«الطلاق» البريطاني ـ الأوروبي .. إلى أين؟

تباين في الاتحاد الأوروبي حيال أسلوب التعامل مع لندن في «استفتاء الخروج»

«الطلاق» البريطاني ـ الأوروبي .. إلى أين؟
TT

«الطلاق» البريطاني ـ الأوروبي .. إلى أين؟

«الطلاق» البريطاني ـ الأوروبي .. إلى أين؟

طوت بريطانيا، إذن صفحة الصراع بين دعاة البقاء في الاتحاد الأوروبي والخروج منه بانتصار دعاة الخروج، ودفع رئيس الوزراء البريطاني (السابق الآن) ديفيد كاميرون الثمن بمغادرته مقر رئيس الحكومة 10 داونينغ ستريت، مستقيلاً من منصبه، وتولي تيريزا ماي قيادة الدفة في البلاد. وبالفعل لم تضع وزيرة الداخلية السابقة وقتها، بعيد فوزها بزعامة حزب المحافظين بالتزكية في أعقاب انسحاب منافسيها قبل التصويت، وإجرائها تعديلاً وزاريًا واسعًا وضعت فيه بصماتها على فريقها الحكومي. والآن تعيش بريطانيا مرحلة العد العكسي لعملية التفاوض حول آليات الخروج وتفاصيله. وهذه العملية مرتبطة بشكل أساسي بضرورة تقديم لندن طلبًا رسميًا بهذا المعنى، بموجب ما ورد في المادة 50 من معاهدة لشبونة.

حتى الآن يمكن القول إن الصورة غير واضحة حول توقيت إطلاق مفاوضات «الطلاق البريطاني الأوروبي»، لأنه عقب الاستفتاء، قال ديفيد كاميرون إن المفاوضات ستكون مهمة الحكومة الجديدة اعتبارًا من الخريف المقبل. أما رئيسة الوزراء الجديدة ماي فكانت قد صرّحت في وقت سابق بأن التفاوض قد ينطلق في مطلع العام المقبل 2017، مع العلم بأن هذا أمر رفضت المفوضية الأوروبية التعليق عليه، مؤكدة على الموقف المعلن في قمة بروكسل الأخيرة، بضرورة تقديم لندن طلبًا رسميًا للخروج، وتحديد موعد للتفاوض في أسرع وقت ممكن وذلك وفقًا للمادة 50 من المعاهدة الأوروبية.
وفي تصريحات لـ«الشرق الأوسط» قال ديفيد هيلبورن، مدير مؤسسة شومان لخطط مستقبل المشروع الأوروبي، ومقرها العاصمة البلجيكية والأوروبية بروكسل، «إنها صدمة للنظام الأوروبي الذي وقع في أخطاء كثيرة خلال السنوات الماضية، شكلت بعض أسباب ما وصلت إليه الأمور الآن». وأردف: «لكنني أعتقد أن مسار خروج بريطانيا سيستغرق وقتًا، وستكون هناك ملفات معقدة سياسية وقانونية مرتبطة بالموضوع»، منوها بأن الاتفاقية الأوروبية تضمنت تفاصيل التحرك في هذا الاتجاه، وفقا للمادة 50 من معاهدة الاتحاد الأوروبي.

حقيقة المادة 50

ولكن ما المادة 50 في اتفاقية الاتحاد الأوروبي؟ إنها مادة سارية المفعول منذ 2009، غير أنها لم تُختبر حتى الآن، وهي تسمح للحكومات بالإخطار عن نيتها بالمغادرة. وحينئذ تبدأ المباحثات بشأن عدد من القضايا بين الدولة الراغبة في الخروج وبقية الأعضاء الآخرين، وفي حال تعذّر التوصل إلى اتفاق، فستتوقف العضوية تلقائيا بعد سنتين من الإخطار. والمادة ليست إلا إطارًا أساسيًا للمغادرة وتحديد التاريخ وعدد من القضايا الأخرى. وهي لا تشمل تلقائيًا قضايا مثل حركة الأشخاص والتجارة، التي قد تستغرق سنوات للتوصل بشأنها إلى اتفاق.
القصد إذن أن الخطوة الأولى تقضي بأن تبادر الحكومة البريطانية (الجديدة) بتقديم طلب للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، سواءً من خلال لجنة أو المجلس الأوروبي، كتابيًا أو شفاهيًا، تعرب فيها عن نيتها تفعيل المادة 50 من الاتفاقية. وبعد تقديم الطلب، يصار إلى عقد اجتماع لدول الاتحاد الـ27 لمناقشة أمر الخروج، ومن هنا تبدأ المفاوضات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي. يعقب ذلك تقديم مسوّدة لاتفاق خروج إلى المجلس الأوروبي لمناقشتها، وهذه المسودة تحتاج إلى موافقة ما لا يقل عن 20 دولة، بما يعادل 65 في المائة من شعوب دول الاتحاد الأوروبي. وخلال المفاوضات، ستطالب بريطانيا باتفاق انتقالي لمواطني الاتحاد من أراضيها، وكذلك للمواطنين البريطانيين في الدول الأخرى، كما سيجري تغيير حالة المصارف (البنوك) والشركات الأوروبية الموجودة في لندن، وكذلك اتفاقيات الصحة، بحسب ما ذكر موقع «بوليتيكو» الأوروبي. ومن ثم، فلن تتضمن المفاوضات فقط فكرة خروج بريطانيا، ولكنها بالتأكيد ستؤسس لعلاقة مستقبلية جديدة بين بريطانيا والكيان الأوروبي، بينما يسمح لهم بالتعامل السياسي والاقتصادي كطرفين فاعلين في العالم.

المفاوضات والمصالح

بطبيعة الحال، سيحاول المفاوضون البريطانيون الذين سيقودهم الوزير الجديد ديفيد ديفيس - الذي أسّست له رئيسته ماي حقيبة متخصّصة دورها الوحيد العملية التفاوضية الخاصة بالخروج - التوصل إلى اتفاق يسمح لهم بأفضل الامتيازات بالنسبة لهم، ووفقا لما يمكن أن تقبله دول الاتحاد. وفي المقابل، سيحاول مفاوضو الاتحاد الأوروبي الإبقاء على بعض الامتيازات الاقتصادية التي ستسمح باستمرار عمل مصارفه وشركاته داخل بريطانيا. وأولى الخطط المطروحة لبحث مستقبل البريطانيين مع الاتحاد هي محاولة التوصل لاتفاق يجعل من حق بريطانيا الحصول على عدد من الامتيازات في علاقة دول غير أعضاء مع الاتحاد، مثل تركيا والنرويج وسويسرا، أو وضع قانون تبادل تجاري على غرار مسوّدة منظمة التجارة العالمية. وفي حال الموافقة، سيتولى البرلمان الأوروبي المُصادقة على المسوّدة، أما في حال تعذّر الاتفاق، فسيُصار إلى بحث فكرة مدّ المفاوضات لفترة أخرى لكن بعد موافقة جميع الدول الأعضاء. وستكون هذه المفاوضات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي معقّدة ومتشابكة وسيتبعها الكثير من تغيير السياسات واللوائح في كلا الطرفين، لا سيما فكرة الإنفاق والمساعدات الخارجية وحرية التجارة والسياسة الخارجية.
في حالة إعلان مد المفاوضات من جديد، ستتخذ الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي قرارًا بوقف عمل المعاهدات الأوروبية في بريطانيا، وستستكمل جميع الأطراف مفاوضات إجراءات الخروج. وبعد التوصل إلى تفاق نهائي وتفاهم على جميع النقاط، يعلن الاتحاد الأوروبي خروج بريطانيا من عضويته، ويليه إلغاء البرلمان البريطاني قانون الجماعات الأوروبية 1972، وهو قانون خاص ببريطانيا يسمح بتداخل قانون الاتحاد الأوروبي بالقوانين الداخلية للمملكة، لا سيما فيما يتعلق بالاقتصاد. إذا ما أرادت بريطانيا العودة مجددا للاتحاد الأوروبي، فسيكون عليها تقديم ملفها مثل أي دولة أخرى، ومن ثم يفتح باب التفاوض من جديد.
وفيما وُصف بأنه جسّ نبض بريطاني، ورد في تصريحات صدرت في لندن حول إمكانية إجراء مفاوضات «غير رسمية»، قال لـ«الشرق الأوسط» مصدر داخل المؤسسات الاتحادية في بروكسل (فضّل التكتم على اسمه): «إن موقف الاتحاد الأوروبي واضح في هذا الشأن»، وأضاف أن رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر ورئيس مجلس الاتحاد الأوروبي دونالد توسك «عبّرا بشكل واضح عن الموقف الأوروبي الجماعي من جانب قادة دول الاتحاد الـ27 في قمتهم الأخيرة، عندما شدّدا على أنه لا إطلاق للمفاوضات مع لندن قبل التقدم بطلب رسمي للخروج». ولفت المصدر إلى ما جاء على لسان يونكر من أنه «أصدر تعليمات لأعضاء المفوضية وكبار المسؤولين فيها بألا يفاوضوا أو يقدموا معلومات حول هذا الملف».

تباين أوروبي

غير أن ثمة تباينًا ظهر في مواقف العواصم الأوروبية خلال الفترة الماضية حيال إجبار بريطانيا على تقديم الطلب في أسرع وقت ممكن أو إعطائها فرصة من الوقت ولكن دون مماطلة. فبعد ظهور نتيجة الاستفتاء البريطانية رأت لمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل «أنه لا حاجة لكي يكون الاتحاد الأوروبي قاسيًا بأي طريقة من الطرق» في مفاوضاته مع بريطانيا بشأن خروجها من الكتلة الأوروبية. وشدّدت على أن ردع الدول الأخرى من مغادرة الاتحاد يجب ألا يكون أولوية في المفاوضات، مضيفة أنها لا تفضل الدفع في الانسحاب السريع لبريطانيا. وجاء كلام ميركل بعدما حثّ عدد من وزراء الخارجية الأوروبيين، من بينهم وزير خارجية ألمانيا، بريطانيا على الإسراع في تنفيذ خروجها.
ميركل قالت إنها تسعى إلى إيجاد مناخ «موضوعي وجيد في المفاوضات (مع لندن) التي يجب أن تجرى بصورة مناسبة ولائقة». وهذا الموقف المعتدل يخالف موقف وزير الخارجية الألماني فرانك - فالتر شتاينماير (زعيم الحزب الديمقراطي الاجتماعي/ الاشتراكي) شريك حزب ميركل الديمقراطي المسيحي في الائتلاف الألماني الحاكم، الذي حث على بدء المفاوضات «في أسرع وقت». وجاء كلام شتاينماير عقب اجتماع طارئ للدول الست المؤسسة للاتحاد الأوروبي لبحث القرار.
وفي وقت سابق أيضًا، صرّح الرئيس الإستوني توماس هندريك، لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، بأنه لا يعتقد «بوجود أي إمكانية قانونية لإجبار بريطانيا على الإسراع في عملية الخروج». وأردف: «أتفهّم أنه من الصعب للغاية لرئيس الوزراء ديفيد كاميرون، الذي كان يعارض الخروج من الاتحاد الأوروبي، أن يمضي الآن قدما للقيام بهذا. ولذا أعتقد أنه يجب علينا أن نمنحهم وقتا، والسماح لهم بأن يقرروا مدى السرعة التي يريدونها لإنجاز ذلك».
أما رئيس المفوضية يونكر، ورغم موقفه المتصلب فإنه اعتبر تقدم لندن طلبًا رسميًا البداية الضرورية، ولكن بعد ذلك «يمكن أن تبدأ مفاوضات تستغرق سنتين من أجل التوصل إلى اتفاق بين الجانبين». ومما قاله يونكر إنه قبل التفاوض مع بريطانيا حول مغادرة الاتحاد «اختفى من قادوا عملية الخروج»، وأضاف في مداخلة له أمام البرلمان الأوروبي: «إن البطل الحقيقي يبقى على ظهر السفينة حين تواجه عواصف أو مخاطر»، وأبدى استياءه من امتناع لندن بعد الاستفتاء عن طرح أي مقترحات ملموسة، معلقًا: «أتفهّم الإحباط الموجود الذي يحتاج إلى بعض الوقت، ولكن هذا لا يمنع إمكانية تقديم خطط للتحرك».
من جانبه اعتبر توسك، رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي، أن الأحداث التي جرت في الفترة الماضية «أنتجت الكثير من المشاعر السلبية، ولكن لا يجوز الاستسلام لهذه المشاعر، بل يجب المحافظة على القدرة على إجراء تقييمات واقعية واتخاذ قرارات عقلانية». وقال توسك أمام أعضاء البرلمان الأوروبي: «إن هناك استعدادًا من اليوم لبدء التفاوض مع لندن حول طلاق ودي.. وسنقف في هذه العملية التفاوضية بحزم على أسس المعاهدات التي خصّصت لمثل هذه الحالة». وأوضح توسك أن المعاهدات واضحة في التعامل مع الأمور المرتبطة بخروج أي من الدول الأعضاء الراغبة في ذلك. وشدد على أن الاتحاد لا ينوي بدء أي مفاوضات حول مستقبل العلاقة بل سيتحدد شكل العلاقات في المستقبل بناء على التوازن بين الحقوق والواجبات. وإذا كان هناك تضارب في المصالح سيعمل الاتحاد من أجل مصلحته.
وأعرب توسك عن إحباطه بسبب «التعليقات الحادة ضد مؤسسات الاتحاد التي من شأنها تعميق الارتباك»، وحث عواصم الدول الأعضاء على «الكف عن توجيه الاتهامات للمؤسسات الاتحادية وعدم التركيز على نقاط الفشل والضعف»، داعيًا لتوحيد «الجهود للاتفاق على المصلحة المشتركة بدلا من المصالح الفردية».

مرحلة الشكوك

القمة الأوروبية الأخيرة التي استضافتها بروكسل أشارت إلى آليات تفعيل هذا الخروج في أسرع الآجال من أجل تفادي «مرحلة الشكوك»، وفق دونالد توسك. ومن جهة ثانية، بدأت سلوفاكيا في يوليو (تموز) الحالي فترة الرئاسة الدورية للاتحاد التي تستمر حتى نهاية العام، وثمة من يتوقع أن تكون المفاوضات المرتقبة صعبة ومعقدة بين لندن وبروكسل في ظل قيادة سلوفاكيا للاتحاد. أما على الجانب البريطاني، فستقود تيريزا ماي الفريق البريطاني، بصفتها رئيسة الحكومة، ومعها ديفيد وزير «الخروج من أوروبا»، ووزير الخارجية الجديد بوريس جونسون الذي كان أحد قادة حملة الخروج قبل الاستفتاء التاريخي الذي صوّت لصالح الخروج بفارق ضئيل.
حسب تقارير إعلامية غربية فإن ماي ضمنيًا من «المشككين» في المشروع الأوروبي، إلا أنها فضلت مطلع العام البقاء وفية لرئيس الحكومة كاميرون. ثم انضمت إليه في الدفاع عن البقاء داخل الاتحاد الأوروبي، بيد أنها لم تبذل جهودًا كبيرًا في هذا الإطار، وواصلت الكلام عن ضرورة الحد من تدفق المهاجرين، مما قربها من معسكر دعاة الخروج. وللعلم، تعد ماي، النحيفة الطويلة القامة ذات الشعر الرمادي القصير، أقرب إلى التيار اليميني المحافظ داخل حزب المحافظين الحاكم، رغم طرحها بعض المواضيع الاجتماعية لجذب المؤيدين.

ماي.. الحازمة

وإبان توليها حقيبة وزارة الداخلية منذ عام 2010 انتهجت خطًا متشددًا؛ أكان في تعاطيها مع المنحرفين أو المهاجرين غير الشرعيين أو الدعاة الإسلاميين المتشددين. وإذا كان البعض يأخذ عليها افتقارها إلى الجاذبية، فإنهم يقرّون لها بالكفاءة بل يرون فيها بعض التسلط. وحسب جريدة «ديلي تلغراف» البريطانية المحافظة فهي «قادرة على أن تكون حازمة جدًا»، وهو ما شجّع البعض على تلقيبها بـ«مارغريت ثاتشر الجديدة». لكنها في الحقيقة أقرب إلى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، فوالدا الزعيمتين قسّان، وهما محافظتان وعمليتان منفتحتان للتسويات، ولم ترزقا بأولاد.
وحول «الحزم» وصفت ماي نفسها ذات مرة قائلة: «أنا لا أتجول بين محطات التلفزيون، ولا أحب الثرثرة خلال الغداء، ولا أحتسي الكحول في حانات البرلمان، ولا أوزّع العواطف المجانية. أنا أقوم بعملي لا أكثر ولا أقل».
وعندما قال عنها النائب والوزير المحافظ السابق كينيث كلارك إنها «صعبة فعلاً»، ردّت عليه مازحة: «أول من سيلاحظ ذلك جان كلود يونكر» في إشارة إلى مفاوضات الخروج المتوقعة مع رئيس المفوضية الأوروبية.
ولم يعلق المتحدث باسم المفوضية ماغريتس شيناس، على تصريحات سابقة لماي عن أن تفعيل المادة 50 قد لا يتم قبل العام المقبل، لكنه أوضح أنه «لا أحد يستطيع تفعيل هذه المادة إلا الدولة الراغبة بالخروج من الاتحاد». وبشأن تلميحها إلى تشددها كمفاوضة مع الأوروبيين، قال شيناس «سأرد بالطريقة ذاتها، وأقول إن رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، قادر على المواجهة».
على صعيد ثانٍ، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز إن «الرسالة كانت واضحة جدًا من القادة الأوروبيين إلى حكومة كاميرون والشعب البريطاني». واستطرد شولتز على هامش القمة: «انظروا إلى الاضطرابات التي حدثت في الأسواق المالية والتأثير على الاستثمار، وأيضًا إلى توقّعات وكالات التصنيف وغيرها، وكذلك انخفاض سعر الجنيه. إنها أكبر رد على الاستفتاء والنتائج، والمطلوب الآن من حكومة كاميرون التحرك بسرعة للخروج من الاتحاد. نحن نتفهم أنه يحتاج إلى عدة أسابيع، ولكن بعدها يجب أن ينفذ متطلّبات الاستفتاء وبدء التفاوض على المغادرة». وردّ رئيس البرلمان كل المزاعم القائلة بإمكانية تراجع لندن عن موقفها، قائلاً: «نتائج الاستفتاء واضحة، مع أنها جاءت عكس ما كنا نتمناه، والآن يتعين احترام إرادة الشعب البريطاني وقراره السيادي».
وفي المقابل، قال زعيم اليمين البلجيكي المتشدد فيليب ديونتر في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» عقب نتائج الاستفتاء البريطاني: «أنا سعيد جدًا ومن مؤيدي الاستفتاء ونتائجه، خصوصًا أنه خلال السنوات الأخيرة عرفت الدول الأوروبية المزيد من المهاجرين، والمزيد من الضرائب، والمزيد من القوانين الأوروبية التي لا تجد قبولاً لدى المواطنين.. ولهذا خرج البريطانيون وصوّتوا لصالح الخروج من عضوية التكتل الأوروبي الموحّد». وأضاف «يجب تنظيم استفتاء في بلجيكا بعدما حدث في بريطانيا. لقد وصف البريطانيون يوم التصويت بالخروج بيوم الحرية ويوم الاستقلال في بريطانيا، والآن أعتقد أن ثمة دولاً أخرى ستسير على الطريق نفسه، لأن الشعوب الأوروبية تحمّلت الكثير بسبب سياسات الاتحاد الأوروبي، خصوصًا أن هناك أمورًا لم تُدر بشكل ديمقراطي. لقد تحول المشروع الأوروبي الاقتصادي إلى مشروع سياسي، وتحول الاتحاد الأوروبي إلى كتلة من الدول حدودها مفتوحة وتستقبل أعدادًا كبيرة من اللاجئين والمهاجرين من دون مراقبة، لقد استعاد البريطانيون بلدهم، ونحن في بلجيكا نريد ذلك أيضًا، وكذلك في فرنسا وهولندا».



واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
TT

واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)

مع تراجع فرص التوصل إلى اتفاق يعيد إطلاق المفاوضات الأميركية - الإيرانية لوقف الحرب، عاد الكلام في واشنطن وطهران عن احتمال تصاعد الخيار العسكري، ولو تحت عناوين مختلفة عن الحملة السابقة التي بدأت يوم 28 فبراير (شباط) الماضي. لم يعد النقاش محصوراً في مصير البرنامج النووي أو حجم الأضرار التي لحقت بالقدرات العسكرية الإيرانية، بل انتقل إلى سؤال أوسع: من يملك الوقت فعلاً، ومن يستطيع تحويله إلى ورقة ضغط؟ وهنا يقول محللون إن إيران تراهن على أن إطالة الأزمة، وتعطيل مضيق هرمز، وتوسيع الألم الاقتصادي العالمي، والتعويل على الصين وروسيا و«بريكس»، عوامل قد تدفع الرئيس دونالد ترمب إلى تليين شروطه. غير أن هذا الرهان يصطدم بوقائع قوة وجغرافيا وعلاقات دولية لا تبدو في مصلحة طهران. فإيران التي تتكلّم عن «مكسب استراتيجي» في هرمز، وعن إدارة جديدة للممر البحري، تعاني عزلة إقليمية ودولية عميقة. وظهر هذا لا في تعاملها العدواني مع دول الخليج فحسب، بل أيضاً في «الصمت الدولي» الذي لم يتحوّل إلى موجة غضب واسعة ضد الولايات المتحدة، في حربها على ما يعدّه كثيرون في الغرب والمنطقة «نظاماً مارقاً» وداعماً للإرهاب والتطرّف والقلاقل.

لدى التمعّن في الوضع الراهن في الشرق الأوسط، ينبغي القول إنه لا يكفي أن تمتلك طهران أدوات تعطيل مؤلمة كي تصبح صاحبة اليد العليا. فالقوة لا تُقاس فقط بالقدرة على الإرباك، بل أيضاً بالقدرة على بناء تحالفات، وتحمّل الكلفة، ومنع الضغوط الخارجية من التحوّل إلى انفجار داخلي.

في المقابل، يدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذه المرحلة مستنداً إلى رصيد أوسع من عناصر القوة التي راكمتها إدارته منذ عودته إلى البيت الأبيض يوم 20 يناير (كانون الثاني) 2025: من الحرب التجارية والجمركية وإعادة رسم خريطة التوازن الدولي، إلى العملية العسكرية في فنزويلا، مروراً برعاية «وقف النار» في غزة، ووصولاً إلى قراره الاستراتيجي بإنهاء الدور الإقليمي الذي لعبته إيران لعقود. ولذا، قد لا تكون «لعبة الوقت» في يد طهران بالقدر الذي تفترضه.

«هرمز»: ورقة قوة أم فخ استراتيجي؟

يعلن الإيرانيون أنهم يتعاملون مع مضيق هرمز بعَدِّه الورقة الأكثر إيلاماً في يدهم. فالمضيق، الذي كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، تحوّل بعد الحرب، إلى بؤرة صراع سياسي واقتصادي وعسكري.

ولم تكتفِ طهران بتعطيل جزء كبير من حركة الملاحة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر كلامها عن «إدارة استراتيجية» للمضيق، وفرض رسوم على السفن العابرة، وربط إعادة فتحه بإنهاء الحصار الأميركي، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، والاعتراف بما تعدّه حقوقاً سيادية جديدة.

لكن البعض يرى أن قوة هذه الورقة تحمل خطراً على إيران نفسها؛ إذ كلما حاولت طهران تحويل هرمز إلى أداة ابتزاز عالمي، زادت قناعة خصومها بأن النظام الإيراني لم يعد مشكلة نووية أو صاروخية فحسب، بل غدا مصدر تهديد مباشر لأمن الطاقة والتجارة الدولية. وهذا يفسر، جزئياً، غياب التعاطف الدولي الواسع مع إيران، رغم الكلفة الاقتصادية للحرب. فالعالم قد يتضرّر من إغلاق هرمز، لكنه لا يرى بالضرورة في طهران ضحية، بل طرفاً يستخدم الجغرافيا لابتزاز الاقتصاد العالمي.

من جهة أخرى، الرهان على الصين لا يبدو مضموناً؛ فصحيح أن بكين هي المستورد الأكبر للنفط الإيراني، وأن زيارة ترمب إلى الصين جعلت ملف إيران حاضراً في مباحثاته مع شي جينبينغ، لكن بكين ليست حليفاً عقائدياً لطهران، بل قوة كبرى تقيس مصالحها بميزان التجارة والطاقة والاستقرار. بالتالي إذا كان تعطيل هرمز يهدّد النمو الصيني وسلاسل الإمداد، فإن بكين قد تمارس ضغطاً على إيران، لا دعماً مفتوحاً لها. أما عبور ناقلة صينية للمضيق بالتزامن مع زيارة ترمب، فيوضح أن طهران قد تمنح استثناءات، لكنه يوضح أيضاً أنها تحتاج للصين أكثر مما تحتاج الصين إليها.

إقليمياً، تبدو عزلة إيران أشد وضوحاً؛ فدول الخليج، التي دفعت أثماناً متكرّرة من سياسات إيران ووكلائها، لا تنظر إلى تشديد قبضتها على هرمز بوصفه دفاعاً مشروعاً، بل تهديداً مباشراً لأمنها الاقتصادي والسيادي. ولئن كانت بعض العواصم تتحفظ عن حرب مفتوحة أو طويلة، فهذا لا يعني أنها مستعدة لمنح طهران «شرعية» لإدارة المضيق أو مكافأتها على تعطيله.

الصواريخ الباقية لا تصنع نصراً

في المقابل، التقديرات الاستخباراتية الأميركية التي كشفت عنها الـ«نيويورك تايمز» عن بقاء نحو 70 في المائة من المخزون الصاروخي الإيراني، واستعادة طهران الوصول إلى معظم مواقعها عند مضيق هرمز، شكّلت ضربة للرواية الأميركية الرسمية التي تكلمت عن «تدمير» الجيش الإيراني، لكنها مع هذا لا تمنح طهران، تلقائياً، موقع المنتصر. فالاحتفاظ بقدرات عسكرية مهمة شيء، وتحويلها إلى استراتيجية رابحة شيء آخر.

تلك التقديرات كشفت عن أن الحملة الأميركية - الإسرائيلية لم تحقق كل أهدافها العسكرية، وأن الضربات على المنشآت المدفونة لم تكن حاسمة. لكنها كشفت أيضاً عن أن إيران خرجت من الحرب وهي مضطرة لاستخدام ما تبقى لديها من أوراق في ظروف أكثر صعوبة كاقتصاد منهك، وبنية تحتية متضررة، وقيادات مقتولة، وصادرات نفطية مضغوطة، وشارع داخلي مرشح للانفجار. وهكذا، فقدرة إيران على إطلاق الصواريخ، أو تهديد السفن، لا تعني أنها تستطيع تحمل حرب استنزاف مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا تعني أن «الصمود» سيتحول إلى نصر سياسي.

في أي حال، طهران ستحاول استثمار هذه التسريبات نفسياً وسياسياً. فهي تريد إقناع الداخل بأنها لم تُهزم، وإقناع الخارج بأن أي ضربة جديدة ستكون مُكلفة، وإقناع واشنطن بأن الحصار لا يكفي لإخضاعها. لكن السؤال الذي يتجنّبه الخطاب الإيراني هو: ماذا بعد؟ هل تستطيع إيران أن تعيش طويلاً في حالة «لا حرب ولا سلم»؟ وهل تستطيع إدارة مضيق هرمز كأداة ضغط من دون أن تدفع القوى الكبرى إلى التوافق ضدها؟ وهل تملك القدرة على منع الأزمة الاقتصادية من التحوّل إلى أزمة شرعية داخلية؟

من هنا، لا يبدو الكلام عن تدريبات «الحرس الثوري» و«الباسيج» في طهران مجرد رسالة ردع خارجية؛ فمشاركة «الباسيج»، بوصفه ذراعاً أمنية داخلية، توحي بأن النظام يستعد أيضاً لاحتمالات اضطراب داخلي أشدّ من الاحتجاجات التي شهدتها إيران في يناير الماضي. وهذا البُعد مُهم؛ لأن أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة، بل تزامن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي نابع من الفقر والتضخم والقمع وفقدان الأفق.

أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة

بل تزامُن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي داخلي



ضغوط الداخل لا تكفي لإرباك ترمب

اليوم تراهن إيران، كما فعلت قوى أخرى في مواجهات سابقة مع واشنطن، على أن الضغوط الداخلية الأميركية على ترمب، وبالذات ارتفاع أسعار الطاقة، واستنزاف الاحتياطي الاستراتيجي، وكلفة الحرب التي وصلت إلى عشرات المليارات، وتراجع شعبية الحرب في استطلاعات الرأي. هذه ضغوط حقيقية... لكن تحويلها إلى رهان على تراجع أميركي سريع قد يكون قراءة مبالغاً فيها.

فالانتخابات النصفية لا تشكل، حتى الآن، عاملاً حاسماً يُجبر ترمب على الانكفاء. وصحيح أن التقديرات قبل الحرب كانت تشير إلى «صعوبات» جمهورية، لكنها لم تكن حاسمة في القول إن الحزب سيخسر الكونغرس. ثم إن معركة إعادة رسم الخرائط الانتخابية الجارية في ولايات عدة - التي يخوضها الجمهوريون لتعزيز قدرتهم على الاحتفاظ بسيطرة مريحة أو منع تراجع موقعهم - تمنح الحزب هامشاً سياسياً إضافياً. وفوق ذلك، لا تزال سطوة ترمب على الجمهوريين قويّة بما يكفي لمنع تمرد واسع ضده في لحظة مواجهة كبرى مع إيران.

لقد ظهر هذا في فشل مجلس الشيوخ، للمرة السابعة، في تمرير إجراء يقيّد صلاحيات الرئيس العسكرية تجاه إيران، رغم انضمام بعض الجمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت. هذا لا يعني غياب القلق داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً لدى التيار الانعزالي أو الأكثر تشدداً في مسائل صلاحيات الحرب. لكنه يعني أن المؤسسات السياسية لم تنتج بعد كتلة قادرة على إجبار ترمب على التراجع.

بل حتى في أسوأ السيناريوهات الانتخابية، يستطيع ترمب التعايش مع كونغرس معارض، كما فعل في ولايته الأولى. والأهم أنه يرى نفسه قد أنجز معظم وعوده الكبرى منذ عودته إلى البيت الأبيض: كتشديد الحدود، وإعادة هندسة التجارة، وفرض الرسوم، واستعادة صورة الردع، والتحرّك عسكرياً خارج النمط التقليدي. بالتالي، قد يكون مستعداً لتحمل بعض الكلفة السياسية، كما صرح أخيراً، إذا كان البديل هو الظهور بمظهر مَن تراجع أمام إيران، خصوصاً أن خطابه يختزل المسألة في هدف واحد: منع طهران من امتلاك سلاح نووي.

الوقت يميل لصالح واشنطن لا طهران

جوهر المأزق أن كل طرف يعتقد أن الوقت يعمل لمصلحته. إيران ترى أن إطالة الأزمة سترفع أسعار الطاقة، وتزيد تململ الناخب الأميركي، وتدفع قوى دولية إلى توفير مظلة سياسية، وتثبت أن الحرب لم تكسر النظام. بينما ترى واشنطن أن الوقت يكشف عن العكس: إيران لا تزداد قوة، بل عزلة؛ اقتصادها لا يتعافى، بل يضيق؛ وأدواتها الإقليمية لا تمنحها شبكة حماية، بل ترسخ صورتها كقوة فوضى.

في هذا المعنى، قد تكون «لعبة الوقت» في يد ترمب - كما كرّر مراراً - أكثر مما هي في يد «المرشد» والمؤسسة الحاكمة في طهران. فواشنطن تستطيع إدامة الحصار البحري، وتشديد العقوبات، ومنع تعافي الصادرات النفطية، واستخدام الوجود العسكري في الخليج لرفع كلفة أي تحرك إيراني. كما تستطيع، عند الحاجة، تنفيذ ضربات محددة تحت عنوان عملية جديدة، سواء سُميت «التحرير بلَس» أو غير ذلك، لتأكيد أن مهلة «الغضب الملحمي» السياسية والقانونية انتهت، وأن واشنطن دخلت مرحلة أخرى، لتحقيق شرط مركزي: أن تقبل طهران بتقليص دورها النووي والإقليمي، أو تواجه جولة ضغط أشد.مع هذا لا يبدو أن خيارات ترمب خالية من الأخطار. فالذخائر الأميركية تعرّضت لاستنزاف كبير، وأي ضربة واسعة جديدة ستطرح أسئلة عن الجاهزية لمسرح آسيا وعن القدرة الصناعية على التعويض. ثم إن انفجاراً كبيراً في الخليج قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات يصعب سياسياً تجاهلها. لكن الفارق بين الطرفين أن واشنطن تدير «أزمة مُكلفة»، بينما تدير طهران «أزمة وجودية»؛ الأولى تخشى الاستنزاف وفوضى الأسواق، والثانية تخشى أن يؤدي الضغط الخارجي إلى تفكّك داخلي يهدد النظام، وربما وحدة الكيان نفسه إذا اتسعت التصدّعات القومية والاجتماعية والاقتصادية معاً.


باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

*تقاطعت آخر أوراق التفاوض التي تبادلتها طهران وواشنطن عبر الوسيط الباكستاني حول فجوة أساسية: فواشنطن تريد اتفاقاً يثبت نتائج الحرب ويحوّلها إلى قيود طويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني، بينما تريد طهران اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم تُترك القضايا النووية الأكثر حساسية لمسار تفاوضي لاحق. هنا دور إسلام آباد نفسه لم يبقَ خارج الجدل. إذ أثارت تسريبات عن إقدام طهران على نقل عدد من طائراتها إلى باكستان، تلافياً لتدميرها في الضربات الأميركية - الإسرائيلية، عدة أسئلة داخل واشنطن حول ما إذا كان الوسيط الباكستاني قادراً فعلاً على لعب دور محايد، أم إنه بات أقرب إلى قناة اضطرارية بين طرفين لا يثقان أحدهما بالآخر.

وفق ما تسرّب عن الورقة الأميركية، حملت واشنطن تصوّراً من 14 بنداً يطلب وقفاً طويلاً لتخصيب اليورانيوم قد يمتد إلى 20 سنة، وإخراج أو تفكيك مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، وتفكيك منشآت نووية رئيسية، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز ووقف استخدامه ورقة ضغط.

أما الرد الإيراني، الذي سُلّم عبر باكستان، فركّز على إنهاء الحرب أولاً، ورفع الحصار البحري والعقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، وضمان وقف الهجمات، مع استعداد محدود لبحث ترتيبات تتعلق باليورانيوم خلال نافذة تفاوضية قصيرة، من دون قبول تفكيك المنشآت أو التخلي الدائم عن حق التخصيب.

هذا التباعد دفع ترمب إلى اتهام طهران بالمماطلة وتضييع الوقت. فالإدارة الأميركية رأت في الرد الإيراني محاولة لقلب ترتيب الأولويات: وقف إطلاق النار والحصار أولاً، ثم التفاوض لاحقاً على جوهر الملف النووي. وبالنسبة إلى ترمب، يعني ذلك أن إيران تريد شراء الوقت، وترميم قدراتها، وتثبيت مكسبها في «هرمز»، لا تقديم تنازل استراتيجي.

مع ذلك يمكن توقع تجدد الاتصالات عبر الوسيط الباكستاني، لكن على الأرجح بصيغة «إدارة أزمة» لا مفاوضات حاسمة. فواشنطن لا تزال تحتاج إلى قناة مع طهران تمنع انهيار وقف النار كلياً، وتختبر إمكان انتزاع تنازلات نووية وأمنية، في حين تحتاج إيران إلى إبقاء المسار مفتوحاً لتخفيف تكلفة الحصار وتجنب ضربة جديدة. وبالفعل، أشار نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إلى وجود «تقدّم» في الاتصالات، رغم رفض ترمب الرد الإيراني الأخير بوصفه غير مقبول، ما يعني أن الباب لم يُغلق تماماً أمام القناة التفاوضية.


سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
TT

سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»

تحوّل السفير اللبناني السابق في واشنطن سيمون كرم خلال الأشهر الأخيرة من شخصية سياسية - دبلوماسية تنتمي إلى «الخط السيادي»، إلى رجل يقف في قلب واحدة من أكثر اللحظات مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. ذلك أن الرجل الذي عُيّن أولاً رئيساً للوفد اللبناني في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية «الميكانيزم» بعد حرب «إسناد غزة» عام 2024، عاد رئيس الجمهورية جوزيف عون وكلّفه لاحقاً برئاسة الوفد اللبناني في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. جاءت هذه الخطوة لدى انتقال لبنان من مرحلة تثبيت وقف إطلاق النار في حرب «إسناد إيران» التي فتح جبهتها «حزب الله» إلى مرحلة التفاوض السياسي المباشر تحت ضغط التهديدات الإسرائيلية والضغوط الأميركية.

في بلد لطالما كان ملف العلاقة مع إسرائيل أحد أكثر الملفات حساسيةً وانقساماً، يبدو السفير السابق سيمون كرم اليوم بالنسبة إلى كثيرين «رجل المرحلة»، ليس فقط لأنه يقود أول «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل يرأسها مدني لبناني منذ عام 1983، بل لأن مهمته قد تقود إلى إعادة رسم موقع لبنان السياسي بالكامل، وربما إلى اتفاق سلام أو ترتيبات طويلة الأمد تنهي عقوداً من الصراع المفتوح على الحدود الجنوبية.

من بلدة جزّين إلى مفاوضات واشنطن

وُلد سيمون كرم عام 1950 في بلدة جزّين بأقصى شمال جنوب لبنان، ودرس الحقوق في جامعة القديس يوسف (اليسوعية) قبل أن يمارس المحاماة. أما على صعيد الوظيفة العامة، فقد تولّى منصبَي محافظ البقاع ومحافظ بيروت مطلع عقد التسعينات، ثم عُيّن سفيراً للبنان لدى الولايات المتحدة عام 1992، حيث قدّم أوراق اعتماده للرئيس الأميركي جورج بوش «الأب»، قبل أن يستقيل بعد أقل من سنتين اعتراضاً على التدخلات السورية في القرار اللبناني.

وخلال عقد التسعينات أيضاً شارك السفير سيمون كرم مع الوزير السابق إدمون رزق - ونائب جزّين السابق - في تأسيس «لقاء جزّين أولاً»، الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، في وقت كانت القوات الإسرائيلية تسيطر على الشريط الحدودي وصولاً إلى مداخل جزّين، قبل انسحابها عام 2000.

اليوم، يجد سيمون كرم - وهو مسيحي ماروني طائفياً وجنوبي جغرافياً - نفسه في قلب واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ لبنان الحديث، حاملاً مهمة التفاوض مع إسرائيل وسط نار الحرب والانقسام الداخلي والضغوط الدولية. وللعلم، فإن كرم اليوم، في نظر لبنانيين كثر، «رجل سيادة» من منطلق اعتباره عنواناً لتحوّل سياسي كبير في لبنان. غير أن مهمته الجديدة تبدو أبعد بكثير وأهم بكثير من مجرّد رئاسة وفد تفاوضي.

وحقاً، في حال نجحت المفاوضات الحالية بالوصول إلى تفاهمات طويلة الأمد، قد يصبح كرم أحد أبرز الوجوه المرتبطة بتحول تاريخي في لبنان، وذلك عبر نقله البلاد من مرحلة الحروب المفتوحة إلى مرحلة التسويات وربما السلام. أما إذا فشلت، فقد يجد لبنان نفسه أمام جولة بل جولات جديدة من الصراع المفتوح، في منطقة تبدو على أبواب إعادة رسم كاملة لتوازناتها السياسية والأمنية.

من «الميكانيزم» إلى مفاوضات السلام

عندما عُيّن السفير سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني في لجنة «الميكانيزم» في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2025، كان الهدف المعلن متابعة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، لا سيما ما يتعلق بحصرية السلاح جنوب الليطاني. وجاء اختياره يومذاك بناءً على رغبة أميركية بإدخال شخصية مدنية إلى رئاسة الوفد اللبناني، في خطوة عكست اقتناعاً أميركياً بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مقاربة «سياسية - دبلوماسية» تتجاوز الإطار العسكري التقليدي.

إلا أن حرب «إسناد إيران» دفعت الأمور إلى مسار مختلف تماماً، بحيث لم يعُد أمام لبنان - حسب كثيرين - إلا خيار التفاوض المباشر الذي طرحه الرئيس جوزيف عون، ولاقى تجاوباً في وقت لاحق من واشنطن وتل أبيب.

بالفعل، بدأت المفاوضات باجتماعات لسفراء لبنان وأميركا وإسرائيل، وحضر الجلسة الثانية منها الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية بمشاركة رئيس الوفد السفير كرم، وسط كلام مزداد عن «ترتيبات» قد تتجاوز الجانب الأمني إلى تفاهمات سياسية أوسع، وربما إلى اتفاق سلام أو التهدئة طويلة الأمد التي تغيّر شكل العلاقة بين البلدين.

من هنا، لم يعُد كرم مجرّد رئيس لجنة تقنية لمراقبة وقف إطلاق النار، بل صار عنواناً لمرحلة سياسية كاملة، وإن كان وسط انقسامات داخلية في مقاربة المفاوضات المباشرة. فقد أعلن رئيس مجلس النواب نبيه برّي معارضته لها، على الرغم من تأكيد رئيس الجمهورية أن قراره اتُّخذ بعد التشاور معه ومع رئيس الحكومة نواف سلام، في حين لا يزال «حزب الله» يهاجم المفاوضات ويهدّد بأنه لن يكون معنياً بأي نتائج تصدر عنها.

هجوم «حزب الله»

بالفعل، منذ اللحظة الأولى لتعيين كرم رئيساً لوفد لبنان في «الميكانيزم»، شنّ «حزب الله» هجوماً شديداً عليه، معتبراً أن تعيين دبلوماسي مدني لرئاسة الوفد «خطيئة ثانية»... بعد قرار «حصرية السلاح».

ولكن بالنسبة إلى خصوم الحزب، فإن اختيار كرم لم يأت تفصيلاً إدارياً، بل جاء إشارةً واضحةً إلى طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلها لبنان، ومحاولة لإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية بعد سنوات طويلة من ربط «حزب الله» قرار الحرب بـ«المحور الإيراني».

«سيادي» من زمن «الوصاية السورية»

في واقع الأمر، لا يمكن فصل الدور الذي يلعبه سيمون كرم اليوم من دون العودة إلى خلفيته السياسية. فهو من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات، وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان» عام 1999، إلى جانب شخصيات مثل النائبين السابقين فارس سُعَيد وسمير فرنجية والشيخ هاني فحص، قبل أن يصبح أحد مؤسسي «قرنة شهوان» عام 2000، ثم ينخرط لاحقاً في «حركة 14 آذار» التي رفعت شعار «لبنان السيّد الحرّ المستقل».

ويقول فارس سُعيد إن تعيين كرم الذي بدأ في لجنة «الميكانيزم»، «يمثّل محطة سياسية غير عادية»، ثم يشير إلى أن «الخلفية السياسية المتراكمة للرجل جعلت اختياره للمفاوضات يلامس أكثر من مجرد دور تقني... وهو الذي ينتمي إلى بيت ماروني تاريخي خرّج شخصيات وطنية، وغلب فيه الخيار اللبناني على أي عصبية طائفية، وتميّز بالاستقامة الأخلاقية والصلابة الوطنية».

ويلفت سُعيد إلى «تميّز كرم خلال مسيرته الإدارية والدبلوماسية بمواقف حازمة»، مستذكراً عدة مواقف له، منها أنه «بعدما عين عام 1991 محافظاً للبقاع، اصطدم بسطوة غازي كنعان (رئيس فرع الأمن والاستطلاع في القوات السورية، آنذاك) ورفض لقاءه في عزّ أيام الوصاية السورية». ثم بعدما تولّى لاحقاً منصب سفير لبنان في واشنطن، اصطدم أيضاً في العاصمة الأميركية بمحاولات السفير السوري - حينذاك - وليد المعلّم (الذي أصبح وزير الخارجية لاحقاً) التأثير على قرار السفارة اللبنانية هناك، فما كان لكرم إلا أن اختار العودة إلى بيروت والاستقالة من مهامه والعودة إلى ممارسة مهنة المحاماة».

موقفه من إيران و«وحدة الساحات»

من ناحية أخرى، تكاد تكون تصريحات كرم وإطلالاته الإعلامية محدودة في الفترة الأخيرة باستثناء الصورة الانطباعية التي يوزّعها مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية بعد كل لقاء مع الرئيس عون منذ تعيينه رئيساً للوفد. وهي تظهر خلفية كرم السياسية بوضوح في مقاربته للحرب الأخيرة ولدور إيران في لبنان عبر مواقف سابقة له.

وفي مقال نشره كرم، بعد اندلاع حرب «إسناد غزة»، في صحيفة «نداء الوطن»، كتب متوجهاً إلى رئيسي الحكومة والنواب في ظل الفراغ الرئاسي آنذاك: «ماضياً تذرّعتم بوحدة المسار والمصير لتفويض سوريا، واليوم تتذرّعون بوقف العدوان على غزّة لتفويض إيران، تقرير مصير البلاد والعباد».

وأردف: «سياسة محور الممانعة منذ الانسحاب الإسرائيلي في ربيع 2000، ثمّ بعد حرب 2006، هي أنّ دور الدولة يجب أن يبقى شكليّاً في معادلة الحدود، وأن لا يقترب ولو قليلاً من الصلاحيات التي تتيح لهذه الدولة الالتزام بالمعاهدات الدولية». وواصل متابعاً: «ثمّ دار الزمن دورة، فثقلت وطأة وأثمان وحدة الساحات، وبانت استحالة أن تصل بالمنادين والعاملين بها سوى إلى ما وصلت إليه في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، فيما إيران مردوعة، تتفرّج على هذا الخراب العميم، فإذا بهم يدفعون ما تبقى من الدولة اللبنانية إلى المطالبة بالعودة إلى (اتفاقية الهدنة)، غير الممكنة التطبيق، إلا بامتلاك الجمهورية اللبنانية السلطة الكاملة والحصرية على كامل أرضها وعلى كل حدودها».

هذا، وسبق لكرم عن أعرب عن موقف مشابه في رفضه «زجّ لبنان في الحرب»، عندما ألقى كلمة خلال يوليو (تموز) 2025 خلال احتفال تكريم النائب الراحل حبيب صادق في إحدى قاعات جامعة القديس يوسف ببيروت. ولقد أزعجت الكلمة عدداً من الحاضرين المؤيدين لـ«حزب الله» ما أدى إلى انسحابهم من القاعة.

كرم قال في حينه: «إن شروط إنهاء الحرب (إسناد غزة) جاءت أفدح من الحرب، وما يزيد الأمور بشاعة أن الذين أذعنوا لوقف إطلاق نار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون ناراً سياسية وأمنية كثيفة على الداخل».

ثم أضاف: «يهاجمون الدولة لاعتمادها الخيار الدبلوماسي، وهو الوحيد المتاح بعد النكبة، ويهاجمون الجيش بحجة أنه عاجز عن حماية البلاد والناس، والقوات الدولية لسعيها تنفيذ القرارات الدولية، وسائر اللبنانيين إذا قالوا لهم: كفى!».

وطني رافض لأي احتلال أو وصاية

وفيما تكشف هذه المواقف طبيعة المقاربة التي يحملها كرم في مهمته التفاوضية اليوم، والتي يرى البعض أنه سيتعامل معها كجزء من معركة أوسع تتعلق بإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ومؤسساتها، يؤكد الوزير السابق بطرس حرب، الذي كان أحد أعضاء «قرنة شهوان» إلى جانب سيمون كرم، أن خلفية كرم السيادية ومعارضته لـ«حزب الله» قد تشكل عنصر قوة في المفاوضات الحالية، لا نقطة ضعف.

ويوضح حرب لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «يتمتع كرم بثقافة عالية جداً، ويفهم جيداً عقلية الإدارة الأميركية نتيجة تجربته السابقة كسفير للبنان في واشنطن، وهذا قد يساعده كثيراً في مفاوضات تحصل برعاية أميركية». ويتابع حرب: «وفي الوقت نفسه لا يوجد أي شك بوطنيته وتمسكه برؤية لبنان الرافضة لأي احتلال أو وصاية».

وعن تأثير مواقف كرم المعارضة لـ«حزب الله» على المفاوضات، يرر حرب بأن «هذا الأمر سيلعب دوراً إيجابياً في مهمة إعادة لبنان إلى مرحلة السلم وإنهاء الصراعات التي دفع لبنان ثمنها غالياً»، معتبراً أن «المشكلة ليست مع (حزب الله) بحد ذاته، بل مع خروجه عن الشرعية وجرّه لبنان إلى حروب لا قرار للبنانيين فيها ولا مصلحة لهم بها».