المنفي الذي يمكن أن يحبط مخطط إردوغان الكبير

غولن: هدفي الخدمة.. لا السلطة

الداعية فتح الله غولن المطلوب الأول لتركيا في لقطة من منزله في بنسلفانيا بأميركا («الشرق الأوسط»)
الداعية فتح الله غولن المطلوب الأول لتركيا في لقطة من منزله في بنسلفانيا بأميركا («الشرق الأوسط»)
TT

المنفي الذي يمكن أن يحبط مخطط إردوغان الكبير

الداعية فتح الله غولن المطلوب الأول لتركيا في لقطة من منزله في بنسلفانيا بأميركا («الشرق الأوسط»)
الداعية فتح الله غولن المطلوب الأول لتركيا في لقطة من منزله في بنسلفانيا بأميركا («الشرق الأوسط»)

أولئك الذين يبحثون عن مكان «بعيد عن كل المتاعب» في الولايات المتحدة من غير المرجح أن يجدوا مكانا أفضل من البوكونو، وهي منطقة في ولاية بنسيلفينيا تمتزج فيها الجبال والغابات والبحيرات والأنهار، وتقع في منتصف الطريق بين نيويورك وواشنطن. يأتي الناس إلى هنا لينسوا العالم، ويستمتعوا بشلالات المياه في بوشكيل، والصيد في بحيرة والينبوباك الخلابة، أو الخضوع لدروة «استشفاء» في أحد منتجعات المنطقة الكثيرة.
البعض يأتون إلى هنا للاختباء أيضا، ومن هؤلاء شخصيات عصابات من روايات الإثارة والغموض لـهارلان كوبين وجاك هيغينز. ومع هذا، فمؤخرا جدا، بات هذا الركن من «الجنة» الأميركية، بيتا لشخص هارب من نوع خاص يريد أيضا أن يختبئ عن أنظار أعدائه، بينما يواصل الاتصال مع «شبكة» أصدقائه، ومساعديه وأتباعه في أنحاء العالم.
هذا الوافد الجديد، وبعد صار مقيما هنا منذ عام 1999، هو محمد فتح الله غولن، الرجل الذي يحمله الرئيس التركي رجب طيب إردوغان المسؤولية عن قيادة الانقلاب الفاشل في أنقرة يوم الأربعاء الماضي.
ظاهريا، لا يعدو غولن أكثر من كونه «الزعيم الروحي» لخيط من الجماعات غير الرسمية التي تشكل معا ما يسمى حركة «الخدمة». سبب وجود الحركة، كما ورد عن غولن في بعض من كتاباته، هو أن يثبت أعضاء «الخدمة»، التي توصف كذلك أحيانا بـ«الجماعة» أنهم مسلمون صالحون، بوضعهم أنفسهم في خدمة المجتمع بوجه عام.
هكذا تعبر عن هذا أحد قصائد غولن المفضلة: «ما العبادة إلا خدمة الناس، ليست بالسبحة ولا السجادة».
ولهذا فإن حركة «خدمة» التي يقودها غولن شبكة عملاقة من الشركات التي تتركز في تركيا لكن لها وجود أيضا في أكثر من 12 بلدا آخر بما في ذلك في أوروبا وأميركا الشمالية. تعتمد الشبكة على خلايا شبه سرية من الطرق الصوفية التركية، مثل البكتاشية والنقشبندية، من دون تبني خطابها اللاهوتي أو الفلسفي.
ولد غولن في قرية باسينلر، قرب إرضروم في شرقي الأناضول في 27 أبريل (نيسان) 1941، لعائلة من الدعاة الدينيين الذين عاشوا فترة عصيبة، بسبب النظام العلماني الذي أدخله مصطفى كمال (أتاتورك)، مؤسسة الجمهورية التركية بعد إلغاء الخلافة العثمانية في 1924.
كان على من يبحثون عن تعليم ديني لأبنائهم الاعتماد على بضع آلاف من رجال الدين الذين كانوا لا يزالون موجودين، وكان جد غولن واحدا منهم، كما كانوا يتحصلون على أجر زهيد من إقامة الشعائر الضرورية في حفلات عقد القران أو الجنازات. وبحسب حاشية غولن فإن عددا من أفراد عائلته كانوا يريدون له «تعليما حديثا»، يتفق أكثر مع الحقبة الأتاتوركية. ومع هذا، فقد قرر والده أن يسير الشاب فتح الله على تقاليد العائلة التي تعود لقرنين من الزمن، وأن يصبح عالم دين.
غير أن قريته، باسنيلر، كانت تفتقر إلى المنشآت المطلوبة للدراسات الإسلامية المتقدمة. وبعد مكوث قصير في إرضروم، انتهى بالمطاف بالصغير فتح الله في إزمير، الواقعة على الطرف الآخر من تركيا، حيث لطالما كان التأثير الأوروبي قويا. وهناك أصبح على معرفة بتعاليم عدد من الطرق الصوفية، وتقارب معهم لفترة من الزمن. غير أن المواجهة التي كان لها أن تغير مسار مستقبله جاءت عندما اكتشف كتابات سعيد نورسي، العالم اللاهوتي، الذي كان طموحه «إحياء» المدرسة الحنفية، وهي أحد المذاهب الإسلامية الأربعة، التي يتبعها غالبية الأتراك. في كتابات نورسي اللاهوتية، كانت الفكرة الأساسية هي «النور»، بمعنى أن الهدف الرئيس للإيمان هو بث النور في ظلمة الجهل البشري وهدي الناس إلى «الصراط المستقيم». تستعير المدرسة النورسية بعضا من مصطلحات الصوفية من دون أن تبتعد عن الإيمان باتجاه الفلسفة، كما حذر الإمام أبو حامد الغزالي قبل ألف عام. وبحسب كل الروايات، كان غولن بين خيارين: أن يصبح مفكرا دينيا أو زعيما سياسيا اجتماعيا. جرب الرجل كلا الخيارين. نظم مئات القصائد شبه الفلسفية، يمكن وصف أفضلها بـ«المتوسطة» في أحسن الأحوال، كما نشر عددا من المقالات اللاهوتية التي تتكون في معظمها من عملية إعادة طرح متعجلة للنصوص الحنفية الكلاسيكية.
وبحلول ثمانينيات القرن الماضي، كان لا بد لغولن أن يدرك أن مستقبله كعالم دين قد لا يكون مشرقا كما كان يأمل من قبل. ومن ثم، فقد غير مساره بحشد مواهبه القيادية التي لا جدال عليها. ومن خلال عقد صلات وثيقة مع مجموعة متعاقبة من الأحزاب الإسلامية، بداية من حزب الرفاه بقيادة نجم الدين أربكان، نجح في تأمين ما يكفي من النفوذ والاحترام ليجتذب الاهتمام، لكن حافظ على مسافة كافية لا يتعداها، عندما فشلت التجربة بالكامل. تبنى التكتيك نفسه في مواجهة حزب الفضيلة الذي أعقب حزب الرفاه، فيما استمر في بناء شبكة نفوذه الاقتصادي والسياسي والعسكري.
وبعد أن أقام في إسطنبول، أكبر مدن تركيا وعاصمتها الثقافية والاقتصادية، اتجه غولن إلى رجب طيب إردوغان، وهو من المتعاطفين مع الإخوان المسلمين، ونجم صاعد في جيل جديد من «المهندسين المسلمين». يصغر إردوغان غولن بـ13 عاما، وبحسب معظم الروايات، كان يعتبر الداعية الأكبر سنا بمنزلة «الأخ الأكبر والمعلم».
وعلى رغم حاجته إلى دعم غولن لبدء مسيرته، فلم يكن إردوغان تابعا لأحد. كان باستطاعته أن يقف ويقاتل بمفرده، كما فعل من خلال فوزه بمنصب عمدة إسطنبول المهم في 1989، خلفا لبدر الدين دالان الذي كان قد وضع المدينة الرئيسية العظيمة على مسار جديد.
ما من شك بأن غولن لعب دورا مهما، وإن كان وراء الكواليس، في تأسيس حزب العدالة والتنمية الذي أصبح أداة إردوغان للوصول إلى السلطة، أولا رئيسا للوزراء، ثم رئيسا بعد ذلك، و كما يأمل الآن أن يكون نوعا من الزعامة العظمى في فصل جديد من تاريخ تركيا.
من خلال مظهره كشخصية تترفع عن الاختلافات السياسية، تمكن غولن من توحيد ما يزيد على 12 جماعة وحزبا سياسيا مختلفا لتكوين حزب العدالة والتنمية. كان هو «الراعي الأمين»، الرجل الذي «ليس له أي مصلحة شخصية»، والذي يمكن أن يثق به ويعتمد عليه الجميع. في كل اجتماع كان يكرر لازمته المفضلة: «هدفي الخدمة، لا السلطة».
قدم غولن كثيرا من الإسهامات المهمة لتطوير الخطاب الجديد للتيار الإسلامي في تركيا. وكان الإسهام الرئيسي من بين تلك الإسهامات هو قبوله بالعلمانية، وإن كان وفقا للطريقة التي أعاد بها تفسير العلمانية، كان يرى بأن العلمانية الأتاتوركية لم تفصل الدين والدولة، وإنما خلقت مزيجا من الاثنين.
ولتحقيق الفصل الحقيقي، كان على تركيا أن تطور «دولة علمانية في مجتمع ديني»، وبالمعنى التطبيقي، لا بد أن يعني هذا استعادة الأوقاف التي صادرتها الدولة منذ عشرينات القرن الماضي، وبحساب الأوقاف الدينية والشركات التي استثمروا فيها على مدار ما يزيد على 8 عقود، فإنها تمثل ما بين 10 و15 في المائة من الناتج القومي الإجمالي لتركيا. ومن شأن إعادتهم إلى «الشعب» في إطار برنامج واسع من الخصخصة، أن يمنح «المؤمنين الصادقين» قاعدة اقتصادية يمكنهم من خلالها تحدي الدولة متى وإذا حاولت تجاوز سلطاتها.
تسببت الخلافات حول كيفية توزيع الغنائم أول صدع في العلاقة بين غولن وإردوغان الذي مع نمو نفوذه وتعمق ثقته بنفسه، بدأ يستاء من نعته بـ«صبي غولن». أراد إردوغان أن يستأثر بنصيب الأسد بين القاعدة الواسعة من أنصار التيار الإسلامي، لفصيله هو، وأراد غولن نصيبا مناسبا لأنصاره. وبنهاية التسعينات كان غولن قد بدأ يشعر بالقلق بشأن سلامته الشخصية، وتوصل إلى أن مكوثه في المنفى الاختياري لفترة من الزمن ربما يقنع إردوغان بأن حزب العدالة والتنمية لن ينجح من دون دعم «خدمة». وبالنظر إلى هذا القرار الآن، كان ذلك خطأ من غولن.
نادرا ما يعود المنفيون إلى مراكز السلطة، ومعظمهم يموتون في أرض غريبة، بعد أن يكون أنهكهم الحنين للوطن.
كما وكان لغولن دور مؤثر في تشجيع إردوغان على اللعب بالورقة الأوروبية كوسيلة لتبديد المخاوف الغربية من أسلمة السياسة في تركيا، كذلك فإن سلسلة من المبادئ «التقدمية» في ظاهرها، التي تنسب الآن لإردوغان، في أمور كـ«المساواة بين الجنسين» و«الحرية الثقافية للأقليات»، تأتي مباشرة من كتابات غولن الأولى.
كذلك ساهم غولن في التخفيف من حدة صورة الحركة الإسلامية التركية ككل من خلال تكوين علاقات مع زعماء الطوائف الدينية الأخرى. التقى البابا الراحل يوحنا بول الثاني، وكتب زجلا عن «القيم المشتركة». كما صار غولن صديقا مقربا لرئيس طائفة اليهود الشرقيين في إسرائيل، الحاخام إلياهو بكشي دوران، وكان الاثنان يهاتفان بعضهما في كثير من الأحيان، ويتبادلان النكات والأفكار وحديث النميمة. وساعد اتصالات غولن مع الكنيسة الأرثوذكسية في تخفيف حدة المعارضة اليونانية لمحاولات تركيا الانضمام للاتحاد الأوروبي. ومع هذا، فلقد كان حلف غولن - إردوغان يتجه للدخول في أزمة؛ إذ لا يمكن لشخصيتين تبلغان في حجم اعتدادهما بنفسيهما، جبال إيفرست، أن تتعايشا لوقت طويل. يمكن لأربعين درويشا أن يناموا على حصيرة واحدة، لكن لا يمكن لقارة واحدة تسع لزعيمين، كما يقول المثل التركي.
بدأ إردوغان يفكر في أن غولن فاز بالصفقة الأفضل، وجنى كل مكاسب السلطة، وإن كثيرا منها موزع بين أتباعه، لكنه لا يحمل معه أي قدر من عناء المعارك السياسية الشرسة.
جاءت نقطة اللاعودة فيما كان علاقة صداقة جميلة، وإن كانت مضطربة أحيانا، في 2012، عندما بدأ إردوغان تشكيل «مشروع إسطنبول الكبيرة». سيكون هذا أكبر مشروع حضري من نوعه للتجديد وإعادة التأهيل في القرن الجديد في العالم. وتتفاوت التقديرات لحجم الأعمال التي يمكن للمشروع توليدها ما بين 120 إلى 250 مليار دولار. وبالنسبة إلى غولن، فقد كان أمرا لا يمكن التسامح معه بالطبع، أن يذهب كل هذا لفصيل واحد داخل الحركة الإسلامية، فيما ينتهي المطاف بالجيش التابع له من أعضاء «خدمة» إلى الحصول على الفتات، إذا حصل على شيء من الأساس.
تغير توجه غولن تجاه إردوغان ببطء من «الانتقادي الودي» إلى «الانتقادي الخبيث»، وبحلول 2013، صار «الانتقادي العدائي».
يزعم المعجبون بتجربة غولن أنه «رجل يفتقر إلى المعلومات الدقيقة». وهو كذلك بالتأكيد، حتى ولو كان يمتلك مصادر في كل ركن وزاوية من جهاز الدولة، وخاصة المخابرات السرية. بحلول صيف 2013، جاء رسل سريون من أنقرة وإسطنبول بـ«ملفات زرقاء» إلى مقر إقامة المرشد في سايلورسبرغ، كانت الملفات الزرقاء تحتوي وثائق بخصوص طيف من الممارسات الفاسدة المزعومة على صلة، سواء بطريق مباشر أو غير مباشر، بإردوغان أو أسرته.
في لحظة ما، ورغم أنه أنكر ذلك مرارا، بدا كأن غولن قرر أن الوقت قد آن لـ«فضح معارضة» إردوغان على أمل إبعاده عن السلطة. حدث في ذلك الوقت أن تسرب بعض هذه «الملفات الزرقاء» إلى وسائل الإعلام، ما أضعف موقف إردوغان مع استعداد حزب العدالة والتنمية لانتخابات عامة صعبة.
خلص إردوغان، سواء كان محقا في هذا أم جانبه الصواب، إلى أن معلمه وصديقه السابق أعلن الحرب عليه، ومع هذا، فإردوغان ليس إلا مقاتلا، ولهذا دشن في 2014 حملة تطهير واسعة للعناصر الموالية لغولن في كل قطاعات الجيش والقضاء والخدمة المدنية، بل استحوذ على عدد من الشركات، بما في ذلك المنافذ الإعلامية التي كانت تابعة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لحركة «خدمة».
كان أكثر ما يخشاه إردوغان، وربما ما زال يثير مخاوفه، هو أن ينشأ تحالف بين معسكر غولن وأنصار الحركة القومية التركية والأتاتوركيين لوقف صعوده نحو السلطة المطلقة، إن لم يسقطوا نظامه فعليا. ولهذا كان يستعد لموجة ثانية من التطهير في أغسطس (آب)، لكن الانقلاب الذي نفذه مجموعة من الهواة أجبره على التعجيل بخطط التطهير هذه.
أراد غولن نصيبا، لكنه لم يحصل على أي شيء، ويريد إردوغان التركة بالكامل، وقد ينتهي به المطاف وقد خسر كل شيء أيضا.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.