«الطلاق» البريطاني ـ الأوروبي .. إلى أين؟

تباين في الاتحاد الأوروبي حيال أسلوب التعامل مع لندن في «استفتاء الخروج»

«الطلاق» البريطاني ـ الأوروبي .. إلى أين؟
TT

«الطلاق» البريطاني ـ الأوروبي .. إلى أين؟

«الطلاق» البريطاني ـ الأوروبي .. إلى أين؟

طوت بريطانيا، إذن صفحة الصراع بين دعاة البقاء في الاتحاد الأوروبي والخروج منه بانتصار دعاة الخروج، ودفع رئيس الوزراء البريطاني (السابق الآن) ديفيد كاميرون الثمن بمغادرته مقر رئيس الحكومة 10 داونينغ ستريت، مستقيلاً من منصبه، وتولي تيريزا ماي قيادة الدفة في البلاد. وبالفعل لم تضع وزيرة الداخلية السابقة وقتها، بعيد فوزها بزعامة حزب المحافظين بالتزكية في أعقاب انسحاب منافسيها قبل التصويت، وإجرائها تعديلاً وزاريًا واسعًا وضعت فيه بصماتها على فريقها الحكومي. والآن تعيش بريطانيا مرحلة العد العكسي لعملية التفاوض حول آليات الخروج وتفاصيله. وهذه العملية مرتبطة بشكل أساسي بضرورة تقديم لندن طلبًا رسميًا بهذا المعنى، بموجب ما ورد في المادة 50 من معاهدة لشبونة.

حتى الآن يمكن القول إن الصورة غير واضحة حول توقيت إطلاق مفاوضات «الطلاق البريطاني الأوروبي»، لأنه عقب الاستفتاء، قال ديفيد كاميرون إن المفاوضات ستكون مهمة الحكومة الجديدة اعتبارًا من الخريف المقبل. أما رئيسة الوزراء الجديدة ماي فكانت قد صرّحت في وقت سابق بأن التفاوض قد ينطلق في مطلع العام المقبل 2017، مع العلم بأن هذا أمر رفضت المفوضية الأوروبية التعليق عليه، مؤكدة على الموقف المعلن في قمة بروكسل الأخيرة، بضرورة تقديم لندن طلبًا رسميًا للخروج، وتحديد موعد للتفاوض في أسرع وقت ممكن وذلك وفقًا للمادة 50 من المعاهدة الأوروبية.
وفي تصريحات لـ«الشرق الأوسط» قال ديفيد هيلبورن، مدير مؤسسة شومان لخطط مستقبل المشروع الأوروبي، ومقرها العاصمة البلجيكية والأوروبية بروكسل، «إنها صدمة للنظام الأوروبي الذي وقع في أخطاء كثيرة خلال السنوات الماضية، شكلت بعض أسباب ما وصلت إليه الأمور الآن». وأردف: «لكنني أعتقد أن مسار خروج بريطانيا سيستغرق وقتًا، وستكون هناك ملفات معقدة سياسية وقانونية مرتبطة بالموضوع»، منوها بأن الاتفاقية الأوروبية تضمنت تفاصيل التحرك في هذا الاتجاه، وفقا للمادة 50 من معاهدة الاتحاد الأوروبي.

حقيقة المادة 50

ولكن ما المادة 50 في اتفاقية الاتحاد الأوروبي؟ إنها مادة سارية المفعول منذ 2009، غير أنها لم تُختبر حتى الآن، وهي تسمح للحكومات بالإخطار عن نيتها بالمغادرة. وحينئذ تبدأ المباحثات بشأن عدد من القضايا بين الدولة الراغبة في الخروج وبقية الأعضاء الآخرين، وفي حال تعذّر التوصل إلى اتفاق، فستتوقف العضوية تلقائيا بعد سنتين من الإخطار. والمادة ليست إلا إطارًا أساسيًا للمغادرة وتحديد التاريخ وعدد من القضايا الأخرى. وهي لا تشمل تلقائيًا قضايا مثل حركة الأشخاص والتجارة، التي قد تستغرق سنوات للتوصل بشأنها إلى اتفاق.
القصد إذن أن الخطوة الأولى تقضي بأن تبادر الحكومة البريطانية (الجديدة) بتقديم طلب للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، سواءً من خلال لجنة أو المجلس الأوروبي، كتابيًا أو شفاهيًا، تعرب فيها عن نيتها تفعيل المادة 50 من الاتفاقية. وبعد تقديم الطلب، يصار إلى عقد اجتماع لدول الاتحاد الـ27 لمناقشة أمر الخروج، ومن هنا تبدأ المفاوضات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي. يعقب ذلك تقديم مسوّدة لاتفاق خروج إلى المجلس الأوروبي لمناقشتها، وهذه المسودة تحتاج إلى موافقة ما لا يقل عن 20 دولة، بما يعادل 65 في المائة من شعوب دول الاتحاد الأوروبي. وخلال المفاوضات، ستطالب بريطانيا باتفاق انتقالي لمواطني الاتحاد من أراضيها، وكذلك للمواطنين البريطانيين في الدول الأخرى، كما سيجري تغيير حالة المصارف (البنوك) والشركات الأوروبية الموجودة في لندن، وكذلك اتفاقيات الصحة، بحسب ما ذكر موقع «بوليتيكو» الأوروبي. ومن ثم، فلن تتضمن المفاوضات فقط فكرة خروج بريطانيا، ولكنها بالتأكيد ستؤسس لعلاقة مستقبلية جديدة بين بريطانيا والكيان الأوروبي، بينما يسمح لهم بالتعامل السياسي والاقتصادي كطرفين فاعلين في العالم.

المفاوضات والمصالح

بطبيعة الحال، سيحاول المفاوضون البريطانيون الذين سيقودهم الوزير الجديد ديفيد ديفيس - الذي أسّست له رئيسته ماي حقيبة متخصّصة دورها الوحيد العملية التفاوضية الخاصة بالخروج - التوصل إلى اتفاق يسمح لهم بأفضل الامتيازات بالنسبة لهم، ووفقا لما يمكن أن تقبله دول الاتحاد. وفي المقابل، سيحاول مفاوضو الاتحاد الأوروبي الإبقاء على بعض الامتيازات الاقتصادية التي ستسمح باستمرار عمل مصارفه وشركاته داخل بريطانيا. وأولى الخطط المطروحة لبحث مستقبل البريطانيين مع الاتحاد هي محاولة التوصل لاتفاق يجعل من حق بريطانيا الحصول على عدد من الامتيازات في علاقة دول غير أعضاء مع الاتحاد، مثل تركيا والنرويج وسويسرا، أو وضع قانون تبادل تجاري على غرار مسوّدة منظمة التجارة العالمية. وفي حال الموافقة، سيتولى البرلمان الأوروبي المُصادقة على المسوّدة، أما في حال تعذّر الاتفاق، فسيُصار إلى بحث فكرة مدّ المفاوضات لفترة أخرى لكن بعد موافقة جميع الدول الأعضاء. وستكون هذه المفاوضات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي معقّدة ومتشابكة وسيتبعها الكثير من تغيير السياسات واللوائح في كلا الطرفين، لا سيما فكرة الإنفاق والمساعدات الخارجية وحرية التجارة والسياسة الخارجية.
في حالة إعلان مد المفاوضات من جديد، ستتخذ الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي قرارًا بوقف عمل المعاهدات الأوروبية في بريطانيا، وستستكمل جميع الأطراف مفاوضات إجراءات الخروج. وبعد التوصل إلى تفاق نهائي وتفاهم على جميع النقاط، يعلن الاتحاد الأوروبي خروج بريطانيا من عضويته، ويليه إلغاء البرلمان البريطاني قانون الجماعات الأوروبية 1972، وهو قانون خاص ببريطانيا يسمح بتداخل قانون الاتحاد الأوروبي بالقوانين الداخلية للمملكة، لا سيما فيما يتعلق بالاقتصاد. إذا ما أرادت بريطانيا العودة مجددا للاتحاد الأوروبي، فسيكون عليها تقديم ملفها مثل أي دولة أخرى، ومن ثم يفتح باب التفاوض من جديد.
وفيما وُصف بأنه جسّ نبض بريطاني، ورد في تصريحات صدرت في لندن حول إمكانية إجراء مفاوضات «غير رسمية»، قال لـ«الشرق الأوسط» مصدر داخل المؤسسات الاتحادية في بروكسل (فضّل التكتم على اسمه): «إن موقف الاتحاد الأوروبي واضح في هذا الشأن»، وأضاف أن رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر ورئيس مجلس الاتحاد الأوروبي دونالد توسك «عبّرا بشكل واضح عن الموقف الأوروبي الجماعي من جانب قادة دول الاتحاد الـ27 في قمتهم الأخيرة، عندما شدّدا على أنه لا إطلاق للمفاوضات مع لندن قبل التقدم بطلب رسمي للخروج». ولفت المصدر إلى ما جاء على لسان يونكر من أنه «أصدر تعليمات لأعضاء المفوضية وكبار المسؤولين فيها بألا يفاوضوا أو يقدموا معلومات حول هذا الملف».

تباين أوروبي

غير أن ثمة تباينًا ظهر في مواقف العواصم الأوروبية خلال الفترة الماضية حيال إجبار بريطانيا على تقديم الطلب في أسرع وقت ممكن أو إعطائها فرصة من الوقت ولكن دون مماطلة. فبعد ظهور نتيجة الاستفتاء البريطانية رأت لمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل «أنه لا حاجة لكي يكون الاتحاد الأوروبي قاسيًا بأي طريقة من الطرق» في مفاوضاته مع بريطانيا بشأن خروجها من الكتلة الأوروبية. وشدّدت على أن ردع الدول الأخرى من مغادرة الاتحاد يجب ألا يكون أولوية في المفاوضات، مضيفة أنها لا تفضل الدفع في الانسحاب السريع لبريطانيا. وجاء كلام ميركل بعدما حثّ عدد من وزراء الخارجية الأوروبيين، من بينهم وزير خارجية ألمانيا، بريطانيا على الإسراع في تنفيذ خروجها.
ميركل قالت إنها تسعى إلى إيجاد مناخ «موضوعي وجيد في المفاوضات (مع لندن) التي يجب أن تجرى بصورة مناسبة ولائقة». وهذا الموقف المعتدل يخالف موقف وزير الخارجية الألماني فرانك - فالتر شتاينماير (زعيم الحزب الديمقراطي الاجتماعي/ الاشتراكي) شريك حزب ميركل الديمقراطي المسيحي في الائتلاف الألماني الحاكم، الذي حث على بدء المفاوضات «في أسرع وقت». وجاء كلام شتاينماير عقب اجتماع طارئ للدول الست المؤسسة للاتحاد الأوروبي لبحث القرار.
وفي وقت سابق أيضًا، صرّح الرئيس الإستوني توماس هندريك، لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، بأنه لا يعتقد «بوجود أي إمكانية قانونية لإجبار بريطانيا على الإسراع في عملية الخروج». وأردف: «أتفهّم أنه من الصعب للغاية لرئيس الوزراء ديفيد كاميرون، الذي كان يعارض الخروج من الاتحاد الأوروبي، أن يمضي الآن قدما للقيام بهذا. ولذا أعتقد أنه يجب علينا أن نمنحهم وقتا، والسماح لهم بأن يقرروا مدى السرعة التي يريدونها لإنجاز ذلك».
أما رئيس المفوضية يونكر، ورغم موقفه المتصلب فإنه اعتبر تقدم لندن طلبًا رسميًا البداية الضرورية، ولكن بعد ذلك «يمكن أن تبدأ مفاوضات تستغرق سنتين من أجل التوصل إلى اتفاق بين الجانبين». ومما قاله يونكر إنه قبل التفاوض مع بريطانيا حول مغادرة الاتحاد «اختفى من قادوا عملية الخروج»، وأضاف في مداخلة له أمام البرلمان الأوروبي: «إن البطل الحقيقي يبقى على ظهر السفينة حين تواجه عواصف أو مخاطر»، وأبدى استياءه من امتناع لندن بعد الاستفتاء عن طرح أي مقترحات ملموسة، معلقًا: «أتفهّم الإحباط الموجود الذي يحتاج إلى بعض الوقت، ولكن هذا لا يمنع إمكانية تقديم خطط للتحرك».
من جانبه اعتبر توسك، رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي، أن الأحداث التي جرت في الفترة الماضية «أنتجت الكثير من المشاعر السلبية، ولكن لا يجوز الاستسلام لهذه المشاعر، بل يجب المحافظة على القدرة على إجراء تقييمات واقعية واتخاذ قرارات عقلانية». وقال توسك أمام أعضاء البرلمان الأوروبي: «إن هناك استعدادًا من اليوم لبدء التفاوض مع لندن حول طلاق ودي.. وسنقف في هذه العملية التفاوضية بحزم على أسس المعاهدات التي خصّصت لمثل هذه الحالة». وأوضح توسك أن المعاهدات واضحة في التعامل مع الأمور المرتبطة بخروج أي من الدول الأعضاء الراغبة في ذلك. وشدد على أن الاتحاد لا ينوي بدء أي مفاوضات حول مستقبل العلاقة بل سيتحدد شكل العلاقات في المستقبل بناء على التوازن بين الحقوق والواجبات. وإذا كان هناك تضارب في المصالح سيعمل الاتحاد من أجل مصلحته.
وأعرب توسك عن إحباطه بسبب «التعليقات الحادة ضد مؤسسات الاتحاد التي من شأنها تعميق الارتباك»، وحث عواصم الدول الأعضاء على «الكف عن توجيه الاتهامات للمؤسسات الاتحادية وعدم التركيز على نقاط الفشل والضعف»، داعيًا لتوحيد «الجهود للاتفاق على المصلحة المشتركة بدلا من المصالح الفردية».

مرحلة الشكوك

القمة الأوروبية الأخيرة التي استضافتها بروكسل أشارت إلى آليات تفعيل هذا الخروج في أسرع الآجال من أجل تفادي «مرحلة الشكوك»، وفق دونالد توسك. ومن جهة ثانية، بدأت سلوفاكيا في يوليو (تموز) الحالي فترة الرئاسة الدورية للاتحاد التي تستمر حتى نهاية العام، وثمة من يتوقع أن تكون المفاوضات المرتقبة صعبة ومعقدة بين لندن وبروكسل في ظل قيادة سلوفاكيا للاتحاد. أما على الجانب البريطاني، فستقود تيريزا ماي الفريق البريطاني، بصفتها رئيسة الحكومة، ومعها ديفيد وزير «الخروج من أوروبا»، ووزير الخارجية الجديد بوريس جونسون الذي كان أحد قادة حملة الخروج قبل الاستفتاء التاريخي الذي صوّت لصالح الخروج بفارق ضئيل.
حسب تقارير إعلامية غربية فإن ماي ضمنيًا من «المشككين» في المشروع الأوروبي، إلا أنها فضلت مطلع العام البقاء وفية لرئيس الحكومة كاميرون. ثم انضمت إليه في الدفاع عن البقاء داخل الاتحاد الأوروبي، بيد أنها لم تبذل جهودًا كبيرًا في هذا الإطار، وواصلت الكلام عن ضرورة الحد من تدفق المهاجرين، مما قربها من معسكر دعاة الخروج. وللعلم، تعد ماي، النحيفة الطويلة القامة ذات الشعر الرمادي القصير، أقرب إلى التيار اليميني المحافظ داخل حزب المحافظين الحاكم، رغم طرحها بعض المواضيع الاجتماعية لجذب المؤيدين.

ماي.. الحازمة

وإبان توليها حقيبة وزارة الداخلية منذ عام 2010 انتهجت خطًا متشددًا؛ أكان في تعاطيها مع المنحرفين أو المهاجرين غير الشرعيين أو الدعاة الإسلاميين المتشددين. وإذا كان البعض يأخذ عليها افتقارها إلى الجاذبية، فإنهم يقرّون لها بالكفاءة بل يرون فيها بعض التسلط. وحسب جريدة «ديلي تلغراف» البريطانية المحافظة فهي «قادرة على أن تكون حازمة جدًا»، وهو ما شجّع البعض على تلقيبها بـ«مارغريت ثاتشر الجديدة». لكنها في الحقيقة أقرب إلى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، فوالدا الزعيمتين قسّان، وهما محافظتان وعمليتان منفتحتان للتسويات، ولم ترزقا بأولاد.
وحول «الحزم» وصفت ماي نفسها ذات مرة قائلة: «أنا لا أتجول بين محطات التلفزيون، ولا أحب الثرثرة خلال الغداء، ولا أحتسي الكحول في حانات البرلمان، ولا أوزّع العواطف المجانية. أنا أقوم بعملي لا أكثر ولا أقل».
وعندما قال عنها النائب والوزير المحافظ السابق كينيث كلارك إنها «صعبة فعلاً»، ردّت عليه مازحة: «أول من سيلاحظ ذلك جان كلود يونكر» في إشارة إلى مفاوضات الخروج المتوقعة مع رئيس المفوضية الأوروبية.
ولم يعلق المتحدث باسم المفوضية ماغريتس شيناس، على تصريحات سابقة لماي عن أن تفعيل المادة 50 قد لا يتم قبل العام المقبل، لكنه أوضح أنه «لا أحد يستطيع تفعيل هذه المادة إلا الدولة الراغبة بالخروج من الاتحاد». وبشأن تلميحها إلى تشددها كمفاوضة مع الأوروبيين، قال شيناس «سأرد بالطريقة ذاتها، وأقول إن رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، قادر على المواجهة».
على صعيد ثانٍ، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز إن «الرسالة كانت واضحة جدًا من القادة الأوروبيين إلى حكومة كاميرون والشعب البريطاني». واستطرد شولتز على هامش القمة: «انظروا إلى الاضطرابات التي حدثت في الأسواق المالية والتأثير على الاستثمار، وأيضًا إلى توقّعات وكالات التصنيف وغيرها، وكذلك انخفاض سعر الجنيه. إنها أكبر رد على الاستفتاء والنتائج، والمطلوب الآن من حكومة كاميرون التحرك بسرعة للخروج من الاتحاد. نحن نتفهم أنه يحتاج إلى عدة أسابيع، ولكن بعدها يجب أن ينفذ متطلّبات الاستفتاء وبدء التفاوض على المغادرة». وردّ رئيس البرلمان كل المزاعم القائلة بإمكانية تراجع لندن عن موقفها، قائلاً: «نتائج الاستفتاء واضحة، مع أنها جاءت عكس ما كنا نتمناه، والآن يتعين احترام إرادة الشعب البريطاني وقراره السيادي».
وفي المقابل، قال زعيم اليمين البلجيكي المتشدد فيليب ديونتر في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» عقب نتائج الاستفتاء البريطاني: «أنا سعيد جدًا ومن مؤيدي الاستفتاء ونتائجه، خصوصًا أنه خلال السنوات الأخيرة عرفت الدول الأوروبية المزيد من المهاجرين، والمزيد من الضرائب، والمزيد من القوانين الأوروبية التي لا تجد قبولاً لدى المواطنين.. ولهذا خرج البريطانيون وصوّتوا لصالح الخروج من عضوية التكتل الأوروبي الموحّد». وأضاف «يجب تنظيم استفتاء في بلجيكا بعدما حدث في بريطانيا. لقد وصف البريطانيون يوم التصويت بالخروج بيوم الحرية ويوم الاستقلال في بريطانيا، والآن أعتقد أن ثمة دولاً أخرى ستسير على الطريق نفسه، لأن الشعوب الأوروبية تحمّلت الكثير بسبب سياسات الاتحاد الأوروبي، خصوصًا أن هناك أمورًا لم تُدر بشكل ديمقراطي. لقد تحول المشروع الأوروبي الاقتصادي إلى مشروع سياسي، وتحول الاتحاد الأوروبي إلى كتلة من الدول حدودها مفتوحة وتستقبل أعدادًا كبيرة من اللاجئين والمهاجرين من دون مراقبة، لقد استعاد البريطانيون بلدهم، ونحن في بلجيكا نريد ذلك أيضًا، وكذلك في فرنسا وهولندا».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.