إردوغان: الانقلابيون عرضوا على رئيس الأركان لقاء غولن

قلق أوروبي وتركي من حالة الطوارئ

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يتفقد آثار التخريب بالبرلمان الذي تعرض لقصف من مروحيات الانقلابيين مما أدى إلى مقتل شخصين وإصابة 12 يوم الجمعة الماضية (أ.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يتفقد آثار التخريب بالبرلمان الذي تعرض لقصف من مروحيات الانقلابيين مما أدى إلى مقتل شخصين وإصابة 12 يوم الجمعة الماضية (أ.ب)
TT

إردوغان: الانقلابيون عرضوا على رئيس الأركان لقاء غولن

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يتفقد آثار التخريب بالبرلمان الذي تعرض لقصف من مروحيات الانقلابيين مما أدى إلى مقتل شخصين وإصابة 12 يوم الجمعة الماضية (أ.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يتفقد آثار التخريب بالبرلمان الذي تعرض لقصف من مروحيات الانقلابيين مما أدى إلى مقتل شخصين وإصابة 12 يوم الجمعة الماضية (أ.ب)

كشف الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، عن أن أفراد الجيش الانقلابين طلبوا من قائد أركان الجيش الجنرال، خلوصي أكار، الذي احتجزوه ليلة الانقلاب الفاشل الجمعة قبل الماضي، التفاوض مع الداعية عبد الله غولن ولقاءه؛ ما يثبت تورطه في محاولة الانقلاب الفاشلة.
وقال إردوغان في مقابلة أجرتها معه قناة «فرانس 24» الفرنسية، أمس السبت: إن «عناصر المنظمة الإرهابية قاموا بمحاولة الانقلاب العسكرية الفاشلة في تركيا اعتمادا على أوامر زعميهم (فتح الله غولن) المقيم في ولاية بنسلفانيا الأميركية».
وأضاف: «الكثير من المسجونين أقروا بذلك، حتى أن أحد الذين أسروا رئيس الأركان اقترح عليه اللقاء مع زعيمهم غولن، وهذه هي المرة الأولى التي أصرح فيها بهذه المعلومة»، داعيا الأطراف المنتقدة إلى تقييم الأحداث بالشكل السليم وتلقي المعلومات من الجهات الرسمية، وليس من الجهات المعارضة لتركيا.
وشدّد الرئيس التركي على ضرورة تطهير جميع المؤسسات في البلاد من عناصر منظمة «فتح الله غولن (الكيان الموازي)» الإرهابية؛ للحيلولة دون دفع ثمن باهظ في المرحلة اللاحقة.
وقال إردوغان: «المنظمة الإرهابية تغلغلت داخل المؤسسات العسكرية والأمنية والوزارات على مدى 40 عاما، وباتت أشبه بورم خبيث كالسرطان حتى داخل القطاع الخاص»، مشيرا إلى أن الخطوات التي ستتخذ خلال فترة حالة الطوارئ ستكون كفيلة لحل هذه المشكلة.
وقال إردوغان، إنه «لم يصدر أي قرار بعد بشأن رئيس جهاز المخابرات أو رئيس الأركان بسبب التقصير في الإبلاغ بوقوع محاولة الانقلاب الفاشلة رغم علمهما المسبق منذ الساعة الرابعة عصرا»، وإنه «لو تطلب الأمر اتخاذ قرار فسأدرسه مع رئيس الوزراء، ونتخذ الإجراء اللازم». وأضاف، أن رئيس جهاز المخابرات، هاكان فيدان، قدّم استقالته خلال الاجتماع الذي جرى بينهما أول من أمس (الجمعة) و«في حال استدعى الأمر اتخاذ قرار في هذا الشأن، فإننا نجتمع برئيس الوزراء ونقيّم الأمر ثم نُصدر قرارنا النهائي».
وتابع إردوغان: «نحن نمرّ في الوقت الراهن بمرحلة انتقالية، ونواصل عملنا مع زملائنا، ولكن في الحقيقة هناك حالة ضعف استخباراتية، وهنا تذكّروا عندما وقع الهجوم على الأبراج في أميركا في 11 سبتمبر (أيلول)، لم يطرح أحد وقتها سؤالا حول إقالة جهاز الاستخبارات هناك، كذلك الأمر بالنسبة لهجمات فرنسا، وبلجيكا وغيرها».
من ناحية أخرى، أكد إردوغان، أن وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة ستُعاقب في حال ثبوت تورطها بمحاولة الانقلاب الفاشلة، وفقا للقوانين التي ينص عليها الدستور التركي، مشيرا إلى أن هذه الوسائل مضطرة إلى الالتزام بما تنص عليه القوانين، حالها كحال المجالات الأخرى.
وشدد إردوغان على ضرورة احترام رغبة شعبه إذا طالبه بإعادة عقوبة الإعدام، معتبرا أن الاتحاد الأوروبي منحاز ولا يلتزم موقفا محايدا تجاه تركيا.
وعما إذا كانت إعادة حكم الإعدام الذي ألغي بموجب معايير الاتحاد الأوروبي تعني انتهاء مرحلة انضمام تركيا للاتحاد ؟، قال إردوغان: «إن كان شعبي يطالب بحكم الإعدام، ويوافق البرلمان على ذلك، ينبغي على أحد ألا يؤاخذنا؛ فإن الامتثال لذلك يعد من واجبات السياسيين».
وتابع في السياق ذاته «هل حكم الإعدام موجود في أميركا وروسا والصين؟، نعم إنه موجود. كما أنه موجود حاليا في غالبية دول العالم».
واتهم إردوغان الاتحاد الأوروبي باتخاذ موقف «متحيز ومتعصب» حيال تركيا بسبب الانتقادات الأوروبية للإجراءات التي اتخذتها أنقرة في أعقاب المحاولة الانقلابية الفاشلة التي جرت الجمعة قبل الماضي.
وقال: «إنهم يصدرون تصريحات متناقضة. إنهم متعصبون وسيواصلون التصرف بهذا الأسلوب المتعصب تجاه تركيا».
وبات طلب تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في مهب الريح بعد أن لمّح الرئيس التركي إلى احتمال إعادة العمل بعقوبة الإعدام في أعقاب المحاولة الانقلابية الفاشلة، وهي خطوة لو خطتها الحكومة التركية سيكون من شأنها حرمان البلاد فورا من الانضمام إلى الاتحاد.
كما أعرب الاتحاد الأوروبي عن قلقه إزاء إعلان حالة الطوارئ في تركيا في أعقاب المحاولة الانقلابية، فيما ردت أنقرة بأن فرنسا اتخذت إجراءً مماثلا العام الماضي. وأشار الرئيس التركي إلى عدم اهتمامه بتلك التصريحات والانتقادات، ولفت إلى حالة الطوارئ التي أعلنتها كل من فرنسا وبلجيكا والولايات المتحدة وألمانيا على خلفية الهجمات الإرهابية.
وأضاف إردوغان: «ألمانيا أعلنت حالة الطوارئ في ميونيخ بعد مقتل 6 أشخاص، وأنا تحدثت عن مقتل 246 شخصا وإصابة 2185 آخرين، ضحايا محاولة الانقلاب الفاشلة»، موضحا أن «الدول الأوروبية التي أعلنت حالة الطوارئ لم تشهد الوتيرة نفسها من الأحداث التي شهدتها تركيا، ولم تواجه محاولة انقلابية تستهدف الدولة بكاملها».
وقال إردوغان، إن تركيا كانت تشاهد في العقود الماضية كيف أن دولا أقل تطورا منها وأقل أهلية للعضوية تنضم إلى الاتحاد الأوروبي.. «أجبرتنا أوروبا على الانتظار 53 عاما، رغم أننا أفضل حالا من الدول التي انضمت فعلا إلى الاتحاد. لم تجبر أي دولة مرشحة على تجرع معاناة كما أجبرنا».
ويعود طلب تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي إلى عام 1963، فيما تقدمت بطلب انضمام رسمي عام 1987، ولم تبدأ مفاوضات الانضمام بين الطرفين إلا عام 2005.
وفي رده على سؤال حول مقارنة حالة الطوارئ المعلنة في فرنسا وتركيا، لفت إردوغان إلى اختلاف أسباب حالة الطوارئ بين البلدين، مشيرا إلى أن ما حدث في فرنسا يعد عملا إرهابيا عاديا، أما ما جرى في تركيا فهو محاولة انقلاب مسلح للسيطرة على الدولة. وأكد الرئيس التركي على ضرورة التفرقة بين حالة الطوارئ في البلدين، متسائلا: «أريد أن أسأل مسؤولي الاتحاد الأوروبي: هل أنتم وراء الانقلاب أم مع دولة يسودها قانون ديمقراطي؟». وفي شأن آخر، قال: إن «الانتقادات الموجهة لتركيا فيما يتعلق بتطبيق حالة الطوارئ، دون الرجوع إلى أدلة أو معلومات صحيحة، ستكون غير منصفة»، مضيفا: «إذا كانت مصادر المعلومات التي يمتلكونها خاطئة، فإن الذين يشغلون مناصب مسؤولة داخل منظمة مثل الاتحاد الأوروبي سيقعون في الخطأ، تصرفاتكم تشير إلى أنكم إما تحكمون بشكل مسبق أو معدومون من القدرة على إدارة هذه الوظائف». وفيما يتعلق بمطالبة الإدارة الأميركية بتقديم أدلة دامغة حول تورط فتح الله غولن زعيم «الكيان الموازي» في محاولة الانقلاب مقابل تسليمه، لفت إردوغان إلى أن «الفاعلين معروفون، والدعاوى المتعلقة حول كون ما حصل هو محاولة انقلاب، وأن غولن هو زعيم الإرهابيين، مستمرة أمام محاكم مختلفة».
وتابع متسائلا: «هل قدمت لنا أميركا أدلة حتى اليوم لدى مطالبتنا بتسليمها الإرهابيين؟، مضيفا: «نحن سلمنا لهم الإرهابيين والجناة الذين طلبوا تسليمهم دون أن نطالبهم بأي أدلة، أما الآن نطالبهم بتسليم غولن الذي حاول قلب الحكم، وهم يطلبوا منا أدلة».
وأضاف إردوغان: «نحن نفعل ما تفعله كل الدول المتقدمة». وتابع: «أصدقاؤنا الغربيون لا يرون كل هذه القنابل، ربما سيرونها بعد مقتل كبار المسؤولين في هذا البلد، نتخذ كل التدابير، وسنستمر في اتخاذها». وفيما يتعلق بلقائه نظيره الروسي فلاديمير بوتين، أضاف إردوغان «أعتقد إن لم يحصل وضع استثنائي، من الممكن أن نعقد لقاءً في حدود منتصف أغسطس (آب) المقبل».
وكان إردوغان تفقد المواقع التي تعرضت لهجوم في مبنى البرلمان في أنقرة مساء الجمعة، وأعلن أن حكومته قضت على أغلبية الانقلابيين في الجيش ومختلف أجهزة الدولة، وشدد في أول خطاب له أمام البرلمان منذ الانقلاب الفاشل على أن «اقتصاد بلاده مستقر»، وطمأن رجال الأعمال والمستثمرين بأنه «لا يوجد ما يدعوهم للقلق».
ودعا إردوغان الشعب إلى الصبر والاستمرار في التظاهر حتى استئصال «ورم الانقلابيين» من مختلف مؤسسات الدولة.
وندد الرئيس التركي بشدة بتصريحات المسؤولين الأميركيين والغربيين التي تتهم الحكومة التركية بالتعسف في التعامل مع مدبري الانقلاب الفاشل. وقال: إن حكومته سترسل للغرب ملفات مرفقة بتسجيلات وصور عن الدمار والضرر والقتل الذي أحدثه الانقلابيون. وقال إردوغان، إن من «قاموا بالمحاولة الانقلابية الفاشلة (منتصف الشهر الحالي)، وقصفوا مقر البرلمان، لا يمكن أن يكونوا من أبناء الشعب، بل هم إرهابيون متنكرون في زي عسكري».
وأعرب عن «إحباطه الكبير جرّاء آثار القصف والدمار داخل مقر البرلمان»، مشيرا إلى أن «الانقلابيين بلغوا درجة من الخيانة والدناءة سمحت لهم باستخدام الأسلحة والطائرات، والدبابات والسلاح الثقيل ضد شعب كانت أمواله وضرائبه مصدر تمويل شراء تلك الأسلحة». ودعا إردوغان المستثمرين إلى عدم تعليق استثماراتهم ومواصلة عملهم في تركيا، مؤكدا أن الدولة لن توقف استثماراتها في البنية التحتية والفوقية.
كما وجه الرئيس التركي دعوة للقطّاع المالي في البلاد إلى تخفيض الفوائد على قروض المستثمرين لإفساح المجال أمامهم، مشددا على أن «الحكومة اتخذت كل الاستعدادات اللازمة لمواجهة أي مشكلات في القطاع المالي». جاء ذلك وسط تعالي الأصوات من خارج تركيا وداخلها للتعبير عن المخاوف من حالة الطوارئ والإجراءات التي تتخذ عقب محاولة الانقلاب الفاشلة، حيث دعت ألمانيا إلى إنهاء ذلك الإجراء في أسرع وقت ممكن. وحذرت مجموعة محامين دوليين تركيا من استخدام حالة الطوارئ للتعدي على سيادة القانون وحقوق الإنسان.
وقالت مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي فيديريكا موجيريني: إن «رد الفعل على الانقلاب يجب ألا يقوض الحقوق الأساسية.. ما نراه في مجالات التعليم والقضاء والإعلام على وجه الخصوص غير مقبول». كما أثارت حالة الطوارئ مخاوف لدى بعض الأتراك من العودة إلى أيام الأحكام العرفية بعد انقلاب عسكري عام 1980، أو ذروة تمرد كردي في التسعينات عندما خضع معظم جنوب شرقي تركيا، الذي يغلب على سكانه الأكراد، لحالة الطوارئ.
وقال زينيل كاراتاش، رئيس فرع إسطنبول في منظمة «هيومن رايتس فاونديشن»: «إن ثمة قلقا كبيرا حيال ذلك. حالة الطوارئ طبقت لسنوات كثيرة في هذا البلد، وإذا واجهناها مجددا فستنمو مشاعر القلق هذه». كما عبرت أحزاب المعارضة، باستثناء حزب الحركة القومية، التي وقفت مع السلطات ضد الانقلاب عن قلقها من أن حالة الطوارئ قد تؤدي إلى تركز قدر كبير من السلطات في يد إردوغان الذي لطالما اتهمه منافسوه بقمع حرية التعبير.
في الوقت نفسه، قال نائب رئيس الوزراء التركي نور الدين جانيكلي: إن حجم تسلل العناصر الموالية لرجل الدين فتح الله غولن، الذي تتهمه أنقرة بالوقوف وراء المحاولة الانقلابية الأخيرة، في مرافق الدولة لم تكتشف منه إلا «قمة جبل الجليد»، مضيفا أن عدد الاعتقالات مرشح للارتفاع.
وكان 60 ألفا على الأقل من موظفي الدولة قد اعتقلوا أو أقيلوا في حملة تطهير أثارت انتقادات حول العالم.
وانتقد جانيكلي حلفاء تركيا لإدانتهم «الضعيفة» للانقلابيين، وقال: «ما لبثت هذه المنظمة الإرهابية تتسلل منذ 40 عاما في كل زوايا البلاد، في الوزارات والمؤسسات والقطاع الخاص. فالأمر ليس محددا بالقضاء والمحاكم والشرطة والجيش، بل يشمل أيضا قطاع التعليم. بل يمكننا القول إنهم نجحوا في التسلل في قطاع التعليم بشكل أفضل من القطاعات الأخرى».
يذكر أن موظفي وزارة التعليم ومدرسي المدارس الخاصة وعمداء الجامعات والكليات يمثلون نحو نصف عدد المعتقلين في الحملة الأخيرة.
وكان الرئيس رجب طيب إردوغان أعلن الأربعاء حالة الطوارئ في البلاد لمدة 3 أشهر، وقال: «إنها قابلة للتمديد»، وتسمح للرئيس والحكومة بتجاوز البرلمان عند سن القوانين الجديدة، وكذلك تقييد الحقوق والحريات أو حجبها.



الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.