المعارضة تترقّب التحرّك الروسي ـ الأميركي.. ومخاوف من غموض «المباحثات المسربة»

اجتماع رفيع بين ممثليهما والأمم المتحدة في جنيف الأسبوع المقبل

أبناء حي الصالحين في حلب شمال سوريا يتفحصون آثار قصف طيران النظام أمس الذي أسفر عن مقتل 15 شخصا بينهم أطفال (أ.ف.ب)
أبناء حي الصالحين في حلب شمال سوريا يتفحصون آثار قصف طيران النظام أمس الذي أسفر عن مقتل 15 شخصا بينهم أطفال (أ.ف.ب)
TT

المعارضة تترقّب التحرّك الروسي ـ الأميركي.. ومخاوف من غموض «المباحثات المسربة»

أبناء حي الصالحين في حلب شمال سوريا يتفحصون آثار قصف طيران النظام أمس الذي أسفر عن مقتل 15 شخصا بينهم أطفال (أ.ف.ب)
أبناء حي الصالحين في حلب شمال سوريا يتفحصون آثار قصف طيران النظام أمس الذي أسفر عن مقتل 15 شخصا بينهم أطفال (أ.ف.ب)

تترقب المعارضة السورية ما يدور في الأفق الدولي ولا سيما «الروسي – الأميركي» وما يرافقه من تسريبات لم تتضّح معالم تفاصيلها، باستثناء ما نشر في وسائل الإعلام حول وثائق أو «خرائط طريق» لاتفاق شامل يجري التباحث به بين وزراء الخارجية الأميركي والروسي وعدد من نظرائهما الأوروبيين. هذا بينما رأى وزير الدفاع الأميركي كارتر أشتون، أمس، أن «احتمال التعاون العسكري مع روسيا (في سوريا) مستبعد في الوقت الحالي».
يأتي ذلك بينما من المقرر عقد اجتماع رفيع يضم مسؤولين من روسيا وأميركا والأمم المتحدة الأسبوع المقبل في جنيف لبحث الأزمة السورية، بحسب ما ذكرت وكالة إنترفاكس الروسية، للأنباء أمس، نقلا عن ماريا زاخاروفا المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية.
وجدّدت المعارضة تأكيدها التمسّك بتطبيق قرر مجلس الأمن رقم 2254، رافضة العودة إلى طاولة المفاوضات قبل تطبيق بنوده وتخوفها من الغموض الذي يكتنف المعلومات المسربة حول الاتفاق والتي لا يزال صاحب القضية بعيدا عنها وعن أجوائها. وفي هذا الإطار، أشارت مصادر في الائتلاف الوطني السوري، إلى محاولات روسية لـ«حشو وفد الهيئة العليا التفاوضية بأنصار النظام»، بحسب تعبيرها، مضيفة في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «لا تزال موسكو تبحث عن معارضة تتنازل عن مطلب رحيل رئيس النظام السوري بشار الأسد وتصرّ على إدخال وفدي (موسكو) و(حميميم) في الهيئة لتتحول بذلك إلى ناطقة باسم النظام، بدل أن تكون المعارضة مقابل النظام وليس النظام في مقابل النظام». وأشارت المصادر إلى أنّه لم يتم طرح الموضوع بشكل مباشر على الهيئة العليا، إنما كل التصريحات المطالبة بذلك من قبل موسكو لم تقابل بأي موقف من أميركا والمجتمع الدولي، مضيفة «علما بأن المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا كان يلتقي بهم خلال جولات المفاوضات السابقة وبالتالي لم يعد مستبعدا أن يتم فرضهم على الهيئة».
وأمام كل المعلومات المتداولة، يؤكد المتحدث الرسمي باسم الهيئة العليا رياض نعسان آغا، أن الهيئة كما الائتلاف لم يبلغا بأي شيء رسميا لغاية الآن، مرجحا أن تكون الأمور في طور التفاهمات فيما بين روسيا وأميركا والأطراف الدولية، ليأتي فيما بعد ويطرحها المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا على المعارضة، مبديا خشيته في الوقت عينه من اتفاقات على حساب الشعب السوري.
وإضافة إلى تغييب الطرف المعني بالقضية، يرى نعسان آغا في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن نقاطا عدّة لا تزال غير واضحة فيما سرب من معلومات، منها غياب خطة حماية المدنيين في ضوء استحالة فصل مواقعها عن الأحياء التي يتواجد فيها المسلحون، على أن تواجدها ليس في مناطق منفصلة على غرار «داعش»، وهو ما قد يؤدي إلى قصف عشوائي يكبد المزيد من المدنيين على غرار ما حصل أخيرا في منبج.
وكانت قد أشارت إحدى الوثائق المسربة التي قدمها كيري إلى التوافق على توسيع التنسيق بين أميركا وروسيا لهزيمة جبهة النصرة و«داعش»، في سياق تعزيز وقف الأعمال العدائية ودعما للعملية الانتقالية السياسية المبينة في قرار مجلس الأمن رقم 2254.
كذلك، يشير المتحدث باسم الهيئة، إلى ما يبدو أنه تأجيل الحرب مع النظام لما بعد الانتهاء من الحرب على «داعش» وهو ما قد يطول سنوات عدة، وعدم وضع مدة محدّدة لرحيل الأسد، والاكتفاء بالقول بأنه لا وجود له في مستقبل سوريا. وأوضح «لافروف يطرح تأجيل موضوع رحيل الأسد إلى نهاية المرحلة الانتقالية وليس بدايتها ويتّهمنا بالتشدّد»، معتبرا أن القبول بهذا الطرح يعني الدخول في مغامرة تعني العودة إلى نقطة الصفر وتسمح للأسد بالتحكم مجددا بسوريا.
وأضاف: «الحرب على الإرهاب يجب أن تتم بالتنسيق مع الجيش الحر ليتمكن من تسلم المناطق التي تحرّر من تنظيم داعش، لكن وبدل ذلك، يتراجع دعم (الحر) إلى أدنى مستوياته، وبالتالي فإننا لا نستبعد أن يتم زجّ الجيش السوري في هذه المهمة ليستولي النظام على هذه الأراضي كما حصل في تدمر قبل ذلك». من هنا يرى آغا، ضرورة تشكيل «مجلس عسكري» يجمع بين «الحر» وجيش النظام ويشكل نواة الجيش الوطني ليستولي على الأراضي المحررة، وذلك بعد رحيل الأسد وتشكيل هيئة حكم انتقالي.
وعما إذا كانت الهيئة ستلبي دعوة المشاركة في المفاوضات إذا حدّد موعد جديد لها، أشار آغا إلى أن الهوة كبيرة بين النظام والمعارضة وأنه لا يمكن لأي طرف فرض الحل على السوريين وأن الثورة ستبقى مستمرة إلى أن تحقق هدفها.
وفيما من المتوقع أن تتضح الصورة بشكل أكبر بعد الاجتماع المرتقب الأسبوع المقبل، بين روسيا وأميركا، كانت بعض بنود خريطة الطريق، قد أشارت إلى أن التعاون العسكري بين الطرفين الذي من المتوقع أن يؤدي إلى تفاهم عام يشمل الانتقال السياسي في سوريا يبدأ في شهر أغسطس (آب) المقبل.
وفي الشق السياسي قالت زاخاروفا إن محادثات مكثفة تجري في جنيف حاليا بين روسيا والولايات المتحدة على مستوى الخبراء حول الشأن السوري، وأشارت بهذا الصدد إلى أن «تكثيف الاتصالات مع الجانب الأميركي حول الأزمة السورية، هو نتيجة المحادثات التي جرت في موسكو بين الوزيرين لافروف وكيري»، معيدة إلى الأذهان أن «المهمة الرئيسية كما أوضحها الوزيران هي تكثيف العمل لاستئناف المفاوضات بما في ذلك عبر منح دينامية خاصة لعمل الخبراء في جنيف».
في غضون ذلك أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن عمليات قصف جوي جديدة نفذتها مقاتلات استراتيجية روسية واستهدفت، حسب وزارة الدفاع الروسية مواقع لتنظيم داعش في سوريا، موضحة أن 6 قاذفات روسية بعيدة المدى من طراز «تو - 22 أم 3» شاركت يوم أمس بقصف مواقع «داعش» شرق تدمر والسخنة وغيرهما في ريف تدمر.
في واشنطن، رأى وزير الدفاع الأميركي كارتر أشتون، أن «احتمال التعاون العسكري مع روسيا (في سوريا) مستبعد في الوقت الحالي»، موضحًا في اجتماع لوزراء الدفاع والخارجية المجتمعين في واشنطن للبحث الوضع في محاربة «داعش»: «الولايات المتحدة تناقش مع روسيا الأمور التي ما زالت ممكنة، وتقوم على أن يبدأ الروس، بصورة ملموسة، بتنفيذ ما أعلنوا عنه عندما دخلوا سوريا لأول مرة»، ويقصد أن يتصدوا للإرهاب. واستطرد أشتون مشيرًا إلى أن الروس «يقولون: إنهم سيساهمون في نقل السلطة من الأسد، وبهذا الشكل سيساهمون في إنهاء الحرب الأهلية التي تسببت بهذا كله»، بحسب وزير الدفاع الأميركي الذي تابع مكررا اتهاماته لروسيا بأنها «تتحدث عن خططها في التصدي للإرهاب بينما تمارس أعمالا أخرى»، «وعوضا عن التصدي للإرهاب دعموا الأسد في التصدي للمعارضة المعتدلة».
تصريحات أشتون تزيد حالة الغموض بشأن الحديث عن التوصل لاتفاق أميركي - روسي ينص على التعاون العسكري بين الجانبين واستئناف المفاوضات وتفعيل وقف إطلاق النار في سوريا، ويرى مراقبون أن كلام وزير الدفاع الأميركي إما أنه يدل على اتفاق أميركي - روسي لكنه مختلف عما تتناقله وسائل الإعلام، وإما أنه يعكس تباينات جوهرية حول الشأن السوري بين وزارتي الدفاع والخارجية الأميركيتين.



رفض عربي لافتتاح «أرض الصومال» سفارة في القدس

رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)
رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)
TT

رفض عربي لافتتاح «أرض الصومال» سفارة في القدس

رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)
رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)

لقي افتتاح الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» سفارة في القدس رفضاً عربياً متواصلاً لمُخرجات ذلك التطبيع الذي بدأت أولى محطاته في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ووصفته جامعة الدول العربية بأنه خطوة «باطلة وبلا أثر قانوني».

ووفق خبير في الشأن الصومالي، فإن ذلك الرفض العربي يحمل «خط دفاعٍ دبلوماسياً مهماً للصومال»، مشيراً إلى أن قوته الأساسية تكمن في عزل أي محاولة لتقديم الإقليم كدولة مُعترَف بها، وتأكيد أن العالم العربي يقف خلف وحدة الصومال.

وأعربت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، في بيان، الثلاثاء، عن «استنكارها الشديد وإدانتها، بأشدّ العبارات، إقدام إقليم الشمال الغربي من جمهورية الصومال الفيدرالية على فتح سفارة في مدينة القدس المحتلة».

كانت «أرض الصومال» قد افتتحت سفارة لها في القدس، الاثنين، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية. وقال رئيس الإقليم الانفصالي عبد الرحمن عرو، عبر حساب ما يسمى «رئاسة أرض الصومال»، إن افتتاح السفارة في القدس سيكون مدخلاً لـ«عصر جديد من الشراكة والتعاون مع دولة إسرائيل».

وأكدت الجامعة العربية، في بيانها، أن «إقامة بعثات دبلوماسية في القدس المحتلة أو الاعتراف بها مقراً للبعثات الأجنبية تمثل تقويضاً للجهود الدولية الرامية إلى تحقيق السلام العادل والشامل على أساس مبدأ حل الدولتين».

ووصفت هذه الخطوة بأنها «مرفوضة شكلاً ومضموناً»، وشددت على أنها تُعد «أحد أوجه ترسيخ الاحتلال غير الشرعي، وتُعد باطلة ومُلغاة ولا يترتب عليها أي أثر قانوني»، داعية المجتمع الدولي لتحمُّل مسؤوليته ووقف تلك الإجراءات.

كما أدانت مصر، في بيان لـ«الخارجية»، الثلاثاء، بـ«أشدّ العبارات، افتتاح إقليم الشمال الغربي من جمهورية الصومال الفيدرالية، ما يسمى منطقة أرض الصومال، سفارة مزعومة له في مدينة القدس المحتلة»، وعدّت ذلك «انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي». وشددت على أن أي خطوات تهدف إلى تغيير وضع القدس القانوني والتاريخي «تُعد باطلة وملغاة ولا يترتب عليها أي أثر قانوني».

«دفاع عن وحدة الصومال»

ويلفت المحلل السياسي الصومالي عبد الكامل أبشر إلى أن وصف «أرض الصومال» بـ«إقليم الشمال الغربي من جمهورية الصومال الفيدرالية» يعكس تمسك الجامعة العربية بالاعتراف بوحدة الصومال وسيادته ورفض أي اعتراف بانفصال الإقليم.

واستطرد قائلاً إن الرفض العربي «يُعد انتصاراً دبلوماسياً للحكومة الصومالية؛ لأنه يجدد التأكيد العربي بوحدة أراضي الصومال، ويرفض التعامل مع الإقليم كدولة مستقلة».

رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي خلال افتتاح سفارة بالقدس المحتلة (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)

وفي 24 مايو (أيار) الماضي، أصدر وزراء خارجية 14 دولة عربية وإسلامية والسلطة الوطنية الفلسطينية بياناً مشتركاً أدانوا فيه إقدام الإقليم الانفصالي على افتتاح «سفارة» بمدينة القدس.

وشملت الدول الرافضة تلك الخطوة كلاً من السعودية، ومصر، وقطر، والأردن، وتركيا، وباكستان، وإندونيسيا، وجيبوتي، والصومال، والسلطة الفلسطينية، وسلطنة عُمان، والسودان، واليمن، ولبنان، وموريتانيا.

وكانت إسرائيل قد عمَّقت وجودها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بعد أن اعترفت به أواخر ديسمبر الماضي، وبعد تسمية سفراء في أبريل (نيسان)، وصولاً إلى الإعلان في مايو قرب تبادل افتتاح السفارات، وفق بيانات وتصريحات رسمية بالجانبين.

وعيّنت إسرائيل في أبريل مايكل لوتم أول سفير لها في «أرض الصومال»، وذلك بعدما أعلن الإقليم الانفصالي، في فبراير (شباط) تعيين محمد حاجي سفيراً له لدى إسرائيل.

«خط دفاع دبلوماسي»

وقال المحلل السياسي الصومالي أبشر إن ذلك الرفض العربي ليس مجرد تعبير عن التضامن، «بل هو ورقة دبلوماسية مهمة للصومال في صراع الشرعية الدولية»، لكنه أشار إلى أن قيمته الحقيقية «ستُقاس بما إذا تحوّل إلى تحرك دبلوماسي جماعي طويل الأمد داخل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والعلاقات الثنائية مع الدول المؤثرة».

وأضاف: «البيانات وحدها نادراً ما تحسم قضايا الانفصال، بينما التحالفات والضغوط المستمرة قد تؤثر، بشكل كبير، في مسارها».

وأكد أنه «عندما تتلاقى الشرعية الدولية (الأمم المتحدة) والشرعية الإقليمية الأفريقية (الاتحاد الأفريقي) والدعم السياسي العربي (جامعة الدول العربية)، فإن ذلك يخلق جبهة دبلوماسية واسعة ترفع الكلفة السياسية لأي دولة قد تفكر في الاعتراف بـ(أرض الصومال) أو إقامة علاقات رسمية معها».

وخلص إلى أن الموقف العربي «يشكل خط دفاع دبلوماسياً مهماً للصومال، لكنه ليس نهاية المنافسة الجيوسياسية في القرن الأفريقي، بل جزء من صراع أوسع على النفوذ والممرات البحرية في المنطقة».


خريجو الجامعات اليمنية بمناطق الحوثيين في قبضة البطالة

المشردون والمرضى النفسيون يفترشون شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)
المشردون والمرضى النفسيون يفترشون شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

خريجو الجامعات اليمنية بمناطق الحوثيين في قبضة البطالة

المشردون والمرضى النفسيون يفترشون شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)
المشردون والمرضى النفسيون يفترشون شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

أصبحت البطالة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية واحدة من أكثر الأزمات بين أوساط الشباب، خصوصاً خريجي الجامعات والمعاهد الفنية والتقنية الذين يجدون أنفسهم بعد سنوات من الدراسة أمام واقع اقتصادي مأزوم وسوق عمل عاجز عن استيعابهم.

ومع تزايد أعداد الخريجين سنوياً، تتسع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، في وقت يشهد فيه النشاط الاقتصادي انكماشاً مستمراً نتيجة تداعيات الصراع وتراجع الاستثمارات وإغلاق عدد من المؤسسات والمنشآت الاقتصادية؛ الأمر الذي جعل الحصول على وظيفة مستقرة هدفاً بعيد المنال بالنسبة لكثير من الشباب.

وحسب مصادر تعليمية يمنية، فإن الجامعات والمعاهد الحكومية والأهلية في مناطق سيطرة الحوثيين تواصل تخريج آلاف الطلاب سنوياً في مختلف التخصصات، غير أن سوق العمل المحلية لا تمتلك القدرة على استيعاب هذه الأعداد المتزايدة؛ ما يدفع أعداداً كبيرة من الخريجين إلى القبول بأعمال مؤقتة أو مهن لا ترتبط بتخصصاتهم العلمية، في حين يختار آخرون الهجرة إلى مناطق سيطرة الحكومة اليمنية أو إلى خارج البلاد بحثاً عن فرص أفضل.

ويؤكد خريجون أن سنوات طويلة من البحث عن وظائف مناسبة لم تؤدِّ إلى نتائج ملموسة، في ظل محدودية الفرص المتاحة وتراجع التوظيف في المؤسسات العامة والخاصة، على حد سواء.

أطفال يمنيون يجلبون مياه الشرب في أحد أحياء صنعاء (الشرق الأوسط)

ويقول محمود (27 عاماً)، وهو خريج هندسة معمارية من صنعاء، إنه أمضى ما يقارب ثلاث سنوات في البحث عن وظيفة مستقرة دون أن ينجح في ذلك، رغم تقدمه بطلبات توظيف إلى جهات حكومية عدة.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الوظائف المتاحة في بعض المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين باتت تخضع منذ سنوات لمعايير وإجراءات يراها كثيرون بعيدة عن الكفاءة المهنية؛ وهو ما جعل فرص حصول الخريجين على وظائف تتراجع بصورة كبيرة.

ويضيف أن الحصول على فرصة عمل مناسبة أصبح بالنسبة لكثير من الشباب حلماً يصعب تحقيقه، خصوصاً مع استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية وتقلص النشاط العمراني والاستثماري الذي كان يوفر فرصاً لخريجي التخصصات الهندسية.

مهن اضطرارية

أما سليمان (25 عاماً)، وهو خريج أحد المعاهد الفنية في ضواحي صنعاء، فيقول إن البطالة أجبرته على العمل في مهن يومية متفرقة لا تمت بصلة إلى المجال الذي درسه لسنوات.

ويشير إلى أنه كان يأمل في توظيف المهارات التي اكتسبها خلال فترة دراسته في عمل مهني يحقق له الاستقرار، إلا أن غياب الفرص المناسبة دفعه إلى القبول بأي عمل يضمن له الحد الأدنى من الدخل لتغطية احتياجاته المعيشية.

وتروي إحدى خريجات المحاسبة، تجربة مشابهة، مؤكدة أن سنوات الانتظار الطويلة للحصول على وظيفة دفعتها إلى تأجيل كثير من مشاريعها الشخصية والمهنية.

وقالت إنها كانت تتطلع إلى بناء مسار وظيفي واضح بعد التخرج، غير أن الظروف الاقتصادية الصعبة وانعدام فرص التوظيف جعلتها عاجزة عن تحقيق تلك الطموحات، مضيفة أن حالة الانتظار المستمرة أصبحت جزءاً من حياتها اليومية.

معلمة بصنعاء توجهت للعمل في مهنة أخرى لإطعام أطفالها (الشرق الأوسط)

وتعكس البيانات الدولية حجم الأزمة التي يواجهها الشباب اليمني في سوق العمل. فوفقاً لتقارير دولية حديثة، بلغ معدل بطالة الشباب في اليمن أكثر من 32 في المائة خلال عام 2024، في حين تجاوز معدل البطالة العام 17 في المائة؛ ما يشير إلى اتساع الفجوة بين أعداد الداخلين إلى سوق العمل والفرص المتاحة.

وتؤكد تقارير أممية أن الشباب يمثلون قرابة ثلث سكان اليمن؛ الأمر الذي يجعل قضية التوظيف واحدة من أكثر القضايا تأثيراً على مستقبل البلاد واستقرارها الاقتصادي والاجتماعي.

آثار تتجاوز الجانب المعيشي

ولا تتوقف آثار البطالة في اليمن عند الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى أبعاد نفسية واجتماعية متزايدة التأثير.

ويقول مختصون اجتماعيون إن فترات الانتظار الطويلة بعد التخرج، وعدم القدرة على تحقيق الاستقلال المالي، تولد لدى كثير من الشباب مشاعر الإحباط والقلق وفقدان الثقة بالمستقبل.

كما تسهم البطالة المزمنة في زيادة احتمالات الإصابة بالاكتئاب والعزلة الاجتماعية، خصوصاً لدى الخريجين الذين يشعرون بأن سنوات الدراسة والجهد لم تنعكس على واقعهم المعيشي أو المهني.

ويشير المختصون إلى أن الضغوط الاقتصادية المتواصلة تدفع كثيراً من الشباب إلى الشعور بالعجز أمام متطلبات الحياة الأساسية؛ وهو ما ينعكس سلباً على علاقاتهم الأسرية والاجتماعية ويزيد من حدة التوتر داخل المجتمع.

خريج جامعي يعمل في بيع الملابس بإحدى أسواق صنعاء (الشرق الأوسط)

ومن أبرز النتائج الاجتماعية المترتبة على البطالة، وفق مراقبين، ارتفاع معدلات تأخر الزواج بين الشباب.

ففي ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الحصول على دخل ثابت، يجد كثير من الخريجين أنفسهم غير قادرين على الإقدام على خطوة الزواج أو تحمّل المسؤوليات المالية المرتبطة بتأسيس أسرة.

وفي المقابل، تتزايد رغبة الشباب في الهجرة إلى مناطق أخرى داخل اليمن أو إلى الخارج؛ بحثاً عن فرص عمل أكثر استقراراً، وهو ما يفاقم من ظاهرة نزيف الكفاءات البشرية التي تحتاج إليها البلاد في مرحلة إعادة الإعمار والتنمية المستقبلية.


اتهامات للحوثيين بتوزيع أغذية فاسدة

يمنيون في صنعاء يتلقون مساعدات من رجال أعمال (الشرق الأوسط)
يمنيون في صنعاء يتلقون مساعدات من رجال أعمال (الشرق الأوسط)
TT

اتهامات للحوثيين بتوزيع أغذية فاسدة

يمنيون في صنعاء يتلقون مساعدات من رجال أعمال (الشرق الأوسط)
يمنيون في صنعاء يتلقون مساعدات من رجال أعمال (الشرق الأوسط)

تواجه الجماعة الحوثية اتهامات بتوزيع مساعدات غذائية غير صالحة للاستهلاك الآدمي أو قاربت صلاحيتها الانتهاء على آلاف الأسر الفقيرة والنازحة في مناطق سيطرتها، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن سلامة المستفيدين من المعونات الإنسانية في بلد يعاني إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً.

وتقول مصادر مطلعة إن الجماعة وزعت خلال الأسابيع الأخيرة، عبر ما تُسمى «هيئة الزكاة»، كميات من المواد الغذائية شملت القمح وزيت الطهو ومنتجات أخرى على أسر محتاجة في صنعاء وذمار وإب ومناطق أخرى، قبل أن تتكشف شكاوى متصاعدة بشأن جودة تلك المواد وصلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

ووفق المصادر، فقد اكتشف عدد من المستفيدين وجود علامات تلف في جزء من كميات القمح التي تسلموها، في حين تحدث آخرون عن تعرض أطفال ونساء لأعراض صحية بعد استهلاك منتجات غذائية يشتبه في فسادها أو عدم مطابقتها معايير السلامة.

طفلة يمنية قرب إحدى الجمعيات الخيرية التي توزع الغذاء في صنعاء (الشرق الأوسط)

ويؤكد عامل في المجال الإغاثي بصنعاء أن الشكاوى المتعلقة بجودة بعض المساعدات الغذائية تكررت خلال الفترة الماضية، مشيراً إلى أن الأمر «يتطلب رقابة أشد صرامة على عمليات التخزين والنقل والتوزيع، بما يضمن وصول المساعدات للمستحقين وفق المعايير الإنسانية المعتمدة».

وتتزامن هذه الاتهامات مع انتقادات متكررة وجهها ناشطون حقوقيون للجماعة الحوثية بشأن إدارة المساعدات الإنسانية، متهمين إياها بحرمان آلاف المحتاجين من الإغاثة عبر الاحتفاظ بكميات كبيرة من المعونات في مخازن تابعة لها لفترات طويلة؛ مما يؤدي إلى تلفها أو تراجع جودتها قبل توزيعها.

سوء تخزين وفساد إداري

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن بعض المسؤولين في «هيئة الزكاة» الحوثية أقدموا على شراء شحنة من القمح من أحد التجار المقربين من الجماعة رغم وجود مؤشرات مسبقة على تضرر أجزاء منها نتيجة الرطوبة وسوء التخزين خلال النقل البحري، مما انعكس على جودة الكميات الموزعة لاحقاً.

ويرى هؤلاء أن توزيع أغذية منتهية الصلاحية أو متضررة يشكل انتهاكاً مباشراً لحقوق المدنيين، لا سيما الفئات الأشد ضعفاً التي تعتمد بصورة شبه كاملة على المساعدات الإنسانية لتأمين احتياجاتها اليومية.

كما دعوا إلى فتح تحقيقات مستقلة في ملابسات توزيع تلك المواد، ومحاسبة المتورطين في حال ثبوت المخالفات، مع وضع آليات تضمن عدم تكرار هذه الممارسات مستقبلاً.

وأثارت هذه الاتهامات حالة من القلق والاستياء بين أوساط المستفيدين الذين أكدوا أنهم يجدون أنفسهم أمام خيارات محدودة في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب مصادر دخل مستقرة.

الحوثيون يسخرون غالبية المساعدات الإنسانية لأتباعهم (الشرق الأوسط)

ويقول خالد، وهو عامل بالأجر اليومي في صنعاء، إنه فوجئ بعد تسلمه سلة غذائية من فرع «هيئة الزكاة» الحوثية في مديرية معين بوجود مواد غذائية تحمل تواريخ صلاحية منتهية منذ أشهر عدة.

وأضاف: «لم يكن أمامي خيار آخر، فأنا أعتمد على هذه المساعدات لإطعام أسرتي، لكنني اكتشفت أن بعضها لم يعد صالحاً للاستهلاك».

وفي محافظة إب، أكدت أم محمد، وهي أم لـ5 أطفال، أن أسرتها اضطرت إلى التخلص من جزء من المواد الغذائية التي تسلمتها بعد ملاحظة تغيرات واضحة في اللون والرائحة، مشيرة إلى أن انتظار المساعدات يتحول صدمةً عندما يكتشف المستفيدون أن بعض محتوياتها تالفة.

أما في محافظة ذمار، فأفاد أحد المستفيدين بأن عدداً من الأسر اشتكى من رداءة بعض المواد الموزعة، موضحاً أن البلاغات التي قُدمت للجهات التابعة للجماعة لم تلقَ استجابة واضحة أو معالجة فورية للمشكلة.

نمط متكرر

ويرى مراقبون يمنيون أن هذه الحوادث تعكس اختلالات أوسع في منظومة إدارة المساعدات الإنسانية بمناطق سيطرة الحوثيين، حيث سبق أن أثيرت اتهامات باحتجاز شحنات إغاثية فترات طويلة أو التلاعب بعمليات التوزيع؛ الأمر الذي يؤدي في بعض الأحيان إلى تلف المواد الغذائية قبل وصولها إلى مستحقيها.

وكانت الجماعة قد أعدمت خلال سنوات سابقة كميات كبيرة من المساعدات الغذائية، خصوصاً القمح المقدم من منظمات دولية، بعد تعرضها للتلف نتيجة سوء التخزين وتأخر توزيعها، وفق ما وثقته تقارير وشهادات محلية.

إتلاف أغذية في صنعاء انتهت صلاحيتها نتيجة سوء التخزين (الشرق الأوسط)

ويحذر خبراء في الشأن الإنساني بأن أي تلاعب في المساعدات أو سوء إدارتها يضاعفان من معاناة ملايين اليمنيين الذين يواجهون أوضاعاً اقتصادية متدهورة ومستويات متصاعدة من انعدام الأمن الغذائي.

وتأتي هذه التطورات في وقت تزداد فيه التحذيرات الدولية من استمرار تدهور الوضع الإنساني في اليمن، مع اعتماد شريحة واسعة من السكان على المساعدات الإغاثية بصفتها المصدر الرئيسي لتأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية.

ويؤكد خبراء أن الحفاظ على سلامة المساعدات الإنسانية وجودتها يمثل ضرورة ملحة لا تحتمل الإهمال أو التسييس، «خصوصاً في ظل اتساع رقعة الفقر والنزوح وتراجع القدرة الشرائية لمعظم الأسر اليمنية؛ الأمر الذي يجعل أي خلل في إدارة المعونات تهديداً مباشراً لحياة الفئات الأعلى هشاشة».

عاجل مونديال 2026: العراق يدشن عودته بخسارة قاسية أمام النروج 1-4