مرتكب مجزرة نيس خطط لعمليته بدقة متناهية

المحققون يتحرون عن علاقة التونسي بوهلال بتنظيم داعش * عدد الموقوفين 6 رجال وزوجة المنفذ السابقة

تأهب أمني في مدينة نيس بعد المجزرة التي راح ضحيتها أكثر من 284 بين قتيل وجريح في «يوم الباستيل»  (رويترز)
تأهب أمني في مدينة نيس بعد المجزرة التي راح ضحيتها أكثر من 284 بين قتيل وجريح في «يوم الباستيل» (رويترز)
TT

مرتكب مجزرة نيس خطط لعمليته بدقة متناهية

تأهب أمني في مدينة نيس بعد المجزرة التي راح ضحيتها أكثر من 284 بين قتيل وجريح في «يوم الباستيل»  (رويترز)
تأهب أمني في مدينة نيس بعد المجزرة التي راح ضحيتها أكثر من 284 بين قتيل وجريح في «يوم الباستيل» (رويترز)

ساعة بعد ساعة، تتكشف تفاصيل إضافية عن العملية الإرهابية التي ارتكبها التونسي محمد لحويج بوهلال ليل الخميس الجمعة، على كورنيش مدينة نيس الفرنسية المتوسطية التي أوقعت 84 قتيلاً وعشرات الجرحى بينهم كثيرون ما زالوا يصارعون من أجل البقاء على قيد الحياة. والخلاصة التي توصل إليها المحققون مفادها أن العملية التي تبناها تنظيم داعش من خلال بيان بثته وكالة «أعماق» التابعة له لم تكن وليدة ساعتها بل إن بوهلال خطط لها بدقة متناهية.
وفي حين عمدت الأجهزة الأمنية إلى توقيف رجلين إضافيين صباح أمس بحيث وصل عدد الموقوفين إلى سبعة أشخاص (ستة رجال وامرأة واحدة هي زوجة بوهلال السابقة)، ما زالت صورة الأخير «مشوشة» بين من يقول إنه كان بعيدا كل البعد عن التدين والتطرف، ومن يعتبر أنه جنح نحو التشدد في فترة زمنية قصيرة، وهو ما أكده وزير الداخلية برنار كازنوف ليل أول من أمس. وما زال المحققون الذين يعملون تحت إمرة المدعي العام المتخصص بشؤون الإرهاب فرنسوا لامينس يحاولون التوصل إلى رسم صورة واقعية عن توجهات بوهلال من خلال العمل على «استنطاق» هاتفه الجوال، وحاسوبه الشخصي، ومن خلال جمع شهادات العشرات من الأشخاص الذين كانوا في لحظة ما على تواصل معه.
وما يريد المحققون التحري عنه حقيقة هو مسألة وجود علاقة بين بوهلال وتنظيم داعش. وفي أي حال، فإن مانويل فالس، رئيس الحكومة الفرنسية، اعتبر أن اكتشاف التحضير للعملية الإرهابية قبل حصولها وتعطيلها لم يكن ممكنًا.
بموازاة ذلك، يتواصل الجدل بين الحكومة والمعارضة اليمينية المعتدلة واليمن المتطرف. وبينما تسعى الحكومة إلى تركيز الأنظار على الحاجة للوحدة الوطنية ورص الصفوف لمواجهة الإرهاب، فإن المعارضة تسلط الضوء على «تقصير» الحكومة وعدم فعالية تدابيرها الأمنية رغم حالة الطوارئ المعمول بها منذ 14 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. وذهب النائب الحالي والمستشار السابق لرئيس الجمهورية اليميني نيكولا ساركوزي إلى اعتبار أنه لو وضعت الأجهزة الأمنية عسكريا حاملا مدفع بازوكا على مدخل «متنزه الإنجليز» لما استطاع محمد لحويج بوهلال ارتكاب مجزرته المروعة. وأمس، أفرج عن زوجة بوهلال وخرجت طليقته من مركز الشرطة من غير أن توجه إليها أية تهمة. والجدير بالذكر أنها كانت في مرحلة الطلاق من والد أطفالها الثلاثة الذي لم تكن تعيش معه في الفترة الأخيرة.
الثابت حتى الآن، أن مرتكب مجزرة نيس لم يكن فاقدا لقواه العقلية أو أصيب بلوثة جنون، بل إنه خطط للعملية بدم بارد وبوعي كامل، وكان واضحا أنه كان راغبا في أن تُعرف هويته. وبحسب المحققين، فإن العثور على هويته الشخصية وعلى بطاقة الإقامة الفرنسية الخاصة به وعلى رخصة قيادة السيارات، وكذلك على بطاقته الائتمانية وعلى هاتفه النقال في مقصورة الشاحنة المبردة يفيد أنه لم يرد التعتيم على هويته. وبفضل هذه الوثائق تأكدت الشرطة من هوية الإرهابي ما مكنها من التعجيل في توقيف الأشخاص الذين هم رهن الاعتقال.
قبل أسبوع، عمد بوهلال إلى بيع سيارته الشخصية وإغلاق جميع حساباته المصرفية وفق ما كشفته صحيفة «جي دي دي» الفرنسية الأسبوعية، بينما أكدت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية، أنه حول الأموال الموجودة على حسابه إلى عائلته في تونس. بيد أن هذه المعلومة لم تؤكدها رسميًا مصادر التحقيق. أما بخصوص الشاحنة المبردة التي تزن 19 طنًا، فإن محمد لحويج بوهلال الذي كان يعمل سائقًا وظيفته إيصال البضائع إلى زبائن الشركة المشغلة في مدينة نيس، فقد استأجر «وسيلة القتل»، أي الشاحنة المبردة، في 11 يوليو (تموز)، أي قبل ثلاثة أيام من ارتكابه العملية. ولم يكن اختيار الشاحنة المبردة وليس أي شاحنة أخرى محض صدفة إذ كان بوهلال قد حضر سلفا سببا يمكنه من الوصول إلى كورنيش مدينة نيس وحجته إيصال المثلجات إلى الفنادق المنتشرة على الكورنيش، رغم إغلاق الكورنيش بوجه السيارات ليلة الاحتفال بالعيد الوطني وإطلاق الأسهم النارية التي يحضرها تقليديًا عشرات الآلاف من المواطنين والسياح.
وأكثر من ذلك، فإن بوهلال الذي كان يقيم في المدينة نفسها، استأجر الشاحنة قبل أسبوع من العملية، وقدم أوراقه ورخصة القيادة الخاصة التي تسمح له باستئجار الشاحنة. ولمزيد من التحضير ووفق ما أظهرته كاميرات المراقبة المنصوبة بكثافة استثنائية في مدينة نيس، عمد الإرهابي إلى استطلاع المكان مرتين لليلتين متتاليتين وهو يقود الشاحنة المستأجرة التي ركنها في مكان غير بعيد عن «متنزه الإنجليز». وليل الاعتداء، أفادت صور الكاميرات بأنه وصل إلى شاحنته على دراجة هوائية قام بوضعها لاحقا داخلها قبل أن ينطلق لتنفيذ مخططه المحكم.
هذه التفاصيل، رغم أهميتها ورغم ما تبينه من النية الإجرامية لمحمد لحويج بوهلال لا تكشف شيئًا عن تشعبات العملية وما إذا كان نفذها بمفرده أم تلقى أوامر بذلك، واستند إلى مساعدة شبكة أو خلية. لكن صحيفة «نيس ماتان» وكذلك قناة «بي إف إم» الإخبارية أفادتا بأنه بعث برسالتين نصيتين من هاتفه الجوال إلى جهتين لم يكشف المحققون عن هويتهما.
وجاء في الرسالة الأولى أنه حصل على «المعدات» من غير أن يفهم ما إذا كان المقصود الشاحنة أم المسدس من عيار 7.65 ملم الذي استخدمه للتصويب على الشرطة وعلى المتنزهين ليل الرابع عشر من يوليو، الذي عُثِر عليه في قمرة القيادة. وثمة معلومة تفيد بأن بوهلال اشترى المسدس من شخصين ألبانيي الجنسية، هما من أوقفتهما الأجهزة الأمنية صباح أمس.
أما الرسالة النصية الثانية فقد جاء فيها ما يلي: «زودني بأسلحة إضافية وسلم ذلك إلى (C)، ويسعى المحققون لمعرفة ما المقصود بهذا الحرف: هل هم شركاء «محليون» ينتمون إلى تنظيم داعش أم فقط أشخاص (متعاطفون) لهم توجهات فكرية متشددة مدوا له يد المساعدة؟ ووفق ما نقل عن محققين في العملية، فإن بعض الأسماء «تبدو مهمة» بمعنى أنها تؤشر لوجود «علاقات» لبوهلال.
بانتظار الحصول على المزيد من التفاصيل، تدفع هذه الجزئيات إلى النظر بجدية أكبر لتبني «داعش» لعملية نيس التي تجعل المسؤولين الفرنسيين يؤكدون ويكررون، وفق ما جاء على لسان رئيسي الجمهورية والحكومة وعلى لسان وزير الداخلية منذ صبيحة الجمعة أن التهديد الإرهابي ما زال جاثمًا على صدر فرنسا، وأنه يتعين على الفرنسيين أن «يتأقلموا» مع وجوده «لفترات طويلة».
في هذا الوقت، ما زال في مستشفيات نيس 18 شخصًا بين الموت والحياة بينهم طفل بحسب ما أفادت به وزيرة الصحة ماريسول تورين، أمس. وقالت الوزيرة إن من بين القتلى 17 أجنبيًا بينهم عشرة من الروس وأربعة تونسيين.
ونقلت الوسائل الإعلامية الفرنسية تصريحات لثلاثة من رجال الشرطة الذين شرحوا تفاصيل تدخلهم لوقف المجزرة، وأفاد هؤلاء بأن السائق كان يتعمد تغيير خط سير الشاحنة من اليمني إلى اليسار، وبالعكس، لإيقاع أكبر عدد من الضحايا وأنهم استمروا في إطلاق النار عليه حتى توقفت الشاحنة، مشيرين إلى أن مدنيًا غير مسلح كان قد تعلق بالشاحنة محاولاً إيقافها، مما يذكر بما فعله ثلاثة من جنود المارينز الذي سيطروا على إرهابي آخر في رحلة للقطار السريع الربيع الماضي بين أمستردام وباريس.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended