليمون وزيت الزيتون ورشة سماق. ويقول إنها تصلح إلى جانب الأسماك أو المشويات، كما يمكن تقديمها وجبة خفيفة مستقلة.

ويقترح أيضاً طبق أرز بالخضراوات والبراعم، حيث يُطهى الأرز بالطريقة المعتادة، ثم تُضاف إليه في النهاية براعم البازلاء أو الفاصوليا مع الجزر المبشور والبصل الأخضر؛ ليحصل الطبق على لون جديد وملمس مقرمش محبب.

ويتابع: «وتتميز البراعم بمرونة كبيرة في الاستخدام داخل المطبخ، ومن أبرز طرق تقديمها مزجها مع سلطة الكولسلو أو السلطة المصرية، أو استخدامها في سلطة البطاطس مع براعم العدس أو الفاصوليا، ويمكن إضافتها إلى اللفائف والسندويتشات بدلاً من الخس».

ويواصل: «أيضاً أستخدمها في حشوات السندويتشات مع الجبن أو التونة، أو أضعها فوق ساندويتشات الجبن بعد تحميصها، أو أضيفها إلى الحساء أو اليخنات عند التقديم».

ويقترح أيضاً: «تقليبها مع الخضراوات المشوحة، أو خلطها مع الجبن الكريمي أو اللبنة لصنع صلصات تغميس، أو خلطها مع عجينة الفطائر أو المخبوزات المالحة، أو تناولها طازجة في أطباق البراعم المشكلة، وتُستخدم أيضاً في تزيين أطباق العجة أو البيض المخفوق بها، وفي لفائف الأرز أو السوشي النباتي».

أما لمحبي الوجبات السريعة الصحية، فينصح بإعداد سندويتش من خبز الحبوب الكاملة محشو بشرائح الدجاج المشوي واللبنة أو الجبن الطري، مع كمية وفيرة من دوار الشمس، مؤكداً أن هذه الإضافة البسيطة تجعل الساندويتش أكثر إشباعاً وتوازناً.

نصائح مهمة

ورغم سهولة استخدام البراعم، فإن اختيار المنتج الجيد يظل أمراً أساسياً، وينصح الشيف أحمد نبيل بشراء البراعم التي تبدو نضرة وجافة نسبياً وغير لزجة، وخالية من أي بقع داكنة أو رائحة غير طبيعية.

كما يفضل حفظها في الثلاجة داخل عبوة جيدة التهوية، واستهلاكها خلال فترة قصيرة؛ للحفاظ على جودتها وطزاجتها.

ومن المهم غسل البراعم جيداً قبل الاستخدام، والحرص على شرائها من مصادر موثوقة، مع تفضيل الطهي الخفيف لبعض الأنواع عند الحاجة؛ حيث ينصح بتجنب تناولها نيئة بالنسبة للأطفال والحوامل وكبار السن وذوي المناعة الضعيفة.

معكرونة مع شرائح السمك والبراعم

من السوق... أو من مطبخك

وبدأت شركات مصرية متخصصة في إنتاج البراعم الطازجة مثل «منابت» في طرح منتجاتها داخل الأسواق، مع التركيز على تقديمها جاهزة للاستخدام، والاهتمام بالنظافة وتعقيم المياه وبيئة الزراعة، وهو ما يعكس اتساع الطلب على هذا النوع من الأغذية.

ومن جهة أخرى يمكن زراعة البراعم في المنزل بسهولة باستخدام برطمان زجاجي نظيف وبذور مخصصة للإنبات.

وتُنقع البذور عدة ساعات، ثم تُصفى وتُشطف يومياً؛ حتى تظهر البراعم خلال ثلاثة إلى خمسة أيام.

ويؤكد نبيل أن هذه الطريقة تمنح الأسرة منتجاً طازجاً، كما تتيح تعريف الأطفال بالغذاء الصحي من خلال تجربة بسيطة وممتعة.

وما بين المذاق المقرمش، والمظهر الأنيق، والقيمة الغذائية المرتفعة، يرى نبيل أن البراعم تبدو مرشحة لحضور أوسع على المائدة اليومية، بوصفها مكوناً صغيراً يصنع فرقاً واضحاً في الطب.