الوجه الآخر للعملة: كيف تهدر الطاقة المتجددة جهود مكافحة التغيرات المناخية؟

ربما يكتشف العالم أن مصادر {المتجددة} لا يمكنها القيام وحدها بهذه المهمة

من المتوقع أن تحصل ولاية كاليفورنيا على نصف احتياجاتها من الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2030 (رويترز)
من المتوقع أن تحصل ولاية كاليفورنيا على نصف احتياجاتها من الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2030 (رويترز)
TT

الوجه الآخر للعملة: كيف تهدر الطاقة المتجددة جهود مكافحة التغيرات المناخية؟

من المتوقع أن تحصل ولاية كاليفورنيا على نصف احتياجاتها من الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2030 (رويترز)
من المتوقع أن تحصل ولاية كاليفورنيا على نصف احتياجاتها من الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2030 (رويترز)

هل تنحرف الجهود العالمية المبذولة لمكافحة التغيرات المناخية، التي جرت الموافقة عليها بعد ماراثون طويل بشق الأنفس في باريس قبل سبعة أشهر، عن مسارها المعروف؟
تبدو لدى ألمانيا، وهي رائدة الدول الأوروبية في مجال الطاقة المتجددة، أفكار أخرى حول خططها الطموحة لزيادة استهلاكها من الطاقة المتجددة لصالح توليد الكهرباء.
وعلى أمل في إبطاء الاندفاع نحو الطاقة المتجددة على شبكة الطاقة المحلية، أوقفت الدولة الإعانة المفتوحة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح وحددت سقف الإنتاج بالنسبة لقدرة الطاقة المتجددة الإضافية.
وقد تسقط ألمانيا من حساباتها أيضا الجدول الزمني المحدد لوقف العمل تماما بتوليد الطاقة من الفحم، والذي لا يزال يشكل 40 في المائة من إنتاج الكهرباء في البلاد، وفقا لتقرير صادر عن وزارة البيئة الألمانية، وبدلا من ذلك، سوف تدفع الحكومة بلايين الدولارات للحفاظ على مولدات الفحم في الاحتياط، بهدف توفير الطاقة في حالات الطوارئ في الأوقات التي تهدأ فيها الرياح أو لا تشرق فيها الشمس كثيرا.
وشكلت مصادر الطاقة المتجددة عقبة جديدة في طريق ألمانيا أيضا، حيث توفر مصادر الطاقة المتجددة الإنتاج الغزير المؤقت للطاقة في أستراليا وحتى كاليفورنيا، مما يطيح بمصادر الطاقة الأخرى والتي لا تزال ضرورية من أجل الحفاظ على إمدادات الطاقة المستقرة.
وفي جنوب أستراليا، حيث توفر الرياح أكثر من ربع الطاقة المطلوبة في المنطقة، فإن أسعار الكهرباء المرتفعة للغاية، عند هدوء هبوب الرياح، قد دفعت بالحكومة المحلية إلى مطالبة شركة «إنجي» للكهرباء والطاقة بالعودة مرة أخرى إلى محطات الطاقة العاملة بالغاز والتي كانت قد أغلقت من قبل.
ولكن فيما يبدو أن أكثر التطورات المثيرة للقلق ستكون في جهود مكافحة التغيرات المناخية، فإن مصادر الطاقة المتجددة تدفع بالطاقة النووية، وهي المصدر الرئيسي للطاقة الخالية تماما من الكربون في الولايات المتحدة الأميركية، إلى حافة الإفلاس.
وسوف تحسن الولايات المتحدة، والعالم بأسره، صنعا إذا ما أعادوا النظر في الوعود والقيود المفروضة على افتتانهم بمصادر الطاقة المتجددة.
يقول جان مازوريك، الذي يدير حملة الطاقة النظيفة لدى منظمة «كلايمت ووركس» المدافعة عن البيئة: «تتعلق هذه المسألة بكيفية إزالة الكربون تماما عن قطاع الكهرباء، في الوقت الذي نحافظ فيه على مصادر توليد الطاقة الكهربائية، وانخفاض التكاليف، وتفادي العواقب غير المقصودة التي قد تؤدي إلى زيادة الانبعاثات».
والتعامل مع هذه التحديات يتطلب منهجا أكثر ذكاء من مجرد ربط المزيد من مصادر الطاقة المتجددة بشبكات الطاقة المحلية.
وخلص تحليل صادر عن برنامج بلومبيرغ لتمويل الطاقة الجديدة، ووزع على نطاق محدود للغاية، إلى تقدير أن مفاعلات الطاقة النووية التي تنتج نحو 56 في المائة من الطاقة النووية في البلاد سوف تفقد قيمتها الربحية خلال السنوات الثلاث القادمة، وإذا ما تم التخلص من تلك المفاعلات واستبدالها بمولدات الطاقة العاملة بالغاز الطبيعي، فسوف تضخ كمية تقدر بـ200 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون في غلافنا الجوي كل عام.
ويقع أغلب اللوم في ذلك على اقتصاديات الطاقة النووية، فهي لا يمكنها التنافس مع الغاز الطبيعي الرخيص. ومعظم المفاعلات في البلاد تفقد ما بين 5 إلى 15 دولارا لكل ميغاواط/ساعة، وفقا للمحللين.
ولا تحدد الأسواق بمفردها مصير الطاقة النووية، رغم ذلك، حيث يركز صناع السياسات على تفضيل مصادر الطاقة المتجددة على أي مصادر أخرى – ويدعمون وبشدة مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ويضعون الأهداف القانونية لتوليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة – وهم بذلك يساهمون وبشدة في القضاء على صناعة الطاقة النووية برمتها. وفي مواجهة النفور الشعبي الشديد، فإنهم يتركون الطاقة النووية لمصير التدهور والانزواء. وكما كتب ويل بويسفرت في تحليله لصالح منظمة «التقدم البيئي»، وهي من المنظمات البيئية التي تدافع على الطاقة النووية، فإن مشكلات تلك الصناعة يمكن معالجتها عن طريق توفير مستويات أصغر من الدعم عن تلك المتوفرة في المعتاد لمصادر الطاقة المتجددة. والائتمان الضريبي الفيدرالي لإنتاج مزارع طاقة الرياح، على سبيل المثال، تقدر بـ23 دولار لكل ميغاواط/ساعة، وهو رقم أكبر من الرقم الذي تحتاجه مولدات الطاقة النووية كي تصل إلى نقطة التعادل مع الطاقة المتجددة. تسلط مشكلات المولدات النووية الضوء على العواقب غير المقصودة لسياسات القوة المفرطة من أجل تعزيز المزيد والمزيد من الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة داخل الشبكات. وتلك السياسات تفعل ما هو أكثر من مجرد تعريض صناعة الطاقة النووية للخطر. حيث يمكنهم على هذا النحو من التسبب في انتكاسة كبرى في جهود مكافحة التغيرات المناخية. وتضرب ولاية كاليفورنيا، التي من المتوقع أن تحصل مولدات الطاقة فيها على نصف احتياجاتها من الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، مثالا جيدا لتلك المشكلة، وهو يعرف باسم «منحنى البطة»، ويُظهر ما الذي يفعله إضافة مصادر الطاقة المتجددة على شبكات الكهرباء المحلية بالنسبة للطلب على مصادر الطاقة الأخرى، وهو أمر أشبه بالبطة البطيئة. ومع تغذية الشبكة بالمزيد من الطاقة الشمسية، فسوف يؤدي الأمر في النهاية إلى أن تحل محل البدائل، حيث إن الوات الإضافي المستمد من أشعة الشمس لا يكلف شيئا، ولكن الشمس لا تشرق بصورة متساوية في كافة الأوقات، وفي فترة الظهيرة، عندما تكون أشعة الشمس في أوج قوتها، تكون الحاجة منخفضة للغاية للطاقة المستمدة من المفاعلات النووية، أو حتى من الغاز الطبيعي أو الفحم، ولكن في الساعة السابعة مساء، عندما يعود الناس إلى منازلهم ويبدأون في تشغيل أجهزتهم المنزلية، تكون الشمس قد شرعت في الغروب، وتكثيف الاعتماد في هذا الوقت على مصادر الطاقة البديلة يكون لا غنى عنه لأحد.
وتكمن المشكلة في أن المفاعلات النووية، وحتى المولدات العاملة بالغاز والفحم، لا يمكنها التبديل بين التشغيل والإيقاف بصورة تلقائية أو مستمرة، وما يحدث هو أنه في منتصف النهار تترك تلك المولدات للشبكة استهلاك طاقاتهم، وليس من المستغرب، أن يؤدي ذلك إلى تآكل ربحية المولدات النووية، وربما يؤدي إلى الدفع بها خارج نظام الطاقة بأكمله.
> كيف سيكون وضع استراتيجية الطاقة المتجددة في المستقبل؟
إن الحصول على المزيد من الطاقة من مصادرها المتجددة عند تمام الساعة السابعة مساء سوف يعني بناء القدرات الزائدة عن فترة الظهيرة، وبالتأكيد، فإن تغطية كامل احتياجات الطاقة من المصادر المتجددة سوف يتطلب بناء القدرات التي تساوي عدة أضعاف الطلب خلال منتصف النهار والحفاظ عليها في وضع الإيقاف للكثير من الوقت.
لا تعتبر التقلبات اليومية هي نهاية المشاكل، فطاقة الرياح وأشعة الشمس تتغير بتغير المواسم أيضا. والأكثر من ذلك، فإن التغيرات المناخية سوف تؤدي إلى تغيرات في الطاقة المستمدة منهما وتصبح مصادر تلك الطاقة موسمية بصورة غير متوقعة، وبالنظر في مدى التكاليف التي تفرضها مزارع طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية، فمن المنطقي أن نعيد النظر في الاستراتيجية التي تقضي على مصدر الطاقة الخالي تماما من الكربون والذي يمكن أن يكون متوفرا في كل الأوقات.
ويشير تقرير نشر الشهر الماضي بواسطة مجلس المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض إلى أن هناك مساحة للمزيد من مصادر الطاقة المتجددة على الشبكة، والتقنيات الجديدة - المعنية بتخزين الطاقة مع سخونة أشعة الشمس أو مشاركتها عبر مناطق أوسع - قد يفرد المجال لوجود أكبر لمصادر الطاقة المتجددة.
ولكن هناك حدود، كما يقول كينيث جيلينغهام، الخبير الاقتصادي لدى جامعة ييل الأميركية ومؤلف التقرير المشار إليه «هناك تكلفة التكامل الحقيقية من مصادر الطاقة المتجددة، وتلك التكاليف صغيرة للغاية حتى الآن». وتتصاعد في ألمانيا مستويات الانبعاثات الكربونية، حيث حلت مصادر الطاقة المتجددة محل الطاقة النووية وعلى نطاق واسع، حتى مع أن الشعب الألماني يدفع أعلى معدلات لاستهلاك الكهرباء في أوروبا. وفي جنوب أستراليا، فإن استراتيجية الاعتماد الكلي على طاقة الرياح باتت تواجه خسائرة معتبرة. وفي ولاية كاليفورنيا، فإن تكاليف مصادر الطاقة المتجددة الباهظة باتت واضحة للعيان.
لم ينقض مصير الطاقة النووية بعد، ففي ولاية نيويورك، فإن مخاوف الإغلاق الوشيك للمفاعلات النووية الثلاثة الواقعة في شمال الولاية من شأنها تعريض التخفيف من آثار التغيرات المناخية للخطر قد أقنع مكتب حاكم الولاية أندرو كومو بتمديد الإعانات المالية المتوفرة والمماثلة لتلك الممنوحة لمصادر الطاقة المتجددة، من أجل المحافظة على استمرار عمل تلك المفاعلات. وحتى في كاليفورنيا، حيث لا تجد الطاقة النووية أي أصدقاء على الإطلاق، فإن مفاعل ديابلو كانيون، وهو آخر المفاعلات النووية الباقية هناك، من المتوقع أن يظل مفتوحا لمدة عشر سنوات أخرى على أقرب تقدير.
ومع ذلك، تتوقع كل من ولايتي نيويورك وكاليفورنيا التخلص النهائي من مفاعلات الطاقة النووية بالكامل. ويضع تحليل صادر عن بلومبيرغ تكاليف استبدال مفاعل ديابلو كانيون الخالي تماما من الكربون في مقابل الطاقة الشمسية عند مستوى 15 مليار دولار. ومن الأفضل إنفاق هذا المبلغ الكبير على استبدال مصادر الطاقة المستمدة من الفحم الكربوني.
والتخلص من مصادر الطاقة النووية يجعل وبوضوح المعركة ضد التغيرات المناخية أكثر صعوبة. ولكن ليس ذلك هو الأمر الأكثر إثارة للقلق، ماذا لو أن العالم اكتشف في نهاية المطاف أن مصادر الطاقة المتجددة لا يمكنها القيام وحدها بهذه المهمة؟ يقول السيد مازوريك «إنني قلق بشأن الإغلاق النهائي، فإذا أخفق الأمر ولم ينجح، ليس لدى مناخ الأرض فرصة أخرى للبدء من جديد».
* خدمة «نيويورك تايمز»



صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.